النص المفهرس

صفحات 341-360

· الموطأ
التمهيد
على أمّه))(١).
فإِذا جازَ التخفيفُ والتجوّزُ فى الصلاةِ لمثلٍ ما فى هذا الحديثِ ، فكذلك
يجوزُ ويجبُ مِن أجلِ الضعيفِ ، والكبيرِ، وذى الحاجةِ ، فكيف وقد وردَ فيه
النَّصُّ الثابتُ . والحمدُ للهِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ، قال: حدَّثنا
سَعدانُ(١) بنُ نصْرٍ، حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن إسماعيلَ ، عن قیسٍ، عن
أبى مسعودٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِِّ نَّهِ فقال: إنِّى لأتخلَّفُ عن صلاةِ
الصبح مما يطوّلُ بنا فلانٌ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ منكم مُنَفِّرين، فأيُّكُم أمَّ
الناسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الكبيرَ، والسقيمَ ، وذا الحاجةِ))".
وذكرَه البخارىُّ(٤) ، عن محمدٍ بنِ يوسفَ الفريابيِّ، عن سفيانَ، عن
إسماعيلَ ، عن قيسٍ، عن أبى مسعودٍ ، مثلَه .
وروَى شعبةُ ، عن مُحاربٍ بنِ دثارٍ ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ قال :
أقبَل رجلٌ مِن الأنصارِ معه ناضحان (٢) له وقد جنَحتِ الشمسُ، ومعاذٌ يصلِّی
القبس
(١) النسائى (٨٢٤)، وفى الكبرى (٨٩٩). وأخرجه أحمد ٢٨٨/٣٧ (٢٢٦٠٢) من طريق ابن
المبارك به، وأخرجه البخارى (٧٠٧، ٨٦٨)، وأبو داود (٧٨٩)، وابن ماجه (٩٩١) من طريق
الأوزاعى به .
(٢) فى م: ((سعيد)). وسعيد اسمه، وسعدان لقبه. وينظر سير أعلام النبلاء ٣٥٧/١٢.
(٣) أخرجه الحميدى (٤٥٣)، ومسلم (٤٦٦) من طريق ابن عيينة به .
(٤) البخارى (٧٠٤).
(٥) الناضح: ما استعمل من الإبل فى سقى النخل والزرع. فتح البارى ٢٠٠/٢.
٣٤١

الموطأ
التمهید
المغربَ، فدخَل معه فى الصلاةِ، فاستفتَح معاذٌ ((البقرةَ)) أو ((النساءَ)) - مُحاربٌ
الذى يشُكُّ - فلما رأَى ذلك الرجلُ صلَّى ثم خرَج. قال: فبلغه أنَّ معاذًا نال
منه، قال: فذكر ذلك للنبيِّي وَّهِ، فقال: ((أفتَّانٌ يا معاذُ؟ أفتانٌ يا معاذُ ؟ فهلا
قرَأْتَ بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و:﴿الشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾. فإِنَّ وراءَك الكبيرَ،
وذا الحاجةِ ، والضعيفَ )).
ذكَّره أحمدُ بنُ حنبلٍ(١) ، وبندارٌ، جميعًا عن غُندرٍ، عن شعبةً .
وحدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم، حدَّثنا ابنُ حَبابةَ، حدَّثنا البغوىُّ، حدَّثنا علىُ بنُ
الجعدِ ، حدَّثنا شعبةُ . فذكره سواءً(٢) .
وقد رُوِىَ عن عمرَ بنِ الخطابِ ، أَنَّه قال: لا تُبَغِّضُوا اللهَ إلى عبادِه؛ يُطوِّلُ
أحدُكم فى صلاتِه حتى يشُقَّ على من خلفَه. فى (١) كلام هذا معناه .
قرَأْتُ على أحمدَ بنِ فتح ، أنَّ ( محمدَ بنَ" عبدِ اللهِ بنِ زكريا النيسابوريَّ
حدَّثهم ، قال : حدّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بنِ یونسَ ، حدَّثنا یوسفُ بنُ سعیدِ بنِ
مسلمٍ ، حدَّثنا حجَّاجْ، عن ابن جريجٍ، قال : أخبرنى زيادٌ ، عن ابنِ عجلانَ ،
قال : حدَّثنى بُكَيرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، قال: حدَّثنى معمرُ بنُ أبى حبيبةً، عن
عبيدِ اللهِ بنِ عدىٌّ بنِ الخيارِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، أَنَّه قال: أيُّها الناسُ ، لا
القبس
(١) أحمد ٩٩/٢٢ (١٤١٩٠).
(٢) البغوى فى الجعديات (٧١٩).
(٣) فى ص، ص ١٧: ((أو)).
(٤ - ٤) سقط من: م. وينظر بغية الملتمس ص ١٩٩.
٣٤٢

٣٠٢ - مالِكٌ، عن نافع، أنه قال: قمْتُ وراءَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ فى الموطأ
صلاةٍ مِن الصلواتِ ، وليس معه أحدٌ غيرى، فخالف عبدُ اللهِ بيدِه ،
فجعلنی حذاءه عن يمينِه .
التمهيد
تُبَغِّضُوا اللهَ إِلى عبادِه . فقال قائلٌ منهم: وكيف ذلك؟ قال : يكونُ الرجلُ إمامًا
للناسِ يُصلِّى بهم ، فلا يزالُ يطوِّلُ عليهم حتى يُبَغِّضَ إليهم ما هم فيه، أو يجلسُ
قاصًّا ، فلا يزالُ يُطوِّلُ عليهم حتى يُتَغِّضَ إليهم ما هم فيه (١) .
مالكٌ، عن نافع، أنه قال: قمتُ وراءَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ فى صلاةٍ مِن الاستذكار
الصلواتِ ، وليس معه أحدٌ غيرى ، فخالَف عبدُ اللهِ بيدِه، فجعلنی حذاءَه عن
(٢)
فِه(٢) .
يمينه
قال أبو عمرَ : هذا مِن فعلِ ابنِ عمرَ سنةٌ وإجمائٌ ، فالسنةُ ما رواه ابنُ عباسٍ
وغيرُه فى ذلك .
رَوى الحميدىُ(٢) ، عن ابنِ عيينةً، عن عمرو بنٍ دينارٍ ، أنه أخبَره قال :
أخبرنى كريبٌ، أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: بِتُّ عندَ خالتى ميمونةَ، فقام
النبيُِّ وَهُ من الليلِ" فتوضَّأ، فصنعتُ مثلَ ذلك، ثم جئتُ فقمتُ عن
يسارِهِ، فأخلَفنى فجعَلنى عن يمينه، فصلَّى ما شاء اللهُ، ثم نام .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٧٠، والبيهقى فى الشعب (٨١٣٩) من طريق ابن عجلان به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٧٧)، وبرواية أبى مصعب (٣٣٧) .
(٣) تقدم تخريجه ص ١٥٢.
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل، م.
٣٤٣

