النص المفهرس

صفحات 101-120

الموطأ
التمهيد
واللمسَ بغيرِ لذَّةٍ ؛ لأن ذلك ليس مِن جنْسٍ (١) الجماع، ولا يُشْبِهُه، ولا يئولُ
إليه ، ولمّا لم يَجُزْ أن يُقالَ: إن اللمسَ أُرِيد به اللطمُ وغيرُه . لتَبَايُنِ ذلك مِن
الجماعِ ، لم يَتِقَ إلا أن يُقالَ: إنه ما وقَع به الالتذاذُ. لإجماعِهم على أن من لطَم
امرأتَه ، أو داوَى جُرحَها، أو المرأةُ تُرْضِعُ ولدَها، لا وُضوءَ على هؤلاء، واللهُ
أعلمُ .
قال أبو عبدِ اللهِ بنُ نصرٍ: فأما ما ذهب إليه مالكٌ مِن مُراعاةِ الشهوةِ واللذةِ
لمن لَس امرأتَه مِن فوقِ الثوبٍ ، وتلَذَّذ بمسّها - أنه قد وجَب عليه الوضوءُ، فقد
وافَقَه على ذلك الليثُ بنُ سعدٍ . قال المَرَوَزىُّ: ولا نَعْلَمُ أحدًا قال ذلك غيرَهما.
قال : ولا يَصِحُ ذلك فى النظرِ؛ لأن مَن فعَل ذلك فهو غيرُ لامِسٍ لامرأتِه ، وغيرُ
مماسِّ لها فى الحقيقةِ ، إنما هو لامِسٌ لثوبِها .
وقد أجْمَعوا أنه لو تلَذَّذ واشْتَهَى دونَ أن يلمِسَ لم يَجِبْ عليه وُضوءٌ،
فكذلك مَن لَس مِن(٢) فوقِ الثوبِ؛ لأنه غيرُ لامسٍ للمرأةِ. هذا جملةٌ ما احْتَج
به المَرْوَزىُّ لمذهبِ الشافعيِّ الذى اخْتارَه فى ذلك. وفى المسألةِ نظرٌ ، ومَن تَدَبَّر ما
أَوْرَدْناه اكْتَفَى بما وصَفنا، واللهُ الْمُؤَفِّقُ للصَّوابِ ، والهادى إليه لا شَريكَ له .
وفى هذا الحديثِ ما كانوا عليه مِن ضِيقِ العيشِ و(٢)الإقلالِ، ألا تَرَى أنهم
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) ليس فى: الأصل، ص ٢٧، م.
(٣) فى ص ١٦، م: (( والصبر على))
١٠١

٢٥٧ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه،
الموطأ
عن عائشةً زوج النبيِّ وَهِ، أَن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((إذا نعَس
التمهيد
كانت يومَئذٍ بيوتُهم دونَ مَصابيحَ ، وفى قولٍ عائشةَ رحِمها اللهُ : والبيوتُ يومَئذٍ
ليس فيها مَصابيحٌ. دليلٌ على أنها إذ حدَّثَت بهذا الحديثِ كانت بيوتُهم فيها
المصابيحُ، وذلك أن اللهَ فتَح عليهم بعدَ النبيِّ نَّه مِن الدُّنيا، فوسَّعوا على
أنفسِهم ، إذ وسَّع اللهُ عليهم ، وقولُها: يومَئذٍ. تريدُ : حينئذٍ؛ لأنا لو جعَلْنا اليومَ
النَّهارَ على المغْهودِ ، اسْتَحال أن تكونَ المصابيحُ نهارًا فى بيوتهم، فعلِمْنا أنها
أرادَت بقولها: يومَئذٍ . أى: حينئذٍ . وهذا مشهورٌ فى لسانِ العربِ أنها كانت
تُعَيِّرُ باليومِ عن الحينِ والوقتِ ، كما تُعَبِّرُ به عن النهارِ ، واليومُ هو النهارُ كما قال
الشاعر :
أَجِدَّكَ هذا الليلُ لا يتردَّدُ وأَىُّ نَهارٍ لا يكونُ له غدُ
يقولُ إذا طال عليه الليلُ : أَجِدًّا أن يكونَ ليلٌ لا يَتَرَدَّدُ ، أو أن يكونَ يومٌ لا
يكونُ له غدٌ ، أو ليلٌ لا يكونُ له غدٌ؟! وهذا أشهرُ عندَهم مِن أن يُخْتَاجَ فيه إلى
الاستشهادِ .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةً، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال:
((إذا نعَس أحدُكم فى صلاتِه، فلْيَرْقُدْ حتى يذهبَ عنه النومُ، فإنّ أحدكم إذا
حديثٌ: قولُهُ وَّهِ: ((إذا نعَس أحدُكم فى صلاتِه فلْيَرْقُدْ)) الحديث إلى آخرِه.
ليس فى الشريعةِ دليلٌ على وجوبِ الوضوءِ مِن النومِ سِواه، ووَجْهُ التَّعَلَّقِ منه أنه قال :
((لعله يذهَبُ يستغفِرُ فيَسُبُّ نفسَه)). فأشارَ إلى اختلالِ الحِسِّ، وذَهابِ العقلِ الذى
القبس
١٠٢

