النص المفهرس
صفحات 201-220
الموطأ الاستذكار وحديثُ الزهرىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وأبى بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن أبا هريرةَ صلَّى لهم حينَ استخلَفه مزوانُ على المدينةِ ، فکثر حينَ قام إلى الصلاةِ ، وحينَ ركَع، وحينَ رفَع رأْسَه، وحينَ يَهْوِى ساجدًا ، وحينَ يقومُ مِن الاثنتين، وبينَ السجدتين" ، ثم قال: والذی نفسی بیدِه ، إنى لأشبهُكم صلاةٌ بِرسولِ اللهِ وَلتر . وقد ذكرنا هذا الخبر، عن الزهرىِ باختلاف أصحابِه علیه فی إسنادِه ، وألفاظه فى ((التمهيد))(٢) . وهو حديثٌ ثابتٌ مِن روايةِ مالكِ وغيرِهِ، عن الزهرىِّ، ولم يُختلفْ فى معناه ؛ أن أبا هريرةَ كان يكبّرُ بهم فى كلِّ خفضٍ ورفع ، ويقولُ لهم : هذه صلاةٌ رسولِ اللهِ وَله. كما قال ابنُ عباسٍ: سُنَّةُ أبى القاسمِ. وهذا کلُهيدلُّ على أن التکبیر فی الخفض والرفع لم یکنْ مستعملًا عندهم ، ولا ظاهرًا فيهم، ولا مشهورًا مِن فعلهم فى صلاتِهم، ولو كان ذلك ما كان أبو هريرةَ " بفعلِه ذلك" أشبهَهم صلاةٌ برسولِ اللهِ وَليهِ، ولا أنكر عكرمةُ على الشيخِ ما قال له ابنُ عباسٍ فيه: إنه السُّنَّةُ . ولا قال عمرانُ بنُ حصينٍ فى مثلٍ ذلك مِن صلاةٍ علىّ: لقد أذكَرنى هذا صلاةً(٥) محمدٍ عليه السلامُ. القبس (١ - ١) فى الأصل: ((بين التشهدين)). (٢) تقدم ص ١٦٣ ، ١٦٤ . (٣ - ٣) فى م: ((يفعله ويقول إنه)). (٤) فى م: ((حسين). (٥) بعده فى الأصل: ((رسول الله)). ٢٠١ : الموطأ الاستذكار ومثلُ هذا وأبينُ منه (١) حديثُ أبى إسحاقَ السَّبِيعىِّ، عن بريدِ بنِ أبي مريمَ، عن أبى موسى الأشعرىِّ، قال: صلَّى بنا علىِّ يومَ الجملِ صلاةٌ أذكَرنا بها صلاةَ رسولِ اللهِ، كان يكپِّرُ فى كلّ خفضٍ ورفع وقيامٍ وقعودٍ. قال أبو موسى : فإِما نسیناها ، وإما ترَ کناها عمدًا . وروَى الأوزاعىُّ، عن يحيى بنٍ أبى كثيرٍ، قال: حدَّثَنى أبو سلمةً ، قال: رأيتُ أبا هريرةَ يكبّرُ هذا التكبيرَ الذى ترَك الناسُ . قال: فقلتُ: يا أبا هريرةَ ، ما هذا التكبيرُ؟ فقال: إنها لصلاةُ رسولِ اللهِ وَلته . وقد ذكرنا أسانيدَ هذه الأحاديثِ كلَّها فى ((التمهيدِ))(٢). وهذا يدلُّك على أن التكبيرَ فى غيرِ الإحرامِ لم ينقُلْه السلفُ مِن الصحابةِ والتابعين على الوجوبِ ، ولا على أنه مِن مؤكّداتِ السُّنَنِ، بل قد قال قومٌ مِن أهلِ العلمِ : إن التكبِيرَ إنما هو إذنٌّ بحركاتِ الإمام، وشعارُ الصلاةِ، وليس بسُنَّةِ إلا فى الجماعةِ، وأما مَن صلَّى وحدَه فلا بأسَ عليه ألا يكبِّرَ. ولهذا ما ذكّر مالكٌ فى هذا الباب