النص المفهرس

صفحات 261-280

الموطأ
التمهيد
يلقَى اللهَ غدًا مسلمًا ، فلْيُحافِظْ على هؤلاءِ الصلواتِ الخمسِ حيثُ يُنادَى بهنَّ ،
فإن اللهَ شرَّع لنبيِّه ◌َ لَه سُننَ الهُدَى، وإنهنَّ من سُننِ الهدَى، وإنِّى لا أحسبُ
منكم أحدًا إلا له مسجدٌ يُصلِّى فيه فى بيتِه، فلو صلَّيتم فى ثُيُوتِكم وترَكتم
مساجدَكم ترَكتم سنةً نبيِّكم، ولو تركتم سنةَ نبيَّكم لضلَلتم. وذكَر تمامَ
(١)
الحديثِ(١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبَّادِ الأزدیُّ، قال: حدَّثنا وكيع، عن
المسعودىِّ. فذكره بإسنادِهِ مثلَه(٢) .
وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ العَبسِىُّ الكوفىُ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ
عون ، عن إبراهيمَ الهجرىِّ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ قال: عليكم
بالصلواتِ الخمسِ حيثُ يُنادَى بهنَّ، فإنها من سنةٍ نبيّكم، ولو ترَكتم سنةً
نبيِّكم لضلَلتم، ولقد عهدتُنا وإنَّ الرجلَ ليُهادَى بينَ الرجلين حتى يُقامَ فى
الصفِّ، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومٌ نفاقُه(١) .
القبس
(١) النسائى (٨٤٨)، وفى الكبرى (٩٢٢). وأخرجه أحمد ٣٦٨/٧ (٤٣٥٥) من طريق
المسعودى به .
(٢) أبو داود (٥٥٠). وأخرجه ابن خزيمة (١٤٨٣) من طريق وكيع به .
(٣) أخرجه أحمد ١٢٣/٦ (٣٦٢٣)، وابن ماجه (٧٧٧) من طريق إبراهيم الهجرى به .
٢٦١

الموطأ
التمهید
فقد صرَّحت هذه الآثارُ عن ابنٍ مسعودٍ بأن شهودَ الجماعةِ سنةٌ ، ومن
تدبَّرها علِم أنها واجبةٌ على الكفايةِ ، واللهُ أعلمُ ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ أحدُ الذين
روَوا عن النبيِِّ وَلَّهِ: ((فضلُ الجميع على صلاةِ الفذِّ خمس وعشرون
(١)
درجةً))(١).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ ، قال: حدَّثنا زائدةٌ، قال: حدَّثنا السائبُ
ابنُ حبيشٍ ، عن معدانَ بنِ أبي طلحةَ اليعمرىِّ، عن أبى الدرداءِ، قال : سمعتُ
رسولَ اللهِ وَّلَه يقولُ: (( ما من ثلاثةٍ فى قريةٍ ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاةُ إلا قد
استحوذ عليهم الشيطانُ ، فعليك بالجماعةِ ؛ فإنما يأكلُ الذئبُ القاصيةَ)) . قال
زائدةُ : قال السائبُ : يعنى(١) الجماعةَ .
ورواه ابنُ المباركِ، عن زائدةَ بإسنادِهِ مثلَه سواءً، وقال : قال زائدةُ : قال
السائبُ : يعنى بالجماعةِ الصلاةَ فى الجماعةِ(٢) .
وأما قولُه: (( والذى نفسى بيدِه، لو يعلمُ أنه يجدُ عظمًا سمينًا، أو مِرمَاتين
حسنتين، لشهِد العشاءَ)). فهذا توبيخٌ منه لمن تأخّر عن شهودِ العشاءِ معه،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٧.
(٢) بعده فى سنن أبى داود: (( بالجماعة الصلاة فى)).
والحديث عند أبى داود (٥٤٧). وأخرجه الحاكم ٢٤٦/١ من طريق أحمد بن يونس به، .
وأخرجه أحمد ٤٢/٣٦، ٤٣ (٢١٧١٠، ٢١٧١١)، وابن خزيمة (١٤٨٦) من طريق زائدة به .
(٣) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٣٠٦) - ومن طريقه النسائى (٨٤٦)، والبغوى (٧٩٣) .
٢٦٢

الموطأ
وتقريبٌ وذٌّ صريح، وعيبٌ صحيحٌ، إِذْ أَضاف إليهم أنَّ أحدَهم لو علم أنه يجدُ التمهيد
من الدنيا العرَضَ القليلَ، والتافة الحقيرَ، والنزر اليسيرَ، فى المسجدِ ، لقصَده من
أجلِ ذلك، وهو يتخلَّفُ عن الصلاةِ فيه ولها مِن الأجرِ العظيم، والثوابِ
الجسيم، ما لا خفاءَ به على مؤمنٍ، والحمدُ للهِ، وكفَى بهذا توبيخًا فى أَثْرَةٍ
الطعامِ والملعبِ على شهودٍ الصلاةِ فى جماعةٍ، وهذا منه ◌َّوإنما كان قصدًا إلى
المنافقين، وإشارةً إليهم، ألا ترى إلى قولٍ ابنٍ مسعودٍ: ولقد رأيتُنا - يريدُ فى
ذلك الوقتِ - وما يتأخرُ عنها إلا منافقٌ معلومٌ نفاقُه . وما أظنُّ أحدًا من أصحابِه
الذين هم أصحابُه حقًّا كان يتخلَّفُ عنه إلا لعذرٍ بيِّنِ ، هذا ما لا يشكُّ فيه مسلمٌ
إنْ شاء اللهُ .
وضرَب رسولُ اللهِ وَّ بالعظم السمين، يريدُ بَضعةَ اللحم السمين على
عَظْمَةٍ - المثَلَ فى التفاهةِ، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ
بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ﴾. يريدُ الشيءَ الكثيرَ، لم يُردِ القنطارَ بعينه، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ
إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾. يريدُ الشىءَ الحقيرَ القليلَ، ولم يُردِ الدينارَ بعينِه، ﴿لَا يُؤَدِّهِةٍ
إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وأما المِزْماتان، فقيل: هما السَّهمانِ. وقيل: هما حديدتان من
حدائدَ كانوا يلعبون بها. وهى مُلْس كالأسنَّةِ، كانوا يُثَبّتونها فى
الأكوام والأغراضِ، ويقالُ لها فيما زعَم بعضُهم: المدَاحِى (١) . وقال
القبس
(١) المداحى جمع المدحاة: لعبة يلعب بها أهل مكة، وهى أحجار كالأقراص، وتحفر حفرة =
٢٦٣

