النص المفهرس

صفحات 241-260

الموطأ
أبو عَوانةَ ، عن قتادةَ، عن زرارةَ بنِ أَوْفَى ، عن سعدِ بنِ هشام ، عن عائشةً، التمهيد
قالت : قال رسولُ اللهِ وَّلَه: ((ركعتا الفجرِ خيرٌ مِن الدنيا وما فيها)) (١).
قال أبو عمرَ: فاحتجَّ مَن قدَّمْنا قولَه مِن الفقهاءِ وأصحابِهم بهذه الآثارِ وما
كان مِثْلَها فى تأكيدِ ركعتَى الفجرِ ؛ قالوا: هى سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ ، فإذا أمكن الإتيانُ
بهما وإدراكُ ركعةٍ مِن الصبح فلا معنًى لتَزْكِهما ؛ لأنه لا تفوتُ الصلاةُ مَن أدرَك
ركعةً منها . وقال منهم آخرون : إذا لم تَفُتْه الركعةُ الأولى مِن صلاةِ الصبح ، فلا
بأسَ أن يُصَلِّيَهما فى المسجدِ . وقال مالكٌ وأبو حنيفةً: خارجَ المسجدِ ، لأن
الثَّهْىَ المذكورَ عندَهم فى حديثِ ابنِ بُحَینةَ وعبدِ اللهِ بنِ سَرْجَسٍ مع قوله :
(( أَصَلاتان معًا؟)). يحتمِلُ أن يكونَ ذلك؛ لأنَّه جمْعٌ بينَ الفريضةِ والنافلةِ فى
موضعٍ واحدٍ، كما نُهِى مَن صلَّى الجمعةَ أن يصلىَ بعدَها تطوعًا فى مقامٍ واحدٍ
حتى يتقدَّمَ أو يتكلمَ . هذا ما نزَع به الطحاوىُّ، وهو شىءٌ عندى ليس بالقوىِّ.
ومن حُجَّةِ مالكٍ وأبى حنيفةَ أيضًا فى أن يُصلِّيَهما خارج المسجدِ إِن رَجا أن
يُدْرِكَ ، ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا جعفرُ
ابنُّ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن
يحيى بن أبى كثيرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، أنه جاء والإمامُ يُصلِّى
صلاةَ الصبح ، ولم يَكُنْ صلَّى الركعتين قبلَ صلاةِ الصبح ، فصلاهما فى حجرةٍ
حفصةَ، ثم إنه صلَّى مع الإمامِ(١) . فهذا ابنُ عمرَ قد صلَّهما - بعدَ أن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣٣.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٧٥/١ من طريق شيبان به .
٢٤١
( موسوعة شروح الموطأ ١٦/٥ )

الموطأ
التمهيد
أُقِيمت المكتوبةُ - خارج المسجدِ، وهو قولُ مالكِ وأبى حنيفةً .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلامِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ،
قال: حدَّثنا شعبةُ عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: إذا دخَل الرجلُ
المسجدَ والقومُ يُصَلُّون ، فلا يُصلِّ الركعتَين قبلَ الغَداةِ ، ولكن ليُصَلِّهما خارجًا
على دُكَانٍ (١) ، أو على شىءٍ(٢) ، وهذا مثلُه أيضًا .
ومِن حُجَّةِ الثورىِّ والأوزاعىِّ فى أن يُصَلِّيَهما فى المسجدِ إذا رجا أن
يُدرِكَ صلاةَ الصبحِ مع الإمامِ ، ما رُوِى عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، أنه دخَل
المسجدَ وقد أُقيمت الصلاةُ، فصلَّى إلى أَسطُوانةٍ فى المسجدِ ركعتَى الفجرِ،
ثم دخَل فى الصلاةِ، بَمَحْضَرٍ مِن حُذَيفةَ وأبى موسى(٢) . قالوا: وإذا جازَ أن
يشتغلَ بالنافلةِ عن المكتوبةِ خارجَ المسجدِ، جازَ له ذلك فى المسجدِ .
وقال الشافعىُ: مَن دخَل فى المسجدِ وقد أُقيمت الصلاةُ - صلاةُ الصبح -
فَلْيَدْخُلْ مع الناسِ ولا يركَعْ ركعتَى الفجرِ. ومِن قولِه أنه إذا أُقيمت الصلاةُ دخَل
مع الإمامِ ولم يَرْكَعْهما لا خارج المسجدِ ولا فى المسجدِ . وكذلك قال الطبرىُّ:
لا يتشاغلْ أحدٌ بنافلةٍ بعدَ إقامةِ الفريضةِ. وقال أبو بكر الأثرمُ : سُئِل أحمدُ بنُ
حنبلٍ - وأنا أسمعُ - عن الرجلِ يدخُلُ المسجدَ والإمامُ فى صلاةِ الصبحِ ولم
القبس
(١) الدكان: الدَّكّة المبنية للجلوس عليها. النهاية ١٢٨/٢.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٢/٢ من طريق شعبة بنحوه.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٧٤/١.
٢٤٢

الموطأ
التمهيد
يركّع الركعتَين، فقال: يدخلُ فى الصلاةِ؛ لأن النبيَّ وَّ قال: ((إذا أُقِيمت
الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ)). واحتجَّ أيضًا بقولِه: ((أصلاتانِ معًا؟)) قال
أحمدُ : ويَقْضِيهما مِن الضُّحَى. قيل له : فإن صلَّاهما بعدَ سلامِه وفَراغِه مِن
صلاةِ الفجرِ؟ فقال: يُجْزِئُه، وأما أنا فأختارُ أن يُصَلِّيهما مِن الضُّحَى، ثم قال :
حدَّثنا إسماعيلُ ابْنُ عُلَيَّةً، عن أيوبَ ، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ يُصَلِّيهما
من الضُّحى() .
قال أبو بكر الأثرمُ: وحدَّثْنَا عَقَّانُ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفُضَّلِ، قال:
حدَّثْنَا سَلَمةُ بنُ علقمةَ(٢) ، قال: وقال محمدُ بنُ سيرينَ: كانوا يكرهون أن
يصلُّوهما إذا أُقيمت الصلاةُ. وقال محمدٌ : ما يَفُوتُه مِن المكتوبةِ أحَبُّ إلىّ
منهما (٣) .
قال أبو عمرَ: قد ثبت عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((إذا أُقيمت الصلاةُ فلا صلاةً
إلا المكتوبةُ التى أَقِيمت)). رواه أبو سَلَمَةً، عن أبى هريرةَ ، وعطاءُ بنُ يسارٍ ، عن
أبى هريرةَ، والحُثَّةُ عندَ التنازع السُّنَّةُ، فمَن أدلى بها فقد أَفلَجِ ، ومَن
استعمَلها فقد نجا، وما توفيقى إلا باللهِ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٥/٢ من طريق نافع به .
(٢) فى م: ((عائشة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٨/١١.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٢/٢ من طريق سلمة بن علقمة به .
(٤) الفلج والإفلاج: الظفر والفوز. التاج ( ف ل ج ) .
٢٤٣

