النص المفهرس

صفحات 121-140

الموطأ
حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن علىِّ بنِ زيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، عن أبى سعيدٍ التمهيد
(١)
الخدرىِّ(١).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زکریا
النيسابورىُّ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ
عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن علىِّ بنِ زيدٍ ، عن سعيدِ
ابنِ المسيبِ، عن أبى سعيد الخدرىِّ(١).
وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال: حدَّثنا
حمادٌ، قال: أخبرنا علىُّ بنُ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبٍ ، عن أبى سعيدٍ
الخدرىِّ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((إن أسوأُ الناسِ(١) سرقةً الذى يسرقُ
صلاتَه)). قالوا: وكيف يسرقُها؟ قال: ((لا يتمُّ ركوعَها ولا سجودَها))(١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال :
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى حسانَ الأنماطئُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمارٍ ، قال :
حدثنا عبد الحميد بنُ حبیب ، قال : حدثنا الأوزاعُ ، حدثنی یحیی ، حدثنى
أبو سلمةَ، حدثنى أبو هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: «إن شرّ الناسِ سرقةٌ
القبس
(١) الطيالسى (٢٣٣٣). وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٨/١، وأحمد ٩٠/١٨ (١١٥٣٢)، وأبو يعلى
(١٣١١) من طريق حماد به.
(٢) فى الأصل، م: ((السرقة)).
(٣) أخرجه البزار (٥٣٦ - كشف) من طريق يزيد بن هارون عن حماد به .
١٢١

الموطأ
الذى يسرقُ صلاتَه)). قالوا: وكيف يسرقُ صلاتَه؟ قال: ((لا يتمُّ ركوعَها ولا
(١)
التمهید
سجودها)»(١).
وروى الحكمُ بنُ عبدِ الملكِ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن عمرانَ بنِ
حصين، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( ما تعُدُّون الكبائرَ فيكم؟)). قلنا: الشركُ
باللهِ (١) ، والزنى، والسرقةُ، وشربُ الخمر. قال: ((هن كبائرُ، وفيهن
عقوباتٌ، ألا أنبتُكم بأكبرِ الكبائرِ؟)). قلنا: بلى. قال: ((شهادةُ الزُّورِ)) (١).
)والحكم هذا ضعيفٌ ، عنده منا کیرُ، لا يُحتجُ به، ولكن فيما تقدَّم ما
بعضُدُ هذا" .
وفى حديثٍ مالكِ من الفقهِ طَرْحُ العالم على المتعلِّم المسائلَ، وفيه أن شرْبَ
الخمرِ والسرقةَ والزنى فواحشُ ، واللهُ عزَّ وجلَّ قد حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما
بطَن، ومعلوم أنه لم يُرِدْ شربَ الماءِ ، وإنما أراد شُرْبَ ما حرَّمه اللهُ من الأشربةِ .
وفيه دليلٌ على أن الشاربَ يُعاقبُ ، وعقوبته كانت مردودً إلى الاجتهادِ ؛
فلذلك جمَع عمرُ الصحابةَ فشاوَرَهم فى حدِّ الخمرٍ، فاتفقوا على ثمانين،
فصارتْ سُنَّةً ، وبها العملُ عندَ جماعةٍ فقهاءِ المدينةِ ومكةً والكوفةِ والبصرةِ
القبس
(١) أخرجه ابن حبان (١٨٨٨)، والطبرانى فى الأوسط (٤٦٦٥)، والحاكم ٢٢٩/١،
والبيهقى ٣٨٦/٢ من طريق هشام بن عمار به.
(٢) ليس فى: الأصل، ف.
(٣) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٣٠) من طريق الحكم به بنحوه .
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، ر. وينظر تهذيب الكمال ٧/ ١١٠.
١٢٢

الموطأ
التمهيد
والشامِ والمغربِ، وجمهورِ أهلِ الحديثِ، وما خالَفَهم شذوذٌ ، وباللهِ التوفيقُ.
وأما السرقةُ والزنَى فقد أحكم اللهُ حدودَهما فى كتابِهِ وعلى لسانِ رسولِه
وَ لَه بما لا مدخَلَ للرأي فيه، وأظنُّ قولَه وَ لِ هذا كان عندَ نزولِ قولِ اللهِ عزَّ
وجلّ فى فاحشةِ الزنَى: ﴿وَأَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦].
وبعدَ قوله: ﴿فَمْسِكُهُنَّ فِى الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]. ثم نُسِخَ ذلك كلُّه بالجلدِ
والحدِّ .
وفيه دليلٌ على أن تركَ الصلاةِ، أو تركَ إقامتِها على حدودِها من أكبرٍ
الذنوبِ ؛ ألا تَرى أنه ضرَب المثلَ لذلك بالزانى والسارقِ ، ومعلومٌ أن السرقةَ
والزنى من الكبائرِ، ثم قال: (( وشرُّ السرقةِ - أو أسوأَ السرقةِ - الذى يسرِقُ
صلاتَه)). كأنه قال : وشؤُ ذلك سرقةً مَن يسرِقُ صلاتَه فلا يُمُّ ركوعَها ولا
سجودَها . وقد مضَى القولُ فى تاركِ الصلاةِ ممن يُؤْمِنُ بفرضِها فى بابِ زیدِ بنِ
أسلمَ من هذا الكتابٍ(١) .
حدَّثنى قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
فُطَيسٍ، قال : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ ، حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شعبةُ ، أخبرنى
سليمانُ الأعمشُ، سمِعتُ عمارةَ بنَ عميرٍ ، عن أبى معمرٍ ، عن أبى مسعودٍ ، أن
رسولَ اللهِ وَّه قال: (( لا صلاة لمن لا يقيمُ صُلْتَه فى الركوعِ والسجودِ))(٢).
القبس
(١) تقدم فى ٢٩٢/٥ - ٣٠٧.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٠٥) من طريق إبراهيم بن مرزوق به، وأخرجه الطيالسى
(٦٤٦)، وأحمد ٣٠٥/٢٨ (١٧٠٧٣)، وأبو داود (٨٥٥)، وابن خزيمة (٥٩٢) من طريق شعبة به .
١٢٣

