النص المفهرس

صفحات 61-80

ما جاء فى صلاةِ الليلِ
الموطأ
التمهيد
القبس
بابُ صلاةِ الليلِ
إن اللَّهَ سبحانه وتعالى لو شاء لسَوَّى بينَ الأزمنةِ والأمكنةِ فى الفضلِ، ولكنه
ببالغِ حكمتِه، وواسعٍ رحمته، جعَل لبعضِها مَزِيَّةً على بعضٍ فى الأجرِ، وخَصَّ كلَّ
واحدٍ منهماً بعملٍ مِن الطاعةِ ، وإلى هذا أشارَ الصدِّيقُ بقولِه: إن للَّهِ عملًا بالليلِ
لا يقبَلُه بالنهارِ، و"عملًا بالنهارِ لا يَقبَلُه بالليلِ(٣). فالأولُ: كالمغربِ
والعشاءِ والصبح، والوقوف بعرفةً، والمَبِيتِ بالْمُرْدَلِفِةِ والبيتوتةِ ليالىَ مِنِى لغيرِ
أصحابِ السّقايةِ. والثانى: كالظهرِ والعصرِ، والصومِ، والتَّصْحيةِ().
والليلُ خَلْقٌ مِن خلقِ اللَّهِ تعالى عظيمٌ ، جعَله اللَّهُ سَكَنًا ولباسًا، كما جعَل النهارَ
مَسْرحًا ومَعاشًا، ولكلِّ واحدٍ منهما حَظُه، وقد أُمِرِ النبىُ وَّةِ(٣ بقيامِه، قيل له:
﴿يَّأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ ﴿﴿ قُرِ الَّلَ إِلَّا قَلِلًا ﴿٣َ نَصِفَهُ أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا (٣) أَ زِدْ
عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤]. والآيةُ مُشْكِلةٌ، وقد جرَى الكلامُ عليها فى موضعِها مِن كتابٍ
(١) فى م: ((منها)).
(٢) بعده فى د: ((إن لله)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٩٤٢ - تفسير)، وابن أبى شيبة ٢٥٩/١٣، ٢٦٠، وأبو نعيم
فى الحلية ٣٦/١، ٠٣٧
(٤ - ٤) ليس فى : د.
(٥ - ٥) فى د: ((المزدلفة)).
(٦) فى م: ((الضحية)).
(٧ - ٧) فى د: ((فقيل)).
٦١

الموطأ
التمهید
القبس
((الأحكام)). وفائدتُها، أن اللَّهَ تعالى أمَر رسولَه بَلَه بقيامِ الليلِ، وحَدَّ له ما بينَ القُّلُثِ
إلى النصفٍ ، لا يزيدُ على النصفِ ولا يَنْقُصُ مِن الثُّلُثِ ، وقالت عائشةُ رضِى اللَّهُ عنها :
كان قيامُ الليلِ فريضةٌ ، ثم نسخه اللَّهُ تعالى فقال: ﴿فَقْرَهُوَأَمَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
يعنى فى الصلواتِ. وخَصَّ اللَّهُ الليلَ بأن جعَله موضعًا لإجابةِ الدعاءِ؛ فقال ◌َّه:
((جَوْفُ الليلِ أسمَعُ))(١). فأضافَ السماعَ إليه وهو القَبُولُ، كقولِ العربِ: ليلٌ
نائمٌ. وَخَصَّ اللَّهُ آخِرَ الليلِ بالإجابةِ أكثرَ مِن أوَّلِه؛ فقال ◌َِّ: (( ينزِلُ ربُّنَا تبارَك
وتعالَى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حينَ يَتِقَى ثُلُثُ الليلِ - ورُوِى : إِذا انتَصف الليلُ -
فيقولُ: مَن يَدْعُونى فأسْتَجِيبَ له، مَن يَسْألُنِى فَأُعْطِيَه، من يَستغْفِرُنى فأغفرَ
له؟))) . وهذه الخَصِيصةُ لم تُجْعَلْ للنهارِ، وإن كان مَحِلَّا للإجابةِ أيضًا، ولكن نَّه
على هذا؛ لما فيه مِن سَعَةِ الرحمةِ بُضاعفةِ الأُجرِ ، وتَعْجيلٍ الإجابةِ . وقد ذهَب قومٌ
إلى أن قيام الليلِ واجبٌ ، وربّما مالَ إليه (٢) البخارىُّ رحِمه اللـهُ، ونزَع مَن ذهَب إلى
ذلك بقول النبيِّ بَّهُ: ((يَعْقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسٍ (٢) أحدِكم)). الحديثَ إلى
قولِهِ : ((كَشْلانَ))(١). وهذا لا يَصِحُ؛ لأن عائشةَ رضِى اللَّهُ عنها قد صرَّحَت فى
((الصحيحِ)) أن قيام الليلِ منسوخٌ، ومَحْمَلُ هذا الحديثِ بعدَ ذلك على الصلاةِ
المفروضةِ وهى الصبحُ، وأىُّ عُقْدَةٍ للشيطانِ لا تَحُلُّها صلاةُ الفجرِ ، والعبدُ بأدائِها قد
(١) مسلم (٧٤٦).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٥٠٠) من الموطأ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٥٠٠).
(٤) فى م: ((إليها)).
(٥) سقط من: د.
(٦) سيأتى فى الموطأ (٤٢٨).
٦٢