٣٠٣ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن رجلاً كان يؤُمُّ الناسَ
الموطأ
بالعَقِيقِ ، فأرسَل إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ فنهاه .
قال مالكٌ : وإنما نهاه ؛ لأنه كان لا يُعْرَفُ أبوه .
الاستذ کار
ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن هذه سنةُ «من صلَّى" مع إمامٍ وحدَه أن يقومَ عن
يمينه ، فإن كان مع الإمامِ ثلاثةُ رجالٍ سِواه ، فالسنةُ المجتمعُ عليها أيضًا أن يقوموا
خلفَه ، لا خلافَ بينَ علماءِ الأمةِ فى ذلك .
واختلفوا إذا كان مع الإمام اثنان ؛ فقالت طائفةٌ : یقومُ الإمامُ بينهما . رُوی
ذلك عن ابن مسعودٍ (١. وبه قال جماعةٌ مِن فقهاءِ الكوفة . وقال آخرون : حکم
الاثنين كحكم الثلاثة ، لا يقومون إلا خلفه، و کذلك حكمُ الاثنین فی أکثرِ
أحكامِ الصلاةِ حكمُ الجماعةِ .
وإلى هذا ذهَب مالكٌ والشافعىُّ فى حكم الرجلين مع الإمام ، أنهما يقومان
خلفَه ولا يقومُ بينَهما .
وأجمع العلماءُ أيضًا أن مَن صلَّى بامرأةٍ لا تقومُ المرأةُ إلا خلفَه لا تقومُ عن
يِينِه بخلافِ الرجلِ، وسيأتى حكمُ ذلك فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالى .
وذكَر مالكٌ فى هذا البابِ أيضًا عن يحيى بن سعيدٍ ، أن رجلًا كان يؤمّ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
:
(٢) فى ح: ((عباس)).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٨٦/٢ .
٣٤٤

الموطأ
الاستذكار
الناسَ بالعَقِيقِ، فأرسَل إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ فنهاه .
قال: وإنما نهاه ؛ لأنه كان لا يُعرفُ أبوه .
قال أبو عمرَ : هذه عندَهم كنايةٌ كالتصريح؛ لأنه كان ولدَ زنّى، فکرِه
عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحِمه اللهُ أن يُنصَّبَ مثلُه إمامًا؛ لأنه خُلق مِن نطفةٍ خبيثةٍ .
وقد رُوى أنه شرّ الثلاثةِ كما يُعابُ مَن حملَت به إن كانت حائضًا، أو مِن
سكرانَ ، وإن كان هو فى ذلك كلِّه لا ذنب له.
وقد يحتمِلُ أن يكونَ نهاه عن التعرضِ للإمامةِ؛ لأنه فيها كمالٌ وجمالٌ
حالٍّ بنفسِ صاحبِها ، ويُحسدُ عليها .
فمَن كان لغيرِ رشدِه وطلَب ذلك، فقد عرَّض نفسَه للقولِ فيه، وجعَلها
غرضًا للألسنةِ ، وأثار على نفسِه مَن كان سكت عنه لو لم يَصِرْ فى حالِه تلك .
واللهُ أعلمُ .
واختلف الفقهاءُ فى إمامةٍ ولدِ الزنى؛ فقال مالكٌ: أكرهُ أن يكونَ إمامًا
راتبًا . قال : وشهادتُه جائزةٌ فى كلِّ شىءٍ إلا فى الزنى، فإنها لا تجوزُ .
وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ .
وقال سفيانُ الثورىُّ، والأوزاعىُّ: لا بأسَ بأن يؤمّ ولدُ الزنى. وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه : غيرُه أحبُّ إلينا .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٣٨). وأخرجه الشافعى ١٦٦/١، والبيهقى ٩٠/٣ عن مالك به.
٣٤٥
.

الموطأ
صلاةُ الإمام وهو جالس
٣٠٤ - حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس بنِ
مالكِ، أن رسولَ اللهِ وَلَّرَكِبِ فَرَسًا، فصُرِعٍ، فَيُحِش شِقُّه الأيمنُ،
وقال الشافعىُّ: أكرَهُ أَن يُنصَّبَ إمامًا راتبًا من لا يعرفُ أبوه ومن صلَّى
خلفه أجزأه(١) .
الاستذ کار
وقال عيسى بنُّ دينارٍ : لا أقولُ بقولِ مالك فى إمامةِ ولدِ الزنى ، وليس عليه
مِن ذنبٍ أبویه شىء .
وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بن عبد الحكم : لا أکرهُإمامةً ولدِ الزنی إذا کان فى
نفسِه أهلاً للإمامةِ.
قال أبو عمرَ : ليس فى شىءٍ مِن الآثار الواردة فى شرطِ الإمامةِ فى الصلاةِ ما
يدلُّ على مراعاةٍ نسبٍ ، وإنما فيه الدلالةُ على الفقهِ والقراءةِ والصلاحِ فى الدينِ .
التمهید
مالكٌ ، عن ابنٍ شهابٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ ، أَنَّ رسولَ اللهِ ێ رِكِب فرسًا
فصُرِعَ منه ، فُجُحِش شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى صلاةً مِن الصلواتِ وهو قاعدٌ ، فصلَّينا
ورَاءَه ◌ُعودًا، فلمَّا انصرَف قال: ((إَّمَا جُعِل الإمامُ لِيُؤْتِمَّ بهِ، فإذا صَلَّى قائمًا ،
فصلُّوا قيامًا ، وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا رفَع فارفَعُوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمن
القبس
(١ - ١) فى الأصل: (( ... أجزأه))، وفى م: ((لأن الإمامة موضع فضل وتجزئ من صلى خلفه
صلاتهم وتجزيه)). وقول الشافعى ١٦٦/١ أطول من ذلك، والمثبت من تفسير القرطبى ٣٥٥/١،
وهو موافق لمقدار البياض فى الأصل.
٣٤٦

