النص المفهرس
صفحات 81-100
الموطأ
التمهيد
ولا يوجِبُونها فيه . وقال الشافعىُّ: إذا لم يُصلِّ المُصلِّى على النبى عليه السلامُ فى
التَّشهدِ الآخرِ بعدَ التَّشهدِ، وقبلَ التَّسليم - أعادَ الصلاةَ. قال: وإنْ صلَّى عليه
قبلَ ذلك لم يُجزِئْه . وهذا قولٌ حَكاه عنه حرمَلَةُ بنُ يحتِى ، لا يكادُ يُوجَدُ هكذا
عنه إِلَّ مِن روايةِ حرملةَ، وهو مِن كبارٍ أصحابِه الذين كتبُوا عنه كُتُبُه، وقد تقلَّدَه
أصحابُ الشافعىِّ، ومالُوا إليه، وناظرُوا عليه، ( وهو عندَهم تحصيلُ مذهبِه )،
ومِن حُجَّةٍ من قال: إنَّ الصلاةَ على النبيِّ نَّهِ ليست بواجبةٍ فى الصلاةِ حديثُ
الحسنِ بنِ الحُّ، عن القاسم بنِ مُخيمرَةً، قال: أَخَذ علقمةُ بيدِى، فقال : إِنَّ
عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ أَخَذ بيدِه، وقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَ أَخذَ بيدِى كما أخذتُ
بيدِك، فعلَّمَنِى النَّشهدَ، فقال: ((قُل : التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ،
السلامُ عليكَ أيُّها النبىُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ
الصالحينَ ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه
ورسولُه)). قال: ((فإذا أنت قلتَ ذلك فقد قضيتَ الصلاةَ ، وإن شئتَ أن تقومَ
فقمْ، وإن شئتَ أنْ تقعدَ فاقعدْ))(٢).
قالوا : ففى هذا الحديثِ ما يشهدُ لِمَنْ لم يرَ الصلاةَ على النبيِّ عليه السلامُ فى
التشهدِ واجبةً ولا سنةً مسنونةً ؛ لأنَّ ذلك لو كان واجبًا أو سنةً لِبَيِّنَ ذلك
وذكَّرَه، ومِن حُبَّتِهم أيضًا حديثُ الأعمشِ، عن أبى وائلٍ شقيقٍ بنِ سلمةً،
القبس
(١ - ١) فى ن: ((وزعم الطحاوى أنه لم يقل فيه أحد من أهل العلم غيره)). وينظر شرح المشكل
٦ /١٥.
(٢) أخرجه أحمد ١٠٨/٧ (٤٠٠٦)، وأبو داود (٩٧٠) من طريق الحسن بن الحر به.
٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٦/٦ )
الموطأ
التمهيد
عن ابنٍ مسعودٍ، عن النبيِّ وَله فى التشهدِ، وفى آخرِه: ((ثمَّ ليتخيرْ أطيبَ
الكلام)). أو: ((ما أحبَّ مِن الكلام)). ومِن حَُّتِهم أيضًا حديثُ فضالةً بنٍ
عُبِيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهِ سَمِعَ رجُلًا يدعو فى صلاتِه لم يحمَدِ اللهَ عزَّ وجلَّ،
ولم يُصلِّ على النبيِِّ نََّ، فقال النبيُّ عليه السلامُ: ((عَجِل هذا)). ثم دَعَاه
فقال له أو لغيرِهِ : ((إذا صلَّى أحدُ كم فليبدَأُ بحمدِ اللهِ والثناءِ عليه، ثم يُصلِّى على
النبىّ، ثم يدعو بما شاءً))(٢) .
ففى حديثٍ فضالَةَ هذا أنَّ النبيَّ وَلَه لم يأمُرِ المُصلِّىَ إذ لم يُصلِّ على النبيِّ
عليه السلامُ فى صلاتِه بالإعادةِ ، فدلَّ على أنَّ ذلك ليس بفرضٍ ، ولو ترَك فرضًا
لأُمَرَه بالإعادةِ، كما أمَر الذى لم يُقِمْ ركوعَه ، ولا سجودَه بالإعادةِ ، وقال له :
((ارجع فصلٌّ فإنك لم تُصلِّ)) .
روَى ذلك رفاعةُ بنُ رافع، وأبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌َلِّ، وقد ذكَوْنا
حديثَهما فيما سلَف مِن كتابِناً(١). والحمدُ للهِ .
ومِن حجةِ الشافعىِّ ومَن قال بقولِه فى هذه المسألةِ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمَر
بالصلاةِ على نبيِّه، وأن يُسلَّمَ عليه تسليمًا، ثم جاءَ أمرُه وَ لَه بالتشهدِ، وأنَّه كان
يُعلِّمُ أصحابَه ذلك كما يُعلِّمُهم السورةَ مِن القرآنِ ، وقال لهم: إنَّه يُقالُ فى
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧٦ .
(٢) أخرجه أحمد ٣٦٣/٣٩ (٢٣٩٣٧)، وأبو داود (١٤٨١) وغيرهم من طريق فضالة به.
(٣) تقدم تخريجه فى ١٧٣/٤ - ١٧٥ .
٨٢
الموطأ
التمهيد
الصلاةِ لا فى غيرِها، وقالوا: قد عَلِمنا السلامَ عليك، فكيف الصلاةُ ؟ فقال
لهم: ((قولوا: اللَّهم صلِّ على محمدٍ)). وعلَّمَهم ذلك، وقال لهم: ((السلامُ
كما قد عَلِمتُم)). فدلَّ ذلك على أنَّ الصلاةَ عليه فى الصلاةِ قرينُ التشهدِ .