الموطأ
التمهيد
القبس
صارَ فى ذمةِ اللَّهِ تعالى، حسَبَ ما وَرَد فى الحديثِ (١).
تتميمٌ : ورَد فيما قدَّمناه مِن الأحاديثِ ألفاظٌ مِن الْمُشْكِل ، رأينا أن نعطِفَ عليها
العِنانَ بالإشارةِ إلى البيانِ ؛ حتى لا يَمُرَّ القلبُ بها عليلاً، أو يكونَ ما يَراه منها عندَه
مجهولاً .
قولُه: ((ينزِلُ ربّنا)). هذا الحديثُ أمّ فى الأحاديثِ المتشابهةِ، وقد ذهَب کثیرٌ
مِن العلماءِ، وخاصةً مِن السَّلَفِ ، إلى أن يُؤْمِنَ بها ولا يخوضَ فى تأويلها. وقد رأى
شيخُ القُرّاءِ(١) الوقفَ ) على قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَهُ: إِلَّ اللَّهُ﴾. ويُتَدَأُ بقولِه:
﴿وَالرَّسِفُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]. وهو اختيارُ إمامِ الأَئِمَّةِ " مالكِ بنِ أنسِ رضِى
اللَّهُ عنه (٥) ، وهو بشهادةِ اللَّهِ الحقُّ، ولو ترك الغِطاءَ لما تَكلَّفَ سيرَ الليلِ، ولا تَعَاطَى،
وقد تَكلَّمَ الناسُ عليها ، فرأينا أن نُخَلِّصَ من ذلك التأويلِ ما يقومُ عليه الدليلُ ، وعلى
هذا الوُّكْنِ عَوَّلْنا فى تأليفٍ كتابٍ ((المُشْكِلَين)) وإليه أسنَدْناه، فأما مالكٌ رضِى اللَّهُ عنه
فقد بدَّعَ السائِلَ عن أمثاله، وصدَف (١١ عن إِشکاله، ووقف عندَ الإيمان به ، وهو لنا
(١) مسلم (٦٥٧).
(٢) هو عثمان بن سعيد بن عثمان أبو عمرو الدانى، الأموى الأندلسى ، المعروف بابن الصيرفى،
شيخ مشايخ المقرئين، قال الذهبى : إلى أبى عمرو المنتهى فى علم القراءات ، وعلم المصاحف مع
البراعة فى علم الحديث والتفسير والنحو. صنف التصانيف المتقنة منها ((التفسير))، و((جامع.
البيان))، و((التلخيص)) وغيرها، توفى بدانية سنة أربع وأربعين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء ٧٧/١٨،
وغاية النهاية ٥٠٣/١.
(٣) فى م: ((الوقوف)).
(٤) فى م: ((الأمة)).
(٥) ينظر القطع والائتناف للنحاس ص ٢١٣.
(٦) فى م: ((صرف)).
٦٣

الموطأ
التمهيد
القبس
أفضلُ قُدْوةٍ . وأما الأوزاعىُّ، وهو إمامٌ عظيمٌ، فنزَع بالتأويلِ حينَ قال ، وقد سُئِل عن
قولِ النبيِّ وَلَةِ: ((ينزِلُ ربّنا)). فقال: يفعلُ اللَّهُ ما يشاءُ. ففتح بابًا مِن المعرفةِ عظيمًا ،
ونهَج إلى التأويلِ صراطًا مستقيمًا.
شريعةٌ : إن اللَّهَ تبارك وتعالى مُنَزَّةٌ عن الحركةِ والانتقالِ ؛ لأنه لا يَخْوِيه مكانٌ ،
كما لا يشتمِلُ عليه زمانٌ، ولا يشغَلُ حَيَّزًا، كما لا يَدْنُو بِمَسَافَةٍ إلى شىءٍ ، ولا
يَغِيبُ بعلمِه عن شىءٍ ، مُتَقدِّسُ الذاتِ عن الآفاتِ، مُنَزَّةٌ عن التَّغَيِّرِ والاستحالاتِ،
إلهٌ فى الأرضِ إلٌّ فى السماواتِ، وهذه عقيدةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فى القلوبِ ، ثابتةٌ بواضحٍ
الدليلِ .
قال لى(٢) شيخُ العلماءِ: لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يُعَبِّرَ عن جلالِ اللَّهِ تعالى
وكمالِهِ إِلَُّ) بهذه الألفاظِ الناقصةِ التى يُعَبَُّ بها عنَّا، فإِذا سمِعتَ العبارةَ
عن اللَّهِ تعالى، فيجِبُ عليك الإيمانُ بها٢) بمعناها، ثم تَعلَّمْ أنه ليس له
مِثْلٌ فى ذلك؛ لقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وهو كلامٌ بديعٌ، ولِسَعَةِ اللغةِ فى العبارةِ بالحقيقةِ والمجازِ، والحذفِ والزيادةِ ،
والتطويلِ والاختصارِ، يَتَمكّنُ العالِمُ باللَّهِ تعالى مِن العبارةِ عنه، والتَّنْزِيهِ له ، والعلم
به .
(١ - ١) فى ج، م: ((إلى مسافة بشىء)).
(٢) فى د، م: ((التغيير)).
(٣) سقط من: ج.
(٤) سقط من: ج، م.
(٥) فى م: (( به)).
٦٤

الموطأ
التمهيد
القبس
تُدْنا(١) إلى قوله: ((يَنْزِلُ ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا)). قلنا: صدَق ربُّنا ،
وصدَق نبيّنا، والنزولُ فى الحقيقةِ وفى اللغةِ حركةٌ ، والحركةُ آفةٌ (٢) لا تجوزُ على اللَّهِ
سبحانه وتعالى ، فلم يَبِقَ إلا العُدولُ عن حقيقةِ النزولِ إلى مجازِهِ وهو النزولُ بالمعانى،
فإن التُزُولَ مِن عُلُوٌّ الامتناع إلى عُلُوَّ القَبولِ تُزُولٌ معنوىٌّ، كما أن التَّزولَ من عُلُوٌّ
الفَوْقيةِ إلى سُفْلِ المكانِ نزولٌ حِسِّىٌّ، وفى الحديثِ: وأنزِلُ لك عن إحدَى
زَوْجَتَىَّ . فإنها كانت تحتَ سلطانِ نِكاحِه، وتحتَ حَجْرِهِ ومَنْعِه، فإذا قال لها :
أنتِ طالقٌ . فقد ارتَفَع ذلك كلُّه . ويكونُ مِن أقسامِ المجازِ التعبيرُ عن الشىءٍ بفائدتِه
وثمرته ، ويكونُ ذلك عبارةٌ عن كثرةٍ ما يُفِيضُ اللهُ تعالى" مِن الرحمةِ، وينشُرُ على
الخلقِ منها، ويُوسِعُهم مِن عطائِه، على جميعِ المعانى ؛ مِن إجابةِ دعوةٍ ، وقضاءٍ
حاجةٍ ، ونَيْلِ مغفرةٍ ، مما كان قبلَ ذلك تُمْتَنَعًا عليهم، كامتناع ما يكونُ فى العُلُوٌّ مِن
فوقِهم ، وإلى هذا أشارَ الأوزاعىُّ بقولِه: يفعَلُ اللَّهُ ما يشاءُ. فجعَله مِن صفاتِ الفعلِ
لا مِن صفاتِ الذاتِ، وهذا فصلٌ بالغٌ فاتَّخِذوه دستورًا، واشْرَعوه فى سائرٍ
المشكِلاتِ سبيلاً(٥).
وأما قولُه: ((يَعْقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسٍ أحدِ كم ثَلاثَ عُقَدٍ )) (١). فإنه عبارةٌ
(١) فى م: ((عندنا)).
(٢) سقط من: ج، م.
(٣) الطبقات لابن سعد ١٢٥/٣، وأصل الحديث سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١١٧٣) من الموطأ .
(٤ - ٤) سقط من: ج، م.
(٥) خالف المصنف هنا عقيدة السلف، حين نزع إلى التأويل وتحميل كلام الأوزاعى ما لا يحتمل،
والصواب ما قاله السلف الصالح من الإيمان بالنزول بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك
من الصادق المصدوق . ينظر فتح البارى ٣/ ٣٠، وما سيأتى فى شرح الحديث (٥٠٠) من الموطأ .
(٦) سيأتى فى الموطأ (٤٢٨) .
٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٥/٥ )