٢٨٦ - مالكٌ، أنه بلَغه أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فاتته ركعتا الفجرِ،
الموطأ
فقضاهما بعدَ أن طلَعتِ الشمسُ(١) .
٢٨٧ - مالكٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن القاسمِ بنٍ
محمدٍ ، أنه صنَع مثلَ الذى صنَع ابنُ عمرَ(٢) .
الاستذ کار
وأما قضاءُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، والقاسمِ بنِ محمدِ ركعتَى الفجرِ بعدَ طلوع
الشمسِ، فذلك دليلٌ على أنهما عندَهما مِن مؤكّداتِ السننِ .
وأجاز الشافعىُّ وأصحابُه وطائفةٌ مِن السلفِ؛ منهم عطاءٌ، وعمرُو بنُ
دينارِ، أن تُصلَّى ركعتا الفجرِ بعدَ سلامِ الإمامِ مِن صلاة الصبحِ. وأتى ذلك
مالكٌ وأكثرُ العلماءِ؛ لنَهْيِهِ وَ له عن الصلاةِ بعدَ الصبح حتى تطلع الشمسُ(١).
وذهَب الشافعىُّ فى ذلك إلى ما حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قالَ: حدَّثَنا محمدُ
ابنُ بكرٍ ، قال: حدَّثَنا أبو داودَ ، قال: حدَّثَنَا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ، حدَّثَنَا
ابنُّ ثُميرٍ، "عن سعدِ بنِ سعيدٍ)، قال: حدَّثَنَى محمدُ بنُ إبراهيمَ، عن قيسٍ بِنِ
عمرٍو، قال: رأى النبيُّ وَ لَّه رجلًا يصلِّ بعدَ صلاةِ الصبح ركعتين، فقالَ رسولُ
اللهِ وَّهِ: ((صلاةُ الصبح ركعتان)). ( فقال الرجلُ": إنى لم أكنْ صليتُ
الركعتين قبلَهما فصليتُهما الآنَ. فسكَت رسولُ اللهِ وَلَهُ(٥). قالَ أبو داودَ:
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٢٠). وأخرجه البيهقى ٤٨٤/٢ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (٣٢١). وأخرجه البيهقى ٤٨٤/٢ من طريق مالك به،
وعندهما: ((وبلغنى عن القاسم مثل ذلك)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٥١٨).
(٤ - ٤) سقط من: ح.
(٥) أخرجه البيهقى ٤٨٣/٢ من طريق محمد بن بكر به، وهو عند أبى داود (١٢٦٧).
٢٤٤

فضلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفَذِّ
الموطأ
رَوَى هذا الحديثَ يحيى بنُ سعيدٍ، وعبدُ ربِّه بنُ سعيدٍ مرسلًا، عن جدِّهم الاستذكار
قیسٍ بنِ عمرو .
قال أبو داودَ : حدَّثَنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثَنا سفيانُ، قال: كان عطاءُ
ابنُ أبى رباح يحدِّثُ بهذا الحديثِ عن سعدِ بنِ سعيدٍ .
وقد مضَى القولُ فى معنى النهي عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ والعصرِ، وما للعلماءِ
فى ذلك مِن المذاهبِ فى بابِهِ مِن هذا الكتابِ (١). والحمدُ للهِ . ويأتى القولُ فيمَن
دخَل المسجدَ لصلاةِ الصبح وقد ركع ركعتَى الفجرِ، هل يركُ الركعتين تحيةً
المسجدِ ؟ عندَ ذكرٍ حديثٍ أبى قتادةً فى موضعِه فى هذا الكتابِ إن شاء الله
(٢)
تعالى(٢).
التمهيد
القبس
فضلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفَذِّ
عندَ علمائِنا رحمةُ اللهِ عليهم، وعندَ أبى حنيفةَ والشافعيِّ أن صلاةَ الجماعةِ مِن
فروضِ الكفاية؛ لأنها مِن شعائرِ الدينِ وليست عامَّةً فى جميع المسلمين، وعليها
تَرْجَم مالكٌ رحِمه اللَّهُ بقولِه : فضلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفذِّ. ولولا أن صلاةَ
الفذِّ مُجْزِئَةٌ ما كان بينها وبينَ صلاةِ الجماعةِ فضلٌ؛ لأن الفضلَ فرعُ الإجزاءِ، ومِن
الْمُمْتَنعِ تُثُوتُ الفرعِ مع عدمِ الأصلِ .
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٥١٨) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٣٨٩) من الموطأ .
٢٤٥