قالوا : ووجَدْنا الأُمَّةَ بأجمَعِها تفعلُ الأمرين جميعًا فى صلاتِها؛ فعلِمِنَا أَنَّهما فى
الأمرِ بهما سواءٌ، فلا يجوزُ أنْ يُفرَّقَ بينَهما ، ولا تَتِمُ الصلاةُ إلَّا بهما؛ لأنَّهما
وراثةٌ عن رسولِ اللهِ وَلَّهِ وأصحابِهِ وسائرِ المسلمين قولًا وعملًا. قالوا: وأمَّا
احتجَائجُ مَن احتجّ بحديثٍ ابنٍ مسعودٍ فى التشهدِ، وقولِه فى آخرِه: (( فإذا قلتَ
ذلك فقد تمّتْ صلاتُك)). فلا وجه له؛ لأَنَّه حديثٌ خرَجَ على معنّى فى
التشهدِ ؛ وذلك أنهم كانوا يقولون فى الصلاةِ : السلامُ على اللهِ. فقيل لهم :
((إِنَّ اللهَ هو السلامُ، ولكن قولوا: كذا)). فعُلِّمُوا التشهدَ.
ومعنَى قولِه : ((فإذا قلتَ ذلك فقد تمّتْ صلاتُك)). يعنى إذا ضُمَّ إليها ما
يَجِبُ فيها مِن ركوع وسجودٍ وقراءةٍ وتسليمٍ، وسائرِ أحكامِها؛ ألا ترَى أَنَّه لم
يذكُوْله التَّسليمَ مِن الصلاةِ وهو مِن فرائضِها. لأَنَّه قد كان وقُّفهم على ذلك ،
فاستغْنَى عن إعادةِ ذلك عليهم ، وإنما حديثُ ابن مسعودٍ هذا مثلُ قولِهِ وَلٍّ:
(( أُمِرْتُ أن آخُذَ الصدقةَ مِن أغنيائِكم وأرُدَّها على فقرائكم))(١). أى: ومَن سُمِّىَ
معهم، ومثلُ قولِه للذى قال له : ((ارجع فصلٌ فإِنَّكَ لم تُصلِّ)). ثم أمره بما رآه لم
يأتِ به ، ولم يُقِمْه مِن صلاتِه، وسكَتَ له عن التشهدِ والتسليم ، وقد قام الدليلُ
مِن غيرِ هذا الحديثِ بوجوبِ التشهدِ ، ووجوبِ التسليم بما علّمَهم مِن ذلك،
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٥٣) من الموطأ .
٨٣
الموطأ
التمهيد
وأعلَمَهم أنَّ ذلك فى صلاتِهم، وكذلك الصلاةُ على النبيِّ عليه السلامُ مأخوذٌ
مِن غيرِ ذلك الحديثِ .
واحتُجُوا مِن الأثرِ بحديثٍ أبى مسعودٍ مِن روايةِ مالكٍ، وفيه أنَّه علَّمهم
الصلاة على النبيِّ عليه السلامُ وقال: وفيه: (( والسلامُ كما قد عَلِمتُمْ )). يعنى
التشهدَ ، وبأنَّ أبا مسعودٍ رَوَى الحدیثَ، وفَهِمَ مَخْرَجه، و کان يراه واجبًا
ويقولُ: إنَّه لا صلاةَ لِن لم يُصلِّ فيها على النبيِّي وَلِهِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ النَّيسابورىُّ، قال:
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ يحبى، قال: حدَّثنا
عبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيدِ (١)، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ حسَّانَ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ، عن عبد الرحمنِ بنِ بشرِ بنِ " مسعودٍ، عن أبى مسعودٍ، قال: لَّ
نزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قالوا: يا رسولَ اللهِ، قد عَلِمِنَا
السلامَ، فكيف الصلاةُ؟ فقال: ((قولوا: اللَّهم صلِّ على محمدٍ، كما صلَّيتَ
على إبراهيمَ ، وبارِكْ على محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ ))(١).
القبس
(١) فى ن: ((الحميد)). وينظر تهذيب الكمال ٥٠٣/١٨.
(٢ - ٢) فى النسخ: ((بشير بن أبى)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر التاريخ الكبير
٢٦١/٥، وتحفة الأشراف (٩٩٩٨).
(٣) أخرجه النسائى (١٢٨٥) عن زياد بن يحيى به، وأخرجه الطبرانى ٢٥٠/١٧ (٦٩٦) - ومن
طريقه المزى فى تهذيبه ٥٥١/١٦ - من طريق هشام بن حسان به :
٨٤
الموطأ
التمهيد
وروَى عثمانُ بنُ أبى شيبةَ، وغيرُه، عن شريكِ، عن جابرٍ (١) الجُعفىِّ، عن
أبى جعفرٍ محمدِ بنِ علىٍّ، عن أبى مسعودٍ ، قال: ما أرَى أنَّ صلاةً لى تَمّتْ حتى
أُصلِّىَ فيها على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ (٢) .
ورَوَى ابْنُ أَبِى فُديكٍ وأبو ثابتٍ محمدُ بنُ عُبيدِ اللهِ المدنُّ، عن
عبدِ المُهيمنِ بنِ عباسٍ بنِ سهلِ بنِ سعدِ الساعدِىِّ، عن أبيهِ، عن
جِدِّه، أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((لا صلاةَ لَمَنْ لم يُصلِّ فيها على النبىّ
وَر)). قالوا: وهذا الحديثُ وإنْ كان فى إسنادِه ضعفٌ فإنَّ فيه
اسْتظهارًا مع ما قدَّمنا مِن الدلائلِ .