أحدُكم فى صلاتِهِ، فَلْيَرْقُدْ حتى يَذْهَبَ عنه النومُ، فإِنَّ أحدَكم
إذا صلى وهو ناعِسٌ، لا يدرى لعله يذهبُ يَسْتَغْفِرُ فِيَسُبُّ
نفسَه)) .
صلَّى وهو ناعشٌ لا يدرِى لعله يذهبُ يستغفِرُ فيَسُبُّ نفسَه))(١).
فى هذا الحديثِ دليلٌ على أن الصلاةَ لا ينبغِى أَنْ يقرَبَها مَن لا يعقِلُها ويعقِلُ
حُدُودَها ، وقد قال الضحّاكُ بنُ مُزاحم فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تَقْرَبُواْ
اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٥]. قال: مِن النومِ .
وأما معنى هذا الحديثِ فبَيِّنٌ لا مدخلَ للقولِ فيه، إلَّا أنَّ الاستدلالَ منه بأن
النُّعاسَ والنومَ اليسيرَ لا يَنقضُ الصلاةَ. استدلالٌ صحيحٌ ، وإذا لم يَنْقُضِ الصلاةَ
لم يَنْقُضِ الوضوءَ، وقد مضَى القولُ فى أحكامِ النومِ فى بابِ أبى الزنادٍ(١)،
والحمدُ للهِ .
القبس
يكونُ معه التحصيلُ ، فربما اسْترسَل وِعاؤُه وانخَلَّ وِكاؤُه، فانْتَقَضَت طهارتُه، وهو
الغالبُ مِن حالِهِ؛ لأنها جِبِلَّةٌ لا تُنكَرُ ، وحالةٌ لا تُرَدُّ ، فيُعارِضُ أَصلَ الطهارةِ ظاهرُ
هذه الحالةِ ، فيُشْقِطُ الظاهرُ الأصلَ، وهى مسألةٌ مِن أصولِ الفقهِ بديعةٌ ؛ إذا تعارض
أصلٌ وظاهرٌ، تختلِفُ فيه (٢) الأحوالُ، وتتعارَضُ فيه (١٢) الأدلةُ، وقد بيَّناها فى
مكانها .
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٨٧). وأخرجه الشافعى فى السنن المأثورة (٣٠)، والبخارى
(٢١٢)، ومسلم (٧٨٦)، وأبو داود (١٣١٠) من طريق مالك به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٣٨/٢ وما بعدها .
(٣) فى ج، م: ((فيها)).
١٠٣
الموطأ
التمهيد

الموطأ
التمهيد
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أن ما شغَل القلبَ عن الصلاةٍ، وعن
خشوعها، وتمامٍ ما يجبُ فيها، فواجبٌ تركُه، وواجبٌ أَلَّا يُصَلَِّ المرءُ إلَّا وقلبُه
مُتَفَرِّعْ لصلاتِه؛ ليكونَ مُتَيَقِّظًا فيها مُقْبِلًا عليها، وباللهِ التوفيقُ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبغَ، قال: حدّثنا
ابنُ وضَّاحِ، قال : حدثنا موسى بنُ معاویةً، قال : حدّثنا و کیغٌ ، عن سلمةً ، عن
الضحاكِ فى قولِه: ﴿لَا تَقْرَبُواْ اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾. قال: سُكْرُ
النوم(١) . ولا أعلمُ أحدًا قال ذلك غيرَ الضحاكِ. وأما عكرمةُ فقال: نسخَتها :
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾(٢) [المائدة
وقال مجاهدٌ: كانوا يُصلُّون وهم سُكارَى قبلَ نُزُولٍ تحريم الخمرِ ، فنزلت :
﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾. ثم نسخها تحريمُ
الخمرِ (١) . وقال قتادةُ: كانوا يَجْتَنِبُون (٤) الخمرَ " حتى الصلاةِ، ثم نزَل تحريم
الخمرِ ) . وقال ابنُ وهبٍ، عن يونسَ ، عن ابن شهابٍ، قال: نزلت هذه الآيةُ قبلَ تحريم
الخمرِ، فكانوا يَجْتَنِبونها عندَ الصلاةِ ، ثم نزَل تحريمُ الخمرِ بعدَ ذلك فى ((المائدةِ)) .
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧/ ٤٨، وابن أبى حاتم ٩٥٩/٣ (٥٣٥٦) من طريق وكيع به،
وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٨/٧، وابن المنذر (١٨٠٢) من طريق سلمة بن نبيط به .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم ٣/ ٩٥٨، ٩٥٩ (٥٣٥٤) عن عكرمة .
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧/ ٤٧.
(٤) فى م: ((يحتسون)) .
(٥ - ٥) فى ص ٢٧: ((حضرة الصلاة))، وفى م: ((ثم يصلون)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ١٦٣، وابن جرير فى تفسيره ٤٧/٧.
١٠٤

الموطأ
٢٥٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن إسماعيل بن أبى حكيم ، أنه بلغه
أن رسولَ اللهِ وَلّهِ سَمِعَ امرأةٌ مِن الليلِ تُصَلِّى، فقال: ((مَن هذه؟)).
فقيل له : هذه الحَوْلاءُ بنتُ تُوَيْتٍ ، لا تنامُ الليلَ . فَكَرِه ذلك رسولُ اللهِ
وَه، حتى عُرِفَت الكراهيةُ فى وجهِه، ثُم قال: ((إن الله تبارك وتعالى
لا يَمَلُّ حتى تَلُّوا، اْلَفُوا مِن العملِ ما لكم به طاقةٌ )).
التمهيد
مالكٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى حكيم، أَنَّ بَلَغَه أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ سِعَ امْرَأَةٌ
تُصَلِّى مِن اللَّيْلِ، فقالَ: ((مَنْ هذه؟)). فقيلَ له: هذه الحَوَلاءُ بنتُ تُويتٍ ،
لا تنامُ الليلَ. فَكَرَةَ ذلك رسولُ اللهِ بَِّ حتى عُرِفَتِ (٢) الكراهَةُ فى وجهِه، ثم
قال : ((إنَّ اللهَ لا يَلُّ حتى تَمُوا، اكْلَفُوا مِن العملِ ما لكم به طاقةٌ))(١) .
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ مُنقَطِعٌ مِن روايةِ إسماعيلَ بنِ أبى حكيم، وقد
يَتَّصِلُ معنًى ولفظًا عن النبىِّ وَّهِ، مِن حديثِ مالكِ وغيرِهِ، مِن طُرقٍ صِحاحِ
ثابتةٍ ، والحَوْلَاءُ هذه امرأةٌ مِن قريشٍ، مِن بَنِى أَسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى، وهى الحَوْلَاءُ
بنتُ تويتِ بنِ حَبيبٍ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَىِّ .
حدَّثنى أبو القاسم خَلَفُ بنُ القاسمِ الحافظُ رحِمه اللهُ، قال : أخبرَنِى ابنُ
أبى العقبِ وأبو المَيَمُونِ البَجْلِىُّ جميعًا بدمشقَ، قالا: حدَّثنا أبو زُرْعَةَ ، قال :
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل ، م.
(٢) فى م: ((عرفنا)).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٨٨) .
١٠٥