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا
عبدُ الملكِ بنُ بحرٍ ، حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، حدَّثنا ابنُ أخى جويريةَ ، حدَّثنا
مهدئُ بنُ ميمونٍ ، عن واصلٍ الأحدبِ ، عن أبى وائلٍ ، عن حذيفةً ، أنه رأَى
رجلًا يصلِّى لا يقيمُ ركوعَه ولا سجودَه، فلما قضَى صلاتَه دعاه، فقال: مُذْ
كَمْ صلَّيتَ هذه الصلاةَ؟ قال: صلَّيتُها منذُ كذا وكذا. فقال له حذيفةُ : ما
صليتَ للهِ صلاةً(١).
وقال مالكٌ فى رواية ابنٍ وهپٍ عنه، والشافعُ، والثورىُّ، وجمهورُ
الفقهاءِ: مَن لم يُتُمَّ ركوعَه ولا سجودَه فى الصلاةِ وجَب عليه إعادتُها . وكذلك
عندَهم مَن لم يعتدِلْ قائمًا فى ركوعِه(١) ولا جالسًا بينَ السجدتَیْن، وقد روَى
ابنُ القاسم عن مالكِ فى ذلك ما يشبهُ قولَ أبى حنيفةَ، وقد أوضحنا أن قولَ
أبى حنيفةً فى ذلك شذوذٌ عن جمهورِ الفقهاءِ، وخلافٌ لظاهرِ الآثارِ المرفوعةِ فى
هذا البابِ ، وقد ذكرنا اختلافَ الفقهاءِ فيمن لم يعتدلْ فى ركوعِه ولا سجودِه
فى بابٍ أبى الزنادِ، عندَ قولِه: ((مَن أمَّ الناسَ فَلْيخفِّفْ))(١). وأوضَحنا ذلك
المعنى هناك بالآثارِ ، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هلهنا .
وقد حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المؤمنِ ، حدَّثنا
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٨١/٣٨ (٢٣٣٦٠)، والبخارى (٣٨٩، ٨٠٨) من طريق مهدى بن ميمون
به .
(٢) بعده فى ر: (( وسجوده فى الصلاة وجب عليه الإعادة وذكر)).
(٣) تقدم فى ٣٣٥/٥، ٣٣٨.
١٢٤

٤٠٥ - وحدثنى [٦١ ط] عن مالك ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَله قال: ((اجعلُوا مِن صلاتِكم فى بيوتكم)).
الموطأ
التمهيد
المفضلُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا علىُ بنُ زيادٍ ، حدَّثنا أبو قرةَ ، قال : سمِعتُ مالكًا
يقولُ : إِذا نقَص الرجلُ صلاتَه فى ركوعِه وسجودِه ، فإنى أحبُّ أن يبتدِئَها .
قال أبو عمرَ: كأنه يقولُ : إِنَّه أحبُّ إليه من إلغاءِ الركعةِ .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَ ◌ّه قال: ((اجعَلوا مِن
صلاتِکم فی بیوتکم))(١).
وهذا مرسلٌ فى ((الموطأُ)) عندَ جميعِهم، وقد رواه عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ
العُمَرىُّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلّ(١).
واختلف فى معنى هذا الحديثِ؛ فقيل: ((مِن صلاتِكم)). يريدُ المكتوبةَ.
وقيل: النافلةَ. ومَن قال: إنها المكتوبةُ. فلِقوله وَِّلّهِ: (( أفضلُ الصلاةِ صلاتكم
فى بيوتكم إلَّ المكتوبةَ)) (٢). فكيف يأمرُهم بما قد أخبرهم أن غيرَه أفضلُ منه؟!
ومعروفٌ أن حرفَ ((مِن)) حقيقتُه التبعيضُ ؛ لِما فى ذلك مِن تعليمِ الأهلِ حدودَ
الصلاةِ مُعاينةً ، وهو أثبتُ أحيانًا مِن التعليم بالقولِ . وقيل : أراد بقوله هذا النافلةً.
على أن معنى قوله: ((اجعلوا مِن صلاتِكم فى بيوتِكم)). أى: اجعلوا صلاتكم
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٥٥).
(٢) أخرجه أحمد ٢٧٨/٨، ٢٣١/١٠ (٤٦٥٣، ٦٠٤٥)، والبخارى (٤٣٢، ١١٨٧)، ومسلم
(٧٧٧)، وأبو داود (١٤٤٨) من طريق عبيد الله به .
(٣) تقدم فى ٢٦٥/٥ .
١٢٥