الموطأ
التمهيد
القبس
عن ثِقَلِ النومِ، ونُسِب ذلك إلى الشيطانِ حينَ كان آفةً ، كما نسبه إلى نفسِه تبارك
وتعالى حينَ كان آيةٌ فى قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىَ ءَاذَانِهِمْ فِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾
[الكهف: ١١]. وعلى نحوِ هذا ورَد فى الحديثِ، أن رجلاً نامَ عن صلاةِ الصبحِ،
فقال: ((ذلك رجلٌ بالَ الشيطانُ فِى أُذُنِهِ))(١). فضرَب البولَ فِى الأَذُنِ؛ لأنه مُفْسِدٌ لِما
يَحِلُّ فيه - مَثَلًا لفسادِ العبادةِ على هذا النائمِ حينَ ترَكها، وذلك جائزٌ فى كلامٍ
العرب ، قال الشاعرُ(١) :
* بالَ سُهَيلٌ فى الفضيخِ فَفْسَدُْ.
فنسَبه إليه حينَ اقْتَرَن به وإن لم يكنْ ذلك مِن فعلِه . واللَّهُ أعلمُ .
وعلى هذا النحوِ جاء قولُهُ وَّهِ: ((فإن اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَلُوا)). والمَلالُ صفةٌ
نَّقْصٍ مصدرُها العَجْزُ، وذلك مستحيلٌ على اللَّهِ تعالى، ولكنه أخبَر بها عن
نفسِه اسْتِلْطافًا بعبدِه، كما قال: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.
[ البقرة: ٢٤٥، الحديد: ١١]. فأنزل نفسَه منزلةً المحتاج وهو الغنىُ، وكما قال تعالى:
((عَبْدى، مَرِضْتُ فلم تَعُدْنى، وجُعْتُ فلم تُطْعِمْنى، وعَطِشْتُ فلم تَسْقِنى. فيقولُ:
وكيف تَخْرَضُ وأنت ربّ العالمين؟! فيقولُ: مرِض عَبْدى فلانٌ ، فلو عُدْتَه لوجَدْتَنی
عندَه، وجاعَ عبدى فلانٌ وعطِش، ولو أَطْعَمْتَه وسَقَيتَه لوَجَدْتَنى عندَه))(4). فكان له
(١) سيأتى تخريجه ص١١٦ .
(٢) البيت فى اللسان (ف ض خ)، غير منسوب .
(٣) الفضيخ: عصير العنب، وهو أيضًا شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه
النار، وهو المشدوخ . يقول: لما طلع سهيل - وهو نجم - ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه .
اللسان (ف ض خ).
(٤) مسلم (٢٥٦٩).
٦٦

٢٥٥ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن محمدِ بنِ المُتْكدِرِ، عن الموطأ
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن رجلٍ عندَه رِضًا، أنه أخبره أن عائشةً زوجَ النَّبيِِّ اَل
أخبرتْهُ، أن رسولَ اللهِ أَه[٤٣ظ] قال: ((ما مِن امرئ تكونُ له صلاةٌ
مالكٌ، عن محمدِ بنِ المنكدِرِ ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ ، عن رجلٍ عندَه رضًا ، أنَّه التمهيد
أخبَرَه، أنَّ عائشةَ أَمَّ المؤمنينَ أَخْبَرَتْه، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: (( ما من امرئٍّ تكونُ له
القبس
تعالى فى ذلك فَضْلانِ ، واللَّهُ ذو الفضلِ العظيمِ :
أحدُهما: كنايتُهُ(١) عن المريضِ والمحتاجِ بنفسِهِ الكريمةِ (بِرًا به) .
والثانى: اسْتِلْطافُه بقلوبِ عبادِه تَرفيقًا(١) لهم حتى يَمِيلوا إلى الطاعةِ ، وصار هذا
فى أحدٍ قِسْمَي المجازِ وهو "التَّشْبِيبُ، وفى أحدِ قِشْمَى التَّسبيبِ" ، وهو التعبيرُ عن
الشىءٍ بفائدتِه وثمرتِه، وثمرةُ الْمَالِ التَّكُ، فكأنه قال : إن اللَّهَ تعالى لا يتركُ ثوابَكم
حتى تتركوا طاعته . وكان هذا أبينَ لقلوبِ العامةِ ، ولكنه تبارَك وتعالَى أراد أن يجعلَ
الكتابَ ؛ منه آياتٌ مُحْكَماتٌ ، ومنه أُخَرُ مُتَشابهاتٌ ؛ ليرفَعَ الذين آمنوا منكم والذين
أوتوا العلم درجاتٍ، ويُشْفِلَ(١) الزَّائِغِينَ عن سُبُلِ الهُدَى دَرَكاتٍ .
حديثُ غَلَبةِ النومِ عن حزبِ الليلِ: قال فيه بَّ: ((كتَب اللَّهُ له أجرَ صلاتِه)).
وهذا أصلٌ فى الشريعةِ مِن فضلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ على الأمةِ ، إذا قطَع بهم عن العملِ قاطعٌ
وقد انعقَدَت نِيَّتُهم عليه، فإن اللَّهَ عزَّ وجلَّ يكتُبُ لهم ثوابَه، وفى (( البخارىِّ)) ، عن
(١) فى ج، م: (( كناية)).
(٢ - ٢) فى م: ((برأيه)).
(٣) فى ج: ((ترقيقًا)).
(٤ - ٤) فى م: ((التسبب)).
(٥) فى م: ((يضل)).
٦٧