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا الحكمُ(١) بنُ نافع أبو اليَمَانِ، قال: أخبرَنا شُعَيْبُ بنُ أبى حمزةَ، عن
الزُّهرِىِّ، قال: قال عروةُ: أخبرَثْنِى عائشةُ ، أنَّ الحَوْلاءَ بنتَ تويتِ بنِ أُسَدِ بنِ
عبدِ العُزَّى مَرَّتْ بها وعندَها رسولُ اللهِ وَ لَّهِ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ،
هذه الحوْلَاءُ بنتُ تويتٍ (٢)، قالوا: إنَّها لا تنامُ الليلَ. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لا
تنامُ الليلَ؟ خذوا مِن العملِ ما تُطِيقُونَ، فواللهِ لا يَسْأُمُ اللهُ حتى تْئمُوا))(١).
وذكَرَه البَزَّارُ، قال: حدَّثنازيدُ بنُ أَخْزَمَ الطَّائِئُ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ،
قال: حدَّثنا يونُسُ، عن الزُّهرىِّ، (٤عن عُزوةَ)، عن عائشةَ مثلَه، بمعنَاهُ(٥).
وأمَّا حديثُ مالِكِ فى ذلك، فرَوَاه القَّغْنَبِىُّ ، عن مالك، عن هشامِ بنِ
عُزْوَةَ ، عن أبيه، عن عائشَةَ ، أَنَّها قالتْ : كانت عنْدِى امرأةٌ مِن بَنِى أُسَدِ بنِ عبدِ
العُزَّى فَدَخَلَ النبىُّ وَلِّ، فقالَ: ((من هذه؟)). فقلتُ له: هذه فُلانَةُ ، لا تنام
اللَّيلَ؛ تَذْكُرُ مِن صلاتِها. فقالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((مَهْ! عليكُم بِما تُطِيقُونَ مِن
الأعمالِ ، فواللهِ لا يَلُّ اللهُ حتى تَمُّوا)).
القبس
(١) فى ق: ((الحكيم)). وينظر تهذيب الكمال ١٤٦/٧.
(٢) بعده فى ق: ((بن أسد بن عبد العزى)).
(٣) أخرجه أحمد ٢٠٣/٤٣ (٢٦٠٩٧)، وأبو عوانة (٢٢٢٦) من طريق الحكم بن نافع به ،
وأخرجه ابن حبان (٣٥٩) من طريق شعيب به .
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل.
(٥) أخرجه أحمد ٢٠٢/٤٣ (٢٦٠٩٥)، وعبد بن حميد (١٤٨٣ - منتخب ) ، وأبو عوانة
(٢٢٢٦) من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه مسلم (٧٨٥)، وابن حبان (٢٥٨٦) من طريق
یونس به .
١٠٦

الموطأ
التمهيد
حدَّثناهُ عبدُ الرحمنِ بنُ يَحْتَى، قال: حدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الخضرِ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ المَلَكِ بنُ عبدِ الحميدِ ، قال :
حدَّثنا القعْنَيِىُ، عن مالكِ، عن هشامٍ بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةً،
(١)
فذَ كرَه(١).
وبه عن مالكِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيهِ ، عن عائشةَ، قالت: كانَ
أحبَّ الأعمالِ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ الذى يَدُومُ عليه صَاحِبُهُ(٢).
ورَوَى الأوزاعىُّ، عن الزُّهرىِّ، عن أبى سلمةً، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَلَّه، قال: ((خذوا مِن العملِ ما تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لا يَلُّ حتى تَمَلُّوا)). هكذا
حدَّثَ به عبدُ الحميدِ بنُ حَبيبٍ ، عن الأوزاعِيِّ، عن الزُّهرِىِّ، عن أبى سَلَمَةَ بنِ
عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، وهو عندِى حديثٌ آخرُ، ليسَ حديثَ الزُّهرِىِّ، عن
◌ُروةَ، عن عائشةَ، إِلَّا أَنَّه اخْتُلِفَ فيه عن الأوزَاعِيِّ، حدَّثَنِيه محمدُ بنُ
عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً، قال: حدَّثَنَا إِسْحاقُ بنُ أبى حَسَّانَ ،
قال: حدَّثنا هِشامُ بنُ عمَّارٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ حَبيبٍ ، قال: حدَّثنا
الأوزَاعِىُّ، قال: حدَّثنا الزُّهرِىُّ، قال: أخبرَنِى أبو سَلَمةَ(٢)، عن عائشةَ، فَذَكَرَ
الحديثَ عن النبيِّ وَِّ، وفيه قالتْ عائشةُ: كان أَحَبَّ الصلاةِ إلى رسولِ اللهِ
وَلَّ مَا دِيمَ عليها وإِنْ قَلَّتْ. قالت: وكان إِذا صَلَّى صلاةٌ دَاوَمَ عليها. قال
القبس
(١) أخرجه البخارى (١١٥١) عن القعنبى به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٤٢٣).
(٣) بعده فى م: ((بن عبد الرحمن)).
١٠٧