الموطأ
التمهيد
القبس
فإن قيل: فلعل (١) المُفَاضَلةَ(" إنما وقَعت فيهما٢) إذا كانت صلاةُ الفذِّ عن(٣) عُذْرٍ .
قلنا : هذا لا يجوزُ؛ لأن صلاةَ المَغَذورِ مُساوِيةٌ فى الإجزاءِ لصلاةِ غيرِ المعذورِ ،
حَسَبَ ما بَيَتَاه مِن قبلُ، ونصَّ عليه النبيُّ وَلِّ حينَ قال: ((إن بالمدينةِ قومًا ، ما سَلَكْتُم
واديًا، ولا قطَعْتُمْ شِعْبًا، إلا وهم معكم؛ حَبَسَهم العُذْرُ))(٥).
فإن قيل: فقد روى مسلمٌ أن رجلًا ضريرَ البصرِ جاء إلى النبيِّ وَله
يعتذِرُ إليه بضَرارتِه عن الإقبالِ إلى الجماعةِ، فقال له النبيُّ وَله: ((أتسمَعُ
النداءَ؟)). قال له: نعم. قال: ((لا أجِدُ لك رُخْصةً)). قلنا: عنه ثلاثةُ أجوبةٍ ؛
أحدُها : اتفاقُ الأُمةِ على أن العذرَ مُشْقِطٌ للجماعةِ ، ولأصلِ الصلاةِ ، ما عدا
الإيماءَ، فكأن النبىَّ وَ لَه رأى أن ما ذكَر مِن ضَرارةِ البصرِ ليس بعذرٍ؛ لأنه كان
یتصرّفُ فی حوائج نفسِه ، فعبادةُ ربّه أَوْلَی . الثانى : أنه كان زمانَ نِفاقٍ ، فکرِهِ
النبيُّ وَّهِ إِن رَخَّص له أن يتَسبَّبَ بذلك المنافقون إلى التخلفِ ويذكُرون
أعذارًا . الثالثُ : قال علماؤنا: رُوِى فى الحديثِ أن هذا السؤالَ مِن هذا الضريرِ
إنما كان فى صلاةِ الجُمُعةِ وهى فريضةٌ على الأعيانِ .
تفسيرٌ: ذكّر النبيُِّ نَِّ فِى تَحْدِيدِ التفضيلِ بينَ صلاةِ الجماعةِ وصلاةٍ الفذٌ
(١) فى ج، م: ((ولعل)).
(٢ - ٢) فى ج: ((أوقع بينهما))، وفى م: ((أرفع بينهما)).
(٣) فى ج، م: ((على)).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((المقدور)).
(٥) تقدم تخريجه ص ٧٤، ٧٥ .
(٦) مسلم (٦٥٣)، وسيأتى تخريجه ص٢٥٨ .
٢٤٦

٢٨٨ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ الموطأ
عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَلَ قال: ((صلاةُ الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفَذِّ بسبعٍ
وعشرين درجةٌ )) .
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((صلاةُ التمهيد
الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفَذِّ بسَبْعٍ وعشرينَ درجةً))(١).
قد مضى القولُ فى معنى هذا الحدیثِ فی بابِ ابنِ شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ مِن كتابِنا هذا٢، والفضائلُ لا تُدْرَكُ بقياسٍ، ولا مدخلَ فيها
للَّظَرِ، وإنّما هو ما صحَّ منها، ووقَف رسولُ اللهِ وَّهَ عليها، فهو كما
قال ◌َله .
وفى حديث أبى هريرةَ، عن النبيِّ بَّهِ: ((بخمس وعشرينَ درجةً))(٢).
وكذلك روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، عن النبيِّ وَلَهُ. وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ،
عن النبيِّ وَّ: ((بِسَبْعِ وعشرين)). وأسانيدُها كلُّها صِحَاح، واللَّهُ يتفضَّلُ بما
يشاءُ، ويُضاعِفُ لمن يشاءُ. وقد رُوِى عن النبيِّ وَلَه بإسنادٍ لا أُحفَظُه فى وَقْتِى
هذا: ((صلاةُ الجماعةِ() تَفْضُلُ صلاةَ أحدِكم بأربعينَ درجةً)). وأظُنُّه انفَرَد به
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٨٨)، وبرواية أبى مصعب (٣٢٢). وأخرجه أحمد ٢٣٨/٩،
١٥١/١٠، ٤٨٣ (٥٣٣٢، ٥٩٢١، ٦٤٥٥)، والبخارى (٦٤٥)، ومسلم (٢٤٩/٦٥٠)،
والنسائى (٨٣٦) من طريق مالك به .
(٢) سيأتى فى ص ٢٥١ - ٢٥٤.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٢٨٩).
(٤) أخرجه أحمد ٣٦/٦ (٣٥٦٧)، وابن خزيمة (١٤٧٠)، والطيرانى (١٠٠٩٨ - ١٠١٠٢).
(٥) فى الأصل: ((الجمعة)).
٢٤٧

الموطأ
التمهيد
فُلَيْخُ بنُ سليمانَ ، وليس حديثُهُ(١) بالقوىِّ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا الحَوْطِئُ (٢)، حدَّثنا بقِيَّةُ بنُ الوليدِ ، عن عیسی بنِ
إبراهيمَ، عن موسى بنِ أبى حبيبٍ، عن الحكمِ بنِ(٢) عُمَيْرٍ - وكان مِن أصحابٍ
النبيِّ وَِّ - قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( اثنان فما فوقَهما جماعةٌ))(٤).
وقد استدلَّ قومٌ على أنْ لا فضلَ لكثيرِ الجماعةِ على قليلِها ، ولا للصّفِّ
المُقَدَّمِ منها على غيرِه بظاهرِ حديثِ ابنِ عمرَ هذا وما كان مثلَه . وخالَفهم آخرون
فرَعَموا أنَّ الجماعةَ كلَّما كثُرت كان أفضلَ. واخْتَبُجُوا بحديثٍ أَبِى بَصِيرٍ،
عن أُتَّ بنِ كعبٍ مرفوعًا بذلك(٢). وهو حديثٌ ليس بالقوِىِّ، وزعَموا أنَّ
الصَّفَّ الأوَّلَ أفضلُ ؛ لما جاء فيه مِن الاسْتِهامِ عليه، ومِن قولِه عليه السلامُ:
((خيرُ صُفُوفٍ الرجالِ أوَّلُها، وخيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخرُها)) . وعارَضهمُ
القبس
(١) فى ى: ((إسناده)).
(٢) فى النسخ: ((الحويطى)). وهو عبد الوهاب بن نجدة الحوطى. ينظر تهذيب الكمال ٥١٩/١٨.
(٣) بعده فى ى: ((أبى)). وينظر الاستيعاب ٣٥٨/١.
(٤) أخرجه ابن سعد ٤١٥/٧، وابن عدى ١٨٩٠/٥ من طريق بقية به .
(٥) فى ى: ((نصر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٨١.
(٦) أخرجه أحمد ١٩٢/٣٥ (٢١٢٦٧)، والدارمى (١٣٠٦)، وابن خزيمة (١٤٧٦) من طريق
أبی بصير به .
(٧) أخرجه أحمد ٣٢٠/١٢ (٧٣٦٢)، ومسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨) من حديث أبى
هريرة .
٢٤٨