بليلٍ ، يَغْلِبُه عليها نومٌ ، إلا كتَب اللهُ له أجرَ صلاتِهِ، وكان نومُه عليه صدقةً)).
الموطأ
التمهيد صلاةٌ بليل يَغْلِبُهُ عليها نومٌ إلَّا كَتَب اللهُ له أجرَ صلاتِه، وكان نومُه عليه صدقةٌ))(١).
"قال أبو عُمر٢َ) : هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ الرُّواةِ عن مالك ، فيما
علِمتُ ، والرجلُ الرّضَا عندَ سعيدٍ بنٍ جبيرٍ، قيل: إِنَّه الأسودُ بنُ يزيدَ ، واللهُ
أعلمُ .
القبس
النبيِّ وَّةٍ: ((إذا مرِض العبدُ أو سافَر كتَب اللَّهُ له ما كان يعمَلُ() صحيحًا
مُقِيمًا)) . وقد اعتُرِض على هذا الحديثِ سَنَدًا ومَثْنًا؛ أما السَّنَدُ، فإنهم ضَعَّفوا
السَّكْسَكيَّ راويَه (٥) ، وأما المَتَنُ، فإنهم قالوا: إن البارئَ سبحانَه يُعْطِيه الأجرَ الذى
كان يعمَلُه صحيحًا مُقِيمًا، ولكن غيرَ مُضاعَفٍ .
قلنا لهم : لقد حجّرُم واسعًا ، بل يُطِیه الله تعالى الأجرَ كاملًا ، وقد بيّنا فی غیرِ
ما موضعٍ مِن مجموعاتِنا ) أصلًا يُوْجَعُ إليه فى هذه الأغراضِ)، وهو أن البارئَ
سبحانَه إنما يُثِيبُ العبادَ على قَدْرِ نِيَّاتِهم، لا بحسَبٍ (١) أعمالِهم؛ فإن العبدَ يُطِيعُ
خمسينَ عامًا مثلًا ، فيُعْطِيه اللَّهُ تعالى جزاءً نعيم الأبدِ، وذلك على قَدْرِ النيةِ؛ لأن نِيَّتَه
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٨٥). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (٣٣٥)، وابن المبارك فى الزهد
(١٢٣٧)، وأحمد ٢٩٢/٤٢، ٢٩٣ (٢٥٤٦٤)، وأبو داود (١٣١٤)، والنسائى (١٧٨٣) من طريق
مالك به .
(٢ - ٢) سقط من: ى، م.
(٣) فى د، م: ((يفعله)) .
(٤) سيأتى تخريجه ص٧٦ .
(٥) فى ج، م: ((رواية)). وينظر هدى السارى ص ٣٦٣، وفتح البارى ١٣٦/٦، ١٣٧.
(٦) فى ج: ((مجموعاتها)).
(٧ - ٧) فى ج، م: ((هذا الاعتراض)).
(٨) فى ج، م: ((بمقدار)).
٦٨

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُّ شعيبٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ - قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ بن أبى داودَ -
قال : كان يُقَالُ له: بُومَةُ. ليس به بَأْسٌ، وأَبُوه ليس بثقةٍ ولا مأمونٍ - قال: حدّثنا
أبو جعفر الرازىُّ ، عن محمدِ بنِ المنکیِرِ ، عن سعيد بن جبير ، عن الأسودِ بنِ
يزيدَ، عن عائشةَ، قَالَتْ: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((من فَاتَتْه صلاةٌ صلَّها من
اللَّيلِ ، فنام عنها، كان ذلك صدقةً تصدَّق اللهُ عليه، وكتب له أجرَ صلاتِه)) (١).
وأمَّا سعيدُ بنُ جبيرٍ ؛ فهو مولّى لبَنِى وَالِبَةً من بَنِى أُسدٍ ، يُكنَى أبا عبدِ اللهِ ،
كان شديدَ الشّمْرَةِ، وكتَب لعبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ ، ثم كتَب لأبى بُردَةَ
وهو على القضاءِ، وقد كان الحَجَّاجُ ولَاه قضاءَ الكُوفةِ، فضَجَّ أهلُ الكوفةِ
القبس
قد اسْتَمِرَّت، على أنه لو عُمِّر إلى غيرِ غايةٍ لكانت هذه حالَه فى الطاعةِ ، فيقَغُ ثوابُه
بإزاءِ نيَّتِه، وقد رُوى فى الآثارِ عن الأخيارِ (١): نِيَّةُ المؤمنِ خيرٌ مِن عملِهُ ). وهذا وَجْهُ
تأويله .
وأما تَضْعيفُهم لحديثِ السَّكْسَكيّ فغيرُ ضائرٍ لنا؛ لأنه قد ثبت عن النبيِّ وَّل أنه
قال فى غزوتِه : ((إن بالمدينةِ قومًا، ما سَلَكْتُم واديًا، ولا قطَعْتُم شِعْبًا، إلا وهم معكم؛
حبسهم العذرُ))).
(١) النسائى (١٧٨٤)، وفى الكبرى (١٤٥٨). وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٢٣٨) من طريق
محمد بن سليمان به .
(٢) فى ج، م: ((الأحبار)).
(٣) سيأتى ص ٧٢ .
(٤) سيأتي تخريجه ص ٧٤، ٧٥ .
٦٩