قال أبو عمرَ : ليس ما احتجُوا به عندِى بلازم لما فيه مِن الاعتراض، ولستُ
أَوجِبُ الصلاةَ على النبيّ عليه السلامُ فى الصلاةِ فرضًا مِن فروضِ الصلاةِ،
ولكنّى لا أُحِبُّ لأحدٍ تركَها فى كلِّ صلاةٍ ، فإنَّ ذلك مِن تمام الصلاةِ، وأحرَى
أنْ يُجابَ للمُصلِّى دعاؤه إنْ شاءَ اللهُ ، وحديثُ سهلٍ بنِ سعدٍ فى ذلك ، حدَّثناه
خلفُ بنُ قاسم ، قال : حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ راشدٍ أبو الميمونِ بدمشقَ ، قال :
حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ دُحيمٌ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبى فُديكٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ المهيمنِ بنُ عباسٍ بنِ سهلٍ
ابنِ سعدِ السَّاعدىُّ، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((لا صلاةَ لمن لم
القبس
(١) فى ن: ((خالد)). وينظر تهذيب الكمال ٤ /٤٦٥.
(٢) أخرجه البيهقى ٣٧٩/٢ من طريق شريك به .
٨٥
٤٠٠ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، قال:
الموطأ
[(٦و] رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقِفُ على قبرِ النبيِّ وَلِّهِ، فَيُصَلَّى على
يُصلِّ فيها على النبيِّ ◌َرِ))(١).
التمهید
وهذا قد يحتمِلُ مِن التأويل ما احتمَلَه قولُه: ((لا إيمانَ ◌ِمْ لا أمانةَ له))(١)، و((لا
صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا فى المسجدِ))(١)، ونحوُ هذا بِمَّا أُرِيدَ به الفضلُ والكمالُ، واللهُ
أعلمُ، وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو ثابتٍ محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ، عن عبدِ المُهيمنِ .
قال أبو عمرَ : آلُ إبراهيمَ يدخُلُ فيه إبراهيمُ ، وَآلُ محمدٍ يدخُلُ فيه محمدٌ ،
ومِن هنا - واللهُ أعلمُ - جاءتِ الآثارُ فى هذا البابِ مرَّةً يإبراهيمَ ، ومرَّةً
بآلِ إبراهيمَ، ورَما(٢) جاء ذلك فى حديثٍ واحدٍ، ومعلومٌ أنَّ قولَ اللهِ عزَّ وجلّ:
﴿أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. (١ معناه: أدخِلُوا فرعونَ
وآله أشدَّ العذابِ) . والآلُ هلهنا الأتباعُ، والآلُ قد يكونُ الأهلَ، ويكونُ
الأتباعَ، ويكونُ الأزواجَ والذِّرِيَّةَ على ما جاءَ فى بعضِ الآثارِ .
عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقفُ على قبرِ النبىِّ
الاستذكار
القبس
حَدِيثٌ: كان(٥) ابنُ عمرَ يقِفُ على قبرِ النَّبيِّ نَّهِ، فيُصلَّى على النبىِّ بَهُ
وعلى أبى بكرٍ وعمرَ. وروى بعضُهم: على النبيِّ ويدعو لأبى بكرٍ وعمرً " .
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٠) عن عبد الرحمن بن إبراهيم به .
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٥٨/٥ .
(٣) فى الأصل، ن، م: ((إنما)).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، ن، م.
(٥) سقط من: م، وفى ج: ((عن)).
(٦ - ٦) فى ج: ((ورواه بعضهم: يصلى على النبى ويدعو لأبى بكر وعمر))، وفى م: ((رواه =
٨٦
النبيِّ وَّه، وعلى أبى بكرٍ وعمرَ.
الموطأ
نَّهِ، فيصلَّى على النبيِِّ نَّهِ، وعلى أبى بكرٍ وعمرَ (١).
الاستذكار
قالوا : إنما الروايةُ مالك وغيره ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن عبد الله بن عمر ،
أنه كان يقفُ على قبرِ النبيِّ وَلِّ، فيصلّى على النبيِّ وَلِّ، ويده و لأبى بكرٍ
وعمرَ .
ففرَّقوا بما وصفتُ لك بينَ: و(٢) يدعو لأبى بكر وعمرَ، وبينَ: ويصلَّى
القبس
"قال الفقيهُ الإِمامُ: قال لنا أبو سعدِ الرَّتْجَانُ الشهيدُ : قال لنا الأستاذُ
أبو المُظَفَّرِ شاهفورُ: اختلف الناسُ هل يُصلَّى على غيرِ النبيِّ وَلَ أم لا؟
فقيل: ذلك جائزٌ. وقيل: الصلاةُ للنبىِّ وَّهِ، والرضوانُ للصحابةِ، والرحمةُ
السائرِ المؤمنين. وهى خُطَطْ مَخصوصةٌ ("بمراتبَ مخصوصةٍ)، تَمَّرت كلُّ
مرتبةٍ بخطةٍ منها .
وقد تعلَّق بعضُهم بما رُوى عن النبيِّ نََّ) أنه قال: ((اللهمَّ صلِّ على آلٍ أبى
أَوْفَى))(٥). وقيل: لا حُجَّةَ فى هذا الحديثِ؛ لأنه كان مخصوصًا بالنبيِّ وَِّ، أُمِر أن
يُصَلِّىَ على مَن جاءه بصدقتِه ◌ِوَضًا له منها، فقيل له: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ
= بعضهم: يصلى على النبى (َ﴿ ويدعو لأبى بكر وعمر)).
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٤٨)، وبرواية أبى مصعب (٥٠٦). وأخرجه ابن سعد فى
الطبقات ٢١٠/٣، والبيهقى ٢٤٥/٥ من طريق مالك به .
(٢) سقط من: م، وفى ح: ((من).
(٣ - ٣) فى ج: ((قال لنا: أبو سعيد الزنجانى الشهيد))، وفى م: ((قال لنا الفقيه الإمام أبو سعيد
الزنجانى الشهيد)).
(٤ - ٤) سقط من : ج ، م .
(٥) تقدم تخريجه ص ٧٠ .