الموطأ
فى بيوتكم. يعنى النافلةَ، وتكونُ ((مِن)) زائدةً؛ كقولهم: ما جاءنى مِن أحدٍ .
التمهید
وأما ما جاء فى ((الموطأ)) مِن حديثِ هشامِ بنِ عروةَ موقوفًا وهو مرفوعٌ
ء
مسندٌ فى غيرِ ((الموطاً)) عندَ جماعةٍ مِن العلماءِ؛ فمِن ذلك حديثُ مالك ، عن
هشامِ بنِ عروةً، عن أبيه، عن رجلٍ مِن المهاجرين - لم يرَ به بأسا - أنه قال:
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو بنِ العاصى : أأصلِى فى أعطانِ الإبلِ ؟ قال : لا . ولكن
صلِّ فى مُرَاحِ الغنمِ (١). ومثلُ هذا مِن الفرقِ بينَ الغنمِ والإبلِ لا يُدركُ بالرأي،
والعَطَنُ : موضعُ بُرُوكِ الإبلِ بينَ الشَّرْبتَين؛ لأنها فى سَقْيِها ترِدُ الماءَ مرتين ؛ طائفةٌ
بعد أخرى .
وقد روی هذا الحدیث یونسُ بنُ بکیرٍ ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِى، عن النبيِّ نَّ، أنه قال: ((صلُّوا فى مُرَاحِ الغنمِ،
ولا تصلُّوا فى أعطانِ الإبلِ))(٢) . ويونسُ بنُ بكيرٍ ليس "ممن يُحتُ به عن هشامٍ
ابنِ عروةَ فيما خالَفه فيه مالكٌ؛ لأنه ليس ممن يقاسُ بمالكِ، وليس بالحافظِ
عندَهم، والصحيحُ فى إسنادٍ هشامٍ ما قاله مالكٌ، وقد رُوِى عن النبيِّ وَّ هذا
المعنى مِن حديثٍ أبى هريرةً(٤)، والبراءِ، وجابرِ بنِ سَمُرةً(١)، وعبدِ اللهِ بنِ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٤١١).
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٥٥٥٣) من طريق يونس بن بكير به.
(٣ - ٣) فى ف: ((بحجة لضعفه)).
(٤) أخرجه الدارمى (١٤٣١)، والترمذى (٣٤٨)، وابن خزيمة ( ٧٩٥، ٧٩٦)، وابن حبان
(١٣٨٤) .
(٥) تقدم تخريجه فى ٥٦٣/٢.
١٢٦

الموطأ
مغفلٍ ، وكلُّها بأسانيدَ حسانٍ ، وأكثرُها تواتُرًا وأحسنُها حديثُ البراءِ، وحديثُ
عبدِ اللهِ بنِ مغفلٍ رواه نحوُ خمسةَ عشَرَ رجلاً عن الحسنِ، وسماعُ الحسنِ مِن
عبدِ اللهِ بن مغفلٍ صحيحٌ .
التمهيد
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن ما يخرجُ مِن مَخْرجَى الحيوانِ المأكولِ لحمُّه
ليس بنجِسٍ، وأصح ما قيل فى الفرقِ بينَ مُرَاحِ الغنمِ وعَطَنِ الإبلِ أن الإبلَ لا
تكادُ تهدأُ ولا تقَرُ فى العطنِ بل تثورُ، فربما قطَعت على المصلى صلاتَه، وجاء فى
الحديثِ الثابتِ أنها جِنِّ خُلقت مِن جِنِّ. فبيَّن العلةَ فى ذلك، وقد قيل: إنَّها(١)
كان يستترُ بها عندَ الخلاءِ. وهذا لا يعرفُ فى الأحاديثِ المسندةِ، وفى
الأحاديثِ المسندةِ غيرُ ذلك .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو معاويةً، عن
الأعمش ، عن عبد الله بن عبدِ اللهِ الرازى، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلَی ، عن
البراءِ بنِ عازبٍ، قال: سُئل رسولُ اللهِ وَ لَّه عن الصلاةِ فى مَباركِ الإبلِ، فقال:
(( لا تصلُّوا فى مَباركِ الإبلِ؛ فإنها مِن الشياطينِ)). وسُئل عن الصلاةِ فى مُرَاحِ
الغنمِ، فقال: ((صلُّوا فيها فإنها بركةٌ))(٢).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ،
القبس
(١) فى ف، م: ((إنما)).
(٢) أبو داود (١٨٤، ٤٩٣). وأخرجه أحمد ٥٠٩/٣٠ (١٨٥٣٨)، وابن ماجه (٤٩٤)،
والترمذى (٨١) من طريق أبى معاوية به .
١٢٧

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، (حدَّثنا هشيم ، أخبرنا يونسُ، عن الحسنِ، عن
عبدِ اللهِ بنِ مغفلِ الْمُزَنىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((صلُّوا فى مَرابضٍ الغنمِ
ولا تصلُّوا فى أعطانِ الإبلِ؛ فإِنها خُلِقت مِن الشياطينِ)) (١) . وفى بعضٍ هذه
الآثارِ: ((فإنها جِنِّ خُلقت مِن جِنِّ)). وهذا كلُّه يشهدُ لما اخترناه مِن التأويلِ فى
ذلك . والحمدُ للهِ .
وأما حديثُ مالكٍ ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه، عن عائشةً ، أنها قالت :
ما أُبالى فى الحِجْرِ صليتُ أم فى البيتِ(٣). فهذا يستندُ () فى هذا المعنى) من
حديثٍ علقمةً بن أبى علقمةً، عن أمّه (٥)، عن عائشةً.
(٦ حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال:
حدَّثنا) أحمدُ بنُ شعيبِ النسائىُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا
عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا علقمةُ بنُ أبى علقمةَ، عن أمّه، عن عائشةَ،
قالت : "كنتُ أحبُّ أنْ أُدخلَ البيتَ فأُصلِّىَ فيه، فَأَخَذ ) رسولُ اللهِ أَلائټ بیدِی
فَأُدخَلنى الحِجْرَ، وقال: ((إذا أردتِ دخولَ البيتِ فصلِّى هلهنا؛ فإنه قطعةٌ مِن
القبس
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) ابن أبى شيبة ١/ ٣٨٤، ١٤٩/١٤، ومن طريقه ابن ماجه (٧٦٩).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٨٢١).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥) فى الأصل، ف: ((أبيه)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٨/٢٠.
(٦ - ٦) فى الأصل، م: ((ذكره)).
(٧ - ٧) فى الأصل، م: ((أخذ)).
١٢٨