٢٩١ - مالكٌ، عن أبى النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عبيدِ اللهِ، عن بُشْرِ بنِ
الموطأ
سعیدٍ ، أن زيد بن ثابتٍ قال : أُفضلُ الصلاةِ صلاتكم فی بُوتِکم ، إلا
صلاةَ المكتوبةِ .
أبو عبيدٍ (١): يقالُ: إن المرماةَ ما بينَ ظِلفَى الشاةِ. قال: وهذا حرفٌ لا أدرى ما
التمهيد
وجهه ، إلا أن هذا تفسیرُه .
ويُروى : المِرماتين. بكسرِ الميم وبفتحِها، واحدُها مرماةٌ ، مثلُ مِدحاةٍ .
ذكَر ذلك الأخفشُ وغيرُه .
الاستذكار
وذكَر مالكٌ أيضًا فى هذا البابِ حديثَه عن أبى النَّضْرِ ، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ ،
عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، أنه قال : أفضلُ الصلاةِ صلاتُكم فى بيوتِكم إلا الصلاةَ
=(٢)
المكتوبةَ(٣) .
هكذا ذُكِر فى جميع ((المُوْطّآتِ)) موقوفًا على زيدِ بنِ ثابتٍ . وهو حديثٌ
مرفوعٌ، عن زيد بن ثابتٍ، عن النبيِّ وَّر من وجوهٍ صحاح، ويستحيلُ أن
يكونَ مثلُه رأيًا؛ لأن الفضائلَ لا مدخلَ فيها للاجتهادِ والقياسِ، وإنما فيها
التوقيفُ .
القبس
= بقدرها ، يتنحّون عنها قليلا ثم يدحون بتلك الأحجار إلى تلك الحفرة، فإن وقع فيها الحجر فقد
غلب صاحبها، وإن لم يقع غُلب. الوسيط (د ح ى).
(١) غريب الحديث ٢٠٢/٣.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٨٧)، وبرواية أبى مصعب (٣٢٥). وأخرجه النسائى فى
الكبرى (١٢٩٣)، والطحاوى فى شرح المشكل ٧٣/٢، ٧٤ من طريق مالك به .
٢٦٤

الموطأ
ومن طُرقِ هذا الحديثِ مرفوعًا ما رواه جماعةٌ، عن موسى بنٍ الاستذكار
عقبةَ، عن أبى النضْرِ، عن بُشرِ بنِ سعيدٍ ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، عن
النبيِّ وَّةِ، أنه قال: ((أَيُّها الناسُ، صَلُّوا فى بيوتِكم؛ فإن أفضلَ صلاةٍ
المرء فى بيتِه، إلا المكتوبةَ)). وقد ذكّرنا إسنادَه فى ((التمهيدِ)) ". ولم
يَذْكُوْ فيه مسجدَ النبيِّ بََّ، وهو عندى أولى بالصوابِ. وَاللَّهُ
أعلمُ .
القبس
(١ - ١) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم ص١٣.
(٢) قال أبو عمر فى التمهيد: ((ولمالك، عن أبى النضر، عن بسر بن سعيد، حديث آخر موقوف
عندَ مالك، وقد وصله غيره من الثقات ؛ منهم موسى بن عقبة وغيره. حدثنا محمد بن إبراهيم،
قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن سليمان ، قال :
حدثنا عفان بن مسلم، قال : حدثنا وهيب ، قال : سمعت موسى بن عقبة ، قال : سمعت أبا النضر
يحدث عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أن النبى معَة قال: (( صلوا أيها الناس فى بيوتكم؛
فإن أفضل صلاة المرء فى بيته، إلّا الصلاة المكتوبة)). ورواه ابن جريج، عن موسى بن عقبة،
عن أبى النضر، عن بسر، عن زيد مثله، عن النبى ◌َّ مرفوعا. وهو حديث ثابت مرفوع
صحيح، ومثله لا يكون رأيا وإذا كانت صلاة النافلة فى البيت أفضل منها فى مسجد النبى
وَله؛ لأنه عليه خرج هذا الخبر، فما ظنك بها فى غير هذا البلد، ولهذا قال بعض الحكماء:
إخفاء العمل نجاة وإخفاء العلم هلكة. والمأمور يستره من أعمال البر النوافل دون المكتوبات ،
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات)).
والأثر أخرجه النسائى (١٥٩٨)، وفى الكبرى (١٢٩٢). وأخرجه أحمد ٤٥٨/٣٥
(٢١٥٨٢)، والبخارى (٧٢٩٠)، وابن خزيمة (١٢٠٤)، وغيرهم من طريق عفان به.
٢٦٥