الموطأ
التمهید
أبو سلمةَ: إِنَّ اللهَ يقولُ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣].
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ، حدَّثنا أبو الدَّخْدَاحِ
أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ التَّمِيمِىُّ ، قال: أخبرنا أبو علىٍّ محمودُ بنُّ خالدٍ
الدِّمَشْقِىُّ السُّلَمِىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ الفِرْيَابِىُ، عن الأوزاعىِّ، عن
يَحْيَى بنِ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن عائشةَ ، قالت : قال
رسولُ اللهِ وَله: ((خذوا مِن العملِ قدْرَ ما تُطِيقُونَ، فإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا)).
قالت: وكان أحبَّ الصلاةِ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، ما داومَ عليها العبدُ وإِنْ قَلَّتْ.
قالت: وكان رسولُ اللهِ وَّةٍ إذا صَلَّى صلاةً داومَ عليها. ثم قرأَ أبو سلمةً:
(١)
﴿َالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآئِعُونَ﴾ [المعارج: ٢٣].
وقد رُوِىَ حديثُ الحَوْلَاءِ هذا مُتَّصِلًا مُسْتَدًا مِن حديثٍ إسماعيلَ بنِ أبى
حكيم، ذَكَرِه العَقِيلىُّ أبو جعفرٍ رحِمَهُ اللهُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ
البَغْدَادِىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبى بَكْرِ المُقُدَّمِئُ، قال: أخبرَنا حُميدُ بنُ
الأسودِ ، عن الضَّحَّاكِ بنِ عثمانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى حكيمٍ، عن القاسمِ بنِ
محمدٍ، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: (( ما تَضَوَّرْتُ فى هذه الليلةِ إلا
سَمِعتُ صوتًا)) . قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، تلك الحَوَلاءُ بنتُ تويتٍ، لا تنامُ إذا نامَ
الناسُ. قال: ((عليكم مِن العملِ ما تُطِيقُونَ، فإِنَّ اللهَ لا يَلُّ حتى تَمُّوا)).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٨٧/٤١ (٢٤٥٤٠)، وابن خزيمة (١٢٨٣)، وابن جرير ٢٣/ ٢٦٩، وابن حبان
(٣٥٣، ١٥٧٨) من طريق الأوزاعى به .
١٠٨

الموطأ
أخبرَناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ إجازَةٌ ، قال: أخبرَنا يوسفُ بنُ أحمدَ التمهيد
إجازةً عن العَقِيلىِّ أبى جعفرٍ محمدِ بنِ عمرو بنِ موسَى المَكَئِّ .
قال أبو عمرَ: قولُه: ((إِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمُّوا)). معناه عندَ أهلِ العلم: إنَّ
اللهَ لا يَمَلُّ مِن الثوابِ والعطاءِ على العملِ حتى تَمُوا أنتم، ولا يَسْأَمُ مِن إِنَّضَالِه
عليكم إلَّا بسَآمَتِكُم عن العملِ له، وأنتم متى تكَلَّفْتُم مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُونَ،
◌َقَكُمُ المَلُ، وأدرَكَكُمْ الضَّعفُ والسَّآمَةُ ، وانقطعَ عمَلُكُم، فانْقَطعَ عنكم
الثَّوابُ لانقطاع العملِ. يَحُضُّهم بََّ على القليلِ الدائم، ويُخْبِرُهم أنَّ النُّفوسَ
لا تحْتُمِلُ الإسرافَ عليها، وأنَّ المَلَلَ سببٌ إلى قطع العملِ ، ومِن هذا حديثُ
ابنِ مسعودٍ، قال: كان النبيُّ وَّ﴿ يَتَخَوَّلْنَا بالموعظةِ مخافةَ السَّآمَةِ علينا (١). ومنه
قولُه عليه السلامُ: ((لا تشَادُّوا الدِّينَ، فإِنَّه مَنْ يُغالِبِ الدِّينَ يَغْلِبْه الدِّينُ)) (١).
ومنه الحديثُ : ((إنَّ هذا الدينَ مَتينٌ، فَأَوْغِلْ فيه برِفْقٍ، فإنَّ المُبَتَّ لا يَقطَعُ
أَرْضًا، ولا يُثِقِى ظَهْرًا))(١). وقال بَِّ لعَبْدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وكان يصومُ النَّهارَ،
ويقومُ الليلَ: ((لا تفعلْ، فإِنَّك إذا فعلتَ ذلك نَفِهَتْ نَفْسُكَ))(٤). يعْنِى أَعْيَتْ
وكَلَّتْ، يقالُ للمُعبِى: مُنَقَّهُ. و: نافِةٌ. وجَمعُ نَافِهِ: نُقَّةٌ. كذلك فسَّرَه
القبس
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٥٧، ٦٦، ٦٧، ١٣٥/٧، ٢٦٨ (٣٥٨١، ٣٥٨٧، ٤٠٤١، ٤٢٢٨)،
والبخاری (٦٨، ٦٤١١)، ومسلم (٢٨٢١)، والترمذى (٢٨٥٥) من حديث ابن مسعود .
(٢) أخرجه البخارى (٣٩)، والنسائى (٥٠٤٩)، وابن حبان (٣٥١) من حديث أبى هريرة.
(٣) أخرجه البيهقى ١٨/٣، ١٩ من حديث جابر.
(٤) أخرجه أحمد ٣٧٧/١١، ٣٧٨ (٦٧٦٦)، والبخارى (١٩٧٩)، ومسلم (١٨٧/١١٥٩،
١٨٨)، والنسائي (٢٣٩٧، ٢٣٩٨).
١٠٩