٢٨٩ - مالك، عن ابن شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن
الأوَّلُون بأن تأوَّلُوا قولَه عليه السلامُ: (( خيرُ صُفُوفِ الرّجالِ أوَّلُها، وشَؤُها
آخِرُها، وشَرْ صُفوفِ النِّساءِ أوَّلُها، وخيرُها آخِرُها)). أَما خرَج على قومٍ كانوا
يتأخّرُون مِن أجلِ النِّساءِ حتى أُنزِلت: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلْنَا
الْمُسْتَشْخِينَ﴾ [الحجر: ٢٤]. فحينئذٍ قال رسولُ اللهِ وَِّ ذلك القولَ. ولا دليلَ
فيه على ما ذهَبُوا إليه إذا كان على ما ذكرنا، وفى المسألةِ نظَرٌ، والفضائلُ أَّما
تُعْرَفُ بما صحَّ مِن التَّوْقيفِ عليها ، فما صَحَّ مِن ذلك سُلِّم له ، وطُمِع فى بر کتِهِ،
والمَعَنَى فى فضلِ الصفِّ الأولِ التبكيرُ وانتظارُ الصلاةِ، وليس مَن تأخّر وصار فى
الصَّفِّ الأُولِ كمَن بَكَّر وانتظَر الصلاةَ، وسيأتى ذكرُ هذا المعنی فی بابِ
سُمَىٌّ(٢) إنْ شاء اللهُ.
وفى فضلِ الصلاةِ فى الجماعةِ أحاديثُ متواترةٌ عن النبيِّ وَِّ، أجمَع
العلماءُ على صحةٍ مجيئِها، وعلى اعتقَادِها والقولِ بها، وفى ذلك ما
يُوَضِّحُ بدعةَ الخوارج ومخالفتَهم لجماعةِ المسلمين فى إنكارِهم الصلاةَ فى
جماعةٍ، وكراهيتِهِم لأَنْ يأَتَمَّ أحدٌ بأحدٍ فى صلاتِه، إلّا أن يكونَ نبيًّا
أو صدِّيقًا، أجارنا اللهُ مِن الضلالِ برحمتِه، وعصَمنا بفَضْلِهِ، لا إلهَ إلَّا
هو .
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أنَّ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٥/٥ (٢٧٨٣)، والترمذى (٣١٢٢)، والنسائى (٨٦٩) من حديث ابن عباس ..
(٢) سيأتى ص ٢٨٠ .
٢٤٩
الموطأ
التمھید

الموطأ أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ نَّه قال: ((صلاةُ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاةٍ
أحدِ كم وحدَه بخمسةٍ وعشرين جُزءًا )).
رسولَ اللهِ وَّ له قال: «صلاةُ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاةِ أحدِكم وحدَه
التمهید
بِخَمسَةٍ وعشرينَ جزءًا))(١).
هكذا هو فى ((الموطَّأُ)) عندَ جماعةٍ (٢) الرُّواةِ، ورَوَاه ◌ُجُوَيْرِيَّةُ بنُ أسماءً، عن
مالكٍ بإسنادِه فقال : ((فضلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ أحدِ كم خمسٌ وعشرُونَ
صلاةً )) .
القبس
خمسةً وعشرينَ جزءًا وسبعًا وعشرينَ درجةً، وذلك مما لا يوقَفُ على تَغْيينِه، وقد
تكَلَّفَ الناسُ جَمْعَه(٢) على وجهٍ لا أرضَاه، أمّا أنه قد جاء فى الحديث الصحيح
على لسانِ النبيِّ وَ لَ أنه أشارَ إلى ذلك فى قوله: («صلاةُ أحدِ كم فى المسجدِ تَزِيدُ
على صلاتِه فى سُوقِه وصلاتِه فى بيتِه خمسًا وعشرينَ درجةً؛ وذلك أنه لا يَخْطُو
خُطْوةً إلا كتَب اللَّهُ له بها حَسنةٌ)) (٥) الحديث إلى آخرِهِ. وهذه المعانى مما لا تُدْرَكُ
بالقياسِ، فاستعمالُ النظرِ فيها جَهْلٌ وعَنَاءٌ.
وقولُه وَله: ((على صلاتِه فى سُوقِه)). يعنى: إذا صلَّى وحدَه . وأما لو كان فى
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٢٣). وأخرجه أحمد ١٦/ ١٢٠، ٢٠٧ (١٠١٢١، ١٠٣٠٥)،
ومسلم (٢٤٥/٦٤٩)، والترمذى (٢١٦)، والنسائى (٨٣٧) من طريق مالك به .
(٢) فى م: (( جميع)) .
(٣) فى ج ، م : ((جمعها)) .
(٤) سقط من : ج ، م .
(٥) تقدم تخريجه فى ١٠٣/٣.
..:
٢٥٠