الموطأ
ما جاء فى العَتَمةِ والصبحِ
٢٩٢ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن عبد الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةً
وفى هذا الحديثِ تفسيرٌ لما قبلَه من الأحاديثِ أنها فى المكتوباتِ
الاستذ کار
لا فى النوافل، ويُستَدَلُّ بذلك على أن لا جماعةَ إلَّا فى الفريضةِ.
وقد مضَى القولُ فيما سَنَّه عمرُ رضِى اللَّهُ عنه فى رمضانَ خاصةً فى
التراويحِ. وفيه دليلٌ على أن الانفرادَ بكلِّ ما يَعمَلُه المؤمنُ من أعمالٍ
البرّ ويسترُه ويُخْفِيه أفضلُ؛ ولذلك قال بعضُ الحكماءِ: إخفاءُ العلمِ
هَلَكَةٌ، وإخفاءُ العمل نجاةٌ. وقال اللهُ عزَّ وجلَّ فى الصدقاتِ: ﴿وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وإذا كانت النافلةُ
فى البيوتِ أفضلَ منها فى مسجدِ النبيِّ وَّه، فما ظنُّك بها فى غيرِ ذلك
الموضعِ، إلى ما فى صلاةٍ المرءِ فى بيتِه عن اقتداءِ أهلِه به من بنينَ وعيالٍ،
والصلاةُ فى البيتِ نورٌ له. وفَّقَنا اللهُ لما يَرضَى من القولِ والعملِ، آمينَ،
برحمته ، إنه ولُ ذلك .
التمهید
مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْمَةَ الأَسلَميِّ ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ه قال: ((بَيْتَنا وبينَ المنافِقين شُهُودُ العِشاءِ والصُّبحِ؛ لا
القبس
حديثٌ: أرسَل مالكٌ رحِمه اللَّهُ عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى فضلِ العَتَمَةِ والصبحِ،
(١) فى ص ١٧: ((العتمة)).
٢٦٦

الأسلميّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((بيننا وبينَ الموطأ
المنافقين شُهودُ العِشاءِ والصبح، لا يَستَطيعونهما)). أو نحوَ هذا.
يَستَطِيعُونهما)). أو نَحوَ هذا(١).
التمهيد
قال أبو عمرَ: قولُه: أو نحوَ هذا. شَكٌّ مِن المُحَدِّثِ ، ولم يُختلفْ عن
مالكِ فى إسنادِ هذا الحديثِ وإرسالِهِ ، ولا يُحفَظُ هذا اللَّفظُ عن النبيِّ عليه
السَّلامُ مُسْنَدًا، ومعناه محفوظٌ من وجوهٍ ثابتةٍ .
وأمَّا قولُهُ: ((لقد همَمْتُ بالصَّلاةِ تُقامُ، ثُمَّ آمُرُ بِحَطبٍ)) الحديث. فحديثٌ
صحيحٌ أيضًا، وقد مضى فى بابٍ أبى الزِّنادٍ (١) .
القبس
وأَوقَف على عثمانَ فضلَهما (١٢) .. وقد بيَّنا أن مسلمًا أسنده( ، وإنما خَصَّهما النبىُّ
وَّر فى هذا الموطنِ بالتَّبِيهِ على الفضلِ؛ لأن الصبحَ يأتى فى وقتٍ يَخْلَوْلِى(٥) فيه
النومُ، والعَتَمَّةَ تأتِى فى وقتٍ يَسْتولى فيه على البَدَنِ النَّصَبُ، فإذا قابَل استيلاءُ
الَّصَبِ وغَلَبةُ النومِ إيمانًا ضعيفًا أخّرَهما أو ترَكهما استخفافًا وتَكاسُلًا، وإذا غلَب
اليقينُ قامَ إلى فعلِهما، وضُرِب المثَلُ بالمنافقين مجازًا؛ لأنه قد يترُكُهما مَن ليس بمُنافقٍ،
ووَجْهُ المجازِ فى ذلك، أن الله تبارك وتعالى قال فى صفةِ المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ
قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٢٦). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٢٨٥٦) من طريق مالك به.
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٩٠) .
(٣) فى د: ((فضلها)). والأثر سيأتى فى الموطأ (٢٩٥).
(٤) مسلم (٦٥٦).
(٥) سقط من: م.
٢٦٧

الموطأ
التمهيد
وقال يحيى فى هذا الحديثِ: ((العِشَاءِ والصُّبْح)). وقال القعنبِىُّ، وابنُ
بُكَيْرِ، وجمهورُ الرُّوَاةِ لـ((الموطَّأُ)) عن مالكِ فيه: ((صَلَاةِ العَتَمَةِ والصُّبْحِ)). على
ما فى تَرجَمةِ البابِ ، وفى ذلك جوازُ تَسمِيَةِ العشاءِ الآخرةِ بالعَتَمةِ ، ورَدٌّ على مَن
أنكَر ذلك. وفيه أنَّ النّفاقَ بعيدٌ من الذين يُواظِبون على شُهُودِ العشاءِ والصُّبحِ فى
جماعةٍ ، ومَن واظَب على هاتين الصَّلاتين فى جماعةٍ فأخْرَى أن يُواظِبَ على
غیرهما .
قال عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه: مَن شَهِد معنا الصَّلَواتِ شَهِدْنا له
بالإِيمانِ. ثم تَلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ
الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨ ] .
وأمَّا الآثارُ المسندةُ فى معنَى هذا الحديثِ ؛ فمنها ما حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ ،
قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ ابنُ أبى طُنَّةَ وبُكَيْرُ بنُ الحسَنِ
الرَّازِىُّ، قالا: حدَّثنا يُوسفُ بنُ يزيدَ ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ مُوسى، قال: حدّثنا
هُشيم، عن أبى بِشْرٍ، عن أبى عُمَيْرٍ، عن عُمُومِه، عن النبيِّ وَلَّهِ، أَنَّه كان
يقولُ: ((ما يُشاهِدُهما مُنافقٌ)). يعنِى العشاءَ والفَجْرَ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَّارٍ بُنْدَارٌ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى
عَدیٍّ ، عن شعبةً ، عن أبی بِشْرٍ ، قال : حدّثنی ابو عُمَيْرِ بنُ أنسٍ بنِ مالك ، عن
عُمُومةٍ له من أصحابِ رسولِ اللهِ وَلَهِ، قالُوا: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((مَا
القبس
٢٦٨