الموطأ
التمهيد
وقالُوا: لا يصلحُ للقضاءِ مولّى، ولا يَصلحُ إلَّا رَجُلٌ عربىٌّ. فاسْتَقْضَى الحَجَاجُ
حِينَئِذٍ أبا بُردةَ ، وأمَره ألَّ يَقطعَ أمرًا دونَ سعيدِ بنِ جبيرٍ، وكان أبو بُردةً على
القضاءِ وبيتِ المالِ ، وكان سعيدٌ يَكتُبُ له، ثم خرَج مع ابنِ الأشعثِ ، وكان
يقولُ: واللهِ ما خَرَجْتُ على الحَجَّاجِ حتى كفَرِ. فلمَّا انهزَم أصحابُ ابنٍ
الأشعثِ بدَيرِ الجَماجِم ، هرَب سعيدُ بنُ جُبيرٍ إلى مكّةً ، فأخَذه خالدُ بنُ عبدِ اللهِ
القَسْرِىُّ - وكان واليًا للوليدِ على مكّةَ - فبعث به إلى الحَجَّاج، فقتله، وذلك فى
سنةِ أربعٍ وتسعِينَ، وهو ابنُ ثمانٍ وأربعينَ سنةً ، وماتَ الحَجَاجُ بعدَه بیسیرٍ ،
قيل : شهرٍ، وقيل : شهرينٍ. وقيل: سِئَّةٍ أشهرٍ . ولم يَقْتُلْ بعدَه - فيما قال
ضمرةُ - أحدًا .
وأمَّا الأسودُ بنُ يزيدَ النَّخَعِىُّ فيُكنَى أبا عبدِ الرحمنِ ؛ بائِنِهِ عبدِ الرحمنِ ،
مات سنةً خمسٍ وسبعينَ، وكان فاضلاً عابدًا، مجتهدًا، حجَّ من بينِ حجَّةٍ
وعمرةٍ سِتِينَ، وقيل: ثمانينَ. وروَى سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، قال: قالت
عائشةُ أمُّ المؤمنين: ما بالعراقِ أحدٌ أعجبَ إلىّ من الأسودِ(١).
وقد جاءَ عن أبى الدَّرداءِ مرفوعًا وموقوفًا مثلُ حديثٍ عائشةً هذا؛
روَى حبيبُ بنُ أبى ثابتٍ ، عن عبدةَ بنِ أبى لُبَابَةً، عن سويدِ بنِ غفلةَ،
عن أبى الدَّرْدَاءِ، عن النبيِّ وَّ قال: ((من أَتَّى فراشَه وهو يَنْوِى أَنْ يَقومَ
يُصَلِّى من اللَّيلِ، فغلَبَتْه عينُه حتَّى يُصْبِحَ، كُتِب(١) له ما نوَى، وكان
القیس
(١) أخرجه أحمد فى الزهد ص٣٤٨ من طريق أبى إسحاق به .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((الله)).
٧٠

الموطأ
نومُه صدقةً عليه من ربِّه)).
التمهيد
وذكَرِه البزَّارُ(١) قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ الربيع، حدَّثنا حسينُ (١) بنُ علىٍّ،
حدَّثنا زائدةُ، "عن سليمانَ الأعمشِ، عن حبيبٍ بن أبى ثابتٍ"، عن عبدةَ
ابنِ أبى لُبابةَ، عن سويدِ بنِ غفلةَ، عن أبى الدرداءِ يَبلُغُ به النبيَّ نَّه قال:
((من أتَى فراشَه وهو يَتْوِى أن يقومَ يُصَلِّى من اللَّيلِ، فَغَلَبَتْه عَينُه حتَّى يُصبحَ ،
كتَب اللهُ له ما نوَى، وكان نومُه صدقةً)). رواه(٤) الثورىُّ، وابنُ عُيينةَ، عن
عبدةَ بنِ أبِى لُبَابَةً، عن سويدِ بنِ غفلةً، عن أبِى ذَرٍّ وأبِى الدَّرداءِ، جميعًا
(٥)
موقوفًا(٥) .
وفى هذا الحديثِ ما يَدُلَّ على أنَّ المرءَ يُجَازَى على ما نوَى من الخيرِ ، وإنْ لم
يَعمِلْه، كما لو أَنَّه عَمِلَه ، وأنَّ النِّيَّةَ يُعطَى عليها كالذى يُعطَى على العملِ ، إذا
حِيلَ بينَه وبينَ ذلك العملِ ، و كانت نِيتُه أنْ يَعملَه ، ولم تنصرفْ نِيتُه عنه حتى
غُلِبَ عليه بنومٍ ، أو نسيانٍ ، أو غيرِ ذلك من وجوهِ الموانع ؛ فإذا كان ذلك كُتِبَ
القبس
(١) البزار (٤١٥٣) ، وسقط منه ذكر حبيب .
(٢) فى ى: ((حسن)). وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٩.
(٣ - ٣) سقط من: النسخ. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر علل الدارقطنى ٦/ ٢٠٦.
(٤) فى م: ((روی)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٢٤)، وابن المبارك فى الزهد (١٢٣٩) والنسائى (١٧٨٧)، وفى
الكبرى (١٤٦٠) من طريق الثورى به ، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٢٤٠) - ومن طريقه
النسائى فى الكبرى (١٤٦٠) - عن ابن عيينة به .
(٦) ليس فى : الأصل، م.
٧١

