النص المفهرس

صفحات 221-240

الموطأ
قال أبو عمرَ : أظنُّ قولَ الشافعىِّ القديمَ دَخَلَت الشُّبهةُ فيه عليه بما رُوى الاستذكار
عن عمرَ (١) أنه صلَّى المغربَ فلم يقرأ فيها، فذكر ذلك له ، فقال: كيف كان
الركوع والسجودُ؟ قيل: حسنٌ. قال: لا بأسَ إذن . وهذا حديث منكرٌ، وقد
ذكّره مالكٌ فى ((الموطأُ))، وهو عندَ بعضٍ رواتِه، وليس عندَ يحيى وطائفةٍ
معه؛ لأنه رماه مالكٌ مِن كتابِهِ بأَخَرَةٍ(٢)، وقال: ليس عليه العملُ؛ لأن النبىّ
وَِّ قال: ((كلُّ صلاةٍ لا يُقرأْ فيها بـ((أمّ القرآنِ)) فهى خِداٌ))".
قال أبو عمرَ : وقد روى عن عمرَ أنه أعاد تلك الصلاةَ ، وهو الصحيحُ عنه .
ورَوى يحيى بنُ يحيى النَّيسابوریُّ قال: حدَّثَنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ،
عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، عن همامِ بنِ الحارثِ ، أن عمرَ نسِى القراءةَ فى المغربِ ،
.(٤)
فأعاد الصلاة
٠
وهذا حديثٌ متصلٌ، "شهِده همامُ بنُ الحارثِ من عمرْ، وحديثُ
مالكِ مرسلٌ عن عمرَ لا يصحُ ، والإعادةُ عنه صحيحةٌ ، رواها عن عمرَ جماعةٌ ؛
منهم هماتٌ ، وعبدُ اللَّهِ بنُ حنظلةَ ، وزيادُ بنُ عياضٍ ، وكلُّهم لقِى عمرَ وسمِع منه
وشهِد القصةَ، ورَوى الإعادةَ عن عمرَ أيضًا غيرُهم .
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٢٩١ .
(٢) سقط من: ص، م.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٩٢ .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٧/١، من طريق أبى معاوية به مطولا .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م.
٢٢١

الموطأ
الاستذکار
وذكر عبد الرزاق() ، عن عكرمةَ بنِ عمارٍ ، عن ضمضمٍ بن جَوْسٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ حنظلةَ ، قال : صليتُ مع عمَر، فلم يقرأ، فأعاد الصلاةَ .
ورَوى إسرائيلُ ، عن جابرٍ ، عن الشعبىِّ، عن زيادٍ بنِ عياضٍ ، أن عمرَ صلَّى
بهم، فلم يقرأ، فأعاد الصلاةَ، وقال: لا صلاةَ إلا بقراءةٍ .
ورَوى معمرٌ، عن قتادةَ، وعن أبانٍ ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، أن عمرَ أعاد تلك
الصلاةَ بإقامةٍ(٢).
وابنُ جريج، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ: أن عمرَ أمَر المؤذنَ ، فأقام وأعادَ تلك
الصلاةَ. ذكَر عبدُ الرزاقِ (٤) ذلك عن معمرٍ، عن ابن جريجٍ .
ورَوى أشهبُ ، عن مالكِ قال: سُئل مالكٌ عن الذى ينسَى القراءةَ :
أيعجِبُكَ ما قال عمرُ؟ قال: أنا أَنْكرُ أن يكونَ عمرُ فعَله. وأنكَر
الحدیثَ ، وقال : یری الناسُ عمر یصنع هذا فى المغربِ فلا يسبحون به ولا
يخبرونه! أرى أن يعيدَ الصلاةَ مَن فعَل هذا، ويعيدَ القومُ الذين صلَّوا خلفَهْ).
وأما اختلافُهم فيما يجزئُ مِن القراءةِ فى الصلاةِ ؛ فقال مالكٌ: إذا لم يقرأ
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٧٥١).
(٢) عبد الرزاق (٢٧٥٣)، وليس فيه: عن الشعبى.
(٣) عبد الرزاق (٢٧٥٥).
(٤) عبد الرزاق (٢٧٥٢).
(٥ - ٥) سقط من: ص.
٢٢٢

الموطأ
الاستذكار
فى الركعتين - يعنى مِن صلاةٍ أربع - أعاد . وقد قال: مَن لم يقرأْ فى نصفٍ
صلاتِه أعاد . وقال مرةً أخرى: مَن نسى أن يقرأَ فى الصلاةِ كلِّها أو فى أكثرِها،
رأيتُ أن يعيد الصلاةَ كلَّها. قال: وسُنَّةُ القراءة أن يقرأَ فى الركعتين الأوليين
بـ: ((أمّ القرآن)) وسورةٍ، وفى الأُخريين بـ: ((فاتحة الكتاب)).
وقال الأوزاعىُّ: يقرأُ بـ: ((أمّ القرآنِ))، فإن لم يقرأْ بـ: ((أمّ القرآنِ))، وقرأ
بغيرِها أجزأه . قال: وإن نسى أن يقرأَ فى ثلاث ركعاتٍ أعاد .
وقال الثورىُّ: يقرأُ فى الركعتين الأُوليين بـ: ((فاتحةِ الكتابِ)) وسورةٍ،
ويسبحُ فى الآخِرتين . وهو قولُ أبى حنيفةً وسائرِ الكُوفيين.
قال سفيانُ: وإن لم يقرأْ فى ثلاث ركعاتٍ أعاد الصلاةَ؛ لأنه لا تجزُه قراءةُ
ركعةٍ. قال : وكذلك إن نسى أن يقرأ فى ركعةٍ مِن صلاةِ الفجرِ.
وقال أبو ثورٍ : لا تجزئُ صلاةٌ إلا بقراءةِ ((فاتحةِ الكتابِ)) فى كلِّ ركعةٍ .
كقولِ الشافعيّ المصرىِّ، وعليه جماعةُ أصحابِ الشافعىِّ .
وقال ابنُّ خُوازِ بَندادَ المالكىُّ: قراءةُ ((أمّ القرآنِ)) واجبةٌ عندَنا فى كلِّ
ر کعةٍ . قال : ولم يختلِفْ قول مالك ، أنه من نسِیها فى ركعةٍ مِن صلاة ركعتين
أنه يعيدُ الصلاةَ ولا تجزُه. واختلف قولُه إذا تركها ناسيًا فى ركعةٍ مِن صلاةٍ
ثلاثيةٍ أو رباعيةٍ ؛ فقال : يعيدُ الصلاةَ أصلًا . وهو قولُ ابنِ القاسم وروايتُه عنه،
وقال : يسجدُ سجدتَى السهوِ وتجزُه . وهى روايةُ ابنِ عبدِ الحكم عنه ، قال :
وقد قيل : يعيدُ تلك الركعةَ ويسجدُ للسهوِ بعدَ السلام. قال: وقال الشافعىُّ
القبس
٢٢٣