الموطأ
ورواه عبدُ الملكِ بنُ زيادِ النَّصِيبِىُّ، ويحيى بنُ محمدِ بنِ عِبّادٍ ، عن مالك، التمهيد
عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ مثلَه.
وروَاه الشافعىُّ ، ورَوحُ بنُ عُبادةً(١)، وعمَّارُ بنُ مَطَرٍ"، عن مالك، عن
أبى الزِّنادِ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ .
فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ معرفةُ فضل صلاةٍ () الجماعةِ، والتَّرغيبُ فى
محُضورِها. وفيه دليلٌ على أنَّ الجماعةَ كثُرتْ أو قلَّتْ سواءٌ؛ لأَنَّه ◌ِ لَّه لم يَخْتَصَّ
جماعةً مِن جماعةٍ ، والقولُ على عمومِه، وقد قال وَلَ: ((اثنانِ فما فوقَهما
جماعةٌ)) (٥). وقال ◌َّهِ: (( صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ على صلاةِ الفَذِّ بكذا وكذا
درجةٌ)) . لم يقصِدْ جماعةٌ مِن جماعةٍ ، ولا موضعًا مِن المسجدِ مِن موضعٍ ، وأمّا
القبس
السوقِ مسجدٌ مُخْتَطّ لكان مثلَ سائرِ المساجدِ، فإن لم يكنْ مُخْتَظًّا، وصلَّى فى(٧)
السوقِ جماعةً ، كان بمنزلةِ البيتِ یُصَلَّی فیه جماعةٌ ، فإنه يُکتبُ له(٨) فيه أجرُ
الاجتماع، ويَنْقُصُه فَضْلانِ ؛ أَجْرُ الخُطَى، وإعلانُ الشِّعارِ، وهذا بالغٌ فَتَحَفِّقوه،
ورَكِّبوا عليه وافهموه .
(١) الشافعى ١٥٤/١.
(٢) أخرجه البيهقى ٣/ ٦٠، وفى المعرفة (١٤٣٤) من طريق روح به .
(٣) أخرجه الدارقطنى فى العلل ٢٢٤/٨ من طريق عمار بن مطر به.
(٤) سقط من : م.
(٥) تقدم تخريجه ص ٢٤٨.
(٦) اختطاط الأرض : هو أن يعلم عليها علامة بالخط ؛ ليعلم أنه قد احتازها ليبيعها . اللسان
(خ ط ط ) .
(٧) فى ج، م: ((أهل)).
(٨) سقط من: ج ، م .
٢٥١

الموطأ
التمهيد
حديثُ أَتَىِّ بنِ كعبٍ : ((صلاةُ الرجلِ مع الرجلِ أزكَى مِن صلاتِهِ وحده،
وصَلاتُه مع الرَّجُلَيْنِ أزكَى مِن صَلاتِه مع الرجلِ ، وصَلاتُه مع الثلاثةِ أزكَى مِن
صَلاتِهِ مع الرجلَينِ، وكلَّما كثُرَ فهو أزكى وأَطيَبُ)) (١). فهو حديثٌ ليس
بالقوىِّ، لا يُخْتَجُ بمثله .
وفى هذا الحديثِ - أعنى حديثَ مالكِ هذا - دليلٌ على جوازِ صلاةِ الفَذِّ
وحدَه ، وإن كانتِ الجماعةُ أفضلَ، وإذا جازَت صلاةُ الفَذِّ وحدَه، بطَل أن
يكونَ شُهودُ صَلاةِ الجماعةِ فرضًا؛ لأَنَّه لو كان فرضًا لم تَجُزْ للفذِّ صلاتُه، كما
أنَّ الفذّ لا يُجزِتُهُ يومَ الجُمُعةِ أن يُصلِّىَ قبلَ صَلاةِ الإمامِ ظُهرًا (١)، إذا كان مّن
يجبُ عليه إتيانُ الجُمُعةِ، وقد احتَجَّ بهذا جماعةٌ مِن العلماءِ، وأكثرُ الفقهاءِ
بالحجازِ، والعراقٍ، والشَّامِ، يقولون: إنَّ حضورَ صلاةِ الجماعةِ فضيلةٌ
وفضلٌ، وسُنَّةٌ مؤكّدةٌ، لا ينبغِى تركُها، وليست بفرضٍ. ومنهم مَن قال :
إنَّها فرضٌ على الكفايةِ. واختلَف أصحابُ الشافعىِّ عنه (٢) فى هذه المسألةِ ؛
فمنهم مَن قال : شهودُ الجماعةِ فرضٌ على الكِفايةِ. ومنهم مَن قال : شُهودُها
سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ لا يُرَخَّصُ(٤) فى تركِها للقادرِ عليها إلَّا مِن عذْرٍ. ولهم فى ذلك
دَلائِلُ يطُولُ ذكرُها للقولَينِ جميعًا. وقال أهلُ الظَّاهرِ - منهم داودُ - : إنَّ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٨.
(٢) بعده فى م: ((ولا غيرها)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((رخصة)).
٢٥٢

الموطأ
التمهيد
حضورَ صلاةِ الجماعةِ فرضٌ متعيِّنٌ كالجُمعةِ(١) سواءً، وإنَّه لا يُجزئُ الفَذَّ
صلاةٌ ، إلّا بعدَ صلاةِ الناسِ فى المسجدِ ، وإن صلَّها قبلَهم أعاد. واستدلَّ
بظاهرٍ آثارٍ رُوِيت فى ذلك، سنذكُرُ ما روَى منها مالكٌ فى موضعِه مِن کتابِنا
هذا إن شاء الله .
قال أبو عمرَ: لا يخلُوقولُه ◌َةِ: ((صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ صلاةَ الفَذِّ)). مِن
أحدٍ ثلاثةِ أوجهٍ ؛ إمَّا أن يكونَ المرادُ بذلك صلاةَ النَّافلةِ، أو يكونَ المرادُ بذلك
مَن تخلَّفَ من عُذْرٍ عن الفريضةِ ، أو يكونَ المرادُ بذلك مَن تخَلَّفَ عنها بغيرٍ
عُذْرٍ . فإذا احتمَلَ ما ذكَرْنا، وكان رسولُ اللهِ وَلِّ قد قال: ((صلاةُ المرءِ فى بيتِه
أفضَلُ مِن صلاتِه فى مسجدِى هذا إلَّ المكتوبةَ)) (١). علِمنا أنَّه لم يُرِدْ صلاةَ النَّافَلَةِ
بتفضِيلِه صلاةَ الجماعةِ على الفَذِّ، وَّما أراد بذلك الفرضَ. وكذلك لمَّ
قال ◌َله: ((مَن غلَبَه على صَلاتِه نومٌ كُتِب له أجرُها))(٢). وكذلك قولُه: ((إذا
كان للعبدِ عملٌ يعملُه، فمنَعه منه(٤) مرضٌّ، أمَرَ اللهُ كاتِتَيه أن يَكتُبا له ما كان
يعمَلُ فى صحَّتِهِ)) (٥) . وكذلك قولُه فى غزوَةٍ تبوكَ لأصحابِهِ: ((إنَّ بالمدينةِ
قومًا ، ما سلَكتُم طريقًا، ولا قطَعتُم واديًا، ولا أَنفَقتُم نفقةً ، إلّ وهم معكم،
القبس
(١) فى م: ((كالجماعة)).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٣.
(٣) تقدم فى الموطأ (٢٥٥).
(٤) سقط من : ص ٤.
(٥) تقدم تخريجه ص٧٦ .
٢٥٣