٤٠٦ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان الموطأ
يقولُ : إذا لم يستطيع المريضُ السجودَ أومَأَ برأسه إيماءً، ولم يرفَعْ إلى جبهته شيئًا .
البيتِ، ولكن قومَكِ اقتصروا حينَ بَنَّوْه))".
التمهيد
وقد ذكرنا بُنْيانَ الكعبةِ فيما تقدَّم من حديثِ ابنِ شهابٍ . والحمدُ للهِ .
وأمَّا حديثُه عن نافع، عن ابنٍ عمرَ، أَنَّه كان يقولُ: إذا لم يستطع المريضُ الاستذكار
السجودَ أومَأْ برأسِه إيماءً، ولم يرفع إلى جبهته شيئًا(٣) .
فعلى قولِ ابنِ عمرَ هذا أكثرُ أهلِ العلم مِن السلفِ والخلفِ . وقد رُوِى عن أمّ
سلمةَ أنها كانت تسجدُ على مِرْفقَةٍ(٤)؛ مِن رَمَدٍ كان بها) . وعن ابنِ عباسٍ أنه
أجاز ذلك(٧). وعن عروةَ بنِ الزبيرِ أنه فعَله (١) . وليس العملُ إلا على ما رُوى فيه
عن ابن عمرَ. وقد ژوی ذلك عن ابنِ عمر من وجوهٍ ؛ رواه معمرٌ وغیرُه ، عن
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
والحديث عند النسائى (٢٩١٢)، وفى الكبرى (٣٨٩٥). وأخرجه أبو داود (٢٠٢٨)،
والترمذى (٨٧٦) من طريق عبد العزيز بن محمد به .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٨٢٠) من الموطأ .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٨٠)، وبرواية أبى مصعب (٥٥٦). وأخرجه البيهقى ٣٠٦/٢
من طريق مالك به .
(٤) المرفقة: ما يرتفق عليه من متكأ أو مخدة. الوسيط (رف ق).
(٥) أخرجه الشافعى ١/ ٨١، وعبد الرزاق (٤١٤٥)، وابن أبى شيبة ٢٧٢/١، والبيهقى ٣٠٧/٢.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤١٤٦)، وابن أبى شيبة ٢٧١/١، ٢٧٢.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٤١٤٩).
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/٦)

الموطأ
الاستذكار أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرً(١).
ومعمرٌ، عن الزهرىُّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال : إذا كان المريضُ لا
يستطيعُ ركوعًا ولا سجودًا أومَا برأسِه فى الركوع والسجودِ وهو يكبُ().
قال عبد الرزاقِ(٢) : أخبرنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن داود بن أبی هندٍ ، عن
أبى حربٍ بن أبى الأسودِ الدِّيلىِّ، قال: أصابَ والِدى الفالجُ، فأرسَلنى
إلى ابنِ عمرَ: يَرفعُ إليه شيئًا إذا صلَّى؟ فقال ابنُ عمرَ: أنصبًا (1) بينَ
عينيك ؟! أومِئ إيماءً .
قال(٥): وحدَّثنا ابنُ عيينةً، عن عمرٍو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، قال: دخَل ابنُ
عمرَ على صفوانَ بنِ الطويلٍ يعودُه، فوجَده يسجدُ على وسادةٍ ، فنَهاه وقال :
أَومِئُ واجعلِ السجودَ أخفضَ مِن الركوعِ .
قال (٩) : وأخبرنا الثورىُّ، عن أبى إسحاقَ، عن زيدِ بنِ معاويةَ، عن علقمةً
والأسودِ ، أن ابنَ مسعودٍ دخَل على عتبةَ أخيه وهو يصلِّى على مسواكٍ يرفعُه إلى
وجهِه، فأخَذه فرمَى به، ثم قال: أَومِئُ إيماءً، وليكنْ ركوعُك أرفعَ مِن
سجودك .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤١٤٢) بدون ذكر معمر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤١٤١) عن معمر به .
(٣) عبد الرزاق (٤١٤٣).
(٤) فى م، وعبد الرزاق: ((أيضًا)).
(٥) عبد الرزاق (٤١٣٨).
(٦) عبد الرزاق (٤١٤٤).
١٣٠

٤٠٧ - وحدَّثنى يحتِى عن مالك، عن ربيعةً بن أبى عبدِ الرحمنِ ،
أن عبدَ اللهِ بنِ عمرَ كان إذا جاء المسجِدَ، وقد صلّى الناسُ، بدَأ
بالصلاةِ المكتوبةِ ، ولم يصلِّ قبلَها شيئًا .
الموطأ
فعلى هذا العملُ عندَ مالكٍ وأكثرِ الفقهاءِ . وباللهِ التوفيقُ .
الاستذكار
وأما حديثُه عن ربيعةَ بنِ أبى عبد الرحمنِ ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا جاء
المسجدَ وقد صلَّى الناسُ بدَأ بالصلاةِ المكتوبةِ ولم يُصَلِّ قبلَها(١).
فقد ذهَب إليه جماعةٌ مِن أهلِ العلم قديمًا وحديثًا . ورخّصَ آخرون فى
الركوع قبلَ المكتوبةِ إذا كان وقتٌ تجوزُ فيه الصلاةُ النافلةُ، وكان فيه سَعَةٌ ،
ركَعوا ركعتين تحية المسجدِ، ثم أقاموا الصلاةَ وصلَّوا. وكلَّ ذلك مباح حسنٌ إذا
كان وقتُ تلك الصلاةِ واسعًا .
قال مالك: مَن أتَى مسجدًا قد صُلِّىَ فيه ، فلا بأسَ أن يتطوعَ قبلَ المكتوبةِ ،
إذا كان فى سَعَةٍ مِن الوقتِ . وهو قولُ أبى حنيفةً وأصحابِه. وكذلك قال
الشافعىُّ وداودُ بنُ علىٍّ . وقال الثورىُّ: ابدأُ بالمكتوبةِ، ثم تَطوَّعْ بما شئتَ . وقال
الحسنُ بنُ حىٍّ : يبدأ بالفريضةِ، ولا يتطوعُ حتى يفرغَ مِن الفريضةِ. قال : فإن
كانت الظهرُ، فرَغ منها، ثم مِن الركعتين بعدَها ، ثم يصلِّى الأربعَ التى قبلَها.
وقال الليثُ : كلَّ واجبٍ مِن صلاةِ فريضةٍ، أو صلاةٍ نذرٍ، أو صيامٍ، بدأ
بالواجبِ قبلَ النفلِ . وقد رُوِى عنه خلافُ هذا . قال ابنُ وهبٍ : سمِعتُ الليثَ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٥٨).
١٣١