الموطأ
وأحمدُ بنُّ حنبل: لا يجزُه حتَى يقرأُ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ)) فى كلِّ ركعةٍ . نحوَ
الاستذكار
قولِنا . قال : وقال أبو حنيفةً ، والثورىُّ، والأوزاعيُ: إن تركها عامدًا فى صلاته
كلِّها وقرَأُ غيرَها أجزأه .
قال أبو حنيفةَ: أَقُلُّه آيةٌ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: ثلاثُ آياتٍ أو آيَةٌ
طويلةٌ؛ نحوَ آية الدَّئْنِ .
وقال الشافعىُّ: أقلُّ ما يجزُه ((فاتحةُ الكتابِ)) إِن أحسَنَها ، فإن كان لا
يُحسِنُها ويحسنُ غيرَها مِن القرآنِ ، قَرَأْ بعددِها(١) سبعَ آياتٍ، لا يجزُه دونَ
ذلك، وإن لم يُحسِنْ شيئًا مِن القرآنِ حمِد الله وكبّر مكانَ القراءة ، لا يجزُه
غيرُه، ومَن أحسنَ ((فاتحةَ الكتابِ))، فإن ترَك منها حرفًا واحدًا وخرَج مِن
الصلاةِ أعاد .
وقال الطبرىُّ: يقرأ بـ: ((أمّ القرآنِ))؛ فإن لم يقرأ بها لم يُجزِئْه إلا مثلُها مِن
القرآنِ فى عددِ آياتِها وحروفِها .
قال أبو عمرَ: قولُهُ وَله: ((لا صلاةَ لمَن لم يقرأ فيها بـ: ((فاتحةٍ
الكتابِ))))(١)، (٤ وقولُهُ) وَّةِ: ((كلُّ صلاةٍ لا يُقرأْ فيها) بـ: ((أمّ القرآنِ)) فهى
القبس
(١) فى ص، م: ((بعدها)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٩٥، ٢٩٦.
(٤) مكانه فى الأصل تآكل بمقدار أربع كلمات، والمثبت ما يقتضيه السياق .
٢٢٤

الموطأ
خِداجٌ غيرُ تمام)) (١). حديثُ أبى هريرةَ. وقولُ أبى سعيد الخدرىِّ: أمرَنا نبينا الاستذكار
وَلَهُ أن نقرأْ بـ: ((فاتحة الكتاب)) وما تيسّر (١). فعيَّن («فاتحةَ الكتابِ))
لوجوبها، وخيَّر فيما ليس بواجبٍ بعدَها.
وهذا كلُّه يشهدُ لصحةٍ قولٍ مَن أوجَب القراءةَ بها فى الصلاةِ فى كلِّ
ركعةٍ، كما قال جابرٌ؛ لأن ركوعَ ركعةٍ لا ينوبُ عن ركوع أخرى، ولا سجودَ
ركعةٍ ينوبُ عن سجودٍ أخرى، فكذلك لا تنوبُ قراءةُ ركعةٍ عن قراءةِ ركعةٍ
أخرى. وهى روايةُ ابنِ القاسم عن مالكِ واختيارُه، وهو الصوابُ إن شاء اللهُ
تعالی .
وأما قراءةُ(١) أبى بكر الصديقِ فى الركعةِ الثالثةِ مِن المغربِ: ﴿رَبَّنَا لَا
تُغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية. فإنما هو ضربٌ مِن القنوتِ والدعاءِ؛ لما كان فيه مِن
أمرِ أهلِ الردةِ . والقنوتُ جائزٌ فى المغربِ عندَ جماعةٍ مِن أهلِ العلمِ،
وفى كلِّ صلاةٍ أيضًا، وأوكدُ ذلك فى الصبح، ومنهم مَن لا يرى
القنوتَ أصلًا، وسيأتى ذلك فى موضعِه مِن هذا الكتابِ إن شاء اللَّهُ
تعالى .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٨٦).
(٢) أخرجه أحمد ٣٠/١٧ (١٠٩٩٨)، وأبو داود (٨١٨).
(٣) فى ص، م: ((قول)).
٢٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٥/٤ )