الموطأ
٢٩٠ - مالكٌ، عن أبى الزِّنادٍ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن
رسولَ اللهِ وَِّ قال: (( والذى نَفْسِى بيدِه لقد هَمَمتُ أن آمُرَ بحَطَب
التمهيد
حبَسَهم العُذرُ)) (١). علِمنا بهذه الآثارِ وما كان فى معناها، أنَّ المتخلِّفَ بعُذْرٍ لم
يُقْصَدْ إلى تفضِيلٍ غيرِهِ عليه، وإذا بطَل هذانِ الوَجْهانِ ، صَعَّ أنَّ المُرَادَ بذلك
هو المتخلِّفُ عن الواجبِ عليه بغيرِ عذرٍ، وعلِمنا أنَّ النبيَّ وَّهِ لم يُفاضِلْ بينَهما
إلّ وهما جائزانٍ ، غيرَ أنَّ أحدَهما أفضلُ منَ الآخرِ. وممّا يدُلَّ على ما ذكَوْنا
حديثُ مِحْجَنِ الدِّيلىّ حينَ قال له رسولُ اللهِ وَِّ: (( ما منَعَك أن تصلِّىَ معنا؟
ألستَ برجلٍ مسلمٍ؟! )) قال: بلى، ولكنِّى قد صلَّيتُ فى رَحلِى(٢). فعُلِمَ أَنَّه إِّما
صلَّى فى رَحْلِه مُنفرٍدًا. وكذلك قولُهُ وَ: ((إذا حضَرتِ العَشاءُ وأُقِيمَتِ
الصلاةُ، فابدءُوا بالعَشَاءِ)) (١). وقد يكونُ مِن العُذْرِ المَطَرُ والظُّلمةُ؛ لقولِه: ((أَلَا
صلُّوا فى الرّحالِ )) (٤). ومِن العُذْرِ أيضًا مُدَافعةُ الأخبَين؛ الغائطِ والبولِ. وقد
ذكرنا كثيرًا مِن هذه الآثارِ فى مواضِعِها مِن كتابِنا، ومضَى القولُ هناك فى
مَعانِيها . والحمدُ للَّهِ كثيرًا.
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه
القبس
وأمَّا حديثُ أبى هريرةَ فى هَمِّ النبيِّ نَّهِ بِالحَقِ للمُتَخلِّفين عن الصلاةِ ، فهو
أَضعَفُ الحُجَج لهم؛ لِأُن النبيَّ وَِّ قال فيه: ((فَآَمُرَ رجلًا يَؤُمُّ الناسَ، ثم أُخالِفَ
(١) تقدم تخريجه ص٧٤، ٧٥ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢٩٦).
(٣) تقدم تخريجه فى ١٦٩/١ .
(٤) تقدم فى الموطأ (١٥٥) .
(٥) فى ج: ((على المختلفين))، وفى م: ((على المتخلفين)).
٢٥٤

فَيُخْطَبَ، ثُم آمُرَ بالصلاةِ فَيُؤَذَّنَ لها، [٤٨ و] ثُم آمُرَ رجلًا فيَؤُمَّ
الناسَ، ثُم أُخالفَ إلى رجالٍ فَأُحَرِّقَ عليهم يُيُوتَهم، والذى نَفْسِى
بيدِه لو يَعلمُ أحدُهم أنه يَجِدُ عظمًا سمينًا، أو مِرْماتَين حَسَنَتَين
لَشَهِد العِشاءَ)).
الموطأ
التمهيد
قال: ((والذى نفسى بيدِه، لقد همَمتُ أن آمُرَ بحطبٍ فيُحطَبَ، ثم آمرَ
بالصلاةِ فيُؤَذَّنَ لها ، ثم آمرَ رجُلًا فيؤمّ الناسَ، ثم أُخالفَ إلى رجالٍ فَأَحرِّقَ عليهم
بيوتَهم ، والذى نفسى بيدِه، لو يعلمُ أحدُهم أنه يجدُ عظمًا سمينًا، أو مِرمَاتين
حسنتين ، لشهِد العشاءَ)) (١).
رُوِىَ هذا الحديثُ عن أبى هريرةَ من وجوهٍ؛ رواه أبو صالحٌ ١ ، ويزيدُ بنُ
القبس
إليهم)). فقد ترَك الجماعةَ ، فإن قيل: ترَكها لأُخْرى . قلنا : هذه دَعْوى فى موضعٍ
الاحتمالِ مِن غيرِ دليلٍ .
وجةٌ آخرُ، همَّ النبيُّ وَ لَه ولم يفعَلْ، ولو كان فرضًا لأَنفَذَ ما هَمَّ به.
وجة ثالثٌ ، لمّ(٣) كان الغالبُ على التاركِ (٤) للجماعةِ أهلَ النفاقِ ، فأراد النبيُّ
وَِّ أن يُضْرِمَ عليهم بُيُوتَهم؛ ليقطَعَ جِوارَهم، ويَحسِمَ شِرارَهم .
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٢٤). وأخرجه البخارى (٦٤٤، ٧٢٢٤)، والنسائى (٨٤٧)،
والطحاوى فى شرح المعانى ١٦٨/١، ١٦٩، وابن حبان (٢٠٩٦) من طريق مالك به .
(٢) أخرجه أحمد ٤٨٠/١٤ (٨٩٠٣)، والبخارى (٦٥٧)، ومسلم (٢٥٢/٦٥١)، وأبو داود
(٥٤٨)، وابن ماجه (٧٩١) من طريق أبى صالح به .
(٣) فى ج، م: ((إنما)).
(٤) فى ج، م: ((التخلف)).
٢٥٥