فصلّى صلاةٌ مِن الصلواتِ وهو قاعدٌ، وصلَّينا وراءَه قُعودًا، فلما الموطأ
انصرَف قال: ((إنما جُعِل الإمامُ ليُؤْتَّمَّ به ؛ فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا ،
وإذا ركَع فاركعوا، وإذا رفَع فارفعوا، وإذا قال: [٥٠و] سمِع اللهُ لمن
حَمِده. فقولوا : ربَّنا ولك الحمدُ. وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا
أجمعون)).
حمِده. فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. وإذا صلَّى جالِسًا فصَلُّوا مُجُلوسًا التمهيد
أجمعونَ )) (١) .
لم يَخْتِلِفْ رُوَاةُ ((الموطأُ)) فى إسنادِ هذا الحديثِ عن مالك، عن الزهرىِّ،
عن أنسٍ . وروَاه سويدُ بنُ عبدِ العزيزِ)، عن مالِكِ، عن الزهرىِّ، عن
الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ قال: ((أَمَا جُعِل الإِمامُ لِيُؤْتَمَ به، فإذا كبّر
فكبّروا، وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا قال : سمِع اللهُ لمن حمِده. فقولوا: ربَّنا لك
الحمدُ . وإذا سجَد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالِسًا، فصلُّوا مُجُلوسًا أجمعون)).
فأخطأَ سويدٌ فى هذا الحديثِ خطأً لم يتابعه أحدٌ عليه فيما علِمتُ ، وزاد فيه :
((إذا كبَّر فكبّروا، وإذا سجَد فاسجدوا)). ولم يقلْ: ((إذا رفَع فارفَعوا)).
حدَّثَنَاه خلفُ بنُ القاسِم ، حدَّثَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زكريا النيسابورىُّ،
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٥٧)، وبرواية أبى مصعب (٣٣٩). وأخرجه الدارمى
(١٢٩١، ١٣٤٩)، والبخارى (٦٨٩)، ومسلم (٨٠/٤١١)، وأبو داود (٦٠١)، والنسائى
(٨٣١) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤، وفى م: ((سعيد)). وينظر علل الدارقطنى ٢٢٢/٨، وتهذيب الكمال
١٢/ ٢٥٥، وسيأتى على الصواب فى الصفحة التالية .
٣٤٧

الموطأ
التمھید
حدَّثَنَا إِسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ، حدَّثَنا كَثيرُ بنُ عُبيدٍ ، حدَّثَنَا سويدُ بنُ
عبدِ العزيزِ، حدَّثَنا مالكٌ، عن الزهرىِّ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَّ لَهِ قال: ((إَمَا جُعِل الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)). فذكَرهُ(١) . وروَاه ابنُ وهبٍ،
عن مالكٍ، عن الزهرىِّ، عن أنس٢ٍ، عن النبيِّ وَله، وقال فيه: ((إَما يُجُعِل
الإمامُ ليُؤْتمَّ به، فلا تختلفُوا عليه))(١). وتابعه على ذلك عن مالك، أبو علىٍّ
الحنفىُُّ وابنُه يحيى بنُ مالكِ، وهذه الزّيادةُ ليست فى ((الموطأ)))) إلَّ فِى
بلاغاتٍ مالكٍ؛ أعنى قولَه : ((فلا تختلفوا عليهِ))(٥) .
وقد روَاها معنُ بنُ عيسى ، وأبو قُرّةَ موسى بنُ طارقٍ ، عن مالك ، عن أبى
الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((إَمَا جُعِل الإِمامُ ليُؤْتمَّ
بهِ، فلا تختلِفُوا عليه)). وذكر الحديثَ. وسنذكُرُه بتمامِه فى بابٍ بلاغاتِ
مالكٍ (٥) إن شاءَ اللهُ.
وزادَ عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ أيضًا فى هذا الحديثِ: ((وإذا كبَرَ فَكَبّروا، وإذا
سجَد فاسجدوا)). وتابَعه على ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ وجويريةُ بنُ
أسماءً(١). وذكر فيه إبراهيمُ بنُ بشيرٍ عن مالكِ التكبيرَ، ولم يذكُرِ السُّجودَ .
القبس
(١) أخرجه ابن عدى ١٢٦١/٣ عن إسحاق بن يونس به .
(٢ - ٢) سقط من: م، وسيأتى على الصواب فى الصفحة التالية .
(٣) سيأتي تخريجه فى الصفحة التالية .
(٤) أخرجه الدارمى (١٢٩١، ١٣٤٩) عن أبى على الحنفى به .
(٥) تقدم فى الموطأ عقب الحديث (٢٠٦).
(٦) أخرجه ابن حبان (٢١٠٣) من طريق جويرية به، كرواية ((الموطأ)) بدون الزيادة المذكورة.
٣٤٨