الموطأ
١٧٢ - وحدَّثنى يحيى ، عن مالك، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
كان إذا صلَّى وحده، يقرأُ فى الأربع جميعًا فى كلِّ ركعةٍ بـ: ((أمّ
القرآنِ )) وسورةٍ مِن القرآن ، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث فى
الركعةِ الواحدةِ من صلاة الفريضة ، ويقرَأُ فى الركعتين من المغربِ
كذلك، بـ: ((أمّ القرآن)» وسورةٍ سورةٍ.
الاستذكار
وذُكر عن ابنِ عمرَ، أنه كان إذا صلَّى وحده يقرأُ فى الأربع جميعًا ؛ فى كلِّ
ركعةٍ بـ: ((أمّ القرآنِ)) وسورةٍ، وكان يقرأُ أحيانًا بالسورتين والثلاثٍ فى الركعةِ
الواحدةِ مِن صلاةِ الفريضةِ(١).
قال أبو عمرَ: لمّا قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((لا صلاةَ إلّا بـ: ((فاتحة الكتاب)»
وما تيشَرَ)). عُلِمَ أنَّ تعبينَه لـ: ((فاتحةِ الكتابِ)) إيجابٌ، وأنَّ قولَه: ((وما
تَيَسَّرَ)). ندبِّ، وإذا جاز أن يقرأَ المصلِّى مع ((فاتحة الكتابِ)) بسورةٍ فيها
طولٌ، جاز أنْ يقرأَ بسوَرٍ تساوى(٢) تلك السورةَ. وهذا كلُّ مباحٌ عندَ الجميعِ؛
إلا أنهم يستحبون ألَّ يقرأ مع ((فاتحة الكتابِ)) إلا بسورةٍ واحدةٍ ؛ لأنه الأكثر
مما جاء عن النبيِّ وَلّه، وقد أجمع العلماءُ على أنْ لا حدَّ فى القراءةِ واجبٌ "إلا
((فاتحةً " الكتابِ)) عندَ من أَوجَبها، وكفَى بهذا.
-
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٣٣)، وبرواية أبى مصعب (٢١٩). وأخرجه الشافعى
٢٠٧/٧، ٢٢٨، وابن المنذر (١٣٣٨)، والبيهقى ٦٤/٢ من طريق مالك به.
(٢) فى ص، م: ((توازى)).
(٣ - ٣) فى ص: ((إلا بفاتحة))، وفى م: ((بفاتحة)).
٢٢٦

١٧٣ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن الموطأ
عَدِىٌّ بن ثابتِ الأنصارِىِّ، عن البراءِ بنِ عازبٍ ، أنه قال : صلَّيتُ مع
رسولِ اللهِ وَّهِ العِشاءَ، فقرَأ فيها بـ: ﴿أَلِينِ وَالزَّيْتُونِ،
مالك، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عدىٌّ بنِ ثابتٍ الأنصارىِّ، عن البراءِ بنِ التمهيد
عازبٍ، أَنَّه قال: صلَّيتُ مع رسولِ اللهِ وَ لِّ العشاء، فقرَأ فيها بـ: ﴿اَلِنِ
وَالزَُّنِ﴾ (١).
لم يُخْتَلَفْ على مالكِ فى هذا الحديثِ، وكذلك رواه جماعةٌ
عن يحيى بن سعيدٍ، إلا أنَّ مِشْعَرًّا رواه فزاد فيه: وما سمِعتُ أحسنَ
صوتًا منه وَلَّه(١). وقد ذكّرنا هذا الخبرَ فى بابِ تحسينِ الصوتِ
بالقرآنِ من كتابٍ ((البيانِ عن تلاوةِ القرآنِ))، والحمدُ للهِ، فلا معنَى
لذکړه هَلهُنا .
وهذا الحديثُ عندَنا محملُهُ(٢) على أنه قد قرَأْ بـ: ﴿الِنِ وَالزَّقُونِ﴾ مع أمّ
القرآنِ، بِدَليلٍ قولِه ◌َله: ((لا صلاة لمن لم يَقْرَأْ فيها بـ: ((فاتحة الكتابِ))،
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٢٦). وأخرجه الشافعى فى السنن المأثورة (٩٠)، والنسائى
(٩٩٩)، والبيهقى فى المعرفة (١٢٠٢) من طريق مالك به.
(٢) أخرجه الحميدى (٧٢٦)، وأحمد ٥٣٤/٣٠ (١٨٥٦٦)، والبخارى (٧٦٩)، ومسلم
(١٧٧/٤٦٤)، وابن ماجه (٨٣٥) من طريق مسعر به.
(٣) فى م: ((محله)).
٢٢٧

الموطأ
التمهيد
وكلُّ صلاةٍ لم يُقْرَأْ فيها بـ: ((أمَّ القرآنِ)) فهى خِداجٌ)) (١) . وقد ذكرنا مذاهبَ(٢)
الفقهاءِ فى هذا الباب فى بابٍ العلاء من هذا الكتاب (١) ، وليس فى هذا الحديثِ
بعدَ هذا معنَّى يُشْكِلُ، وما قرَأ به المصلِّى فى الركعتين الأوليين(٤) من الظهرِ
والعصرِ والمغرب والعشاءِ، مع ((أمّ القرآنِ))، فحسنٌ، وكذلك صلاةُ الصبحِ.
وفى قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((لا صلاةَ إلا بـ: ((فاتحةِ الكتابِ))، وكلُّ صلاةٍ
لم يُقْرَأْ فيها بـ: ((أمّ القرآنِ)) فهى خِداجٌ)). دليلٌ على أنَّ مَن قَرَأ((فاتحة الكتابِ))
فى كلِّ ركعةٍ من صلاتِه ولم يَزِدْ - فقد صلَّى صلاةً كاملةً وتامةً غيرَ ناقصةٍ ،
وحسبكَ بهذا ، وقد قدَّمنا ذكر الدلائل على أنَّ ذکر الصلاةِ فی هذینِ الحدیثین
أُرِيد به الركعةُ فى غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا ، فلا وجه لتكريرِ ذلك هَهُنا . وقد
كان بعضُ أصحابِ مالكٍ يَرَى الإعادةَ على مَن تَعَمَّد تَرْكَ السورةِ مع ((أمّ
القرآنِ ))، وهو قولٌ ضعيفٌ لا أصلَ له فى نظرٍ ولا أثرٍ . وجمهورُ أصحابٍ مالكٍ
على أنه قد أساء وصلاتُه مُجزئةً عنه، وكذلك قولُ سائرِ العلماءِ. والحمدُ للهِ .
وللفقهاءِ استحباباتٌ فيما يُقْرَأَ به مع ((أمَّ القرآن)» فى الصلواتِ، ومراتبُ
وتحديداتٌ(٥) ، كلُّ ذلك استحسانٌ وليس بواجبٍ . وبالله التوفيقُ.
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٨٦).
(٢) فى ف: ((اختلاف)).
(٣) سيأتى ص ٢٨٩ - ٢٩٩ .
(٤) فى الأصل: ((الأوَّلتين)).
(٥) فى م: ((تحديد)).
٢٢٨