الموطأ
التمهيد
أبو عُبَيْدٍ (١)، عن أبى عُبِيدَةَ، وأبى عمرٍو، قال: وقال الأصمَعِىُّ: الإِيغَالُ الشَّيْرُ
الشديدُ، وأَمَّا الؤُغُولُ فهو الدُّخولُ(٢). وقد جعلَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ
رحِمَهُ اللهُ الغُلُوَّ فى أعمالِ البِرِّ سَيِّئَةٌ، والتَّقْصِيرَ سَيِّئَةً، فقال: الحسنةُ بينَ
سَيُّعَتَيْنِ . وأمَّا لَفْظُه فى قوله: ((إِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمُوا)). فلفْظُ مُخَرٌَّ على
مِثالٍ لَفْظٍ ، ومعلومٌ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَمَلُّ، سَواءٌ مَلَّ الناسُ أو لم يَمِلُّوا، ولا يدْخُلُه
ملالٌ فى شىءٍ مِن الأَشْياءِ، جلَّ وتعالى عُلُؤَّا كبيرًا، وَّا جاءَ لفظُ هذا الحديثِ
على المعروفِ مِن لُغَةِ العربِ، بأنّهم كانوا إذا وضَعُوا لَفْظًا بإزاء لَفْظٍ (٢) وقُبَالَتَه ،
جَوابًا له وجَزاءً، ذكَرُوه بِمِثْلِ لفظِه، وإنْ كان مُخالِفًا له فى معناه، أَلَا تَرَى إلى
قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقوله: ﴿فَمَنِ
اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. والجزاءُ لا
يكونُ سيئَةً ، والقِصاصُ لا يكونُ اعتِداءً؛ لأنه حقٌّ وجَبَ ، ومِثْلُ ذلك قولُ اللهِ
تباركَ وتعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].
بقرة: ١٤، ١٥]. وقولُه :
وقولُه: ﴿إِنَّمَا غَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (٧) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿ وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]. وليس مِن اللهِ عزَّ وجلَّ
هُزُؤٌ ولا مكر ولا كيدٌ ، أَّما هو جزاءٌ لمکْرِهم واسْتِهْزائهم، وجزاءُ كَيْدِهم، فذكَرَ
الجَزَاءَ بِمِثْلٍ لَفْظِ الائتِداءِ، لمّا وُضِعَ بحِذَائِه، وكذلك قولُهُ وَةِ: ((إِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ
حتى ثَلُّوا)) ، أىْ: إِنَّ مَن مَلَّ مِن عمَلِ يعْمَلُهُ قُطِعَ عنه جَزاؤُه. فَأَخْرَجَ لَفْظَ قَطْع
القبس
(١) غريب الحديث ٢١/١ .
(٢) غريب الحديث ٢٧/٢، ٢٨.
(٣) بعده فى ق: ((هذا الحديث)).
١١٠

الموطأ
الجَزَاءِ بِلَفْظِ المَالِ ؛ إذْ كانَ بچذائِه وجوابًا له .
التمهید
رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أَنَّه قال: إِيَّاكُمْ والغُلُؤَّ فى الدِّينِ، فإنما هلك مَن كانَ
قَبْلكم بالغُلُوٌّ فى الدِّينِ(١) .
حدَّثَنَا خَلَفُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُّ خالدٍ ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ،
قال : أخبرَنا شُعبةُ، عن محُصَيْنٍ، عن مجاهدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن النبىّ
وَله، قال: ((لكلِّ عاملِ فَتْرَةٌ، ولَكُلِّ فَتْرَةٍ شَرَةُ(١)، فمنْ كانتْ فترتُه إلى سُنَّتِى
فقد أَفلَعَ))(٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أَبِى شَيبَةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ ، عن
مُصَيْنٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إنَّ
لكُلِّ عَمَلٍ شَرَهًا ، ولكلِّ شَرَهِ فَتْرَةٌ ، فمَنْ كانت فَتْرَتُهُ إِلى سُنَّتِى فقد اهْتَدَى، ومَن
كانتْ فَتْرَتُهُ إلى غيرِ ذلك فقد هَلَكَ))(1) .
القبس
(١) جزء من حديث مرفوع أخرجه أحمد ٣/ ٣٥٠، ٢٩٨/٥ (١٨٥١، ٣٢٤٨)، وابن ماجه
(٣٠٢٩)، والنسائى (٣٠٥٧)، وابن حبان (٣٨٧١).
(٢) فى مصادر التخريج فى هذا الحديث والحديث الذى بعده: ((شِرَّة))، وهى النشاط والرغبة .
ينظر تعليق المصنف الآتى فى الصفحة التالية ، والنهاية ٤٥٨/٢ .
(٣) أخرجه أحمد ٣٧٥/١١ (٦٧٦٤)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٢٣٧)، وابن حبان (١١)
من طريق شعبة به .
(٤) أخرجه ابن خزيمة (٢١٠٥) من طريق ابن فضيل به .
١١١

الموطأ
التمهید
هكذا قال، جعَل فى مَوْضِعِ الفَتْرَةِ الشَّرَهَ، فقَلَبَ ، والأوَّلُ أَوْلَى ، على ما
فى حديثٍ شُعبَةَ، واللهُ أعلمُ، وكِلا الوَجْهَيْنِ خارِجٌ معناه، والشَّرَهُ الحِرْصُ،
والشَّرِهُ والشَّرْهَانُ الحريصُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ علىٍّ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إِسْحاقَ السجسجِىُّ ، قال :
حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ ، عن ابنٍ طاؤُسٍ ، عن أبيه ، أنَّه قال : أفضلُ العبادةِ
أخَقُها (١).
قال أبو عمرَ: يريدُ: أُخَفُّها على القلوبِ ، وأحَبُّها إلى النُّفوسِ ؛ فإنَّ ذلك
أَخْرَى أَنْ يَدُومَ عليه صاحِبُه، حتى يَصيرَ له عادةً وخُلُقًا .
وقد كان بعضُ العلماءِ يَزْوِى هذا الحديثَ: ((أفضلُ العيادَةِ(٢) أخَفُهَا))(٣).
يريدُ عيادةَ المَرْضَى، فمنْ روَاه على هذا الوَجْهِ، فلا مَدْخَلَ له فى هذا
البابِ، ولا خِلافَ بينَ العلماءِ والحُكماءِ أنَّ السُنَّةَ فى العيادَةِ
التَّخْفِيفُ، إِلَّا أنْ يكونَ المريضُ يدعُو الصَّديقَ إلى الأَنْسِ به. وسيأتِى
ذِكْرُ العِيادةِ والقولُ فيها فى بابِ بَلَاغَاتِ مالكٍ(٢) إنْ شاء اللهُ عَزَّ
وجلَّ .
القبس
(١) عبد الرزاق (٦٧٦٨). بلفظ: ((أفضل العيادة ... )).
(٢) فى ق: ((العبادة)).
(٣) أخرجه البزار (٦٦٣) من حديث على بن أبى طالب.
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (١٨٣٠) من الموطأ .
١١٢