٨٧
الموطأ
:
على أبى بكرٍ وعمرَ. وإن كانت الصلاةُ قد تكونُ دعاءً لما خُصَّ به وَلَّهِ مِن لفظٍ
الاستذكار
الصلاةِ عليه . وكذلك رُوِى عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قال: لا يُصلَّى على أحدٍ إلَّا
على النبيِّ بَّه وسائرُ الناسِ يُدْعَى لهم ويُتَرَّمُ عليهم (١). ومعلوم أن ابنَ
عباسٍ قد يعلمُ أن الصلاةَ تكونُ الدعاءَ والرحمةَ أيضًا. وقد ردَّ ابنُ وضاحٍ روايةً
يحيى إلى رواية ابنِ القاسمِ، فإنه روَى روايةً ابن القاسمِ عن سُحنونٍ ، وحدَّث
بها عنه . وكما رواه ابنُّ القاسم كذلك رواه القَعْنبىُّ وابنُ بُكيرٍ، ومَن تابَعهم
فى٢) ((الموطأ))، وجعلها: يصلِّى على النبيِّ وَّ، ويَدْعو لأبى بكرٍ
سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وهذا معنًى مُخْتَصٌّ به. وهذه المسألةُ اجتهاديةٌ، وقد
القبس
بَّناها فى موضعِها، والصحيحُ عندى أن الصلاةَ مخصوصةٌ بالنبيِّ وَلِ.
فأما ما رُوى عن ابنِ عمرَ، أنه كان يُصلِّى على النبيِّ وَّهِ وعلى أبى بكرٍ وعمرَ،
فإن معناه: ويَدْعُو لأبى بكرٍ وعمرَ، كما روَاه بعضُهم، ولكنه الحَق الثانىَ بالأُولِ
لفظًا، كما قال الشاعرُ(٤):
* عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا »
وكما قال الآخر(٥):
ورأيتُ زَوْجَكِ فى الوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
(١) تقدم تخريجه ص٦٩ .
. (٢ - ٢) فى ح: ((وسائر رواة)).
(٣) سقط من: م.
(٤) معانى القرآن للفراء ١ / ١٤، ونسبه إلى بعض بنى أسد . وقال البغدادى: ولا يعرف قائله ، ورأيت فى حاشية
نسخة صحيحة من الصحاح أنه لذى الرُّمَّة، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه. الخزانة ١٣٩/٣، ١٤٠.
(٥) معانى القرآن للفراء ١٢٣/٣، وفيه: ((ولقيتُ زوجكِ))، والكامل ٣٣٤/١، ٣٧١، ٢٧٥/٢،
وفيه: (( يا ليت زوجك ... ))، ونسبه فى نسخة منه لعبد الله بن الزَّبعرى.
٨٨
الموطأ
وعمرَ. وهذا كلُّه مذهبُ (١) مَن رأى(٢) ألَّا يُصلَّى على غيرِ النبيّ عليه الاستذكار
الصلاةُ والسلامُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن أبيه ، عن عبدِ اللهِ بنِ يونسَ، عن بَقِىِّ بنِ
مَخْلٍ ، قال : حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا هشيم ، قال : أخبرنا
عثمانُ بنُ حكيمٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : ما أعلمُ الصلاةَ تنبغى مِن
أحدٍ على أحدٍ إلا على النبيِّ عليه السلامُ(١).
وذكر عبد الرزاق(٤) ، عن الثورىِّ، عن عثمانَ بنِ حکیمٍ بنِ سهلٍ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لا تنبغى الصلاةُ على أحدٍ إلَّا على النبيِّين. قال
سفيانُ: يُكرهُ أن يصلَّى على غيرِ نبيِّ .
قال عبدُ الرزاقِ (١) : وأخبرنى الثورىُّ، عن موسى بنٍ عبيدةً، عن محمدِ بنِ
ثابتٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((صلُّوا على أنبياءِ اللهِ
ورسلِه ؛ فإن الله بعَثهم كما بعَثنى)).
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((أحمد بن عبد الله هو الباجى الإشبيلى)).
(٢) فى ح، م: ((لا يرى)).
(٣) ابن أبى شيبة ٥١٩/٢.
(٤) عبد الرزاق (٣١١٩).
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦) عبد الرزاق (٣١١٨).
٨٩
الموطأ
العملُ فى جامعِ الصلاةِ
٤٠١ - حدَّثنى يحيى عن مالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَّله كان يُصَلِّى قبلَ الظُّهرِ ركعتين، وبعدَها رَكعتَين، وبعدَ
المغربِ ر کعتین فی بیتِه ، وبعد صلاة العشاءِ رَ کعتین، و کان لا يُصلِّی
بعدَ الجمعةِ حتى ينصَرِفَ ، فيركَعَ ركعتَين .
التمهید
مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّلَه كان يصلِّى قبلَ الظهرِ
ركعتين، وبعدَها ركعتَين، وبعدَ المغربِ ركعتَين فى بيته، وبعدَ صلاةِ العشاءِ
ركعتين، وكان لا يصلِّى بعدَ الجُمعةِ حتى ينصَرِفَ فيصلِّىَ ركعتين(١).
٠
هكذا روَاه يحيى، لم يقلْ: فى بيتِه . إلَّا فى الرّكعتَين بعدَ المغربِ فقطْ ،
وتابعه القعنبيُّ على ذلك، وقال ابنُ بكيرٍ فى هذا الحديثِ: فى بيته. فی
موضعين؛ أحدُهما، فى الوَّكعتَين بعدَ المغربِ. والآخرُ، فى الرّكعتَين بعدَ
الجمعةِ فى بيتِه(١) . وابنُ وهبٍ يقولُ فى الَّكعتَين بعدَ المغربِ وبعدَ العشاءِ: فى
بيتِه. "ولم يذكُرٍ " انصرَافَه فى الجمعةِ. وقد تابَعه أيضًا على هذا جماعةٌ مِن رواةٍ
مالك .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٩٦)، وبرواية أبى مصعب (٥٥١). وأخرجه أحمد ٢١٩/٩،
٤٢٩ (٥٢٩٦، ٥٦٠٣)، والدارمى (١٤٧٧، ١٦١٤)، والبخارى (٩٣٧)، ومسلم (٨٨٢)،
والنسائى (٨٧٢، ١٤٢٦)، وابن خزيمة (١٨٧٠) من طريق مالك به .