٤٠٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ مَرَّ على
الموطأ
رجلٍ وهو يُصَلِّى فسلَّم عليه، فردَّ الرجلُ كلامًا ، فرجَع إليه عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ فقال له: إذا سُلِّم على أحدِكم وهو يُصَلِّى فلا يتكَلَّمْ ، ولْيُشِرْ
بیدِه .
الاستذكار ابنَ سعدٍ يقولُ فى الذى يدركُ الإِمامَ فى قيامِ رمضانَ ولم يُصَلِّ العشاءَ ، أنه يدخلُ
معهم ويصلّى بصلاتِهم، فإِذا فرَغ صلَّى العشاءَ. قال: وإن علِم أنهم فى القيامِ
قبلَ أن يدخلَ المسجدَ، فوجد مكانًا طاهرًا (١) فليصلِّ العشاءَ، ثم لْيدخلْ معهم
فى القيامِ .
وأما حديثُه عن نافع ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ مرَّ على رجلٍ وهو يصلِّى ، فسلّم
عليه، فردَّ الرجلُ كلامًا، فرجَع إليه عبدُ اللهِ بنُ عمرَ فقال له : إذا سُلُّم على
أحدِ كم وهو يصلِّى فلا يتكلم ، ولْيُشِرْ بيدِه(٢) .
وأجمَع العلماءُ على أنه ليس بواجبٍ ولا سُنةٍ أن يُسلَّمَ على المصلِّى .
واختلفوا؛ هل يجوزُ أن يُسلَّمَ عليه فى المسجدِ أو غيرِه أم لا؟ فذهَب منهم
ذاهبون إلى أنه لا يجوزُ أن يُسلمَ عليه؛ لأنه فى شُغُلٍ عن ردِّ السلامِ ، وإنما السلامُ
على مَن يمكنُه ردُّه. واحتجُوا بحديثٍ ابنٍ مسعودٍ عن النبيِّ نَّهِ أَنه سَلَّمَ عليه
والنبىُ وَ لِّ يصلّى، فلم يَرُدَّ عليه، فلما سلَّم قال: ((إن فى الصلاةِ شُغُلًا))(١).
القبس
(١) فى الأصل: ((ظاهرا)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٧٥)، وبرواية أبى مصعب (٥٥٩).
(٣) أخرجه البخارى (٣٨٧٥)، ومسلم (٥٣٨).
١٣٢

الموطأ
وقال آخرون : جائزٌ أن يُسلَّمَ على المصلِّى ويردَّ إشارةً لا كلامًا؛ لحديثِ ابنِ الاستذكار
عمرَ عن صهيبٍ، أنه حدَّثَه قال: كنتُ مع النبيِّ مَِّ فى مسجدِ بنى عمرو بنِ
عوفٍ، فكان الأنصارُ يدخلون وهو يصلِّى فيُسلِّمون، فيردُّ رسولُ اللهِ وَلِّل
إشارةً بيدِه، فكان ابنُ عمرَ يُفِى بهذا (١) . رواه مالِكٌ ، وأيوبُ ، وابنُ جريج،
وعبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن صهيبٍ بمعنّى واحدٍ كما ذكَّره
مالكٌ(٢) . ورواه الزهرىُّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ مثلَه (١) . وقد تأوَّل بعضُ أهلِ
العلم فى - حديثٍ صهيبٍ هذا - أن إشارتَه ◌ٍَّ كانت إليهم ألَّ تفعَلوا. وهذا
وإن كان محتملاً ففيه بُعْدٌ ، والأولُ أظهرُ.
وقد رَوى عبدُ الرزاقِ (٤) وغيرُه، عن ابنِ عيينةَ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن
عطاءٍ، قال : رأيتُ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ جَميل الجُمَحىَّ سلّم على ابنِ عباسٍ
وابنُ عباسٍ يصلَّى فى الكعبةِ، فأخَذ ابنُ عباسٍ بيدِه. وهذا يحتمِلُ التأويلَ
أيضًا .
وجاء عن ابنٍ مسعودٍ فى هذا البابِ مثلُ مذهبٍ ابنِ عمرَ ، أنه كان إذا سُلِّم
عليه وهو يصلِّى أشارَ بيدِه(٥).
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٥٨ .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤٥٤/١ من طريق نافع بنحوه .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣٥٩٦) من طريق الزهرى به .
(٤) عبد الرزاق (٣٥٩٩).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٣٦٠٥) بلفظ: ((أشار برأسه)).
١٣٣