الموطأ
الأصمِّ(١)، والأعرج، وغيرهم .
التمهيد
قولُه: ((لقد هممتُ أن آمرَ بحطبٍ فَيُحطبَ)). أى: يُجمعَ.
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ معرفةُ يمينِ رسولِ اللهِ وَلَه، وأنه كان يحلِفُ
على ما يُريدُ باللهِ . وفى ذلك ردِّ لقولٍ من قال: لا يحلِفُ باللهِ صادقًا ولا كاذبًا .
نُكْتَةٌ أُصوليةٌ: قد بَيْنًا فيما سَلَف وفى غيرِ ما موضعٍ مِن الإملاء أن النبيُّ وَله
القبس
كان يَقْضِى باجتهادِهِ، والشريعةُ مِن ذلك مَلْأَى؛ ولذلك هَمَّ بحَرْقِ البيوتِ ، ثم
تركه إمهالًا ، أو لئلّا يَتحدَّثَ الناسُ أن محمدًا يحرِقُ بُيوتَ(١) أصحابِه، وفيه دليلٌ
على إعدام محلِّ المعصيةِ ، كما قال مالكٌ ، وخالَفه فى ذلك أبو حنيفةً والشافعىُّ ،
والصحيحُ قولُ علمائنا، والدليلُ على صحةِ ذلك ما ثبَت(٤) مِن كسرِ الدِّنَانِ،
وحَرْقِ عمرَ بيتَ خَمَّارٍ (١)، وحينَ مُلِّكْتُ أمرَ الدينِ حَرَّقْتُ قَراقِرَ ) كثيرةً كانت
مخصوصةٌ بالمعاصِی .
فائدةٌ فقهيةٌ : عجِبتُ للعلماءِ حِيثُ عَيَّنوا فى اليمينِ باللَّهِ وترَكوا سائرَ الأيمانِ
(١) أخرجه أحمد ١٦/ ١١١، ٥٦٤ (١٠١٠١، ١٠٩٦٢)، ومسلم (٢٥٣/٦٥١)، وأبو داود
(٥٤٩)، والترمذى (٢١٧) من طريق يزيد بن الأصم به .
(٢) فى ج، م: ((وجه)).
(٣) فى ج، م: ((دور)).
(٤) بعده فى ج، م: ((فى الأثر الصحيح)).
(٥) كان ذلك حين نزل تحريم الخمر فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت فى سكك المدينة .
ينظر تفسير القرطبى ٢٩٢/٦ .
(٦) عبد الرزاق فى المصنف (١٧٠٣٥، ١٧٠٣٩)، وابن سعد فى الطبقات ٢٨٢/٣.
(٧) القراقر : جمع قرقرة ، وهى الصحراء البارزة ، أى أنه أحرق أماكن خارج المدينة كانت
مخصوصة بالفجور والمعاصى . ينظر التاج ( ق ر ر ) .
٢٥٦

الموطأ
التمهيد
وفى قولِه ◌ٍَّ: ((من كان حالفا فلْيحلِفْ باللهِ))(١). كفايةٌ، وكان ◌َّ يحلفُ
كثيرًا باللهِ ، ثم إن رأى ما هو خيرٌ مما حلَف عليه حنَّث نفسَه وكفّر، وفيه الأسوةُ
الحسنةُ، وسيأتى هذا المعنى مُبيًّا فى بابٍ سُهيلٍ من كتابِنا هذا(١) . إنْ شاءَ اللهُ.
وفى هذا الحديثِ أيضًا أن الصلواتِ يُؤْذَّنُ لها ، وفيه أيضًا إجازةُ إمامةٍ
المفضولِ بحضرةِ الفاضلِ ، وفيه إباحةُ عقوبةٍ من تأخّر عن شهودِ الجماعةِ لغيرِ
عذرٍ ، ولم يكنْ يتخلَّفُ عن رسولِ اللهِ وََّ فى الصلاةِ إلا منافقٌ، أو من له عذرٌ
القبس
التى أقسَم اللَّهُ بها فى كتابِهِ، وَجَرَّت على لسانِ رسولِه مِن الأيمانِ؛ كقوله : ﴿فَوَرَبِّ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]. وقولِ النبيِّ وَّ: ((والذى نفسى بيدِه)) . وقولِه عليه
السلامُ: ((لا ومُقَلِّبِ القلوبِ))(٢). والذى ظهَر إلىّ فى" ذلك، أن كلَّ ما
ذكَر اللَّهُ ورسولُه مِن الأيمانِ بغيرِ قولك: باللّهِ. لم يكنْ فى مقطع الحقوقِ (١ ، حتى لما جاء
مقطعُ الحقِّ(١) وذكْرُ كيفيةِ اليمين، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَا
أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]. وفى الكلام تطويلٌ كثيرٌاسْتَوفَیناهفى كتابٍ((أحكامِ
(٧)
القرآنِ ))(١).
(١) سيأتى فى الموطأ (١٠٤٧).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٤٣) من الموطأ ..
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٠٤٨).
(٤ - ٤) فى ج: ((إلى من))، وفى م: ((لى من)).
(٥) فى ج، م: ((الحق)).
(٦) فى ج: ((ما للحق)).
(٧) أحكام القرآن ٧١٧/٢ - ٧١٩.
٢٥٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٧/٥ )