الموطأ
التمهيد
شَهِدهما مُنافقٌ )) . يعنِى صلاةَ العشاءِ وصلاةَ الصُّبْح . قال أبو بِشْرٍ: وأنا أشهَدُ
أنَّه لا يُحافظُ عليهما مُنافقٌ (١).
حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسَنِ النَّيسابُورىُّ بِمِصرَ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ ، قال: حدَّثنا خالدٌ ،
عن شُعبةَ، عن أبى بشرٍ، عن أبى عُمَيْرِ بنِ أنسٍ، عن عُمُومَتِه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه
قال فى صلاةٍ الصبح والعِشاءِ: (( ما يَشْهَدُهما مُنافقٌ)).
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ الوردِ ، قال :
حدَّثنا هارُونُ بنُ كاملٍ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ
صالح، أنَّ يحيّى بنَ سعيدٍ حدَّثه، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه قال: كُنَّا إذا
فَقَدنا الرَّجلَ فى هاتين الصَّلاتين؛ صلاةِ العِشاءِ وصلاةِ الصُّبْح - أسَأْنا به
الظَّنَّ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال :
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى حسانَ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ
الحميدِ بنُ حَبيبٍ ، قال: حدَّثنا الأوزاعِىُّ، قال: بلَغنا أنَّ شدَّادَ بنَ أوس قال : مَن
أحَبَّ أن يجْعَلَه اللَّهُ مِن الذين يَدْفعُ اللَّهُ بهم العذابَ عن أهلِ الأرضِ، فَلْيُحافظُ
على هاتين الصَّلاتين فى الجماعةِ؛ الُّبحِ والعَتَمَّةِ.
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٣٢/١، وأحمد ١٨٧/٣٤ (٢٠٥٨٠) من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٣٢/١ من طريق يحيى بن سعيد به.
٢٦٩

الموطأ
٢٩٣ - مالك ، عن شُمَٹ مولی ابی بکرِ بنِ عبد الرحمن ، عن أُبی
صالحٍ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ لَّهِ قال: ((بينما رجلٌ يمِشِى
بطريقٍ ، إذ وجَد غصنَ شَوكٍ على الطريقِ فأخَّرِه ، فشكر اللهُ له ، فغفَر
له)). وقال: ((الشهداءُ خمسةٌ؛ المطعونُ، والمَتَطونُ، والغَرِقُ،
وصاحبُ الهَدَم، والشهيدُ فى سبيلِ اللهِ)). وقال: (( لو يَعلمُ الناسُ ما
فى النداءِ والصفِّ الأُولِ ، ثُم لم يَجِدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لاستَهَموا ،
ولو يعلمون ما فى التَّهجيرِ لا ستَبَقوا إليه، ولو يَعْلَمون ما فى العَتَمَةِ
والصبح، [٤٨ ] لأَتَوْهما ولو حَبْرًا)).
وروَى الأعمشُ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ :
((إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلاةِ على المنافقين صلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ وصلاةُ الصُّبح، ولو يعلمون
ما فيهما لأتَوهما ولو حَبْوًا))(١).
التمهید
مالك ، عن سُمىٍّ مولَی ابی بکرِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى صالح ، عن أبى
هريرةَ، أَن رسولَ اللهِ وَّلَه قال: ((بينما رجلٌ يمِشِى بطريقٍ إِذ وجَد غُصنَ شَوكٍ
القبس
نكتةٌ أصوليةٌ : غفَر اللَّهُ للذى وجَد غُصْنَ شَوْكٍ على الطريقِ فَنزَعه، كما غفَر
للبَغِيِّ التى سَقَتِ الكلبَ بُمُوقِها ) ، وهذا المقدارُ مِن الحسناتِ لا يُوَازِى" أجرُه قَدْرَ
(١) أخرجه أحمد ٢٩٤/١٥، ٧١/١٦، ١١١ (٩٤٨٦، ١٠٠١٦، ١٠١٠٠)، والبخارى
(٦٥٧)، ومسلم (٢٥٢/٦٥١) من طريق الأعمش به .
(٢) الموقان والموق: الذى يلبس فوق الخف، فارسى معرب. وفى المحكم: والموق ضرب من
الخفاف، والجمع أمواق ، عربى فصيح. المحكم ٣٦٩/٦، واللسان (م وق).
والحديث سيأتي تخريجه فى شرح الحديث (١٨٧٨) من الموطأ .
(٣ - ٣) فىج، م: ((لم يواز)).
٢٧٠