الموطأ
وأما جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ؛ فذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ، عن الأعمشِ،
الاستذكار
عن أبى سفيانَ، عن جابرٍ ، قال: لو مررتُ بقومٍ يصلّون ما سلمتُ عليهم .
وعن ابنٍ جريج، عن عطاءٍ، قال: أنا أكرهُ أن أسلمَ عليهم(١).
وعن الثورىِّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا سُلُّم عليك فى الصلاةِ فلا
تَرِّدَّ ، فإذا انصرفتَ فإن كان قريبًا فردَّ، وإن كان بعيدًا قد ذهَب فأتبِعْه السلامَ (١).
ولم يختلفِ الفقهاءُ أن مَن ردَّ السلامَ وهو يصلِّى كلامًا مفهومًا مسموعًا ،
أنه قد أفسد صلاتَه .
وعلى هذا قولُ مالكِ، وأبى حنيفةً، والشافعىِّ، وأصحابِهم، وأحمدَ ،
وإسحاقَ ، وجمهورِ أهلِ العلمِ .
وقد رُوِى عن طائفةٍ مِن التابعين ؛ منهم الحسنُ ، وقتادةُ ، أنهم أجازوا أن يردّ
السلامَ كلامًا وهو يصلِّى(٤). وقال مَن ذهَب مذهبهم من المتأخِّرين السالكِين
سبيلَ الشذوذِ : إن الكلامَ المنهىَّ عنه فى الصلاةِ هو ما لا يُحتاج إليه فى الصلاةِ ،
وأما ردُّ السلام فهو فرضٌ على كلِّ مَن سُلِّم عليه فى الصلاةِ وغيرِها ، فمَن فَعَل ما
يجبُ عليه فِعلُّه لم تفشُدْ صلاتُه. وقد أجاز ابنُ القاسم وأكثرُ أصحابِنا الكلامَ فى
القبس
(١) عبد الرزاق (٣٦٠٠).
(٢) عبد الرزاق (٣٦٠١) .
(٣) عبد الرزاق (٣٦٠٣) .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٦٠٤).
١٣٤

٤٠٩ - وحدَّثنى عن مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان الموطأ
يقولُ : مَن نسِىّ صلاةً فلمْ يَذْكُرْها إلا وهو مع الإمامِ ، فإذا سلَّم الإمامُ،
فَلْيُصَلِّ الصلاةَ التى نَسى، ثم ليُصَلِّ بعدَها الأخرَى.
شأنِ إصلاحِ الصلاةِ .
الاستذكار
قال أبو عمرَ : الحجةُ فى هذا البابِ حديثُ زيدِ بن أرقمَ : كنا نتكلمُ فى
الصلاةِ حتى نزلَت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فأمرنا بالسكوتِ ،
ونُهينا عن الكلامِ().
وحديثُ ابنٍ مسعودٍ عن النبيِّ وَلَّ: ((إن الله تعالى يُحدِثُ مِن أمرِهِ ما
يشاء، وإن مما أحدث ألَّ تتكلَّموا فى الصلاةِ))(٢) . فلا يجوزُ الكلامُ فى الصلاةِ؛
لأنه أمرٌ كان ونُسِخ، والمنسوخُ لا يجوزُ العملُ به. وأما حديثُ هذا البابِ
فظاهرُه أن ابنَ عمرَ لم يأمرِ الرجلَ بإعادةٍ ، وقال له : إذا سُلِّم على أحدِكم وهو
يصلِّى فلا يتكلمْ ، ولْيشِرْ بيدِه. ويحتمِلُ أن يكونَ مذهبُ ابنِ عمرَ فى هذا
مذهبَ الحسنِ ومَن قال بقولِه. ويحتمِلُ أن يكونَ أمَره بالإعادةِ ، فلم يُنْقَلْ
ذلك ، لعلم المخاطبِ بوجوبِه ، فكأنه قد قال له : فلا تتكلم ؛ فمَن تكلّم فقد أفسد
على نفسِه صلاتَه . وقد أعلمتُك بما عليه مذاهبُ أهلِ الفتوى مِن أئمةِ الأُمصارِ ،
وهو اللُّبابُ مِن العلم والاختيارُ . وباللهِ التوفيقُ.
وأما حديثُ مالكِ عن نافع ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: مَن نسِى صلاةً
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٤٧١/٤
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٦٨/٤ .
١٣٥

الموطأ
الاستذكار فلم يذكرها إلا وراءَ إِمام ، فإذا سلّم الإمامُ فليصلِّ الصلاةَ التى نسِى، ثم يصلّ
بعدَها الأخرَى(١).
فقد اختلف أهلُ العلم قديمًا فى هذه المسألةِ وحديثًا ؛ فجملةُ قولِ مالكٍ ، أنه
مَن ذكَر صلاةً وهو فى صلاةٍ ، أو فى آخرِ وقتٍ صلاةٍ ، فإنه يبدأُ بالفائتةِ قبلَ التى
هو فى آخرٍ وقتها وإن فاتَ الوقتُ ، فإن كان فى صلاةٍ وراءً إمام تمادى معه ولم
يعتدَّ بصلاتِه تلك معه ، وصلَّى الفائتةَ، ثم عاد إليها وصلَّاها. ومَن نسِى صلاةً
فذكرها فى آخرِ وقتٍ صلاةٍ، فإن كانت المذكورةُ صلاةً واحدةً أو اثنتين ( أو
ثلاثًا) أو أربعًا - وقد قيل: أو خمسةً - بدَأ بها وإن كان فاتَ وقتُ التى حضَر
وقتُها، وإن كانت ستَّ صلواتٍ أو أكثرَ، بدأ بالتى حضَر وقتُها، ثم صلَّى
الفوائتَ .
وعلى هذا مذهبُ أبى حنيفةَ ، والثورىِّ، والليثِ ؛ إلا أن أبا حنيفةً وأصحابه
قالوا: الترتيبُ عندَنا واجبٌ فى اليوم والليلةِ إذا كان فى الوقتِ سَعَةٌ للفائتةِ
ولصلاةِ الوقتِ ، فإن خشِى فواتَ صلاةِ الوقتِ بدَأ بها ، فإن زادَ على صلاةٍ يومٍ
وليلةٍ، لم يجبِ الترتيبُ عندَهم. والنسيانُ عندَهم يُسقِطُ الترتيبَ أيضًا .
وكذلك عندَ مالكِ وأصحابِهِ لا( ١) يجبُ الترتيبُ فى الفوائتِ مع صلاةٍ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢١٦)، وبرواية أبى مصعب (٥٦٠). وأخرجه ابن وهب فى
موطئه (٤٥٩)، وعبد الرزاق (٢٢٥٤)، وابن المنذر ٤١٧/٢ (١١٣٨)، والطحاوى فى شرح
المعانى ٤٦٧/١ من طريق مالك به .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) سقط من: ح .
١٣٦