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٥٢) عن القعنبی به .
(٣ - ٣) فى م: ((بعد)).
٩٠
الموطأ
التمهيد
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ بنِ عبدِ اللهِ ،
حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ ، أخبَرنى مالكٌ، وعبدُ(١) اللهِ
ابنُّ عمرَ ، والليثُ بنُ سعدٍ ، وأسامةُ بنُ زيدٍ ، وابنُ سمعانَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ كان يصلِّى قبلَ الظُّهرِركعتَين، وبعدَها ركعتين، وبعدَ
المغربِ ركعتَين فى بيتِه ، وبعدَ صلاةِ العشاءِر كعَتين فى بيتِه، وكان لا يُصلِّى بعدَ
الجمعةِ فى المسجدِ شيئًا حتى ينصَرِفَ، فيسجُدَ سجدتَين(٢) . وقد(٢) اختلف فى
ذلك أيضًا أصحابُ(١) نافع، واختُلِف فى ذلك أيضًا عن ابنِ عمرَ، وسنذكُرُ ما
حضَرنا مِن ذلك بحولِ اللهِ إن شاءَ اللهُ .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ صلاةَ النهارِ مثنَى مثنَى، كصلاةِ الليلِ
سواءً، وقد مضَى القولُ فى هذا المعنَى بما فيه كفايةٌ(٥). والحمدُ للهِ .
وفيه إباحةُ صلاةٍ النافلةِ فى المسجدِ ، والأصلُ فى النافلةِ أنَّها صلاةُ البيوتِ ،
ولم يُختَلَفْ مِن هذا الحديثِ فى الركعتَين قبلَ الظُّهرِ وبعدَها أنَّ ذلك كان منه
وَُّ فى المسجدِ، واختُلِفَ فى صلاتِه بعدَ المغربِ والعشاءِ والجمعةِ، على ما
نورِدُه إن شاء اللهُ ههنا .
وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
القبس
(١) فى م: ((عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٧/١٥.
(٢) أخرجه البيهقى ٤٧٧/٢ من طريق الربيع بن سليمان به . وهو عند ابن وهب فى موطئه (٣٣٢).
(٣) سقط من : م.
(٤) بعده فى النسخ: ((ابن)).
(٥) تقدم فى ١٦٥/٥ - ١٧٣ .
٩١
الموطأ
التمهيد
حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ،
قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قالا(١) : حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى الأسودٍ، قال: حدَّثنا
أبو المُطَرّفِ(٢) محمدُ بنُ أبى الوزيرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ موسَى الفِطْرِىُّ، عن
سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجرةَ، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ وَلّ أتاهم
فى مسجدٍ بنى عبدِ الأشهلِ، فصلَّى فيه (١٢) المغربَ، فلمَّا قضَوا صلاتَهم رآهم
يسبِّحُون بعدَها، فقال: ((هذه صلاةُ البيوتِ)) (٤). فكَرِه قومُ التَّطوُّعَ فى المسجدِ
بعدَ صلاةِ المغربِ لهذا الحديثِ ، ولا حجَّةَ فيه لهم؛ لأنَّه لو كَرِهه لنَهَى عنه .
واللهُ أعلمُ .
وقد عارضَ قومٌ هذا الحديثَ بما روَاه جعفرُ بنُ أبى المغيرةِ ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَّلَهِ يُطِيلُ القراءةَ فى الرّكعتَينِ بعدَ
المغربِ حتى يتفرّقَ أهلُ المسجدِ .
ذكره أبو داودَ(٥) ، قال: حدَّثْنَا محُسينُ بنُ " عبد الرحمنِ الجَرَجرائىُّ).
قال: حدَّثنا طلقُ بنُ غَّام ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ اللهِ القُمّىُّ، عن جعفرِ بنِ
أبى المغيرةِ ، قال أبو داودَ : تابَع طلقَ بنَ غَنَّامٍ على إسنادِ هذا الحديثِ نصرٌ المَجُدَّرُ،
القبس
(١) فى الأصل: ((قال)).
(٢) فى م: ((المطوف)). وينظر تهذيب الكمال ١٧٧/٢٦.
(٣) فى الأصل: (( بهم)).
(٤) أبو داود (١٣٠٠). وأخرجه البخارى فى تاريخه ١٧٨/١ عن ابن أبى الأسود به، وأخرجه
الترمذى (٦٠٤)، والنسائى (١٥٩٩)، وابن خزيمة (١٢٠١) من طريق محمد بن موسى به.
(٥) أبو داود (١٣٠١، ١٣٠٢).
(٦ - ٦) فى الأصل: ((عبد الله الجرجانى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨٧/٦.
٩٢
الموطأ
التمهيد
عن يعقوبَ القُمِّىِّ .
وروَاه أحمدُ بنُ يونسَ ، وسليمانُ بنُ داودَ ، عن يعقوبَ ، عن جعفرٍ، عن
سعيدٍ مرسلًا . وقد كان يعقوبُ القُمِّىُّ يقولُ: كلُّ شيءٍ حدَّثتُكم عن جعفرٍ ،
عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن النبيِّ عليه السلامُ؛ فهو عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَّل.