الموطأ
على الطريقِ فأخَّرَهُ(١)، فشكر اللهُ له، فغفَر له)). وقال: ((الشهداءُ خمسةٌ؛ التمهيد
المَطْعونُ، والمَطونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ الهدَمِ، والشهيدُ فى سبيلِ اللهِ)) .
وقال: (لو يعلمُ الناسُ ما فى النداءِ والصفِّ الأولِ، ثم لم يجِدُوا إِلا أن يَستِهِمُوا
عليه لاستَهَمُوا، ولو يعلمون ما فى التهجيرِ (٢) لاستبَقُوا إليه، ولو يعلمون ما فى
العَتَمَةِ والصبح لأتَوهما ولو حَبْوًا))(١).
وِزْرِ الزِّنى فى السيئاتِ، ولكن فيه ثلاثةُ معانٍ :
القبس
أحدُها : أن هذا الفعلَ انْضاف إلى ما سواه، وذُكِرِ دونَ غيرِه تنبيهًا
على قَدْرِه .
الثانى: أنه كان سببًا للتوبةِ ، فترتَّب الغفرانُ عليها، وترتَّبَت هى على هذا
السببٍ، فَأَضِيف الحكمُ إلى السببِ الأولِ تنبيهًا على اكْتسابِ الحسناتِ ، فإن
الحسنةَ إلى الحسنةِ وَلايَةٌ ، والسيئةَ إلى السيئةِ غَوَايةٌ .
الثالثُ: معنى: ((غفَرِ اللَّهُ له)). أى: غفَر اللهُ له مِن ذُنوبِهِ بمقدارِ هذا الفعلِ مِن
الأجرِ .
(١) فى م: ((فأخذه)).
(٢) التهجير: التبكير إلى كل شىء والمبادرة إليه. أراد ول# المبادرة إلى أول وقت الصلاة. النهاية
٢٤٦/٥.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٠٣)، وبرواية أبى مصعب (٣٢٧)، وأخرجه أحمد ٥٨/١٤،
٥٢٢/١٦ (٨٣٠٥، ١٠٨٩٦ - ١٠٨٩٨)، والبخارى (٦٥٢، ٦٥٣، ٧٢٠، ٢٤٧٢، ٢٨٢٩،
٥٧٣٣)، ومسلم (١٩١٤)، ٢٠٢١/٤ (١٢٧/١٩١٤)، والنسائى فى الكبرى (٧٥٢٨)،
والترمذى (١٠٦٣، ١٩٥٨) من طريق مالك به، وتقدم تخريج قوله: ((لو يعلم الناس ... )) فى
الموطأ (١٤٧) .
٢٧١

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : هذه ثلاثةُ أحاديثَ فى واحدٍ ، كذلك يَرويها جماعةٌ من
أصحابِ مالكِ، وكذلك هى محفوظةٌ عن أبى هريرةَ ؛ أحدُها ، حديثُ الذى
نزَع غُضْنَ الشوكِ عن الطريقِ . والثانى، حديثُ الشهداءِ. والثالثُ ، قولُه: (لو
يعلَمُ الناسُ ما فى النداءِ) إلى آخرِ الحديثِ. وهذا القسمُ الثالثُ سقَط ليحيى من
بابٍ، وهو عندَه فى بابٍ آخرَ، منها ما كان ينبغى أن يكونَ فى بابِ العَتَمةِ
حديثٌ: ((لو يَعْلَمُ الناسُ ما فى النِّدَاءِ ... )) إلى آخرِهِ.
القبس
أمَّا فضلُ النداءِ فمعلومٌ، وأصولُه أربعةٌ :
أحدُها : ما فيه مِن توحيدِ اللَّهِ تعالى، وتَعْظيمِه ، والشهادةِ لرسولِه، والدعاءِ لعبادته .
ثانيها: ما(١) فى حديثٍ أبى سعيد الخدرىِّ مِن فضيلةٍ(١) ، حسَبَ ما تقدَّم مِن
صفتِه .
ثالثُها : أن الخلقَ كلَّهم فى حفظِ الوقتِ فى صحيفتِه ؛ يُذكِّرُ غافلَهم ، ويُحرِّضُ
مُتَكاسِلَهم، فكلُّهم يَشْرَكُه فى أجرِه ؛ ولهذا كان عمرُ بنُ الخطابِ يقولُ : لولا
الخِلِيفَى لِأَذَّنتُ .
رابعُها: تَجْدِيدُ الشهادةِ فى كلِّ حينٍ، وقد رُوِى عن النبيِّ وَِّ أنه أَذَّنَ مرةً
واحدةً على راحِلَتِهِ فى مَطَرٍ وبَلَّةٍ. خرّجه الترمذىُّ وغيرُهُ(١)، وقولُهُ وَلَّهِ فِى الحديثِ
الصحيحِ: ((المؤذِّنون أطولُ الناسِ أَعناقًا يومَ القيامةِ)). رُوِى بفتحِ الهمزةِ، جمعُ
(١) سقط من : م .
(٢) فى ج، م: ((فضيلته)).
(٣) الترمذى (٤١١)، والدارقطنى ٣٨٠/١ .
٢٧٢

الموطأ
التمهيد
والصبحِ. وقولُه: ((ولو يَعلَمُ الناسُ ما فى النداءِ». إلى قولِه: ((ولو حَبْوً)). فلم
يروِه عنه ابنُه عُبَيْدُ اللهِ فى ذلك البابٍ (١)، ورواه ابنُ وضَّاح، عن يحيى ، وهو عندَ
جماعةِ الرواةِ ((للموطاً )) عن مالكِ، لا يختلفون فى ذلك فيما علِمتُ .
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ ، أن نزْعَ الأذى من الطُّرقِ من أعمالِ البِرّ ، وأن
أعمالَ البرّ تُكفِّرُ السيئاتِ ، وتُوجِبُ الغُفرانَ والحسناتِ ، ولا ينبغِى للعاقلِ المؤمنِ
القبس
◌ُنُقٍ ، يشيرُ بذلك إلى عِزَّتِهم وأَمنَتِهم وارتفاع أقدارِهم، فإن الرجلَ إذا كان بهذه
ـر
الصفةِ مَدَّ جِيدَه وتَعالَى لِما يريدُه، قال النبىُ وَةِ: ((لأَعْطِيَنَّ الرَايَةَ غدًا رجلًا
يُحبُّ اللَّهَ ورسولَه ويُحِبُّه اللَّهُ ورسولُه))(٢). فتَطاوَلَ لها أصحابُ محمدٍ؛
أَيُّهم يُغطاها. وفى ضدِّه قال اللَّهُ تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا
يَرْتَدُ إِلَتِهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. ويَحتملُ أن يُشِيرَ بطولٍ أعناقهم إلى سلامتهم مِن
الغَرَقِ فى العَرَقِ، ورُوِى : ((إِعْناقًا)). بكسرِ الهمزةِ، مِن العَنَقِ، والعَنَقُ بفتحِ الفاءِ
والعينِ ضربٌ مِن السَّيْرِ ، تأويلُه أنهم يأتون يومَ القيامةِ مُسْرِعين غيرَ مُتَاقِلين ، بربّهم
واثقين .
وأما الصفُّ الأولُ فليس فيه أَثَرٌ صحيحٌ يُعَوَّلُ عليه حاشا قولَه: ((خيرُ صُفوفٍ
الرجالِ أَوَّلُها)) (٤). وقولَه: ((لِيَلِنِى(٥) منكم أَولو الأحلامِ والنُّهَى))(١). وهى أربعُ
(١) تقدم فى الموطأ (١٤٧) .
(٢ - ٢) فى ج: ((وأمنهم ورفع)).
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٢٦) من الموطأ .
(٤) تقدم تخريجه ص٢٤٨ .
(٥) فى م: ((ليلينى)).
(٦) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٣٩٣) من الموطأ .
٢٧٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٨/٥ )