الموطأ
العملُ فى القراءةِ
١٧٤ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن نافعٍ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ
[٢٩ و] ابنِ لُنَينٍ، عن أبيه، عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ، أن رسولَ اللهِ وَّ نِهَى
عن لُبْسِ القَسِّىِّ، وعن تَخَتُّم الذهبِ، وعن قراءةِ القرآنِ فى الركوعِ.
مالك ، عن نافع، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ محنينٍ، عن أبيه ، عن علىٍّ بنِ التمهيد
أبى طالبٍ قال: نهى رسولُ اللهِ وَلِّ عن لُبسِ القَسِّىِّ، والمُعَصْفرِ، وعن تختُّمِ
الذَّهبِ ، وعن قراءةِ القرآنِ فى الرُّكوعِ(١) .
حديثُ علىٍّ فى النهي عن قراءةِ القرآنِ فى الركوعِ هلهنا أصلٌ من أصول الفقهِ لم
يتفطَّنْ له إلا مالكٌ رحِمه اللهُ، وهو أن مراتبَ الرواةِ من الصحابةِ عن النبيِّ وَله
خمسٌ؛ المرتبةُ الأولى: أن يقولَ الراوى: سمِعتُ رسولَ اللّهِ وَه ينهى عن
الصلاةِ بعدَ العصرِ، يقولُ: ((لا تُصَلِّ(٤))، «لا تَصُمْ)). وهذا أعْلاها؛ لأُنه شاهَدَ
ونقل اللفظَ. المرتبةُ الثانيةُ: أن يقولَ الراوى(٥): سمِعتُ رسولَ اللَّهِ وَ لِّ ينَهَى عن
الصلاةِ بعدَ العصرِ، وعن الصيامِ يومَ النحرِ. فهذا فيه أصلٌ مِن السَّماعِ، وليس فيه
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٨٧)، وبرواية أبى مصعب (٢٢٤). وأخرجه أحمد ٣٠٧/٢
(١٠٤٣)، ومسلم (٢٩/٢٠٧٨)، وأبو داود (٤٠٤٤)، والترمذى (٢٦٤)، والنسائى (١٠٤٣)
من طريق مالك به .
(٢) فى ج: ((الرواية)).
(٣ - ٣) سقط من : د .
(٤) فى ج، م: ((تصلى)).
(٥) بعده فى م: ((من الصحابة)).
(٦) بعده فى د : ((بعد).
٢٢٩

الموطأ
التمهید
روی هذا الحدیثَ عن نافع جماعةٌ ، وعن إبراهيم بنِ عبدِ اللهِ بنِ حُنینٍ
جماعةٌ، وعن عليّ بن أبى طالبٍ جماعةٌ ، وأكثرُ مَن روَاه يقولُ فيه عن علىّ:
نهَانا رسولُ اللهِ وَلِهِ. وبعضُهم يقولُ: ولا أقولُ: نهاكم (١). وهو حديثٌ
اختُلِف فى إسنادِهِ ولفظِهِ على نافعٍ ، وعلى إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مُنينٍ ، اختلافًا
كثيرًا، وحنينٌ جدُّ إِبراهيمَ هذا مولَى العباسِ بنِ عبدِ المطلبٍ ، وقيلَ: مولَى علىِّ
ابنِ أبى طالبٍ . وقيلَ: بل ◌ُنينٌ هذا مولَى مِثْقَبٍ(٢)، ومِثقبٌ(٢) مولَى مِشْحَلٍ،
ومسحلٌ مولَى شَئَّاسٍ، وشَماس مولَی العباسِ .
القبس
كيفيةُ الأمرِ والنهي . المرتبةُ الثالثةُ: أن يقولَ الراوى مِن الصحابةِ : قال رسولُ اللَّهِ
وَاله. ولم يذكُّرِ السماعَ، فلا خلافَ بينَ العلماءِ أنه محمولٌ على السماعِ، قائم
مَقامَه ؛ لأن الصحابةَ كان يأخُذُ بعضُهم عن بعضٍ ، ويتناوبون فى النزولِ لتحصيلِ
العلمِ، ثم يُلِّغُه إلى صاحبِهِ على المُداولةِ().
واختلف العلماءُ فيما بعدَ الصحابةِ ؛ فقال بعضُهم: هذا يَخْتَصُّ بعصرِها ؛ لأنها
بجملتِها غُصبةٌ محمولةٌ على العدالةِ ، بخلافٍ عصرٍ التابعينَ وما بعدَه، فإن حالَ
العدالةِ يختلِفُ فيه. وقال مالكٌ: إذا قال التابعىُّ: قال رسولُ اللَّهِ فَهِ. فهو مُجَّةٌ،
فإِن الحالَ(٤) وإن اختلفت بالتابعينَ(٥) فى العدالةِ، فإن القائلَ: قال رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ.
(١) فى ن: ((نهانى)).
(٢) فى ن: ((مثقف)).
(٣) فى د: ((المزاولة)).
(٤) فى د: ((الحالة)).
(٥) فى د: ((فى التابعى)).
٢٣٠