الموطأ
التمهيد
له أجرُ ذلك العملِ وإن لم يَعملْه ؛ فضلاً من اللهِ ورحمةً ؛ جازَى على العملِ ، ثم
على النِّيّةِ ، إِنْ حالَ دونَ العملِ حائلٌ . وفى مثلِ هذا الحديثِ ، واللهُ أعلمُ ، جاء
الحديثُ : ((نِيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من عملِه)) .
حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم ، قال : حدَّثنا أبو طالبٍ العباسُ بنُّ أحمدَ بنِ سعيد
ابنِ مقاتلٍ بن صالحِ مولَى عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ إسماعيلَ بنِ
موسَى بنِ جعفرِ بنِ محمدٍ ، قال : حدَّثنی أیِى ، عن أبيه، عن جدِّه جعفرِ بنِ
محمدٍ ، عن أبيه ، عن جدِّه علىٍّ بنِ حسينٍ ، عن أبيه، عن علىٍّ بنِ أبى طالبٍ ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((نِيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من عملِه، ونِيَّةُ الفاجرِ شرٌّ من
عملِه ، وكلٌّ يَعملُ على نِيَِّه)) .
ومعنَى هذا الحديثِ واللهُ أعلمُ ، أنَّ النِّيَّةَ بغيرِ عملٍ خيرٌ من العملِ (١) بلانِيَّةٍ،
وتفسيرُ ذلك أنَّ العملَ بلانيَّةٍ لا يُرْفَعُ ولا يَصْعَدُ ، فالنِّيَّةُ بغيرِ عملٍ خيرٌ من العملِ
بغيرِ نِيَّةٍ ؛ لأَنَّ الِّئَةَ تَنفعُ بلا عملٍ ، والعملُ بلانيَّةٍ لا مَنفعةً فيه. ويَحتمِلُ أن يكونَ
المعنَى فيه: نِيَّةُ المؤمنِ فى الأعمالِ الصالحةِ أكثرُ ممّا يَقوَى عليه منها، ونِيَّةُ الفاجرِ
فى الأعمالِ الشَّيِّئَةِ أكثرُ مَمَّ يَعملُه منها، ولو أنَّه يَعملُ ما نوَى(٢) من(٢) الشَّرِّ أهلَكَ
الحرثَ والتَّسْلَ ونحوَ هذا، واللهُ أعلمُ .
ويدُلُّ هذا الحديثُ على أنَّ المؤمنَ قد يَقَعُ منه عملٌ بغيرِ نِيَّةٍ ، فيكونُ لغوًا وهو
القبس
(١) فى ى: ((عمل)).
(٢) فى ى: ((نواه)).
(٣) فى ى، م: ((فى)).
٧٢

الموطأ
مع ذلك مؤمنٌ . ويَدلُّ أيضًا على أنَّ المؤمنَ قد ينوى من الأعمالِ ما لا يُعانُ عليه ، التمهيد
وأنَّ الفاجرَ قد يَنْوِى من الأعمالِ ما يُعْصَمُ عنه ولا يَصِلُ إليه ؛ وقد روى أبو هريرةً
عن النبيِّ نَّهِ ما يُعارِضُ ظاهرُه هذا الحديثَ، وليس بمُعارِضٍ له إذا حُمِل على ما
وَصفْنا ، واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ ، حدَّثنا محمدُ بنُ جَرِیرٍ ،
حدَّثْنا أبو (١) كُرِيبٍ، حدَّثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن هشامٍ بنِ حسَّانَ ، عن ابنٍ
سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((من همَّ بحسنةٍ فلم
يَعمِلْها، كُتِبَتْ له حسنةً، ومن همَّ بحسنةٍ فعمِلها كُتِبَتْ له عشرًا إلى
سبعمائةٍ، ومن همَّ بِسَيَّةٍ فلم يَعمِلْها، لم تُكْتَبْ عليه، فإن عمِلها
كُتِبَتْ))(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ الدِّينَوَرِىُّ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا يحيى بنُ
سعيدٍ ، حدَّثنا الحسنُ بنُ ذكوانَ، عن أبى رجاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبىِّ
وَّه قال: ((من همَّ بحسنةٍ فلم يَعملْها كُتِبَتْ له حسنةً واحدةً، وإنْ عمِلها
كُتِبَتْ له عشرًا؛ وإن همَّ بسَيْئَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنةً)). قال: قلتُ:
القبس
(١) ليس فى الأصل، م. وينظر تهذيب الكمال ٢٤٣/٢٦.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٠)، وابن منده فى الإيمان (٣٧٩) من طريق أبي كريب به، وأخرجه
أحمد ١٢٣/١٢ (٧١٩٦)، وأبو عوانة (٢٤١)، وابن حبان (٣٨٤) من طريق هشام بن حسان
به .
٧٣

الموطأ
التمهيد أنت سَمِعْتَ ابنَ عباس يقولُ: ((إذا لم يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنةً؟)) قال:
(١)
نعم(١).
قال أبو عمرَ: حديثُ ابنِ عباسٍ مُخالِفٌ لحديثِ أبى هريرةَ فى هذا
الموضع، ويَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك فيمن همَّ بسَيِّئةٍ فترَكها خوفَ اللهِ ؛ فقد رُوِیَ
عن ابنِ عباسٍ، ومجاهدٍ ، وإبراهيمَ، فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
رَيِّهِه جَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. هو الرجلُ يَهُمُ بالمعصيةِ، ثم يَترُكُها لخوفِ المقامِ بِينَ
يَدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ(٢) .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ قِراءَةً مِّى عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثهم ،
قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ عبدِ الواحِدِ البَزَّارُ، قال: حدَّثنا مَحبوبُ بنُ موسَى،
قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزارِىُّ، عن حميد الطويلِ، عن أنسٍ بنِ مالكِ،
قال: لَّ انصَرَف رسولُ اللهِ وَّله من غزوة تبوكَ حين دَنا من المدينةِ، قال:
((إِنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما سِرْتُمْ مسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ واديًا، إلَّا كانوا معكم)).
قالوا: وهم بالمدينةِ؟ قال: ((نعم، حبسهم العذرُ)) (١) . هذا أَثْيَنُ شىءٍ فيما
قُلْنا؛ لأنَّ هؤلاءٍ لَّا نَوَوُا الجهادَ وأرادُوه وحبسهم العذرُ، كانُوا فى الأُجْرِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٥٤/٣ (٢٠٠١)، والطبرانى (١٢٧٦١) من طريق يحيى بن سعيد به .
(٢) ينظر تفسير ابن جرير ٢٣٥/٢٢ - ٢٣٧، وابن أبى شيبة ١٣/ ٥٧٠، وهناد فى الزهد (٨٩٩،
٩٠٠)، وابن أبى الدنيا فى كتاب التوبة (٥٣).
(٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٦٤/٨، والخطيب فى الموضح ٣٩٢/١، ٣٩٣ من طريق أبى
إسحاق به .
٧٤