والذى اجتمع عليه العلماءُ أنَّه لا بأسَ بالتطوُّع فى المسجدِ لمن شاء، على أنَّ
صلاةَ النَّافلةِ فى البيوتِ أفضلُ، إِلَّ العشرَ ركعاتٍ المذكوراتِ (١) فى حديثِ ابنِ
عمرَ فى هذا البابِ ، والاثْنتَىْ عشرةَ ركعةً المذكورةَ فى حديثِ أمّ حبيبةً(٢) ، فإِنَّها
عندَ جماعةٍ منهم سنةٌ مسنونةٌ، ويسمُّونها صلاةَ الشُّنةِ ، يرَون صلاتَها فى
المسجدِ دونَ سائرِ التَّطوَّعِ، وما عدَاها مِن التَّطوَّعِ كلِّه(٣) فهو فى البيتِ أفضلُ،
ولا بأسَ به فى المسجدِ ، هذا كلُّه قولُ جمهورِ العلماءِ.
وأمَّا قولُه : وبعدَ الجمعةِ ركعتَين. فإِنَّ الفقهاءَ اختلفوا فى التطوُّع بعدَ الجمعةِ
خاصَّةً ؛ فقال مالكٌ: ينبغِى للإِمام إذا سلَّم مِن الجمعةِ أن يدخُلَ منزلَه ولا يركَعَ
فى المسجدِ؛ لِما رُوِى عن النبيِّ وَ أَنَّه كان ينصَرِفُ بعدَ الجمعةِ ، ولم یركَغ
فى المسجدِ ، وإنما كان يركمُ الرَّكعتَين فى بيتِه .
قال مالكٌ: ومَن خَلْفَ الإِمام أيضًا إذا سلَّموا ، فأحبُّ إلىّ أن ينصرِفوا ولا
يركَعوا فى المسجدِ ، فإن ركَعوا فإِنَّ ذلك واسع . وقال الشافعىّ: ما أكثرَ المصلِّى
القبس
(١) فى م: ((المذكورة)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٠٧ .
(٣) فى م: ((كلها)).
:
٩٣
الموطأ
مِن التطوّعِ بعدَ الجمعةِ فهو أحبُّ إلىّ. وقال أبو حنيفةً: يصلِّى بعدَ الجمعةِ أربعًا .
وقال فى موضعٍ آخرَ: سنًّا. وقال الثورىُّ: إن صلَّيتَ أربعًا أو(١) سنًّا فحسَنٌ.
التمهيد
وقال الحسنُ بنُ حىٍّ : يصلِّى أربعًا . وقال أحمدُ بنُ حنبل: يصلَّى ستًّا بعدَ
الجمعةِ أحبُّ إلىّ(١)، وإن شاء أربعًا. وكان ابنُ عمریصلِّی بعدهار کعتین فی بیتِه،
ويقولُ: هكذا فعَل رسولُ اللهِ وَِّهِ. وكانت طائفةٌ مِن العلماءِ تصلِّى بعدَها
ركعتَين أيضًا . وحجّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ ، ما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ،
حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ،قال: حدّثنا مسددٌ ،قال : حدّثنا إسماعيلُ ،
قال: حدَّثنا أيوبُ ، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ يُطيلُ الصلاةَ قبلَ الجمعةِ ،
ويصلِّى بعدَها ركعتَين فى بيتِه، ويحدِّثُ أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ كان يفعلُ ذلك(٣).
قال أبو داودَ(٤): وحدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ وسليمانُ بنُ داودَ، قالا: حدَّثنا
حمادُ بنُّ زِيدٍ ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، أَنَّه رأى رجلًا يصلِّى
ركعتين يومَ الجمعةِ فى مقامِهِ ، فدفَعه وقال : أتصلِّى الجمعةَ أربعًا؟ قال: وكان
عبدُ اللهِ يصلِّى يومَ الجمعةِ ركعتَين فى بيته، ويقولُ: هكذا فعَل رسولُ اللهِ وَلِهِ .
القبس
(١) فى الأصل: ((و).
(٢) فى الأصل: ((إليه)).
(٣) أخرجه البيهقى ٢٤٠/٣ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (١١٢٨). وأخرجه
ابن حبان (٢٤٧٦) من طريق مسدد به ، وأخرجه ابن خزيمة (١٨٣٦) من طريق إسماعيل به.
(٤) أبو داود (١١٢٧). وأخرجه ابن المنذر (١٨٧٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٣٦/١، وفى
شرح المشكل (٤١١٠) من طريق حماد به .
(٥) فى الأصل: ((بعد)).
٩٤
الموطأ
وحجَّةُ مَن قال: يصلِّى بعدَ الجمعةِ أربعًا. ما روَاه سُهيلُ بنُ أبى صالح، عن التمهيد
أبيهِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالتِ: ((من كان منكم مصلِّيًا
بعدَ الجمعةِ فلْيصلُّ أربعًا)). وبعضُهم يقولُ فيه عن سُهيلٍ بإسنادِهِ، أَنَّ رسولَ
اللهِ وَِّّه قال: ((إذا صلَّيْتُم الجمعةَ فصلُّوا بعدَها أربعًا)). قال سهيلٌ: وقال لى
أبى : يا بُنيَّ إذا صلَّيتَ فى المسجدِ ركعتين، ثم أتيتَ المنزلَ فصلٌ ركعتين.
ذكر ذلك كلَّه أبو داودَ(١) .
وقد ژُوی عن جماعةٍ مِن السّلفِ أنَّھم کانوا یصلُّون بعد الجمعةِ ر کیتین ثم
أربعًا. وثمّن رُوِىَ ذلك عنه ؛ على بن أبى طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وأبو
موسى، ومجاهدٌ، وعطاءٌ. ورُوِىَ أَنَّ ابنَ مسعودٍ كان يصلِّى بعدَها
أربعًا(٢). وإليه ذهَب إسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي. وجاء عن النخعىِّ فى
الصلاةِ بعدَ الجمعةِ: إن شِئتَ ركعتين، وإن شئتَ أربعًا (٢) .