الموطأ
التمهيد أن يحتقِرَ شيئًا مِن أعمالِ البرِّ ، فرَّمَا غُفِر له بأقلِّها؛ ألا ترَى إلى ما فى هذا الحديثِ
من أن الله شكر له إذْ نزَع غصنَ الشوكِ عن الطريقِ فغفر له ذنوبه، وقد قال ◌ٍَّ :
(الإيمانُ بِضْعٌ وسبعونَ شُعبةً، أعلاها(١) لا إلهَ إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن
الطريقِ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ))(٢). وقال الله عزَّ وجلّ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. وقال الحكيمُ :
القبس مراتبَ؛ الأُولُ: سبق إلى المسجدِ ودخَل فى (١) الصفِّ الأُولِ وهو أفضلُها.
ثانيها: تأخّر إقبالُه وصلَّى فى الصفِّ الآخِرِ () ، فذلك شرؤها .
ثالثُها: سبق إلى النداءِ لكنه صلَّى فى الصفِّ الآخرِ ) .
رابعُها: تأخّر عن إجابةِ الدَّاعى ، فلما جاء المسجدَ حصَل فى الصفِّ الأُولِ ، قال
العلماء : هما سواءٍ .
وعندى أن الرابعَ أفضلُ مِن الثالثِ، وفى ذلك تَطْويلٌ لا يحتمِلُه هذا ((القَبَسُ))،
قد أَطَلْنا فى غيرِ موضعٍ فيه النَّفَسَ .
وأما قولُه: ((لاسْتَهموا عليه)). فيُتَصَوَّرُ الاسْتِهامُ فى الصفِّ الأُولِ عندَ ضِيقِه
وإقبالِ الرجالِ إليه فى حالةٍ واحدةٍ ، فإن كان أحدُهما أفضلَ فالموضعُ له ، وإن تساوَت
(١) فى م: ((إحداها)).
(٢) أخرجه أحمد ٢١٢/١٥، ٤٦٥ (٩٣٦١، ٩٧٤٨)، ومسلم (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦) من
حديث أبى هريرة .
(٣) فى ج، م: ((إلى)).
(٤) فى م: ((الأخير)).
(٥ - ٥) سقط من : م .
٢٧٤

الموطأ
التمهید
ومتى تفعلُ الكثيرَ من الخيـ ـرٍ إذا كنتَ تاركًا لأقلّةْ
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ ، قال : .
حدَّثنا سعيدُ بنُ خُميرٍ وسعيدُ بنُ عثمانَ ، قالا : حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
القبس
حالُهما أو تَشاءًا أُقرِع بينَهما ، وأما تَصَوَّرُ الاسْتهامِ فى الأذانِ فمُشْكِلٌ ، وقد اختصَم
قومٌ بالقادسيةِ فى الأذانِ، فأقرَع بينَهم سعدٌ(١)، وهذا إنما يكونُ بشرطَين؛
أحدُهما: أن يتَساوَيا فى الأمانةِ؛ قال النبىُّ وَّهِ: ((الإمامُ ضامنٌ والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ)).
الشرطُ الثانى: أن يكونَ صاحِبَ الوقتِ، فهكذا يكونُ الاسْتهامُ إذا وقَع التَّشَائُ(١ ،
فإذا أُذَّن أمينُ الوقتِ أَذَّن بعدَه مَن شاء مِن غيرٍ حَجْرٍ . ويُتَصَوَّرُ الاسْتِهامُ أيضًا فى الأذانِ
فى صورةٍ أخرى وهى صلاةُ المغربِ فإنه ليس لها إلا مؤذِّنٌ واحدٌ .
() وأما فضلُ التَّهْجیرِ، فليس فيه حدیثٌ صحیح فی التحدیدِ ، بل إنه ژُوِى أنه
قال: ((أولُ الوقتِ رضوانُ اللَّهِ))(١) . وفى الحديثِ الصحيح جملةٌ كافيةٌ وهى
قولُه: ((لا يزالُ أحدُكم فى صلاةٍ ما انتظَر الصلاةَ)) "(١).
وأما فضلُ العَتَمةِ والصبح، ففيهما(٢) أحاديثُ صِحاحٌ كثيرةٌ ، أُمَّهاتُها أربعةٌ ؛
(١) القادسية: قرية قرب الكوفة، من جهة البر، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخًا. مراصد
الاطلاع ٣/ ١٠٥٤.
(٢) ينظر صحيح البخارى ١٥٩/١، وسنن البيهقى ٤٢٩/١.
(٣) فى د، ج: (( التشاحى)).
(٤ - ٤) سقط من : ج .
(٥) تقدم فى ١٩٦/١ .
(٦) بعده فى د، م: ((فيه )).
(٧) تقدم فى الموطأ (١٤٨، ٢٤٠)، وسيأتى فى الموطأ (٣٨٤).
(٨) فى د، م: ((ففيها)).
٢٧٥