الموطأ
الوقتِ إلا بالذكرِ وجوبَ استحسانٍ ؛ بدليلٍ إجماعِهم أن مَن ذكَر صلاةً فائتةً فى الاستذكار
وقتِ العصرِ أو صلواتٍ يسيرةٌ ، أنه إن قدَّم العصرَ على الفائتةِ ، أنه لا إعادةَ عليه
للعصرِ التى صلَّاها وهو ذاكرّ فيها للفائتةِ ، إلا أن يبقَى مِن وقتِها ما يعيدُها فيه قبلَ
غروبِ الشمسِ. وهذا يدلّك على أن قولَهم: مَن ذكَر صلاةٌ فى صلاةٍ أنها
تنهدمُ أو تَفسُدُ عليه. أنه كلامٌ ليس على ظاهرِه، ولو كان على ظاهرِه لوجبَت
الإعادةُ عليه للعصرِ بعدَ غروبِ الشمسِ ؛ لأن ما يَفسُدُ وينهدمُ حقيقةٌ يعادُ أبدًا ،
وما يعادُ فى الوقتِ فإنما إعادتُه استحبابٌ. فقِفْ على هذا الأصلِ. وقال
أبو حنيفةَ أيضًا وأصحابُه: مَن ذكَر (١) صلاةً فائتةً وهو فى صلاةٍ أخرى مِن
الصلواتِ الخمسِ ؛ فإن كان بينَهما أكثرُ مِن خمسٍ صلواتٍ مضى فيما هو فيه ثم
صلَّى التى عليه ، وإن كان أقلَّ مِن ذلك قطَع ما هو فيه وصلَّى التى ذكَر، إلا أن
يكونَ فى آخرِ وقتِ التى دخَل فيها ، فخافَ فوتَها إن تشاغَلَ بهذه ، فإن كان
ذلك أتَمّها ، ثم قضَى التى ذكَر .
وقال أبو حنيفةً ومحمدٌ : إن ذكَر الوترَ فى صلاةِ الصبح فسَدت عليه ، وإن
ذكَّر فيها ركعتى الفجرِ لم تَفسُدْ عليه .
قال أبو عمرَ : لأنهما يوجِبان الوترَ، فجرَت عندَهما مَجْرى الخَمسِ . وقال
أبو يوسفَ : لا تفسُدُ عليه بذكرِ الوترِ ولا بركعتى الفجرِ . وبه يأخذُ الطحاوىُّ .
وقد رُوِى عن الثورىِّ وجوبُ الترتيبِ ، ولم يُفرّقْ بينَ القليل والكثيرِ .
واختُلف فى ذلك عن الأوزاعيّ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((فاتته)).
١٣٧

الموطأ
الاستذكار
وقال الشافعىُّ : الاختيارُ أن يبدأَ بالفائتةِ إن لم يَخَفْ فواتَ هذه، فإن لم
يفعلْ وبدأ بصلاةٍ الوقتِ أجزأه. وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد بن حنبل
واجبٌ فى ثلاث سنينَ وأكثرَ. وقال : لا ينبغى لأحدٍ أن يصلىَ صلاةً وهو ذاكرٌ
لما قبلَها ؛ لأنها تفسدُ عليه .
قال أبو عمرَ : ثم نقَض أحمدُ هذا الأصلَ فقال : أنا آخذٌ بقولٍ سعیدِ بنِ
المسیپ فی الذی یذ کژ صلاةً فى وقت صلاةٍ، کرجل ذكر العشاءً فى آخرِ وقتٍ
صلاةِ الفجرِ، قال : يصلّى الفجرَ ولا يُضيّعُ صلاتين. أو قال : يضيعُ مرتين .
وقال : إذا خافَ طلوعَ الشمسِ فلا يضيعُ هذه ؛ لقولِ سعيدٍ : لا يضيعُ مرتين .
وهذا يشبهُ مذهبَ أبى حنيفةً فى مراعاتِهِ الابتداءَ بالفائتةِ أبدًا ، ما لم يَخَفْ فواتَ
صلاةٍ الوقتِ . وقال الأثرمُ: قيل لأحمدَ : إن بعضَ الناسِ يقولُ : إذا دخلتَ فى
صلاةٍ وتحرَّمتَ بها ، ثم ذكرتَ صلاةٌ أَنسيتَها، لم تقطع التى دخلتَ فيها ،
ولكنك إذا فرَغتَ منها قضيتَ التى نَسِيتَ، وليس عليك إعادةُ هذه. فأنكره
وقال: ما أعلمُ أحدًا قاله، إنما أعرفُ مَن قال: أنا أقطعُ وأنا خلفَ الإمامِ ،
فأُصلِّى التى ذكرتُ؛ لقولِ النبيِّ وَلَِّ: ((فَلْيُصلِّها إذا ذكَرها))(١). قال:
وهذا شنيع أن يقطعَ وهو وراءَ الإمامِ . قيل له : فما تقولُ أنت؟ قال: يتمادَى
مع الإمامٍ؛ فإن كان وحده قطع.
وقال الشافعىُّ وداودُ: يتمادَى مع الإمامِ، ثم يصلِّى التى ذكَر ولا يعيدُ
هذه. واحتجَّ داودُ وأصحابُه بأن رسولَ اللهِ وَّهِ صلَّى ركعتَى الفجرِ وهو ذا کرّ
القبس
سـ
(١) تقدم فى الموطأ (٢٤).
١٣٨