وروَى حجاجٌ، عن ابنِ جريج، عن عطاءٍ، أَنَّه أخبره أنَّه رأى ابنَ عمرَ
يصلِّى بعدَ الجمعةِ فِينَأَى عن مُصلَّاه الذى صلَّى فيه قليلًا ويصلِّى ركعتين، ثم
يمشِى أكثرَ مِن ذلك قليلًا ويركَعُ أربعَ ركعاتٍ . قلتُ لعطاءٍ: كم رأيتَ ابنَ عمرَ
يفعلُ ذلك؟ قال : مرارًا(٢).
القبس
(١) أبو داود (١١٣١).
(٢) ينظر الأوسط لابن المنذر ١٢٥/٤، ١٢٦.
(٣) أخرجه أبو داود (١١٣٣) من طريق حجاج به .
٩٥
الموطأ
التمهید
وذكر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن ابن جريجٍ، قال : أخبرنى عمرُ بنُ عطاء بنِ أبی
الخُوَارِ (٢) ، أنَّ نافعَ بنَ جبيرٍ أرسَله إلى السائبِ بنِ يزيدَ ابنِ أختِ تَمٍ فيسألُه(٣) عن
شىءٍ رآه منه معاويةُ فى الصلاةِ ، فقال: صلَّيتُ معه فى المقصورةِ ، فلمَّا سلَّمنا
قُمتُ فى مقامِى فصلَّتُ ، فلمَّا دخَل ، أرسَل إلىّ فقال: لا تَعُدْلِما صنَعتَ ؛ إِذا
صلَّيتَ الجمعةَ فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تكلَّمَ، أو تخرجَ، فإِنَّ نبىَّ اللهِ وَلَّهِ أَمَر
بذلك؛ ألَّ توصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ حتى تكلُّمَ أو تخرجَ .
وذكره أبو داودَ(٤) ، عن الحسنِ بنِ علىِّ الحُلْوانىِّ، عن عبدِ الرَّزاقٍ .
وذكَر الطحاوىُّ(١) فى هذا الخبرِ، فقال: انصرَف ابنُ عمرَ إلى ذلك لمّا بلَغه
حديثُ معاويةَ هذا .
وذكَر(١) حديثَ ابنِ جريج، عن عطاءٍ، أَنَّه رأى ابنَ عمرَ على حسَبٍ ما
ذكرناه، ثم ذكَر (٢) حديثَ يزيدَ بنِ أبى حبيبٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عمرَ،
قال(٨) : كان إذا كان بمكةَ فصلَّى الجمعةَ تقدَّمَ فصلَّى ركعتين، ثم تقدَّم فصلَّی
القبس
(١) عبد الرزاق (٥٥٣٤).
(٢) فى الأصل: ((الحوار)). وينظر تهذيب الكمال ٢١ / ٤٦١.
(٣) فى م: ((سله)).
(٤) أبو داود (١١٢٩).
٠
(٥) الطحاوى فى شرح المشكل (٤١١٣، ٤١١٤).
(٦) أبو داود (١١٣٣).
(٧) أبو داود (١١٣٠).
(٨) فى الأصل: ((أنه)).
٩٦
الموطأ.
أربعًا، فإذا كان بالمدينةِ صلَّى الجمعةَ، ثم رجع إلى بيتِه فصلّى ركعتين، ولم التمهيد
يُصلِّ فى المسجدِ ، فقيل له، فقال: كان رسولُ اللهِ وَلَه يفعلُ ذلك.
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ علىٍّ بنِ أحمدَ الحنَانيُّ البصرىُّ
ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ القاضى ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
عبدِ العزيزِ، حدَّثنا أبو الربيع الزَّهرانُ(١)، حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ، حدَّثنا
مالك، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ◌َلٍّ كان لا يصلِّی بعدَ الجمعةِ شيئًافى
المسجدِ حتى ينصرِفَ فيصلَّىَ ركعتَين فى بيتِه .
وحدَّثنا خلفٌ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسينِ بنِ إسحاقَ ، حدَّثنا عبيدُ بنُ محمدٍ
ابنِ موسى - خالُ البزارِ - حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا أبو قرَّةَ موسى بنُ
طارقٍ ، عن مالكِ بنِ أنسٍ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال فى حديثه : إنَّ
رسولَ اللهِ وَهِ كان لا يصلِّى بعدَ الجمعةِ حتى ينصرِفَ ثم يركعَ ركعتين.
قال أبو عمرَ: الاختلافُ عن السلفِ فى هذا البابِ اختلافُ إِباحةٍ
واستِحسانٍ ، لا اختلافُ منع وحظرٍ، وكلَّ ذلك حسنٌ إن شاءَ اللهُ .
روَى إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى عبدِ الرحمنِ السُّلمىِّ ، قال : قَدِم
علينا عبدُ اللهِ فكان يصلِّى بعدَ الجمعةِ أربعًا، وقدِمِ بعدَه علىّ فكان يصلَّى بعدَ
الجمعةِ ركعتين وأربعًا(٢) .
القبس
(١) فى النسخ: ((الوهرانى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٢٣/١١.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٣٧/١، وفى شرح المشكل ٣٠٣/١٠، ٣٠٤ من طريق
إسرائيل به .
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/٦ )
الموطأ
التمهيد
وكذلك مَن لم يَرَ الرَّكعتَينِ بعدَ المغربِ فى المسجدِ ورآهما فى البيتِ ، إنما هو
على الاختيارِ، لا على أنَّ ذلك لا يجوزُ. واللهُ أعلمُ .