الموطأ
وليس فى ((الموطأُ)) قولُه: ((إذا كبّر فكبّروا)). ولا قولُه: ((إذا سجد التمهيد
فاسجدوا)).
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثَنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثَنَا ابنُ وضَّاحِ،
حدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرو بنِ السَّرْحِ ويونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قالا : حدَّثَنَا عبدُ اللهِ
ابنُّ وهبٍ، قال : أخبرَنى يونسُ بنُ يزيدَ، ومالكُ بنُ أنسٍ ، والليثُ بنُ سعدٍ ،
وابنُ سَمعانَ، أَنَّ ابنَ شهابٍ أخبرَهم، قال: أخبرنى أنسُ بنُ مالكِ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لَ ركِب فرسًا فصُرِعَ عنه، فُحِشَ شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى لنَا(١)
صلاةٌ مِن الصَّلواتِ وهو جالِسٌ، وصلَّينا معه جُلوسًا، فلمَّا انصرَف قال: ((إَّما
مُجُعِل الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فلا تختلِفُوا عليه ، فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا ، وإذا كبّر
فكبّروا، وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا رفَع فارفَعوا ، وإذا قال : سمِع اللهُ لمن حمِده .
فقولُوا : ربَّنا ولك الحمدُ. وإذا سجَد فاسجدوا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا
أجمعون))(٢).
فقولُه فى هذا الحديثِ: ((فلا تختلِفُوا عليه)). ليس فى ((الموطأً))، ولا روَاه
بهذا الإسنادِ عن مالكِ غيرُ ابنٍ وهبٍ ، وابنه يحيى بنِ مالكٍ ، وأبى علىَّ الحنفىِّ.
واللهُ أعلمُ .
القبس
(٦) أخرجه ابن حبان (٢١٠٣) من طريق جويرية به، كرواية ((الموطأ)) بدون الزيادة المذكورة.
(١) ليس فى: ص ٤، وسنن البيهقى .
(٢) أخرجه أبو عوانة (١٦١٧) عن يونس بن عبد الأعلى به ، بدون ذكر ابن سمعان وهو فى موطأ
٣٤٩.

الموطأ
التمهيد
وقولُه: ((وإذا كبَرَ فَكَبِّروا، وإذا سجَد فاسجدوا)). ليس فى ((الموطأ))، ولا
رواه عن مالكِ غيرُ ابنِ وهبٍ، وابنٍ مهدئٍّ، وجوَيْرِيَةَ، واللهُ أعلمُ .
وروَاه أبو حنيفةَ قَحْزَمُ (١) بنُ عبدِ اللهِ بنِ فَحْزَمٍ (٢) الأسوانىُ، عن الشافعىِّ،
عن مالكِ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ ، فزادَ فيه: فى بيتِه . وقال فيه أيضًا : فأشارَ
إليهم أن اجلسوا . ولم يقُلْ ذلك فى هذا الحديثِ عن مالكِ أحدٌ غيرُ الشافعىِّ فى
روايةٍ فَحزَم عنه خاصةً ، وإَّما قال مالكٌ : فأشار إليهم أن اجلِسُوا . فى حديثه عن
هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً(٢) . قال الدَّارَ قطنىُ: ليسَ يُحفَظُ فى هذا
الحديثِ أنَّه صلَّى فى بيتِه ، إلَّا مِن رِوايةٍ أبى حنيفةَ قَحزَمِ، عن الشافعىِّ ، عن
مالكِ ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ . وهو محفوظٌ مِن روايةِ أيوبَ ، عن الزهرِىِّ، عن
أنسٍ ، أَنَّ النبيَّ بَّهِ صُرِع عن فرسِه، فجُحِش جَنُه، فدخَلوا عليه يعُودُونه ،
فصلَّى بهم قاعدًا، وأومَأ إليهم أنِ اقعدوا، فلمَّا قضَى صلاتَه، قال: ((إَّا بجعِل
الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به)). وذكر الحديثَ(٤).
قال أبو عمرَ: وأمَّا حديثُ قَحزَم، عن الشافعىِّ فأخبرناه علىُّ بنُ إبراهيمَ ،
حدَّثَنا الحسنُ بنُ رشيقٍ ، حدَّثَنَا أبو الحسنِ فقيرُ بنُ موسى بن عيسى الأسوانئ ،
حدَّثَنَا أبو حنيفةً فَحزَمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ فَحزَمِ الأسوانىُ، حدَّثَنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ
القبس
(١) فى ص ٤: ((فحدم)). وينظر طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٦٠.
(٢) فى ص٤ فى هذا الموضع وما سيأتى: ((محزم)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٣٠٥).
(٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (٧٥١٥)، وابن عدى ٢٢٠١/٦ من طريق أيوب به .
٣٥٠

الموطأ
التمهيد
ابنُ إدریسَ الشافعىُّ ، حدَّثَنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابن شهاب ، عن أنس بنٍ
مالك، أنَّ رسولَ اللهِ نَّهْ رِكِب فرسًا فصُرِعَ عنه، فحُحِشَ شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى
فى بيتِه قاعدًا، وصلَّى خلفَه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم أنِ اجلِسُوا، ثم قال: ((إَّا
جُعِل الإِمامُ ليُؤْتَّ به، فإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جُلوسًا أجمعون)).
فخلَط فيه قَحزَمٌ ، وزاد ونقص ولم يُتِمَّه، والصحيحُ عن مالكِ فيه ما فى
((الموطأُ))، واللهُ أعلمُ.
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ ركُوبُ الخيلِ، ( وحركتُها) ، والتقلُّبُ عليها ،
وهو يؤُدُّ ما رُوِى عن عمرَ مِن كراهيةٍ ركوبِ الخيلِ لما فيه مِن الخُلاءِ. وأمّا
الشّقوطُ مِن ظُهورِها ، فإِنَّه لا يكونُ فى الأغلبِ لمن يُحسِنُ رُكوبَها ، إلَّا مع
حرَكتِها ودَفِعِها وإجرائِها، وكانَ رسولُ اللهِ وَلِّ مِن أحسَنِ الناسِ تقلُّبًا
عليها) . وفى حديثٍ قتادةَ وثابتٍ، عن أنسٍٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ مَلَّ رَ كِب فرسًا
◌ُزيًّا(٢) لأبى طلحةَ. قال بعضُ أهلِ السّيَرِ: كان ذلك منه فى حينَ أغارَ عيينةُ بنُ
حِصْنٍ على لقاحِ المدينةِ، فخرج رسولُ اللهِ وَلَه. وفى حديثٍ أنسٍ أنَّ خيلَ
المشركين أغارَت على لِقاح بالمدينةِ، فوقَعتِ الصَّيحةُ ، فخرج رسولُ اللهِ وَئِه
على فرسٍ لأبى طلحةَ عُزِيٍ، ثم انصرَف فقال: ((إنْ وجَدنَاه لَبَحرًا)).
وذكر ابنُّ المباركِ، وغُندرٌ، وابنُ أبى عدىٍّ، عن شعبةً، عن قتادةَ ، قال :
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ٤.
(٢) فرس عرى: أى لا سَرْج عليه وغيره، واغْرورى فرسه إذا ركبه عُريا، فهو لازم ومتعد، أو يكون
أتى بفرسٍ معرورّى، على المفعول، ويقال: فرس تُرى وخيل أعراء. النهاية ٢٢٥/٣.
٣٥١