الموطأ
التمهید
بيِّنٌ، وقد استدلَّت به طائفةٌ على أنَّ العقوبةَ قد تكونُ فى المالِ، وجائزٌ أن يكونَ
رسولُ اللهِ وَّهِ يُعاقِبُ بما ذكَر فى هذا الحديثِ، وجائزٌ أَلَّا يفعلَ؛ لأنَّ تركَ إنفاذٍ
الوعيدِ عفوٌ، وليس بخُلْفٍ ولا كذبٍ ، وإنما الكذبُ ما أثِم فيه المرءُ وعصَی ربَّه ،
فجائزٌ مثلُ هذا القولِ تأديبًا للناسِ ، ثم الخيارُ بعدُ فى إنفاذِهِ . واستدلَّ به داودُ
وأصحابُه على أنَّ الصلاةَ فى الجماعةِ فرضٌ على كلِّ أحدٍ فى خاصَّتِهِ،
كالجمعةِ ، وأنها لا تُجُزِئُ المنفردَ إلَّ أن يُصلِّيَها فى المسجدِ مع الجماعةِ، أو
يصلِّيَها بعدَ أنْ يفرُعَ الجماعةُ فى المسجدِ منها ، كقولِنا فى الجمعةِ سواءً. واحتجّ
بقولِهِ وَلِّ: ((لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا فى المسجدِ)) (١). وهذا عندَنا محمولٌ
على الكمالِ فى الفضلِ، كما قال: ((لا دينَ لمن لا أمانةَ له))(٢). وقال: ((لا
يزنى الزانى حينَ يزنى وهو مؤمنٌ)) (١). أى: مستكملُ الإِيمانِ. واحتجّ أيضًا
بحديثٍ عتبانَ بنِ مالكِ، وعمرٍو بنِ أمِّ مكتومٍ، أَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قال لهما ، أو
لأحدِهما : ((هل تسمعُ النداءَ؟)). قال: نعم. قال: ((ما أجدُ لك رخصةٌ)) (٤).
وهذا محمولٌ عندَنا على الجمعةِ. واحتجَّ بحديثٍ هذا البابِ؛ قوله: ((لقد
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ١/ ٤٢٠، والحاكم ٢٤٦/١، والبيهقى ٥٧/٣، وابن الجوزى فى العلل
المتناهية ٤١٢/١ من حديث أبى هريرة .
(٢) أخرجه الطبرانى (٧٩٧٢) من حديث أبى أمامة .
(٣) سيأتى تخريجه ص٣٠٢ .
(٤) أخرجه أحمد ٢٤٣/٢٤ (١٥٤٩٠)، وأبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢) من حديث
عمرو بن أم مكتوم. أما حديث عتبان بن مالك فسيأتى فى الموطأ (٤١٨).
٢٥٨

الموطأ
التمهيد
همَمتُ أن آمرَ بحطبٍ فيُحطبَ)). الحديث. قال: ومُحالٌ أن يُحرِّقَ رسولُ اللهِ
وَّ بيوتَ قومٍ، إلا على تركِ الواجبِ. وهذا عندَنا على أن شُهودَ الجماعةِ مِن
السننِ المؤكدةِ التى تَجِبُ عقوبةُ من أُدمَن التخلفَ عنها من غيرِ عذرٍ ، وقد أوجبها
جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ فرضًا على الكفاية ، وهو قولٌ حسنٌ صحيحٌ ؛ لإجماعِهم
على أنه لا يجوزُ أن يُجتمَعَ على تعطيلِ المساجدِ كلّها من الجماعاتِ ، فإذا قامتٍ
الجماعةُ فى المسجدِ، فصلاةُ المنفردِ فى بيتِه جائزةٌ؛ لقولِهِ وَّهِ: ((صلاةُ الجماعةِ
تفضُلُ صلاةَ الفَذِّ بخمسٍ وعشرين درجةً))(١) . ففى هذا الحديثِ جوازُ صلاةٍ
المنفردِ، والخبرُ بأن صلاةَ الجماعةِ أفضلُ، وقد قال ◌َِّ: ((إذا وجد أحدُكم
الغائطَ فَلْيبدَأْ به قبلَ الصلاةِ))(٢). وقال: ((إذا حضَرتِ الصلاةُ والعَشاءُ فابدأوا
بالعَشاءِ))(٢) . وقال: ((ألا صلُّوا فى الرّحالِ))(٤). فى المطرِ .
وهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على أن الجماعةَ ليست بفريضةٍ ، وإنما هى فضيلةٌ .
وقد ذكرنا هذه الآثارَ بأسانيدِها فى غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا . والحمدُ للهِ .
وقد قيل : إن معنى حديثِ هذا البابِ إنما هو فى الجمعةِ لا فى غيرِها من
الصلواتِ الخمسِ فى الجماعةِ . واستدلّ القائلون بذلك بما رواه معمرٌ وغيرُه ،
عن أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، قال: قال
رسولُ اللهِ مَّةِ: (( لقد هممت أن آمرَ رجلًا يُصلِّى بالناسِ، ثم أنطلقَ فَأُحرِّقَ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٨٩) .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٣٨١).
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (٣٧٨) من الموطأ .
(٤) تقدم فى الموطأ (١٥٥).
٢٥٩

الموطأ
التمهيد
على قومٍ بيوتَهم لا يشهدون الجمعةَ)) (١). وقد جاء عن ابن مسعودٍ فى
الصلواتِ الخمسِ غيرُ هذا، وترتيبُ الآثارِ عنه فى ذلك على فرضِ الجمعةِ
وتأكيدِ فضلِ الجماعةِ، واللهُ أعلمُ. ويحتمِلُ أن يكونَ حديثُ ابنِ مسعودٍ
مفسّرًا لحديثِ أبى هريرةَ؛ حديثِ هذا البابِ، فيكونَ قولُه فى حديثٍ هذا
البابِ: ((ثم آمرَ بالصلاةِ فيؤذَّنَ لها)). أى: صلاةِ الجمعةِ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحِ،
حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، عن زُهيرٍ، عن أبى
إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ - سمِعه منه - عن عبدِ اللهِ، أنَّ النبيَّ مَ لّ قال لقومٍ
يتخلَّفون عن الجمعةِ: ((لقد هممتُ أن آمرَ رجلًا يُصلِّ بالناسِ، ثم أُحرِّقَ على
قوم يتخلَّفون عن الجمعةِ بيوتَهم)) (١) . وهذا بيِّنٌّ فى الجمعةِ .
وأما التأكيدُ فى الندبِ إلى الجماعاتِ فى الصلواتِ الخمس ، فأخبرنا محمدُ
ابنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ شعیبٍ ،
قال : أخبرنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ ، عن المسعودىِّ،
عن علىِّ بنِ الأقمرِ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ ، أنه كان يقولُ: مَن سرّه أن
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٥١٧٠)، وأحمد ٣٢٣/٧، ٣٢٤ (٤٢٩٥، ٤٢٩٧) من طريق معمر
به .
(٢) ابن أبى شيبة ١٥٥/٢، ١٩١. وأخرجه البيهقى ١٧٢/٣ من طريق الفضل بن دكين به،
وأخرجه أحمد ٣٦٦/٦، ١١٠/٧، ٤٠٦ (٣٨١٦، ٤٠٠٧، ٤٣٩٨)، ومسلم (٦٥٢) من
طريق زهير به .
٢٦٠