الموطأ
التمهيد
صالحٍ، قال : حدَّثنا النضرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ ، قال :
حدَّثنا أبو زُميلٍ ، عن مالكِ بنِ مَرئدٍ ، عن أبيه ، عن أبى ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَلَهُ : ((تبشُمُك فى وجهِ أخيك صدقةٌ، وأمرُك بالمعروفِ ونهيُك عن المنكرِ
صدقةٌ ، وإرشادُكَ الرجلَ فى أرضِ الضلالةِ صدقةٌ ، ونظَرُك للرجلِ الردىءِ البصرِ
صدقةٌ، وإماطتُك الحَجَرَ والشوكةَ والعَظْمَ عن الطريقِ صدقةٌ، وإفراغُك من
الأُولُ: قولُهُ وَّهِ: ((لولا أن أَشُقَّ على أُمَّتِى لَّوْتُ العِشاءَ إلى شَطْرِ الليلِ)) (١).
القبس
الثانى: قولُه: ((أَثْقُلُ الصلاةِ على المنافقين العتَمَةُ والصبْحُ))(١). وهذا صحيح؛
فإنه لا يَنْشَطُ لهما إلا مُنْشِرِعُ الصدرِ، خفيفٌ إلى العملِ الصالحِ، ثقيلٌ عن داعِى
البطالةِ والراحةٍ .
الثالثُ: قولُه: ((يَتَعَاقَبُون(٥) فيكم ملائكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنهارِ )) (١) . إلى
قولِه: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. والصبح
فاتحةُ الحياةِ ، ومبتدأُ الأعمالِ ؛ كما أن العصرَ والعَتَمَةَ خاتمةُ الصحائفِ، وربما إذا
صلِّى العَتَمةَ لم يُصَلِّ بعدَها أبدًا .
الرابعُ: حديثُ عثمانَ عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((مَن صلَّى الصبحَ فى جماعةٍ
(١) تقدم فى ٨٧/٢ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٧٠ .
(٣) سقط من : م .
(٤) فى ج، م: ((على)).
(٥) فى د: ((يتعاقب)).
(٦) سيأتى فى الموطأ (٤١٤).
(٧) فى م: ((فاتحة)).
٢٧٦

الموطأ
دَلوٍكَ فى دَلوٍ أخيكَ لك صدقةٌ ))(١).
التمهيد
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ، حدَّثنا محمدُ بنُ
فكأنما قام ليلَه (١)، وَمَن صلَّى العشَاءَ فى جماعةٍ فكأنما قام نصفَ ليلِه )). فمَن علِم
هذه الفضائلَ يقينَ علمِها، وقَدَّرها حقَّ قدرِها ، سعَى إليها يَحْبُو، وجاءها يَسْتَقِلّ
ه (٤)
تارةً ويَكْبو. وما توفيقُنا إلا باللّهِ .
القبس
( فصلٌ فىْ) الشهداءِ:
خُطَطُ الإسلامِ أربعةٌ ؛ تُبُؤَّةٌ ، صِدِّيقيةٌ، شهادةٌ ، صَلاحٌ .
وقد بيَّنَّا مَعانيها ومراتتها فى كتابٍ ((الْمُشْكِلَين)) على الاستيفاءِ والإشارةِ فيه ، أن
النبىَّ مَن جاءَه رسولُ اللّهِ بوَخيِه(٩)، والصّدِّيقَ مَن صدَّق فعلُهُ(١) قولَه واعتقاده على
الإطلاقِ، والصالحَ مَن سَلِم عملُه مِن المُفْسداتِ ، وقولُه مِن المُطلاتِ، واعتقادُه مِن
الشُّبُهاتِ وإن نالَ عمَلَه رَحْضٌ مِن الكُدوراتِ (٨)، وأما الشهادةُ فاختلف العلماءُ فيها
على خمسة أقوالٍ :
(١) أخرجه الترمذى (١٩٥٦)، والبزار (٤٠٧٠)، وابن حبان (٤٧٤، ٥٢٩) من طريق النضر بن
محمد به، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٨٩١)، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٨١٢)
من طريق عكرمة بن عمار به .
(٢) فى د، ج: ((ليلة)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٨٤، ٢٨٦.
(٤) فى د: ((يشقل)). ويقال: استقل الطائر فى طيرانه: نهض للطيران. اللسان (ق ل ل).
(٥ - ٥) فى م: ((فضل)).
(٦) فى ج: ((بوصية)).
(٧) بعده فى د: (( و)).
(٨) فى م: ((الكدرات)).
٢٧٧

الموطأ
التمهيد
أيوبَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو البزَّارُ، حدَّثنا محمدُ بنُ یوسفَ بنِ سابقٍ ، حدَّثنا
أبو معاويةَ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّه قال:
((محوسِبَ رجلٌ فلم يُوجَدْ له من الخيرِ إلا غصنُ شوكٍ نَّه عن الطريقِ، فَغُفِرَ
القبس
الأولُ : أنهم الذين شُهِد لهم بالإيمانِ ، وضُمِن لهم حُسْنُ الخاتمةِ ، وهذا كقولٍ
النبىِ وَالتر: «أنا شھید علی هؤلاء)) (١) . ولیس فى الحقوق أثبتُ مِن حقِّ شهد به النبىُّ
نَّه ◌ِ فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ. الثانى: أنه حضَر " يقينُه مُعايَنًا مُشاهَدًا على جوارحِه
لائحًا (١) لغيرِهِ؛ لأنه قال : أنا مؤمنٌ بقلبى، مُحَقِّقٌ(٤) بيقينى. فيصومُ ويُصَلِّی ويَحُجّ
ويَتصدَّقُ، وكلُّها مُخْتمِلةٌ أن تكونَ صدَرَت عن إخلاصٍ أو لغرضٍ ، فإذا بذَل
نفسَه وعرَّضَها للإتلافِ فى أمرِ اللَّهِ تعالى فهو دليلٌ قطعٌّ على صدقِ النيةِ؛ لأن الجُودَ
بالنفسِ أقصى غايةِ الْجُودِ . فعيلٌ بمعنى فاعلٍ . الثالثُ: أنه جرَى دمُه على الأرضِ أو
أَجْرِى، والشهادةُ وجهُ الأرضِ(١) . فعيلٌ مطلقٌ أو بمعنى مفعولٍ. الرابع: أن الملائكةَ
شهِدَته. فعيلٌ بمعنى مفعولٍ. الخامسُ: أن دليلَه معه لا يُغارِقُه؛ قال النبىُّ وَلَه: (( ما
مِن أحدٍ يُكْلَمُ فى سبيلِ اللَّهِ ، واللَّهُ أعلمُ بَمَن يُكْلَمُ فى سبيلِهِ)) الحديثَ . فعيلٌ بمعنى
فاعلٍ أو مفعولٍ .
الشهداءُ أُحدَ عشَرَ رجلاً؛ ثمانيةٌ فى حديثٍ مالكٍ(٢). التاسعُ: مَن قُتِل دونَ
(١) سيأتى فى الموطأ (١٠١١).
(٢ - ٢) فى ج: ((يقينا معانيها)).
(٣) سقط من: ج، وفى د: ((لائح))، وفى م: ((لائمًا)).
(٤) فى ج، م: ((محق)).
(٥) فى د: ((بغرض)).
(٦) ينظر التاج (ش هـ د) .
(٧) سيأتى فى الموطأ (٥٥٦).
٢٧٨