٢٥٩ - وحدَّثنى عن مالك، عن زيد بن أسلمَ، [٤٤ و] عن أبيه، أن الموطأ
عمرَ بنَ الخطابِ كان يُصَلَّى مِن الليلِ ما شاءَ اللهُ، حتى إذا كان مِن آخرِ
الليل ، أيقَظ أهلَه للصلاةِ ، يقولُ لهم : الصلاةَ الصلاةَ . ثم يتلو هذه
الآيةَ: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهاً لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَزُقٌَُّ
وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَىُ﴾.
وأما حديثُه عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان الاستذكار
يُصلِّى مِن الليلِ ما شاء اللهُ، حتى إذا كان مِن آخِرِ الليلِ أَيقَظ أهلَه
للصلاةِ، يقولُ لهم: الصلاةَ الصلاةَ. ثم يتلُو: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ
وَأَصْطَيِّرْ عَلَيْهَا﴾ الآيةُ) [طه: ١٣٢].
ففيه ما كان عليه عمرُ مِن قيامِ الليلِ ، وأنه لم تشغَلْه أمور المسلمين وما كان
إليه منهم عن الصلاةِ بالليلِ ، وذلك لفَضلٍ صلاةِ الليلِ. وفيه أنَّه لم يكُنْ يكلِّفُ
أهلَه مِن الصلاةِ ما كان هو يفعَلُه منها بالليلِ. ويحتمِلُ أن يكونَ إيقاظُه أهلَه
ليدرِ كوا شيئًا مِن صلاةِ الأسحارِ والاستغفارِ فيها. ويحتمِلُ أن يكونَ إيقاظُه لهم
حديثٌ: قولُ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ
عَلَيًْ﴾ إلى: ﴿اَلنَّقْوَىَّ﴾. إنما مرادُه فيه (١) أن البارئَ تعالى خلَق العبدَ، فَأُمَرَه
بالخدمةِ ، وضمِن له المعيشةَ، فمَن أراد مِن سيدِه أن يقومَ له بمضمونِ المعيشةِ ، فَلْيَقُمْ له
بواجب الخدمةِ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٦٩)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٩). وأخرجه عبد الرزاق
(٤٧٤٣)، وابن أبى الدنيا فى قيام الليل (٤٧٧)، والبيهقى فى السنن الصغرى (٨٣١).
(٢) فى ج، م: ((فيها)).
١١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٨/٥)

الموطأ
٢٦٠ - مالكٌ أنه بلَغه، أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ كان يقولُ: يُكرةُ النومُ
قبلَ العِشاءِ، والحديثُ بعدَها .
الاستذكار للصلاةِ المفروضةِ صلاةِ الصبح، وأيُّها كان فإنه امتثَل فى ذلك الآية التى ذكر
مالكٌ، وامتثَل أيضًا، واللهُ أعلَمُ؛ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَأْ
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
قال أهلُ العلمِ بتأويلِ القرآنِ ومعانيه: أدِّبوهم وعلِّموهم.
التمهيد
مالكٌ، أنه بلغه أنّ سعيدَ بنَ المسيَّبِ كان يقولُ: يُكرّهُ النومُ قبلَ العشاءِ
والحديثُ بعدَها(١).
وهذا وإن لم يكنْ فيه ذكرُ النبيِّ وَِّ، وكان على ذكرٍ مَن لم يُسَمَّ فاعلُه،
فإنه مروىٌّ عن النبيِّ وَِّ مشهورٌ محفوظُ عندَ أهلِ الحديثِ مِن حديثٍ أبى بَرْزَةً
الأسلمىِّ وغيرِه .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُّ أبى
أسامةَ، قال: حدَّثنا هوذةُ بنُ خليفةَ ، قال: حدَّثنا عوفٌ ، عن أبى المنهالِ قال: انطلقتُ
إلى أبى بَوزةَ الأسلمىِّ. فى حديثٍ ذكره فيه طُولٌ، قال : وقلتُ له : حدِّثْنا كيفَ كان
رسولُ اللهِ وَّهِ يُصلِّى المكتوبةَ؟ فذكر الحديثَ. قال: وكان يَستحبُّ أن تُؤخَّرَ العشاءُ
التى تَدْعونها العَتَمَةَ، وكان يكرّهُ النومَ قبلَها والحديثَ بعدَها . وذكر تمامَ الحديثِ(١).
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩١).
(٢) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١٠٣٥) من طريق هوذة به .
١١٤