الموطأ
التمهيد سمِعتُ أَنسَ بنَ مالكِ، يقولُ: كان بالمدينةِ فزعٌ، فاستَعار رسولُ اللهِ وَلَّهِ فِرْسًا
لأبي طلحةَ يقالُ له: مَندُوبٌ. فركِبه، فلمَّا انصرَف قال: ((إِنْ وجَدنَاهِ لِبَحرًا))(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هشامٍ ، حدَّثَنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ فِرَاسٍ ، حدَّثَنا
محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّبِىُّ ، قال : حدَّثَنا محمدُ بنُ زُنُورٍ ، حدَّثَنا حمادُ بنُ زیدٍ ،
عن ثابتِ البُنانىّ، عن أنسٍ بنِ مالِكِ، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَ لَّهِ أَ جْمَلَ الناسِ
وَجْهَا، (وأجْوَدَ الناسِ كَقًّا)، وأَشْجَعَ الناسِ قَلْبًا، خَرَج وقد فَزِعَ أهلُ
المدينةِ)، فركِبَ فَرَسًا لأبى طلحَةَ عُرْيًا، ثم رجَع وهو يقولُ: ((لن تُراعُوا ، لن
تُراعُوا)). ثم قال: ((إِنْ وَجَدْنَاه لَبَحْرًا))(٤) .
قال أبو جعفرِ الدَِّلِىُّ: قال لنا ابنُ زُنْتُورٍ : لم أسْمَعْ مِن حَمَّادِ بنِ زيدٍ غيرَ هذا
الحديثِ، لَقِيتُه (بزمزمَ فحدَّثَنِى بِهِْ).
وأمَّا قولُه: ((فُجُحِش شِقُّه)). فإنَّ ذلك كما لو زاحم إنسانٌ جدارًا ،
فانخَدَش خَدشًا بيِّنًا، كما نقولُ نحنُ : انسلَخ وانْجَرَح. فالجَحْشُ فوقَ الخَدْشِ،
القبس
(١) أخرجه البخارى (٢٨٦٢) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أحمد ١٥٥/٢٠، ٢٢١
(١٢٧٤٤، ١٢٨٥١)، والبخارى (٢٨٥٧)، ومسلم (٤٩/٢٣٠٧)، والترمذى (١٦٨٦) من
طريق غندر به، وأخرجه الترمذى (١٦٨٦) من طريق ابن أبى عدى به .
(٢ - ٢) ليس فى: ص ٤، والسنن الكبرى للنسائى.
(٣ - ٣) فى م: ((الناس)).
(٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (١٠٩٠٤) عن محمد بن زنبور به، وأخرجه أحمد ٤٧٧/١٩
(١٢٤٩٤)، والبخارى (٢٨٢٠، ٢٩٠٨، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣)، ومسلم (٤٨/٢٣٠٧)، والترمذى
(١٦٨٧)، وابن ماجه (٢٧٧٢) من طريق حماد بن زيد به .
(٥ - ٥) فى م: ((عند زمزم بهذا الحديث)).
٣٥٢

الموطأ
::
وحَسبُك أنَّه لم يقدِرْ على الصلاةِ قائمًا فصلَّى قاعدًا .
التمهيد
وأمَّا قولُه: ((إَّا مُجُعِل الإِمامُ لِيُؤْتمَّ بِهِ)). فقد أجمَع العلماءُ على أنَّ الائْتِمامَ
واجبٌ على كلِّ مأمومٍ بإمامِه فى ظاهرٍ أفعالِهِ ، وأَنَّه لا يجوزُ له خلافُه لغيرِ عُذرٍ .
وفيه حجّةٌ لمالكِ، وأبى حنيفةَ ، وأصحابِهما، فى إبطالٍ صلاةٍ مَن خالَفت نيتُه
◌ِيَّةَ إِمامِه، فصلَّى ظهرًا خلفَ إمام يُصلِّى عصرًا، أو صلَّى فريضَةً خلفَ إِمامٍ
يُصَلِّى نافِلَةً ؛ لأَنَّه لم يَأْتَّ به فى صلاتِهِ، فوجَب أَلَّا يُجْزِئَه. وأمَّا اختلافُ نِيَّةِ
الإمامِ والمأمومِ، فقد أرجأَنا) القولَ فى هذه المسألةِ إلى بلاغاتِ مالكٍ
ومرسلاتِه عن نفسِه، حيثُ قال رسولُ اللهِ وَلَةِ: (( إَّا جُعِل الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ به ، فلا
تختلِفُوا عليه)). فهناكَ أولَى المواضعِ به، وقد ذكرنا هذه اللفظةَ مسندةٌ مِن
غيرِ حديثِ مالكِ فى هذا البابِ بإسنادٍ صحيحٍ، وذكرنا هنالك ما للعلماءِ
فى جوازِ اختلافٍ نِيَّةِ المأمومِ والإمامِ مِن المذاهبِ والأقوالِ والتنازع
والاعتِدَالِ (٢) إن شاءَ اللهُ.
وأمَّا قولُه: ((فإذا صلَّى قائمًا فصَلُّوا قيامًا)). فهذا كلامٌ خرَج على صلاةٍ
الفريضةِ(١) ؛ لأنَّه صلَّى بهم صلاةٌ مِن الصَّلَواتِ الخمسِ، حينَ ذكَر ذلك لهم،
وأمرَهم بما فى هذا الحديثِ، وهذا ما لا خِلافَ فيه، وقد أجمَعُوا على جَوازٍ
صَلاةِ الجالِسِ خلفَ القائِم فى النَّافِلَةِ ، فدَلَّ ذلك على ما ذكرنا، إِلَّ أنَّ المصلِّىَ
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((فسيأتى ذكر ذلك)).
(٢) تقدم فى ٤٤٩/٤ - ٤٥٢.
(٣) بعده فى ص ٤: ((وهذا ما لا خلاف فيه)).
٣٥٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٣/٥ )