الموطأ
التمهيد
والحديثُ الصحيحُ(١) كما رواه مالكٌ ومَن تابعَه.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُّ المفضَّلِ، قال: حدَّثنا
◌ُبیدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنٍ حنينٍ مولی علىّ ، عن علىّ قال : نهانِى
رسولُ اللهِ وَ لَه عن أربع؛ عن تختُّم الذهبِ، وعن لُبسِ القَسِّىِّ، وعن قراءةِ
القرآن وأنا راكعٌ، وعن لُبُسِ المُعَصَّفَرِ (٢).
القبس
لا يُطْلِقُه عليه، مع ما فى الكذبِ عليه(١) مِن الوعيدِ، إلا وهو قد تَقلَّدَ صِحْتَه. المرتبةُ
الرابعةُ: أن يقولَ الصحابيُّ: أُمِرْنا بكذا، ونُهِينا عن كذا. وهذا فيه مِن الاحتمالِ
أكثرمما فى الأول . المرتبةُ الخامسةُ : أن يقول الصحابى : كان الأمرُفى عهدِرسولِ
اللَّهِ وَلِّ كذا. كقولِ ابنِ عباسٍ: كانت الْبَّةُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ وَلِ واحدةً. وهذا
فيه احتمالٌ كثيرٌ، وخلافٌ مشهورٌ، وقد بيّنَّا أدلةَ هذه المراتبٍ فى كتابٍ
((التَّمحيصِ))، وخلصنا إلى المقصود منها فى ((المحصول))، وقد قال علىٍّ رضِی
اللَّهُ عنه فى هذا الحديثِ: نهانى رسولُ اللَّهِ وَهِ، ولا أقولُ: نهاكم. وهذا تحريرُ
لفظٍ واحترازٌ من الغَلَطِ؛ لأن الراوىَ إذا نَهاه النبيُّ نَ لِّ عن شىءٍ، فقال: نهَى رسولُ
اللَّهِ وَلِهِ. مطلقًا، فقد نقَل الخبرَ عن النبيِّ وَّ، وقاسَ غيرَه عليه، وجعَل الكُلَّ
مَنوطًا بالنبيِِّ نَّهِ، وقد ثبت عن النبيِّ وَلِّ أنه قال: ((أمَّا الركوعُ فعَظّموا فيه الربَّ،
(١) فى الأصل، ن، م: ((صحيح).
(٢) أخرجه النسائى (٥١٩٣) من طريق بشر به.
(٣) سقط من : م .
٢٣١

الموطأ
التمهید
كذا قال عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ: عن نافعٍ ، عن ابنٍ محُنينٍ مولَى علىٍّ ، عن علىِّ.
لم يَقُلْ(١): عن أبيه. والصوابُ فيه: عن أبيه. وكذلك رواه أيوبُ(١)، ولم يُقِمْه
عُبيدُ اللهِ ولا أيوبُ ، وروَاه الزهرىُّ فجوَّدَ إِسنادَه أيضًا(٣).
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ الوردِ ، قال:
القبس
وأما السجودُ فاجتهدوا فيه (" فى الدعاءِ)؛ فإنه قَمِنٌ(١) أن يُشْتَجابَ لكم)). وفى
((الموطاً)) النھئ عن قراءة القرآن فى الر کوع، وفى ((صحيح مسلم )) نھئ عن قراءةٍ
القرآنِ فى الركوع والسجودٍ، وذلك أن اللَّه تبارك وتعالى ذكَر مَحالَّ الصلاةِ
وأذكارَها ، فلا يجوزُ التَّبديلُ فيها، فمَن بَدَّلها على قصدِ التَّلاغُبِ فسَدت صلاتُه،
ومَن بَدَّلها على قصدِ الاجتهادِ فى أن المعنى واحدٌ فسدَت صلاتُه أيضًا ، ومَن بَدَّلها
نسيانًا صَحَّت صلاتُه، ولو جعَل رجلٌ موضعَ («اللَّهُ أكبرُ)) (( سمِعِ اللَّهُ لمَن حمِده)) ،
أو بعكسِه ناسيًّا ، لم يكنْ عليه شىءٌ، ولو فعَلها عامدًا لبطَلَت صلاته، والاختلافُ فى
السجودِ فى النسيانِ يَتْبنى على أن التكبيرَ ؛ هل فيه سجودٌ مثلَ القراءةِ أيضًا أم لا؟
ويَنْبنى أيضًا على معرفةِ القَدْرِ الذى يُسجَّدُ فيه مِن التكبيرِ أو تُعادُ الصلاةُ منه، وهذا
كلُّهُ(١) موضعُه ((المسائلُ)).
(١) بعده فى ن: ((فيه)).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٤١٣) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب ، عن نافع، عن إبراهيم بن حنين ،
عن على. وينظر علل الدارقطنى ٨٢/٣، ٨٣، ٨٧، ٨٨.
(٣) ليس فى: الأصل.
(٤ - ٤) فى ج، م: ((بالدعاء)).
(٥) قَمَن وقَمِن وقمين : أى خليق وجدير. ينظر اللسان ( ق م ن ).
(٦) بعده فى م: ((ضعيف)).
٢٣٢

الموطأ
التمهید
حدَّثنا الحسنُ بنُ علىٍّ بنِ راشدِ بنِ زولانَ(١)، قال: حدَّثنا أبو الأسودِ النَّضرُ بنُ
عبد الجبارِ ، قال : أخبرنا نافئُ بنُ یزیدَ ، عن ◌ُونسَ بنِ یزیدَ، عن ابن شهاب ،
قال: حدَّثنِى إبراهيمُ بنُ حُنينٍ، أنَّ أباه حدَّثه، أنَّه سمِع علىَّ بنَ ایی طالبٍ
يقولُ: نهائِ رسولُ اللهِ وَّهِ عن القراءةِ وأنا راكعٌ، وعن لُبسِ الذهبِ
(٢)
والمعصفرٍ (٢).
هكذا قال : أُبسِ الذهبِ. وحديثُ نافعٍ يُفَسِّرُه أنَّه تختُمُ الذهبِ ، وليس
فى هذا الحديث عن ابن شهابٍ ذکرُ القَسْئِّ ، وهو فيه محفوظً . ورواه معمرٌ ،
عن ابنٍ شهابٍ بإسنادِه مثلَه. وزادَ: وعن قراءةِ القرآنِ فى الركوع والسجود .
فزادَ السجودَ .
و کذلك قال داودُ بنُ قیسٍ : عن إبراهيم بنِ عبدِ اللهِ بنِ مُنینٍ ، عن أبيه ، عن
ابنِ عباسٍ، عن علىٍّ بن أبى طالبٍ قال: نهانِى حِبِّى وَلّ عن ثلاثٍ ، لا
أقولُ: ونهَى الناسَ؛ نهانِ عن تختُّم الذهبِ، وعن لُّيسِ القَسِّىِّ والمعصفرةِ
المُقَدَّمَةِ، ولا(٢) أقرأُ ساجدًا (" ولا) راكعًا(٧).
القبس
(١) فی ن: ((زولاق)).
(٢) أخرجه النسائى (٥١٨٩) من طريق أبى الأسود به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٣٢)، وأحمد ٢٤٦/٢ (٩٢٤)، ومسلم (٣١/٢٠٧٨)، وأبو داود
(٤٠٤٥)، والترمذى (١٧٣٧) من طريق معمر به .
(٤) فى الأصل، م: ((نبی الله))، وفی ن: ((حبیبی).
(٥) فى الأصل، م: ((أن)).
(٦ - ٦) فى م: ((أو)).
(٧) أخرجه مسلم (٢١٢/٤٨٠)، والنسائى (١١١٧، ٥١٨٧)، والبزار (٤٥٩)، وأبو يعلى =
٢٣٣