الموطأ
التمهید
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدّثنا
بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ معاويةَ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ بشّارٍ ،
قالا جميعًا : أخبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عوفٌ، قال: حدَّثنى أبو
المنهالِ سيَّارُ بنُ سلامةَ، عن أبى بَرْزةَ قال: كان رسولُ اللهِ وَلِّ ينهَى عن النومِ
قبلَها والحديثِ بعدَها . يعنى العشاء الآخرةَ(١) ، وهذا لفظُ حديثِ عبدِ الوارثِ،
وحديثُ محمدِ بنِ إبراهيمَ أمُّ .
ورُوِى من حديث علىٍّ، عن النبيِّ وَّه قال: (( مرَرْتُ ليلةَ أُسرِى بى، فإذا
بقومٍ تُضرَبُ رُءوسُهم بالصخرِ، فقلتُ : يا جبريلُ، مَن هؤلاء؟ فقال : يا
محمدُ، من أُمَّتِك. قلتُ: وما حالُهم؟ قال: كانوا ينامون عن العشاءِ
الآخرةِ)). وهذا الحديثُ وإن كان إسنادُه عن علىّ ضعيفًا ، فإن فى حديث أبى
بَرْزَةَ ما يُقوِّيه، ولكنَّ معناه عندى - ("لو صَح٢ّ - أنهم كانوا ينامون عنها ولا
يُصلُّونها . واللهُ أعلمُ .
وعلى هذا حمَل الطحاوىُّ قولَه ◌َّل﴾ فیمَن نام ليله كلَّه حتى أصبح: « ذلك
القبس
(١) النسائى (٥٢٤). وأخرجه البخارى (٥٩٩)، وأبو داود (٤٨٤٩)، من طريق مسدد به،
وأخرجه ابن ماجه (٦٧٤، ٧٠١)، وابن خزيمة (٣٤٦) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد
١٢/٣٣ (١٩٧٦٧) من طريق يحيى بن سعيد به .
(٢ - ٢) فى الأصل، ر١، م: ((يوضح)).
١١٥

الموطأ
رجلٌ بال الشيطانُ فى أُذُنِهِ)) (١). قال: هذا، واللهُ أعلمُ، على أنه نام عن صلاةٍ
العشاءِ فلم يُصلِّها حتى انقضَى الليلُ كلُّه .
التمهيد
واختلف العلماءُ فى هذا البابِ ؛ فقال مالكٌ: أكرَهُ النومَ قبلَ صلاةِ العشاءِ
الآخرة ، وأ کرهُ الحدیثَ بعدها . وذكر أنه بلغه عن سعيد بن المسيّبِ ما ذكرنافى
هذا البابِ عنه، وذكَر أيضًا فى ((الموطأ)(٢) أنه بلغه أن عائشةَ زوج النبيِّ وَّل
كانت تُرسلُ إلى بعضِ أهلِها بعدَ العَتمةِ فتقولُ: ألا تُريحون الكُتّابَ ؟
ومذهبُ الشافعىٌّ فى هذا البابِ كمذهبٍ مالكِ سواءً.
وروَى محمدُ بنُ الحسنِ، عن أبى حنيفةَ قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ
الملكِ، عن مجاهدٍ قال: لأن أُصلِّيَها وحدِى أحَبُّ إلىّ من أن أنامَ قبلَها ثم
أصلِّيَها فى جماعةٍ. قال محمدٌ: وبه نأخُذُ؛ نكرَهُ النومَ قبلَ صلاةِ العشاءِ .
ولم يَحكِ عن أحدٍ من أصحابِهِ خلافًا .
قال الثورىُّ: ما يُعجِبُنى النومُ قبلَها . وقال الليثُ : قولُ عمرَ بنِ الخطابِ
فيمن رقَد بعدَ المغربِ: فلا أرقَدَ اللهُ عينَه(٤) . إنما ذلك قبلَ(٥) ثُلثِ الليلِ الأولِ.
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبيدِ بنِ آدمَ،
القبس
(١) أخرجه البخارى (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤) من حديث ابن مسعود .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٩٢١).
(٣) الآثار لمحمد بن الحسن (١٦٧).
(٤) تقدم فى الموطأ (٥).
(٥) فى ف: ((بعد)).
١١٦

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا ثابتُ بنُ نعيم ، حدَّثنا آدمُ ، حدَّثنا شعبةُ ، قال: سألتُ الحكمَ عن النومِ قبلَ
صلاةِ العشاءِ فى رمضانَ ، فقال: قد كانوا ينامون قبلَ صلاةِ العشاءِ(١).
ورؤَى سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ ، عن الأسودِ ، أنه كان يقرأ القرآنَ
فى شهرِ رمضانَ فى ليلتينِ، وينامُ ما بينَ المغربِ والعشاءِ .
وزُوِى عن ابنِ عمرَ، أنه كان يرقُدُ قبلَ صلاةِ العشاءِ()، ويوكِّلُ مَن يُوقِظُهُ(٤).
وروَى أنه ما كانت نومةٌ أُحبَّ إلى علىّ رضِى اللهُ عنه من نومةٍ بعدَ العَشاءِ
قبلَ العِشاء(٥) .
قال الطحاوىُّ: يَحتمِلُ أن تكونَ الكراهيةُ عن النومِ بعدَ دخولٍ وقتٍ
العِشاءِ "قبلَ العَشاءُ، والإباحةُ قبلَ دخولٍ وقتِها .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بنُ زكريا بنِ أعيُنَ
بيتِ المقدسِ ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ معاويةَ القيسرانىُ، حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ
الفريابيُّ، حدَّثنا مسعرُ بنُ كِدامٍ ، عن منصورٍ ، عن خيثمةَ، عن ابنِ مسعودٍ ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((لا سمَرَ بعدَ العشاءِ إلَّا لُصلُ أو مُسافرٍ)) (١).
القبس
.
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٣٥/٢ من طريق شعبة به نحوه .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢١٤٨) عن الثورى به .
(٣) بعده فى ف، ر١: ((الآخرة)).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٣٥/٢.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٢١٤٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٣٥/٢.
(٦ - ٦) سقط من: ف، ر، ر١ .
(٧) أخرجه أحمد ٣٣/٧، ٤٢٥ (٣٩١٧، ٤٤١٩) من طريق منصور به .
١١٧