وقد تعارَضت فى ذلك الآثارُ المرفوعةُ ؛ منها حديثُ كعبِ بنِ عُجرةَ :
((هذه صلاةُ البيوتِ)) (١). وحديثُ ابنِ عباسٍ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ كان يُطيلُ
القراءةَ فى الركعتَين بعدَ المغربِ حتى يتفرَّقَ أهلُ المسجدِ (١)، وقد رُوِىَ من
حديثٍ محمودٍ بنٍ لَبيدٍ مرسلًا نحوُ حديثٍ كعبِ بنِ عجرةَ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ ، حدَّثنا الخَضِرُ بنُ
داودَ ، حدَّثنا أبو بكرِ الأثرمُ ، قال : حدَّثنا أبو عبدِ اللهِ - يعنى أحمدَ بنَ حنبلٍ -
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ،
عن محمودٍ بنٍ لبيدٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صلَّى المغربَ، ثم قال: ((صلُّوا هاتين
الرّكعتَین فی بیوتِكم))(٢) .
قال أبو بكرٍ: وسُئِل أبو عبدِ اللهِ عن الرّكعتَين بعدَ المغربِ، فقال:
يصلِيها فى منزله أعجبُ إلىّ. قيل له: فإن بعُد منزلُه؟ فقال: لا أدرِى.
قال(١) : ورأيتُ أبا عبدِ اللهِ ما لا أُحصِى إذا صلَّى المغربَ دخَل قبلَ أن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٩٢ .
(٢) أخرجه أحمد ٣٥/٣٩ (٢٣٦٢٤)، وابن خزيمة (١٢٠٠) من طريق ابن إسحاق به .
(٣) ليس فى: الأصل.
٩٨
الموطأ
يتطوَّعَ. قال: وسألتُ أبا عبدِ اللهِ عن تفسير قوله: ((لا يُصلَّى بعدَ صلاةٍ التمهيد
مثلُها)) (١). قال: هو أن يصلِّىَ الظهرَ فيصلِّىَ أربعًا بعدَها لا يسلِّمُ، ثم قال:
أليس قد قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: إذا سلَّم فى اثنتين فليسَ مثلَها. ثم قال: أمّا أنا
فَأذهَبُ فى الأربع قبلَ الظهرِ إلى أن أُسلِّمَ فى الاثْتَتَين منها: ثم قال : أمَّا
الركعَتان قبلَ الفجرِ ففى بيتِه وبعدَ المغربِ فى بيته . ثم قال: ليس ههنا أوكَدُ
مِن الركعتَين بعدَ المغربِ فى بيتِه. ثم ذكر حديثَ ابنٍ إسحاقَ: ((صلُّوا هاتين
الّکعتین فی ثیوتِكم)) .
قال أبو بكرٍ : حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي الأسودِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبی
الوزيرِ أبو المُطَرِّفِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ موسى الفِطرىُّ، عن سعدٍ (٢) بنِ
إسحاقَ بنِ كعبٍ بنِ عُجرةَ، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ وَلِّ أتاهم فى بنى
عبد الأشهلِ، فصلَّى المغربَ، فرآهم يتطوَّعون بعدَها، فقال: ((هذه صلاةٌ
(٣)
البيوت ))
وهذا يحتمِلُ أن يكونَ على الاختيارِ فى التطوُّع أكثرَ مِن الركعتين،
ويحتملُ أن يكونَ فى الرّكعتَين .
قال أبو بكر الأثرمُ: وحدَّثنا القعنبىُ ، قال : حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال ، عن
ربيعةَ، أَنَّه سمِع السائبَ بنَ يزيدَ يقولُ: لقد رأيتُ الناسَ فى زمنٍ عمرَ بنِ
القبس
(١) ينظر نصب الراية ١٤٨/٢.
(٢) فى م: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٨/١٠.
(٣) تقدم ص ٩٢ .
٩٩
الموطأ
الخطابِ إذا انصرفوا مِن المغربِ انصرَفوا جميعًا حتى ما يَبقَى فى المسجدِ أحدٌ ؛
كانوا لا يصلُّون بعدَ المغربِ حتى يَصِيروا إلى أهليهم .
التمهيد
قال : وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ إسحاقَ ، عن العباسِ بنِ سعدٍ ، أنَّ الناسَ كانوا على عهدٍ عثمانَ يُصلُّون
الركعتَينِ بعدَ المغربِ فى بيوتهم(١) .
قال: وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمیدِ ، عن الأعمشِ،
عن ثابتِ بنِ عُبيدٍ ، قال : رأيتُ زيدَ بنَ ثابتٍ صلَّى الركعتَينِ بعدَ المغربِ فى بيتِه .
قال : وحدَّثنا معاويةُ بنُ عمرٍو ، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ،
قال: كان إبراهيمُ إذا صلَّى المغربَ فى المسجدِ رجَع فصلّى ركعتَين فى بيتِه .
وذكَر الحسنُ بنُ علىِّ الْحُلُوانِىُ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ ،
قال: حدَّثنى أبى أنَّ أباه سعدَ بنَ إبراهيمَ كان لا يصلِّى الرَّكعتَينِ بعدَ المغربِ إِلَّ
فى بيته . وقال إبراهيمُ: ربما قرأتُ على أبى جزءًا فى الحمَّامِ ، وقرأتُه عليه مرّةً فى
الحمامِ ومعه عبدُ اللهِ بنُ الفضلِ. قال يعقوبُ: ولم أعقِلْ أبى قطّ إلَّ وهو يصلِّى
الركعتين بعدَ المغربِ فى بيتِه .
فهذه الآثارُ كلُّها تُبيِّنُ لك أنَّ صلاةَ الرَّكعتين بعدَ المغربِ فى البيتِ أفضلُ ،
وأنَّه الأمرُ القديمُ وعملُ صدرِ السلفِ، وهو الثابتُ عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه كان
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٤٦/٢ من طريق ابن إسحاق به .
١٠٠