الموطأ
التمهید
و کذلك روی ابنُ وهپ ، عن یُونسَ، عن ابن شهاب ، عن إبراهيم بنِ
عبدِ اللهِ بنِ حُنينٍ، عن أبيه، سمعَ عليًّا قال: نهانِى رسولُ اللهِ وَلِّ أن أقرأَ راكمًا
.. (١)
أو ساجدًا(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بکرُ بنُ حمَّادٍ ،
قال : حدثنا مُسدّدٌ ، قال : حدثنا یحتی ، عن محمد بن عجلانَ ، قال : حدّثنِی
إبراهيم بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُنینٍ، عن أبيه ، عن ابن عباسٍ ، عن علیّ قال : نهانِی
رسولُ اللهِ وَلّ عن خاتَم الذهبِ، وعن قراءةِ القرآنِ راكعًا، وعن القَسّيَّةِ
(٢)
والمعَصفَرٍ() .
هكذا قال ابنُ عَجلانَ، وداودُ بنُ قيسٍٍ، والضََّاكُ بنُ عُثمانَ(١) ، فى هذا
الحدیث : عن إبراهيم ، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علىّ . فزادوا ذِكرَ ابنِ
عباسٍ . وفى حديثٍ ابنٍ شهابٍ وغيرِهِ ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ محنينٍ سمِعَه من علىٍّ .
وقد يجوزُ أن يَسمعَه من ابنِ عباسٍ عن علىٍّ، ثم يَسمَعَهُ " من علىّ،
ويَجوزُ أن ◌ْيَسمَعَه منهما) معًا. وقد ذكر علىُّ بنُّ المَدينىِّ، عن يحيى بنِ
القبس
= (٦٠٣، ٦٠٤) من طريق داود بن قيس به .
(١) أخرجه مسلم (٢٠٩/٤٨٠)، والنسائی (١١١٨)، وأبو عوانة (١٨٢٥) من طريق ابن وهب
به .
(٢) أخرجه أحمد ٤٧/٢، ٢٩١ (٦١١، ١٠٠٤)، ومسلم (٢١٣/٤٨٠)، والنسائى (١٠٤٠،
٥٢٨٢) من طريق يحيى به. وعند مسلم مقتصرا على النهى عن القراءة راكعًا .
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٤٧ .
(٤) فى ق: (سمعه)).
(٥ - ٥) فى ن: ((يسمعاه))، وفى م: ((يسمعهما منهما)).
٢٣٤

الموطأ
سعیدٍ ، أنَّه کان یذهبُ إلی أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُنینٍ سمعه من ابنِ عباسٍ ومن علىٍّ ،
ويقولُ: كان مجلسُهما واحدًا، وتَحَفَّظاه جميعًا .
التمهید
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ، قال :
حدّثنا أبو صالح، قال : حدّثنِی اللَّیثُ ، قال : حدّثنِی یزیدُ بنُ أبی حبیبٍ ، عن
إبراهيمَ بنِ حُنينٍ ، أَنَّ أَبَاهُ حدَّثه، أنَّه سمِع علىَّ بن أبى طالبٍ يقولُ : نهانِ
رسولُ اللهِ وَله عن خاتَمِ الذَّهبِ، ولَئُوسِ القَسِّىِّ، والمعَصفَرِ، وقراءةِ القرآنِ
وأنا رائعٌ(١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن محمدِ بنِ
عمرٍو، عن إبراهيم بنِ عبدِ اللهِ بنِ محُنينٍ ، عن أبيه، عن علىٍّ بن أبى طالبٍ قال :
نهاِى رسولُ اللهِ وَلِّ، ولا أقولُ: نهاكم. وذكَر مثلَهُ(١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدّثنا أبو داودَ ، قال: حدّثنا
حفصُ بنُّ عمرَ ومسلمُ بنُ إبراهيمَ قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبى إسحاقَ ، عن
هُبيرةَ، عن علىٍّ قال: نهاِى رسولُ اللهِ وَ لّهِ عن خاتَم الذهبِ، وعن القَسِّىِّ،
وعن الميثَرةِ الحمراءِ(*) .
القبس
(١) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (٤٣٣)، ومسلم (٢١٣/٤٨٠)، والنسائى (١٠٤٢،
٥٢٨٣) من طريق الليث به .
(٢) أبو داود (٤٠٤٦). وأخرجه مسلم (٢١٣/٤٨٠)، والنسائى (٥١٩٠)، وأبو يعلى (٢٧٦)
من طريق محمد بن عمرو به .
(٣) أبو داود (٤٠٥١). وأخرجه البزار (٧٢٨) من طريق شعبة به .
٢٣٥