الموطأ
كمن قطَع الأوديةَ والشِّعابَ مجاهدًا بنفسِه. وهذا أشْبَهُ الأشياءِ(١) بالذى
غلَبِهُ(٢) النَّومُ ، فمنَعه من صلاةٍ كان قد عزَم عليها ونوَى القيامَ إليها .
التمهيد
وهذا الحديثُ لم يَسْمَعْه حُميدٌ من أنَسٍ ؛ حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا
محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا مُوسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا
حمّادٌ، عن حميدٍ ، عن موسى بنِ أنسٍ، عن أبيه أنسٍ بنِ مالكِ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَّه قال: ((لقد ترَكُم بالمدينةِ أقوامًا، ما سِرْتُم مسِيرًا ، ولا أنْفَقْتُم من نفقةٍ ، ولا
قطَعْتُم من وادٍ ، إلّ وهم معكم)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، وكيفَ يكونون معنا
وهم بالمدينةِ؟ قال: ((حبسهم العذرُ)) (١). وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَسْتَوِى
اُلْفَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا الحارثُ بنُ أبى
أسامةَ ، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثْنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قالا
جميعًا: أخبرنا العوَّامُ بنُ حوشبٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحمنِ
الشّكْسَكِىُّ أبو إسماعيلَ، أنَّه سمِع أبا بردةَ بنَ أبى موسَى ، سمع أبا موسَى
يقولُ: سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَهِ يَقولُ غيرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ: ((من كان له عملٌ
القبس
(١) فى م: ((الأسباب)).
(٢) فى م: ((عليه)).
(٣) أخرجه البيهقى ٢٤/٩ من طريق محمد بن بكر به، وهو عند أبى داود (٢٥٠٨). وأخرجه
أحمد ٧٧/٢٠، ٤٤٨ (١٢٦٢٩، ١٣٢٣٧)، وأبو يعلى (٤٢٠٩) من طريق حماد بن سلمة به.
٧٥

الموطأ
التمهيد
يَعملُه، فشغَله عنه مرضّ أو سفرٌ، فإنَّه يُكْتَبُ له كصالح ما كان يَعملُ وهو
صحيح مُقِيمٌ)) (١) . دخَل حديثُ بعضِهما فى بعضٍ .
وقد مضى فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ قولُهُ وَِّ فِى المريضِ: ((إِنَّه يُكْتَبُ له أجْرُ ما
کان یعملُه فِی صخَتِه ، ما دام فِی وثاقٍ مرَضِه)) .
وذكَر سُنيدٌ ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن عاصم، عن(٢) أبى رَزِينٍ(٤)، عن
ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ [التين: ٥]. قال : إلى أرذلِ العمرِ،
وَإِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [التين: ٦]. قال: إذا كبِرَ ولم يُطِقِ العملَ،
كُتِبَ له ما كان يَعملُ(٥).
قال: وحدَّثنا وكيع، عن سفيانَ ، عن حمَّادٍ ، عن إبراهيمَ بمثله ؛ قال: إذا
كبر ولم يُطقِ العملَ، كُتِب له ما كان يَعمِلُ فى قُوَّتِه(٦).
قال: وحدَّثنا حمَّادٌ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى هذه
الآيَةِ، قال: إذا كبر وعجَز يَجْرِى له (١٧) أجرُ ما كان يَعملُ فى شَبِبَتِه غيرَ
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى أخبار أصبهان ٦٠/١ من طريق الحارث به، وأحمد ٤٥٧/٣٢، ٥٢٧
(١٩٦٧٩، ١٩٧٥٣)، وعبد بن حميد (٥٣٣- منتخب )، والبخارى (٢٩٩٦) من طريق
يزيد بن هارون به ، وأخرجه أبو داود (٣٠٩١) عن مسدد به .
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨١٧) من الموطأ .
(٣) فى م: ((ابن)).
(٤) فى الأصل: ((رزيق)). وينظر تهذيب الكمال ٤٧٧/٢٧.
(٥) ينظر تفسير مجاهد ص ٧٣٧، والزهد الكبير للبيهقى (٦٣٨).
(٦) أخرجه ابن جرير ٥١٩/٢٤ من طريق وكيع به .
(٧) فى الأصل، م: ((عليه)).
٧٦

الموطأ
ممنون(١) . فهذا يُوضّح(٢) أيضًا ما قلنا ، وقد يدخلُ ممّا فى ((الموطأُ)) فى هذا البابِ
حديثُ مالكِ ، عن داودَ بنِ الحصينِ، عن الأعرجِ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدٍ
القارِىِّ(٣)، عن عمرَ، قال: من فاتَه حزبُهُ(٤) من الليلِ، فقرَأه حِينَ تَزُولُ الشمسُ
إلى صلاةِ الظُّهرِ فإنَّه لم يَقُتْه (٥) .
التمهيد
وهذا وإن كان فيه عملٌ، فمعلوم أنَّ صلاةَ الليلِ والقيامَ بالأسحارِ(١) أفضلُ
من النافلةِ بالنهارِ ؛ فعلى هذا المعنَى يدخلُ فى هذا البابِ(٢) ومثلِه قولُ رسولِ اللهِ
وَلَهُ: ((من جهّز غازيًا كان له مثلُ أجرِهِ)) (٨). وهذا المعنَى قد تقصَّيْناه أيضًا عندَ
قولِه عليه السَّلامُ: ((فإِنَّهُ فِى صلاةٍ ما كانَ منتظرًا للصلاةِ))(٩). وأتينا هناكَ من
البيانِ بما لا معنَى لتكريرِه هلهنا .
وأمَّا حديثُ مالك، عن داودَ، عن الأعرج، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
القبس
(١) أخرجه ابن جرير ٥١٨/٢٤ من طريق داود به .
(٢) فى ى، م: ((توضيح)).
(٣) فى الأصل، م: ((البارى)).
(٤) فى ى: (( جزؤه)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٤٧٣).
(٦) فى م: ((بالأسمار)).
(٧) فى الأصل، م: ((الحديث)).
(٨) أخرجه الطيالسى (٩٩٨، ١٤٢٧)، وأحمد ١٥/٣٦ (٢١٦٨١)، والبخارى (٢٨٤٣)،
ومسلم (١٨٩٥) من حديث زيد بن خالد الجهنى .
(٩) سيأتى فى شرح الحديث (٣٨٤) من الموطأ.
٧٧