الموطأ
فى النافلةِ جالِسًا وهو قادرٌ على القيامِ، له نصفُ أجرِ صلاةِ القائم، وقد مَضَى
التمهيد
القولُ فى حكم صَلاةِ القاعدِ فى النافلَةِ ، وحكم صلاةِ المريضِ فى بابٍ إسماعيلَ
ابنِ محمدِ بنِ سعد بن أبى وقاصٍ(١).
وفى قوله: ((فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا)). بيانٌ لقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُومُواْ
لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وأجمَع العلماءُ على أنَّ القيامَ فى صلاةِ الفريضةِ
فرضّ واجبٌ على كلِّ صحيحٍ قادرٍ عليه ، لا يُجزُِه غيرُ ذلك إنْ كان مُنفَردًا أو
إمامًا .
واختلفوا فى المأمومِ الصَّحيح يُصلِّى قاعدًا خلفَ إمامٍ مريضٍ لا يستَطيعُ
القيامَ ، فأجازَت ذلك طائفةٌ من أهلِ العلم ؛ اتباعًا لهذا الحديثِ وما كان مثله من
قولِهِ نَّر فى الإمام: ((وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلُوسًا أجمعون)). رُوِى هذا
الحديثُ عن النبيِّ ◌َل من طُرُقٍ كثيرةٍ متواترةٍ ؛ مِن حديث أنس ، وحديثِ أُبی
هريرةَ(٢)، وحديثٍ عائشةً(٢)، وحديثِ ابنِ عمرَ )، وحديثِ جابٍ(٥) ، كلُّها
عن النبيِّ ◌ِّهِ بأسانيدَ صِحاح، وثمّن ذهَب إلى هذا؛ حمادُ بنُ زيدٍ ، وأحمدُ بنُ
حنبل ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، وإليه ذهَب داودُ فى روايةٍ عنه. قال أحمدُ بنُ
القبس
(١) سيأتى ص ٣٨٠ - ٣٨٨.
(٢) أخرجه أحمد ٤٩٤/١٣ (٨١٥٦)، والبخارى (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٣٠٥).
(٤) أخرجه أحمد ٤٩٠/٩ (٥٦٧٩)، وأبو يعلى (٥٤٥٠).
(٥) أخرجه أحمد ١١٦/٢٢ (١٤٢٠٥)، وأبو داود (٦٠٢)، وابن حبان (٢١١٤).
٣٥٤

الموطأ
حنبل : وفعَله أربعةٌ مِن الصحابةِ بعدَه؛ أَسيدُ بنُ حُضَيرِ، وقيسُ بنُ قَهدٍ ، التمهيد
وجابرٌ، وأبو هريرةَ .
حدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثَنَا
ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثَنا أبو الطَّاهرِ، قال: حدَّثَنا أنسُ بنُ عياضٍ، قال :
حدَّثنى يحيى بن سعيدِ الأنصارىُّ، عن بُشَيْرِ بنِ يسارٍ، أنَّ أُسيدَ بنَ حُضَيرٍ
كان يَؤُمُّ قومَه بنى عبدِ الأشهلِ، فاشتكى، فخرج عليهم بعدَ شكْوَاه ، فأمَرُوه
أَنْ يَتَقَدَّمَ لهم، فقال: لا أستطيعُ. فقالُوا: لا يُصَلِّى بنا ما كنتَ فينا غيرُك .
فقال: إِنِّى لا أستطيعُ أن أَصلِّىَ قائمًا فاقعُدُوا. فصلَّى قاعدًا، وصلَّوْا
قُعودًا(١).
أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرِ قراءَةً مِنِّى عليه ، قال: حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ ،
قال : حدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن صالحٍ ، قال :
حدَّثَنَا يعلَى بنُ عُبيدٍ ، قال : حدَّثَنَا إسماعيلُ ، عن قيسٍ بنِ أبى حازمٍ ، عن قيسٍ
الأنصارىِّ، قال: اشتكَى إِمامُنا أيامًا، فَكُنَّا نُصلِّى بصلاتِه جلوسًاً(١).
ورَوَى أبو معاويَةَ ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن قيسٍ بن أبى حازمٍ ، عن
(٣).
أبى هريرةَ ، قالَ: إَّمَا الإِمامُ أميرٌ، فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى
القبس
(١) أخرجه ابن المنذر (٢٠٤٥) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٦/٢،
٣٢٧ من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن هبيرة، أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه. فذكره.
(٢) أخرجه عبدالرزاق (٤٠٨٤)، وابن أبى شيبة ٣٢٧/٢ من طريق إسماعيل به .
(٣) فى ص ٤: ((أكل)).
٣٥٥

الموطأ
التمهيد
جالسًا فصلُوا(١) جلوسًا (٢).
وروَى الليثُ بنُ سعدٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن أبى الزُّبِيرِ ، أَنَّهم شيّعوا
جابرَ بنَ عبدِ اللهِ وهو مريضٌ، فصلَّى بهم(٢) قاعدًا، وصلَّوا معه قُعودًا(٤).
وقال جمهورُ أهلِ العلم: لا يجوزُ لأحدٍ أن يُصلِّىَ فى شىءٍ من الصَّلَواتِ
المكتوباتِ جالسًا وهو صحيح قادرٌ على القيامِ ؛ لا إمامًا ، ولا منفَرِدًا، ولا خلفَ
إمام. ثم اختلفوا؛ فمنهم مَن أجازَ صلاةَ القائم خلفَ القاعدِ المريضِ ؛ لأنَّ كلَّا
يؤدِّى فرضَه على قدرٍ طاقتِه، اقتداءً وتَأسِّيًّا برسولِ اللهِ وَلّهِ إِذْ صلَّى فى مرضِه
الذى تُوفِّىَ فيه قاعدًا، وأبو بكرٍ إلى جَنِهِ قائمًا يُصَلَّى بصَلاتِه، والناسُ قيامٌ خلفه
يُصلُّون بصلاتِه، فلم يُشِرْ إِلى أبى بكرٍ ولا إليهم بالجُلُوسِ ، وأكمَل صلاتَه بهم
جالسًا وهم خلفَه قيامٌ(٥). ومعلومٌ أنَّ ذلك كان منه بعدَ سقوطِه عن فرسِه،
وصلاتِه حينئذٍ قاعدًا، وقوله: ((فإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا مُجُلوسًا)). فعُلِمٍ أَنَّ
الآخِرَ مِن فِعلِه ناسِخٌ للأوَّلِ ، فإنَّهم ما قامُوا خلفَه وهو جالسٌ إلَّا لعلْمِهم بأنَّه قد
نسخ ذلك بفعله ◌ّلے ، والدَّلیلُ علی أنَّ حدیثَ هذا البابِ منسوخٌ بما كان منه فی
القبس
(١) فى ص ٤: ((فكلوا)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٦/٢، وابن المنذر (٢٠٤٤) من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
(٣) فى ص ٤: ((لهم)).
(٤) أخرجه الشافعى ٢٥٦/١ (٣٣٣)، وابن أبى شيبة ٣٢٦/٢، وابن المنذر (٢٠٤٣) من طريق
یحیی بن سعید به .
(٥) سيأتى فى الموطأ (٣٠٦).
٠٠
٣٥٦