الموطأ
٢٦١ - وحدَّثنى عن مالك، أنه بلَغه، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان
يقولُ : صلاةُ الليلِ والنهارِ مَثْنَى مَثْنَى، يُسَلِّمُ مِن كلِّ ركعتين.
قال يحيى : قال مَالِكٌ: وَهُوَ الأُمْرُ عِنْدَنَا .
الاستذكار
وذكَر مالكٌ فى آخِرِ هذا البابِ أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ :
صلاةُ الليلِ والنهارِ مثنَى مثنَى ، يُسلِّمُ من كلِّ ركعتين(١).
وهذا تفسيرٌ لحديثِه المجمَلِ الذى رواه عن النبيِّ بَِِّّ: ((صلاةُ الليلِ مثنَى
مثنَى)) (٢) . ويدلُّ على ما قاله الشافعىُّ: إنه حديثٌ خرَج على جوابِ السائلِ،
كأنه قال: يا رسولَ اللهِ، كيف صلاةُ الليلِ؟ فقال: ((مثنَى مثنَى)). ولو سأله
عن صلاةِ النهارِ لقال أيضًا مثلَ ذلك ؛ بدليلٍ هذا الحديثِ عن ابنِ عمر أنه قال :
صلاةُ الليلِ والنهارِ مثنَى مثنَى .
" وقد روَى علىُ بنُ عبدِ اللهِ الأزدىُّ البارقيُ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَله
أنه قال: ((صلاةُ الليل والنهارِ مثنى مثنى)) ((١) . وسیأتی القول فى ذلك فی بابٍ
الوترٍ (٥) إن شاء اللهُ تعالى .
وقولُه: ( مثنی مثنی )) . يقتضى التسليم من كلّ ركعتين، كما جاء مفشرًا
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٠).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢٦٧).
(٣ - ٣) سقط من: ح.
(٤) بعده فى م: ((ركعتين)).
والأثر سيأتى تخريجه ص ١٧٢، ٦٣٠ .
(٥) سيأتى ص ١٧٠ - ١٧٣.
١١٨

الموطأ
فى هذا الخبرِ عن ابنِ عمرَ؛ لأنه لا يقالُ للظهرِ: مثنَى مثنَى. ولا للعصرِ: مثنى الاستذكار
مثنى . وإن كان فيهما جلوسٌ فى كلِّ ركعتين. وهذا كلُّه يدلُّ على ضعفٍ
مذهبِ الكوفيين فى إجازتهم عشْرَ ركَعاتٍ، وثمانيًّا، وستًّا، وأربعًا، ( بغيرِ
أ)
سلام .
وقد روى يحيى بنُّ سعيد الأنصارىُّ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان
يتطوعُ بالنهارِ أربعًا لا يَفصِلُ بينَهن(٢).
وهذا لو صحَّ احتمل أن يكونَ : لا يفصلُ بينَهن بتقدم عن موضعِه ولا تأخرٍ
وجلوسٍ طويلٍ أو كلامٍ، واللهُ أعلمُ. وهذا المعنى يُروى عن النبيِّ وَلَّه من
حديثِ المغيرةِ بنِ شعبةً(٣) ، ومن حديث أبى هريرةَ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال : حدثنا إسماعيلُ
ابنُ إسحاقَ ، قال : حدثنا سلیمانُ بنُ حربٍ ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن
أيوبَ ، عن " الحجاج بن عبيد٢ٍ، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ، عن أبى هريرةَ ، عن
النبيِّ بَلَه، قال: ((أيعجِزُ أحدُكم أن يتقدمَ أو يتأخرَ، أو عن يمينه أو عن
شمالِهِ )) . يعنى فى الشُّبحةِ بعدَ الفريضةِ.
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٧٠ .
(٣) أخرجه أبو داود (٦١٦)، وابن ماجه (١٤٢٨).
(٤ - ٤) فى الأصل، ح: ((يحيى بن عبيد))، وفى م: ((الحجاج عبيد)). وسيأتى على الصواب فى
الإسناد التالى. وينظر تهذيب الكمال ٤٤٢/٥ .
١١٩

الموطأ
قال إسماعيلُ: هكذا حدثنى به سليمانُ بنُ حربٍ، وحدثناه عارمُ بنُ
الاستذكار
الفضلِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن ليثٍ ، عن الحجاج بنِ عبيدٍ ، عن
إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َلٍِّ() ..
قال أبو عمرَ : إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ هذا مجهولٌ، وكذلك الحجاج بنُ
عبيدٍ ، وإنما روَى حديثَه ليثٌ لا أيوبُ ، وهو حديثٌ لا يُحتَجُ بمثله. ولكن قد
روَى ابنُّ عيينةً، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍٍ ، قال : إذا صلَّى
أحدُكم المكتوبةَ، ثم أراد أن يصلِّىَ بعدَها ، فليتقدم ( أو لِيتكلم) .
قال أبو عمر : هذا حديثٌ صحيح .
وسفيانُ ، عن حصينٍ ، عن الشعبىِّ ، قال: إذا صليتَ المكتوبةَ ، ثم أردتَ أن
تتطوع (٣)، فاخطُ خطوةً أو تكلّمْ(٤) .
قال أبو عمرَ : قد خالف ابنُ عمرَ ابنَ عباسٍ فى هذا؛ فقال: وأىُّ فصلٍ
أفصلُ من السلام. وسيأتى فى موضعِه إن شاء الله تعالى. وكان مالكٌ رحِمه اللهُ
لا يَرى بأسًا أن يتطوعَ مَن سوَى الإمامِ فى موضعِه ولا يتقدمَ ولا يتأخرَ ولا
القبس
(١) أخرجه البخارى فى تاريخه ١/ ٣٤٠، وأبو داود (١٠٠٦)، والبيهقى ٢/ ١٩٠، من طريق
حماد بن زيد عن ليث به .
(٢ - ٢) فى م: ((ولا يتكلم)).
والأثر أخرجه البيهقى فى المعرفة (١٧٩٨) من طريق ابن عيينة به .
(٣) فى ح، م: ((تتكلم)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٨/٢.
١٢٠