الموطأ
له))(١) . هكذا رواه أبو معاويةً عن هشام بهذا الإسنادٍ، وخالَفه فيه غيرُه مِن التمهيد
أصحاب هشامٍ .
وأما قولُه: ((الشهداءُ خمسةٌ)). فهكذا جاء فى هذا الحديثِ، وقد جاء فى
غيرِهِ مما قد ذكرناه فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ جابرِ بنِ عتيكٍ من كتابنا هذا عن النبىِّ
مَ أنه قال: ((الشهداء سبعةٌ سِوى القتلِ() فى سبيلِ اللهِ))(١). وهذه زيادةٌ، وقد
مضَى القولُ فى ذلك كلِّه ومعانيهِ فى ذلك البابِ من هذا الكتابِ . والحمدُ للهِ .
أُخبرَنى خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا علىُّ بنُ جعفرِ بنِ محمدِ بنِ عيسى
البغدادىُّ، حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، حدَّثنا مالكٌ، عن
مالِهِ(٤) . العاشرُ: الغريبُ(٥) . الحادى عشَرَ: صاحبُ النظْرةِ شهيدٌ، واختُلِف فيه
على قولين؛ فقيل: هو المَخْبولُ الذى "اتَّخِذَ نظرةً). وقيل: هو المِعِينُ(١). ووراءَ
هذا تَغْرِيرٌ(١) لا أرضاه، وكلُّهم يُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ إلا ذا المُغْتَرَكِ؛ فإن مالكًا رحِمه اللهُ
والشافعيَّ عَوَّلا على حديثِ جابرٍ فى قَتْلَى (٢) أَحَدٍ، والمسألةُ معروفةٌ .
القبس
(١) أخرجه هناد (١٠٧٨)، وابن حبان (٥٣٨)، والإسماعيلى (٣٢٩) من طريق أبى معاوية به.
(٢) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((القتيل)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٥٥٦).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٠٠٨) من الموطأ .
(٥) ابن ماجه (١٦١٣).
(٦ - ٦) فى د: ((انحد بنظره)).
(٧) أى المصاب بالعين .
(٨) فى ج، م: ((تعديل)).
(٩) فى د: ((قتيل)). وسيأتى عقب الحديث (١٠١٥) من الموطأ .
٢٧٩

الموطأ
◌ُمَىٌّ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، أَن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((الشهداءُ خمسةٌ؛
المطعونُ ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهدَمِ، والشهيدُ فى سبيلِ الله))(١).
التمهید
وروی مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن جابرٍ بنِ عَتیكٍ ، عن عتيك بن
الحارثِ بنِ عَتيكِ، "عن جابرٍ بن عتيكِ"، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((الشهداءُ
سبعةٌ سِوى القتلِ فى سبيلِ اللهِ ؛ المطعونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ ذاتِ الجَنَّبِ ،
والمبطونُ، والحَرِقُ ، والذى يموتُ تحتَ الهَدَمِ، والمرأةُ تموتُ بُجُمْعٍ»(4). يعنى:
كلُّهم شهيدٌ .
وقد تقدَّم تفسيرُ معانى هذا البابِ مُمَهَّدًا فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ جابرٍ من هذا
الكتابِ فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هلهنا . والحمدُ للهِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا فضلُ النداءِ وهو الأُذانُ، وفضلُ الصفِّ الأُولِ ،
وفضلُ البكورِ بالهاجرةِ إلى الصلاةِ فى المسجدِ فى الجمعةِ وغيرِها ، ولا أعلمُ
خلافًا بين العلماءِ أن مَن بكّر وانتظَر الصلاةَ، وإن لم يُصَلِّ فى الصفّ الأُولِ -
أفضلُ ممن تأخّر ثم تخطّى إلى الصفِّ الأُولِ ، وفى هذا ما يُوضِّحُ لك معنى فضلٍ
الصفِّ الأولِ أنه ورَد من أجلِ البكورِ إليه والتقدُّمٍ ، واللهُ أعلمُ .
وفيه فضلُ شهودِ العتَمةِ والصبح فى جماعةٍ ، وقد مضَت هذه المعانى مكوّرَةً
القبس
(١) أخرجه البخارى (٦٥٣)، والترمذى (١٠٦٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٥٢٨) من طريق قتيبة
به .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ص ١٧، م.
(٣ - ٣) سقط من: ص ١٧، م.
(٤) سيأتى فى الموطأ (٥٥٦).
٢٨٠