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: النهى عن لباسٍ الحريرِ وتختُّم الذهبِ إِنَّما قُصِد به إلى
الرجالِ دونَ النساءِ، وقد أوضحنا هذا المعنَى فيما تقدَّمَ من حديثٍ نافع (١ ، ولا
نعلمُ خلافًا بينَ علماءِ الأمصارِ فى جوازِ تختُم الذّهبِ للنساءِ ، وفى ذلك ما يدلُّ
على أنَّ الخبرَ المروىَّ من حديثٍ ثوبانَ ، ومِن حديثٍ أُخْتٍ حُذيفةً، عن النبيِّ
عليه السلام فى نهي النساءِ عن التَّختُم بالذَّهبِ؛ إِمَّا أنْ يكونَ منسوخًا بالإجماعِ
وبأخبارِ العُدولِ فى ذلك، على ما قدَّمْنا ذِكرَه فى حديثٍ نافع، أو يكونَ غيرَ
ثابت .
فأمَّا حديثُ ثوبانَ ، فإِنَّه يروِيه يحتى بنُ أبى كثيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سلَّام،
عن أبى أسماءَ الرَّحَبيِّ، عن ثوبانَ(١). ولم يَسمعه يحتى من (١) أبى سلّامٍ ولا
يَصِحُ .
وأمّا حديثُ أُخْتِ محذيفةَ، فيروِيه منصورٌ، عن رِبعىِّ بنِ حِراشٍ، عن
امرأتِه، عن أُخْتِ محذيفةً قالت: قام رسولُ الله ◌ِّلټ فحمد الله وأثنى عليه، ثم
قال: ((يا معشرَ النساءِ، أَمَا لَكُنَّ فى الفضَّةِ مَا تَحَلَّيْنَهُ، أمَا إِنَّكُنَّ ليس منكنَّ امرأةٌ
تَحَلَّى ذهبًا تُظهِرُهُ إِلَّ عُذِّبَتْ بِهِ))(٤).
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٧٧١) من الموطأ .
(٢) أخرجه الطيالسى (١٠٨٣) من طريق يحيى بن أبى كثير به .
(٣) فى الأصل، م: ((بن)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٩٥/٣٨ (٢٣٣٨٠)، والدارمى (٢٦٨٧)، وأبو داود (٤٢٣٧)، والنسائى
(٥١٥٢، ٥١٥٣) من طريق منصور به.
٢٣٦

الموطأ
والعلماءُ على دفع هذا الخبرِ؛ لأنَّ امرأةَ رِبعىٍّ مجهولةٌ لا تُعرَفُ بعدالةٍ ،
وقد تأوَّلَه بعضُ مَن يرَى الزكاةَ فى الحَلْيِ من أجلِ منعِ الزكاةِ منه إنْ مُنعَتْ .
ولو كان ذلك لذُكِرَ، وهو تأويلٌ بعيدٌ .
التمهید
وقد روی محمدُ بنُ إسحاق ، عن یحتی بنِ عَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبیرِ ، عن
أبيه، عن عائشةَ، أَنَّ النجاشىَّ أهدى إلى النبيِّ وَلِّ حِليةً فيها خاتَمٌ من ذهبٍ
فَصُّه حَبَشِىٌّ(١)، فَأَخَذْه رسولُ اللهِ وَ لِّ بعودٍ أو ببعضِ أصابعِه، وإنَّه لمُعرِضٌ
عنه، فدعا ابنةَ ابنتِه أَمامةَ بنْتَ أبي العاصِى، فقال: ((تَحَلَّى بهذا يا بُنيَّةُ))(١).
وعلى هذا الناسُ(٢)؛ للنساءِ خاصَّةً. واللهُ الموفقُ للصوابِ.
روی ◌ُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ ، عن نافعٍ، عن سعيد بن أبى هندٍ ، عن ایی مُوسَی
الأشعرىِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أحلَّ لإناثِ أَمَّتِى الحريرَ
والذَّهب ، وحرّمهما علی ذُكورها)). وقد ذكرنا هذا الخبر من طُرقٍ فى بابٍ
(٤)
نافع(6).
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: إِنَّ رسولَ اللهِ وَلَه نهى عن لُبْسِ القَسِّىِّ. فإِنّها
القبس
(١) قال ابن الأثير: يحتمل أنه أراد من الجزع أو العقيق؛ لأن معدنهما اليمن أو الحبشة، أو نوعا آخر
ينسب إليها. النهاية ٣٣٠/١. وفى الجامع لمفردات الأدوية ٧/٢ أنه نوع من الزبرجد.
(٢) أخرجه أحمد ٣٧٣/٤١ (٢٤٨٨٠)، وأبو داود (٤٢٣٥)، وابن ماجه (٣٦٤٤) من طريق
محمد بن إسحاق به .
(٣) فى م: ((القياس)).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٧١) من الموطأ .
٢٣٧

الموطأ
التمهيد ثيابٌ مُضلَّعةٌ بالحريرِ، يُقالُ لها: القَسْيَّةُ. تُنسبُ إلى موضع يُقالُ له: قَسّ.
ويقالُ: إِنَّها قريةٌ من قُرَى مصرَ. وهى ثيابٌ يَلْبَسُها أشرافُ (١) النساءِ، قال
النُّمَيْرِىُّ الشاعرُ(١) :
وكنَّ مِنَ انْ يَلْقَيْنَه حَذِراتٍ
ولمَّا رَأَتْ رَكْبَ النُّمَيْرِىِّ راعَها(١)
حجابًا مِن القَسْىِّ والحِبَراتِ
فأدنینَ حتى جاوز الّكْبُ دونَها .
وقد مضى القول فى لباس الحريرِ قليله و کثیرٍه، وما خَالطَ الثّاب منه، فيما
تقدَّم من حديثٍ نافع (٢) فى هذا الكتاب ، وقد مضَى هُنالكَ ما للعلماءِ فى ذلك
من الكراهيةِ له مجملةً والإباحةِ . وقد مهَّدْنا القول وبسطناه بالآثارِ وأوضحناه فى
تختُم الذَّهبِ وغيرِهِ ممَّا يَجوزُ أنْ يُتختَّمَ به فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ (٥) ، فتأَثَلْه
ترَاه هناك إن شاء اللهُ، إلَّا أنَّا لم نَذكُرْ هناك شدَّ الأسنانِ بالذّهبِ، وقد اختُلِفَ
فى شدِّ الأسنانِ بالذَّهبِ، فكرِهَه قومٌ، وأباحَه آخرونَ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ، حدَّثنا عبدُ الحميدِ، حدَّثنا الخضِرُ، حدَّثنا الأثرمُ قال:
سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلِ يُسألُ : هل يُضَبِّبُ الرجلُ أسنانَه بالذهبِ ؟ فقال : لا
بأسَ بذلك، قد فعَل ذلك بالذهبِ خاصَّةً جماعةٌ من العلماءِ.
وذكَره الأثرمُ، عن المغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبى جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، وأبى
القبس
(١) بعده فى م: ((الناس)).
(٢) البيتان فى الأغانى ١٩٣/٦، ١٩٤.
(٣) فى ق: ((أعرضت)).
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (١٧٧١) من الموطأ .
(٥) سيأتى فى شرح الحديث (١٨١٠) من الموطأ .
٢٣٨

الموطأ
رافع (١)، وموسى بنٍ طلحةً(٢)، وإسماعيلَ بنِ زيد بن ثابتٍ، أَنَّهم شدُّوا
أسنانَهم بالذَّهبِ(٢) . وعن إبراهيمَ، والحسنِ، والزُّهرىِّ، أنَّهم لم يَرَوْا بذلكَ
(٣)
بأسًا(٢) .
التمهيد
قال: وحدَّثنِى ابنُ الطَّاع قال: رأيتُ شريكًا وحفصَ بنَ غِيَّاتٍ قد شَدَّا
أسنانهما بالذهب .
قال: وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن رجلٍ سَقَطَتْ ثَنِيْتُه فبانَتْ منه
فأخذها وأعادَها فثَبَتَتْ(٤) ، فقال: أرجو ألَّ يكونَ به بأسٌ. ولم يرَها ميتةً، وكان
يَكرَهُ مُشْطَ العاج، ويقولُ: هو مَيْنَةٌ لا يُستعمَلُ.
وأمَّا قراءةُ القرآنِ فى الرُّكوع °فمجتمَعٌ أيضًا علىْ) أنَّه لا يَجوزُ، وقال
وَله: ((أمَّا الوُّكوُ فعظّموا فيه الرَّبَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتَهِدُوا فِيهِ فى الدُّعاءِ،
فقَمنَّ أَنْ يُستجابَ لكم)) .
القبس
(١) أبو رافع مولى رسول الله وَ لغيره، من قبط مصر، يقال: اسمه إبراهيم. وقيل: أسلم. كان عبدًا للعباس
فوهبه للنبى پ#، فلما أن بشر النبى ێے پاسلام العباس اعتقه، شهد غزوة أحد والخندق ، و کان ذا علم
وفضل، توفى فى خلافة على، وقيل: توفى بالكوفة سنة أربعين. سير أعلام النبلاء ١٦/٢.
(٢) موسى بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان ، أبو عيسى التيمى المدنى ثم الكوفى، روى له الجماعة ،
توفى سنة أربع ومائة. تهذيب الكمال ٢٩/ ٨٢، وغاية النهاية ٢/ ٣٢٠.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٨/ ٣١٠، ٣١١، ومسند أحمد ٤٠١/٣٣ (٢٠٢٧٦).
(٤) سقط من: م.
(٥ - ٥) فى ن: ((فمجتمع عليه))، وفى م: ((فيجتمع أيضا)).
٢٣٩

الموطأ
وأجمعوا أنَّ الرُّكوعَ مَوضُ تعظيم للهِ ، بالتسبيحِ والتّقْدِیس ونحو ذلك من
الذِّكرِ ، وأنَّه ليس بموضعٍ قراءةٍ .
التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرنا علىُّ بنُ حُجْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ
جعفرٍ، قال: حدّثنا سُليمانُ بنُ سُحَيْمٍ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ معبدِ بنِ
عباسٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ قال: كشَف رسولُ اللهِ وَهـ
السّتْرَ، ورأسُه معصوبٌ فى مرضِه الذى ماتَ فيه، قال: ((اللَّهُمَّ هل
بلَّغْتُ؟ - ثلاثَ مَّاتٍ - إنَّه لم يبقَ من مُبِشِّرَاتِ التّبوّةِ إِلَّ الرؤيا الصالحةُ
يرَاها العبدُ أو تُرَى له ، ألا وإنِّى قد نُهِيتُ عن القراءةِ فى الرُّكوعِ والسُّجودِ،
فإذا ركّعتم فعظُموا الرَّبَّ، وإذا سجَدتم فاجتَهِدوا فى الدُّعاءِ؛ فإنَّه قَمنٌ أنْ
يُستجاب لكم))(١).
واختلف الفقهاءُ فى تسبيحِ الرُّكوعِ والسّجودِ ؛ فقال ابنُ القاسم، عن
مالكِ: إِنَّه لم يَعرِفْ قولَ الناسِ فى الرُّكوعِ: سبحانَ ربِّىَ العظيمِ. وفى
السُّجودِ : سبحانَ ربِّيَ الأُعلَى. وأنكرَه، ولم يَجِدْ فى الرُّكوعِ والسُّجودِ دُعاءٌ
مؤقًّا ولا تسبيحًا . وقال : إذا أمكن یدئه من رُ کبتئهِ فی الرُّكوعِ، وجبهته من
القبس
(١) النسائى (١١١٩)، وفى الكبرى (٧٠٧، ٧٦٢٣). وأخرجه البغوى (٦٢٦) من طريق
على بن حجر به، وأخرجه الدارمى (١٣٦٥)، ومسلم (٢٠٨/٤٧٩) من طريق إسماعيل بن جعفر
به .
٢٤٠