الموطأ
التمهيد
مَرَضِه وَِّّ، إجماعُ العلماءِ على أنَّ حكمَ القيامِ فى الصلاة على الإيجابِ لا
على التَّخييرِ، ولمّا أجمَعوا على أنَّ القيامَ فى الصلاةِ لم يكُنْ فرضُه قطُّ على
التَّخِيرِ ، وجَب طلبُ الدَّليلِ على النَّسخِ فى ذلك، وقد صَحَّ أنَّ صلاةَ أبى بكرٍ
والناسٍ خلفَه قيامًا ، وهو قاعدٌ فى مرضِه الذى تُوفِّىَ فيه، مُتأخٌّ عن صلاتِه فى
حين سُقوطِه عن فرسِه ، فبَانَ بذلك أنَّه ناسِخٌ لذلك. وثمّن ذهَب (١) هذا المذهبَ
واحتَّ بنحوِ هذه الحُجَّةِ ؛ الشافعىُّ، وداودُ بنُ علىٍّ ، وأصحابُهما . وقد أوضحنا
معانىَ الآثارِ فى صلاةِ النبيِّ وَلِّ فى مرضِه، وأتَينا على حكاية قولٍ مَن قال:
كان أبو بكرِ المُقُدَّمَ فى تلك الصَّلاةِ. ومَن قال: كان رسولُ اللهِ وَّ فيها
المُقُدَّمَ . فى بابِ هشامِ بنِ عروةَ بما يُغنِى عن ذِكرِه ههُناً ) . وقد روَى الوليدُ بنُ
مسلمٍ، عن مالك، أنَّه أجازَ للإمامِ المريضِ أن يُصلِّىَ بالناسِ جالسًا وهم قيامٌ،
قال : وأحبُّ إلىَّ أن يقُومَ إِلى جَنبِهِ مَن يُعلِمُ الناسَ بصلاتِه. وهذه الرّوايةُ غريبةٌ (٢)
عن مالكِ، ومذهبُه عندَ أصحابِه على خِلافٍ ذلك. ذكَّر أبو المُصعبِ ، عن
مالكٍ فى ((مختصرِهِ))، قال: لا يَؤُمُّ الناسَ أحدٌ قاعدًا، فإنْ أمَّهم قاعدًا فسَدت
صلاتُه وصلاتُهم؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: (( لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدِى قاعدًا))(٤).
قال: فإن كان الإمامُ عليلًا تَمَّتْ صلاةُ الإمام ، وفسَدت صلاةُ مَن خلفَه . قال:
ومَن صلَّى قاعدًا مِن غيرِ علَّةٍ أعاد الصلاةَ.
القبس
(١) بعده فى ص ٤: ((إلى)).
(٢) سيأتى فى ص ٣٧٢ - ٣٧٦.
(٣) فى ص ٤: ((مدنية)).
(٤) سيأتي تخريجه الصفحة التالية .
٣٥٧

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : فعلى رواية أبى المصعبِ هذه، عن مالك، فى قولِه فى الإمامِ
المريضِ يصلّى جالسًا بقوم قيام: أنَّ صلاةَ مَن خلفَه فاسدةٌ ، تجبُ الإعادةُ عليهم
فى الوقتِ وغيرِه . وقد رُوِى عن مالكِ فى هذه أنَّهم يُعيدُون فى الوقتِ خاصَّةٌ .
وذلك عندى واللهُ أعلمُ لِما ذكره فى ((موطئِه)) (١) عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ،
أنَّ أبا بكرٍ كان يُصلِّى بصلاةِ النبيِّ وَّهِ وهو جالسٌ، وأبو بكرٍ إلى جنبِهِ قائمٌ،
والناسُ قِيام خلفَ أبى بكرٍ . ولِما رواه فى غيرِ ((الموطاً)) عن ربيعةً ، أنَّ أبا بكرٍ
كان المقدَّمَ ، وأنَّ رسولَ اللهِ مَلَّهِ كان يُصلِّى بصلاتِهِ(٢) . فَلَمَّا رَأَى الاختِلافَ
فى ذلك احتاطَ ، فرأَى الإعادةَ فى الوقتِ ؛ لأَنَّ كلَّا قد أدَّى فرضَه على حسَبٍ
حالِه، وكثيرٌ مِن مذهبِه احتياطًا .
قال أبو عمرَ: قد احتَجّ محمدُ بنُ الحسنِ لقوله ومذهبه فى هذا البابِ
بالحديثِ الذى ذكّره أبو المُصعبِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ له قال: ((لا يُؤُمَّنَّ أحدٌ
بعدی قاعدًا)). وهو حديثٌ لا يصِحُ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ ، إنما يروِیه جابرٌ
الجُثْفىُ، عن الشعبىِّ مرسلًاً ) . وجابرٌ الجعفىُ لا يُحتَجُّ بشىءٍ يروِيه مسندًا ،
فكيفَ بما يروِيه مرسلاً! وأمَّا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ فى هذا البابِ ، فإنَّه قال : إذا
صلَّى الرجلُ لمرَضِ به قاعدًا؛ يركَعُ ويسجُدُ ، ولا يُطِيقُ إلَّ ذلك، بقومٍ قيامٍ
يركَعون ويسجُدُون ، فإنَّ صلاتَه جائزةٌ، وصلاةُ مَن خلفَه ◌َمَّن لا يستطِيعُ القِيامَ ،
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٣٠٦).
(٢) سيأتى الصفحة التالية .
(٣) أخرجه الدارقطنى ٣٩٨/١، والبيهقى ٨٠/٣ من طريق جابر الجعفى به.
٣٥٨