الموطأ
للصبح. وهذا لا حجةً فيه ؛ لأن ركعتَى الفجرِ قبلَ صلاةِ الصبح، فلم يذكُرْ الاستذكار
فيهما ما قبلَهما، وأيضًا فلا ترتيبَ بينَ ركعتَى الفجرِ والصبح ، إنما الترتيبُ فى
الخمسِ صلواتٍ ، صلاةِ اليوم والليلةِ . واحتجَّ أصحابُ الشافعىِّ بأن الترتيبَ إنما
يلزمُ فى صلاةِ اليومِ والليلةِ فى ذلك اليومِ وتلك الليلةِ ، فإذا خرَج الوقتُ سقَط
الترتيبُ ؛ استدلالاً بالإجماع على أن شهرَ رمضانَ يجبُ الترتيبُ فيه ما دام
قائمًا ، فإذا انقضَى سقَط الترتيبُ عن كلِّ مَن يصومُه عن مرضٍ أو سفرٍ ، وجاز له
أن يأْتِىَ به على غيرٍ نسقٍ . قالوا : فكذلك ترتيبُ الصلواتِ الخمسِ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال:
حدَّثنا أبو بكرِ الأثرمُ ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ موسى ، قال: حدَّثنا هِقْلٌ، قال :
حدَّثنا الأوزاعىُ ، قال : سمِعتُ الزهرىَّ يقولُ فى الذى ينسَى الظهرَ فلا يذكرُها
حتى يدخلَ فى العصرِ مع الإمامِ ، قال: يمضِى فى صلاةِ الإمامِ ، فإذا انصرَف
استقبلَ الظهرَ ثم صلَّى العصرَ.
فهذا ابنُ شهابٍ الزهرىُّ يُفتى بقولِ ابنِ عمرَ، وهو الذى يَرْوِى عن
رسولِ اللهِ وَله: ((مَن نام عن صلاةٍ أو نسِيها فلْيُصَلُّها إذا ذكرها، فإن الله
تعالى يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)) [طه: ١٤]. وبهذا الحديثِ
يَحْتَجُ مَن قدَّم الفائتةَ على صلاةِ الوقتِ .
قالوا: وإن خرَج الوقتُ. قالوا: قد جعَل رسولُ اللهِ وَلَّهِ ذِكْرَ الفائتةِ وقتًا لها
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٤).
١٣٩

الموطأ
٤١٠ - وحدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن
محمدٍ بنٍ يحيى بنِ حَبَّانَ، عن عمِّه واسع بنِ حَبَّانَ ، أنه قال :
كنتُ أُصَلِّى، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ مُشْنِدٌ ظَهرَه إلى جِدَارِ القِثْلَةِ، فلمَّا
قَضَيتُ صلاتِىَ انصرَفْتُ إليه مِن قِبَلِ شِقِّى الأيسَرِ ، فقال عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ: ما منَعَكَ أن تنصرِفَ عن يَمِينِكَ؟ قال: فقلتُ: رأيتُك
فانصرَفتُ إليك. قال عبدُ اللهِ : فإنك قد أصبتَ ، إِن قائلًا يقولُ:
انصَرِفْ عن [٦٢ و] يَمِينِكَ. فإذا كنت تُصَلِّى، فانصَرِفْ حيثُ
شئتَ ؛ إِنْ شِئتَ عن يَمِينكَ، وإن شِئتَ عن يَسارِكَ .
الاستذكار عندَ ذكرها، فكأنَّهما صلاتان اجتَمعتا فى وقتٍ واحدٍ، فيبدأَ بالأولى منهما ،
ومن أبى من ذلك، فعلى قولِ رسولِ اللهِ وَّهِ إعلامًا منه بأن الفائتةَ لا يُسقطُها
خروج الوقتِ ، وإنما تجبُّ بالذكرِ أبدًا، وليست كالجمارِ والضحايا والأعمالِ
التى تفوتُ بخروج وقتِها فلا تُقْضَى . وأما ترتيبُها وتقديمُها على صلاةِ الوقتِ
فلا. وقد أوضحنا معنى هذا البابِ بآثارٍ عن علماءِ السلفِ فى ((التمهيدِ)) (١).
والحمدُ اللهِ .
وأما حدیثُه فى هذا البابِ أيضًا عن یحیی بن سعيد ، عن محمد بن یحیی بنٍ
حَبَّانَ، عن عمِّه واسع بنِ حَبَّنَ ، أنه قال: كنتُ أصلِّى وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ مُسنِدٌ
ظهرَه إلى جدارِ القبلةِ ، فلما قضيتُ صلاتى انصرفتُ إليه مِن قِبَلِ شِقِّى الأيسرِ ،
القبس
(١) تقدم فى ٢٥٣/٢ - ٢٥٨.
١٤٠