الموطأ
التمهید
عبدِ القارِئِّ (١)، عن عمرَ، فإنَّ قولَه فيه: فقرأه حينٌ تَزولُ الشمسُ إلى صلاةِ
الظهرِ. وَهْمٌ عندِى، واللهُ أعلمُ ، ولا أذْرِى أمن داودَ جاء، أم من غيرِهِ؟ لأنَّ
المحفوظَ فيه عن عمرَ ، من حديثٍ ابنٍ شهابٍ : من نام عن حزبه، أو عن شيءٍ
من حزبه ، فقرَأه ما بينَ صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظهرِ ، كُتِبَ له كأنما قرَأَه " من
الليل" . وقد اختلف فى إسناده ورفعه عن ابن شهابٍ .
فروَى يونسُ بنُ يزيدَ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن السائبِ بنِ یزیدَ وعبيدِ اللهِ بنِ
عبدِ اللهِ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ القارِىٌّ، عن عمرَ بنِ الخطّابِ، عن النبيِّ وَظله
قال: ((من نام عن حزبه، أو(١) عن شىءٍ من حزبِه، فقَرَأه ما بينَ صلاةِ الفجرِ
وصلاةِ الظهرِ كُتِبَ له (٥) كأنما قرَأَه من اللَّيلِ)). هكذا رَوَاه ابنُ وَهْبٍ
وأبو صفوانَ، عن يونسَ، عن الزهرِىِّ، بإسنادِهِ مرفُوعًا(٢).
۔
واسمُ أبِى صفوانَ عبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ، مَكَّىٌّ، ثقةٌ، روَى عنه الحميدِىُّ،
.
القبس
(١) فى الأصل، م: ((البارى)).
(٢ - ٢) فى ى: ((من الليل)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) فى م: ((و)).
(٥) ليس فى : الأصل، م.
(٦) أخرجه مسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، وابن ماجه (١٣٤٣)، وابن حبان (٢٦٤٣) من
طريق ابن وهب به، وأخرجه أبو داود (١٣١٣)، والترمذى (٥٨١)، والنسائى (١٧٨٩) من طريق
أبی صفوان به .
٧٨

الموطأ
وكبارُ الناسِ().
التمهيد
ورواه معمرٌ، عن الزهرِىِّ، عن عروةَ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ القارئِّ،
عن عمرَ بنِ الخطّابِ، موقوفًا عليه، قولَه(٢).
وقد ذكَر الدَّارَقُطْنِئُ هذا الحديثَ فى غَرائبِ حديثٍ مالكٍ ، فقال: حدَّثنا
أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحسنِ(٣) بنِ محمدِ المُقْرِئُ النَّقَّاشُ من أصلٍ كتابِهِ، حدَّثنا
أحمدُ بنُ طاهرِ بنِ حَرْمَلَةَ بنِ يحتَّى، حدَّثنا جَدِّى حَرْمَلَةُ بنُ یحتِى، حدّثنا
عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ ، أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن السّائبِ بنِ یزیدَ
وعبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ القارِئِّ، عن عمرَ بنِ الخطّابِ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَلٍّ: ((من نام عن حزبه، أو عن شىءٍ منه، فقرَأه ما بينَ
صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظهرِ، كُتِب له كأنما قرَأَه من اللَّلِ)). قال أبو الحسنِ: لم
يُكْتَبْ ٤ هذا الحديث٤ُ) من حديثٍ مالكٍ إلا من هذا الوجهِ، وهو غريبٌ عن
مالكٍ ، ومحفوظٌ من حديثٍ يونسَ، وعُقيلٍ، عن الزهرىِّ، قال: وأحمدُ بنُ
طاهرٍ ليس بالقوىِّ(٥).
القبس
(١) فى ى: ((الأئمة)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٧٤٨) عن معمر به.
(٣) فى ى: ((الحسين)). وينظر الأنساب للسمعانى ٥١٧/٥، وسير أعلام النبلاء ٥٧٣/١٥.
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) أخرجه ابن خزيمة (١١٧١)، وأبو عوانة (٢١٣٦) من طريق عقيل به .
٧٩

الموطأ
٢٥٦ - مالكٌ، عن أبى النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللهِ ، عن أبى
سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن عائشةً زوج النبيِّ بَلِّ أنها قالت : كنتُ
أنامُ بينَ يَدَىْ رسولِ اللهِ بَّهُ ورِجْلاىَ فى قِبْلِتِهِ، فإذا سجدَ غَمَزنی
فقبضْتُ رِجلىَّ ، فإذا قام بَسَطْتُهما . قالت : والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها
مصابیغ .
التمهید
قال أبو عمرَ: وهذا الوقتُ فيه من السّعةِ ما يَنُوبُ عن صلاةِ اللَّيلِ،
فِيَتَفضَّلُ اللهُ برحمتِه (١) على من اسْتَدْرَك من ذلك ما فاتَه، وليس من زوالِ الشمسِ
إلى صلاةِ الظهرِ ما يَسْتَدْرِكُ فيه كلُّ أحدٍ حزبَه، وهذا بَيِّنٌ. واللهُ أعلمُ .
مالكٌ، عن أبى النَّضْرِ، عن أبى سَلَمةً، عن عائشةً ، أنها قالت: كنتُ أنامُ
بین یدی رسول الله ێ( ورجلای فی قِبلتِه ، فإذا سجد غمزنى فقبضْتُ رِجلىَّ،
وإذا قام بسَطْتُهما . قالت: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيح (١).
هذا من أثبَتِ حديثٍ يُؤْوَى فى هذا المعنى (١)، وقد روَى القاسمُ عن عائشةً
مثلَه ؛ حدَّثَنَاه خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَنِ ، قال :
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمد البغوىُّ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عمرَ القَوارِيرىُّ،
قال: حدَّثَنَا خالدُ بنُ الحارثِ ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن القاسمِ،
القبس
(١) فى ى: ((بفضله)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٨٩)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٦). وأخرجه أحمد ٧٥/٤٢،
٦٥/٤٣ (٢٥١٤٨، ٢٥٨٨٤)، والبخارى (٣٨٢، ٥١٣، ١٢٠٩)، ومسلم (٥١٢/ ٢٧٢)،
والنسائى (١٦٨) من طريق مالك به .
(٣) فى ص ١٧: ((الباب)).
٨٠