الموطأ
التمهید
حُكمُه كحُكمِه، جَائِزَةٌ أيضًا ، وصلاةُ مَن صلَّى خلفَه مَمَّن حُكمُه القِيامُ باطِلٌ .
وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ : صلاتُه وصلاتُهم جائِزَةٌ . وقالوا: لو صلَّى وهو
يومىُ بقومٍ يركَعون ويسجُدُون، لم يُجزِثْهم، فى قولِهم جميعًا، وأجزَأتِ
الإمامَ صلاتُه . وكان زُفَرُ يقولُ : تُجْزِئُهم صلاتُهم ؛ لأنَّهم صلَّوْا على فرضِهم ،
وصلَّى إمامُهم على فرضِه. وأمَّا ابنُ القاسم فإِنَّه قال: لا يأْتُمُّ القائمُ بالجالسِ فى
فريضةٍ ولا نافلةٍ ، ولا بأسَ أن يأتَمَّ الجالسُ بالقائم . قال: ولا ينبغى أن يؤمّ أحدٌ فى
نافلةٍ ولا فى فريضةٍ قاعدًا. قال: وإن عرَض للإمامِ ما يمنَعُه منَ القِيامِ استَخْلَف .
واختلف أصحابُ مالكِ فى إمامةِ المريضِ بالمرضَى جُلوسًا، فأجازَها
بعضُهم وكرِهها أكثَرُهم ، ولم يختلِفُوا فيمَن صلَّى شيئًا مِن فرضِه جالِسًا وهو
قادِرٌ على القيامِ، أَنَّ عليه الإعادةَ أبدًا .
وذكَر سُحنونٌ، عن ابنِ القاسم، عن مالكِ، عن ربيعةً بنِ أبى
عبدِ الرحمنِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ خِرَج وهو مريضٌ وأبو بكرٍ يُصلِّى بِالناسِ،
فجلَس إلى جنبٍ أبى بكرٍ، فكان أبو بكرِ الإمامَ، وكان رسولُ اللهِ وَِّ يُّصَلِّى
بصلاةٍ أبى بكرٍ، وقال: ((ما مات نبىٌّ حتى يؤُمَّه رجلٌ من أمَّتِهِ))(١). قال ابنُ
القاسم : قال مالكٌ: والعملُ عندَنا على حديثٍ ربيعةً هذا، وهو أحبُّ إلىّ؛ أنَّ
النبيَِّ نَّهِ صلَّى بصلاةٍ أبى بكرٍ. قال سُحنونٌ: بهذا الحديثِ أخَذ ابنُ القاسم،
وليس فى ((الموطأ)).
قال أبو عمرَ: أكثرُ الآثارِ الصِّحاح المسنَدةِ فى هذا البابِ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ
القبس
(١) ذكره ابن قدامة فى المغنى ٦٣/٣، وابن حجر فى فتح البارى ١١٥/٢.
٣٥٩

الموطأ
التمهيد
كانَ المُقُدَّمَ، وأنَّ أبا بكرِ رضِى اللهُ عنه كان يُصلِّى بصلاةِ رسولِ اللهِ وَ لَه قائمًا ،
والناسُ يُصلُّون بصلاةِ أبى بكرٍ. وهو الذى أقرَّه مالكٌ رحِمه اللهُ فى ((موطئِه))،
وقُرِئَ عليه إلى أن ماتَ. وسنُبيِّنُه فى بابِ هشامٍ بن عروةً(١) إن شاء اللهُ.
وأجمَع العلماءُ مع اختلافٍ مذاهبهم فى هذا البابِ على استحبابِ
الاستِخلافِ للمريضِ مِن الأثمَّةِ مَن يصلِّى بالناسِ، كما فعَل رسولُ اللهِ وَهُ
حينَ مِرِض، فقال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناسٍ))(٢). فإن صلَّى بهم وهو
مريضٌ، فللعلماءِ فى ذلك ما ذكرنا . وباللهِ توفيقُنا .
وأمّا قولُه فى الحديثِ: ((وإذا ركَع فاركَعوا، وإِذا رفَع فارفَعوا)) . فإِنَّه يدُلُّ
على أنَّ عملَ المأمومِ يكونُ بعقِبٍ عملٍ الإمامِ وبعدَه بلا فَصلٍ ؛ لأُنَّ الفاءَ توجبُ
التَّعقيبَ والاستِعجالَ، وليست مثلَ ((ثُمَّ)) التى توجبُ التَّعقيبَ والتّراخِىَ.
واختَلَف قولُ مالكِ فى ذلك؛ فرُوِى عنه أنَّ عمَلَ المأمومِ كلَّه مع عملِ الإمامِ ؛
رُكوعَه وسُجودَه، وخفضَه ورفعَه، ما خلا الإحرامَ والتسليمَ، فإنَّه لا يكونُ إلَّا
بعدَ عملِ الإِمامِ وبِعَقِبِهِ . ورُوِى عنه مثلُ ذلك أيضًا ، ما خلا الإحرامَ ، والقِيامَ مِنَ
اثْنَتَين، والسَّلامَ. وكان شيخُنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ هاشم"
رحِمه اللهُ يذهَبُ إلى الرّوايةِ الأُولَى، ورأيتُه مِرارًا لا أُحصِيها كَثرةً يَقُومُ مع الإمامِ
القبس
(١) ذكره ابن قدامة فى المغنى ٦٣/٣، وابن حجر فى فتح البارى ١١٥/٢.
(١) سیأتی ص٣٧٢ - ٣٧٦.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٤١٥).
(٣) أحمد بن عبد الملك الإشبيلى أبو عمرو المعروف بالمُكْوِى، وكان أحفظ الناس لقول مالك
وأصحابه، جمع كتاب ((الاستيعاب)) فى رأى مالك. توفى سنة إحدى وأربعمائة. ترتيب المدارك
٣٦٠