حديثه، عن ابن شهاب ، عن علىِ بنِ حسينٍ، وعن ابنٍ شهابٍ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةً مرفوعَین، وعن ابنٍ عمرَ وجابرٍ فعلَهما؛ ليبينَ بذلك أن التكبيرَ فى كلِّ خفضٍ ورفعِ سُنَّةٌ مسنونٌ، وإن لم يَعمِلْ بها إلا بعضُ الصحابةِ، فالحُجَّةُ فى السُّنَّةِ لا فيمَنْ(٢) خالَفها . القبس (١) سقط من: ص، م. (٢) تقدم ص ١٦٥، ١٩٣ . (٣) فى ص، م: ((فيما)). ٢٠٢ الموطأ الاستذكار ومما يدلُّك على ما وصفنا ما ذكره ابنُ أُبی ذئب فى « موطئه)) ، عن سعيد ابنِ سَمْعانَ، عن أبى هريرةَ، أنه قال: ثلاثٌ كان رسولُ اللهِ وَلّهِ يفعلُهن ترَكهنَّ الناسُ؛ كان إذا قام إلى الصلاةِ رفَع يدَيه مدًّا، وكان يقِفُ قبلَ القراءةِ هُنِيَّةً يسألُ اللهَ مِن فضلِه، وكان يكبّرُ كلما خفَض ورفَع (١). ورَوى أبو إسحاقَ ، عن عبد الرحمنِ بنِ الأسودِ ، عن أبيه وعلقمةً، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَلِّ يكبُّ فى كلِّ ركوع وسجود وخفضٍ ورفعٍ . وقد ذكّرنا إسنادَه فى ((التمهيدِ)) " . وقد رُوِى عن النبىّ عليه السلامُ حديثٌ ليس فى الاشتهارِ ولا فى الصحةٍ ) كأحاديثِ مالكٍ فى هذا البابٍ، ورواه شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن الحسنِ بنِ عمرانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبزَى، عن أبيه ، قال: صلَّيتُ مع النبىّ عليه السلامُ، فلم يُثُمَّ التكبيرَ، وصلَّيتُ مع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، فلم ◌ُِّمَّ التكبيرَ". وقال إسحاقُ بنُّ منصورٍ : سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ : رُوِى عن ابنِ عمرَ ، أنه كان لا يكبّرُ إذا صلَّى وحده. °قال: وكان قتادةُ يكبّرُ إذا صلَّى وحدَهْ). قال القبس (١) تقدم تخريجه ص ١٩١ . (٢) تقدم تخريجه ص ١٧١ . (٣ - ٣) ليس فى : الأصل. (٤) تقدم تخريجه ص ١٦٩ . (٥ - ٥) سقط من: ص. ٠٠ ٢٠٣ ٠٠ الموطأ الاستذكار أحمدُ: وأحبُّ إلىَّ أن يكبّرَ مَن صلَّى وحدَه فى الفرضِ، وأما التطوعُ فلا . قال: وقلتُ لأحمدَ: ما الذى نقَصُوا مِن التكبيرِ؟ قال: إذا انحطَّ إلى السجودِ مِن الركوع، وإذا أراد أن يسجدَ السجدةَ الثانيةَ مِن كلِّ ركعةٍ . قال أبو عمرَ: ما رواه مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أن أباه كان يكبّرُ فى الصلاةِ، كلما خفض ورفع ، يَؤُدُّ ما حكى عنه أحمدُ ابنُّ حنبلٍ ، إلا أن يُحمَلَ على المُجمَلِ والمُفسّرِ، فيكونَ حديثُ مالكِ إذا صلَّی إمامًا أو مأمومًا، ويكونَ معنى ما حكى عنه أحمدُ بنُ حنبلٍ إذا صلَّى وحدَه . وقد روَى سفيانُ بنُ عيينةً ، عن عمرٍو بنِ دينارٍ ، عن عونٍ بنِ عبدِ اللهِ ، قال : قال لی عمر بن عبد العزيز : أرضی کان عندك عمُ وابنُه ؟ فإنهما كانا لا يكبران هذا التكبير فى الصلاة . یعنی التكبير فى الخفض والرفع ) . وسفیانُ، عن عمرٍو بنِ دينارٍ ، قال: قال لى أبو الشَّعْثاءِ: يا عمرُو ، صليتُ خلفَ ابنِ عباسٍ بالبصرةِ، فلم یکېزهذا التكبير ) . وقد روَی اشهب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم، عن أبيه ، أنه كان يكبّرُ كلما خفَض ورفَع، ويخفِضُ بذلك صوتَه . فانفرَد أشهبُ بقوله فى حديثٍ (*مالكِ هذا: ويخفِضُ بذلك صوتَه. لم يَقُلْه عن" مالكٍ فى القبس (١ - ١) سقط من: ص، م. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٥١١) عن ابن عيينة به . (٣) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١٣٧٩) من طريق سفيان به (٤ - ٤) سقط من: ص. ٢٠٤ الموطأ الاستذكار هذا الحديثِ أحدٌ غيرُ أشهبَ فيما علمتُ . واللهُ أعلمُ . وقد أتَى عن مالكٍ وبعضٍ أصحابِهِ ، فى المأمومِ ينسَى تكبيرة الإحرامِ ، ما نورده بعد(١) ، ونوضح ضعفه ووهته؛ لأنهم خرجوا فيه عما أصَّلوه فى وجوبٍ التکبیرِ لإِحرامِ إلی قولِ من لم يُوچئه، وراعوا فى ذلك ما لا تجبُ مراعاتُه مِن اختلافٍ السلف فى وجوبٍ تكبيرة الإحرامِ . والاختلافُ ليس بحجةٍ ، وإنما الحجةُ الإجماعُ . واجمع جمهور العلماءِ علی أن التكبير فى افتتاح الصلاةِ لا يُجزئُ منه غیرُه من سائرِ الذكرٍ، تهليلًا كان، أو تسبيحًا، أو تحميدًا. وعلى هذا مذهبُ الحجازيين، مالكٍ، والشافعيّ ، ومن اتبعَهم، وأكثرُ العراقيين . ورُوى عن الحكم بن عتيبةً(١) قال: إذا ذكر الله مكانَ التكبيرِ أجزأه . وقال أبو حنيفةً: إن افتح بلا إلهَ إلا الله يُجزتُه، وإن قال : اللهم اغفرلى . لم يُجِئْه . ولا يُجزئُ عندَ مالكٍ إلا: اللهُ أكبرُ. لا غيرُ. وكذلك قال الشافعىُّ، وزاد : ويُجزئُّ : اللهُ الأكبرُ. ولا يجزئُ عندَ المالكيين: اللهُ الأكبرُ. وقال أصحابُ مالكِ، والشافعىُّ وأصحابُه، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسن : من أحسَن العربيةَ لم يُجزِئْه أن يكبّرَ بالفارسيةِ . وقال أبو حنيفةً : يُجزئُه التكبيرُ بالفارسيةِ، وإن كان يحسنُ العربيةَ. وكذلك لو قرَأ بالفارسيةِ عندَه . القبس (١) سيأتى فى الموطأ عقب الحديث (١٦٨). (٢) فى الأصل: ((عيينة))، وفى م: ((عتبة)). وينظر تهذيب الكمال ١١٤/٧. ٢٠٥ الموطأ الاستذكار وأما مَن نسِى من المأمومين تكبيرةً الافتتاح فلم يذكرها حتى صلَّى، ولا كبر للركوع تكبيرةً ينوى بها الإحرامَ ، فلا صلاةَ له عندَ جمهورِ الفقهاءِ؛ منهم مالكٌ ، والثورىٌّ، وربيعةُ بنُ أبى عبد الرحمنِ ، وإبراهيمُ النخعىُ، وأبو حنيفةً، والشافعىُ ، وأحمدُ بن حنبل ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ . واختُلف فى ذلك عن حمادِ بنِ أبى سليمانَ ، والصحيحُ عنه أنه قال : یعیدُ صلاتَه ويَستَأْنِفُها (١). كقولِ إبراهيمَ . وقال الحكمُ: تُجزتُه تكبيرةُ الركوع. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، والحسنِ البصرىِّ، والزهرىِّ، وقتادةَ، والأوزاعىّ . فإن نوی بتکبیرة الر کوع الافتتاح والر کوعَ أجزأه عند مالك ، إن كان فى حالِ الدخول فى الصلاةِ ، ولا يَجزِيه عندَ الشافعىِّ إلا أن " يُفرِدُ نيتَه" فى تكبيرة الإحرامِ للإحرامِ ، لا للركوعِ، فإن نوَى بتكبيرة الإحرامِ الإحرامَ والركوعَ بطَلت عندَه صلاتُه وعليه إِعادتُها . وكذلك كلُّ مَن كبّر للإحرامِ منحًا إلى الركوع، لا يجزِئُه حتى يكونَ قائمًا معتدلًا ، فإن هوَى بشىءٍ من تكبيرة الإحرامِ، ولم يُمَّها قائمًا(٤) معتدلًا قطَع بسلامٍ، وابتدأ الإحرامَ (°كلَّه قائمًا). هذا كلُّه قولُ الشافعىِّ. القبس (١) فى ص، م: ((يستأنف)). (٢) بعده فى ص، م: ((وكان الإمام راكمًا)). (٣ - ٣) فى ص، م: ((يبدأ بنية)). (٤) سقط من: ص، م. (٥ - ٥) سقط من: ص، م. ٢٠٦ الموطأ ١٦٨ - وحدّثنی یحیی عن مالك ، عن ابن شهاب ، أنه کان یقولُ : إذا أَدرَك الرجلُ الركعةَ فكبّر تكبيرةً واحدةً ، أجزَأَت عنه تلك التكبيرةُ . قال مالكٌ : وذلك إذا نوى بتلك التكبيرة افتتاح الصلاةِ . قال يحيى : وسُئِل مالكٌ عن رجلٍ دخَل مع الإمامِ ، فَتَسِى تكبيرةً الافتتاح وتکبیرةًالركوعِ، حتی صلی ر کعةً ، ثم ذكر أنه لم يكنْ [٢٨ و] كبّر تكبيرةَ الافتتاح، ولا عندَ الركوع، وكبَّر فى الركعةِ الثانيةِ ، قال : يَتَدِئُ صلاته أحَبُّ إلىّ، ولو سها مع الإمام عن تكبيرة الافتتاح ، و کبّر فى الركوعِ الأَوَّلِ ، رأيتُ ذلك مُجزءًا عنه إِذا نوَى بها تكبيرةَ الافتتاحِ . قال يحيى : قال مالكٌ فى الذى يصلى لنفسِه فنسِى تكبيرةَ الافتاحِ، أنه يستأنفُ صلاتَه . وذكَر مالكٌ فى ((الموطأ)) عن ابن شهابٍ، أنه كان يقولُ : إذا أدرَك الرجلُ الاستذكار الركعةَ ، فكبّر تكبيرةً واحدةً ، أجزأت عنه تلك التكبيرةُ . قال مالكٌ: وذلك إِذا نوَى بتلك التكبيرةِ افتتاحَ الصلاةِ (١) . وسُئل مالكٌ عن رجلٍ دَخَل مع الإمامِ، فنسِى تكبيرةَ الافتتاحِ وتكبيرةً الركوع، حتى صلَّى ركعةً، ثم ذكر أنه لم يكنْ كبّر تكبيرةَ الافتتاحِ ولا عندَ الركوعِ، وكثّر فى الركعةِ الثانيةِ ، قال : يبتدئُ صلاتَه أحبُّ إلىَّ، ولوسَها مع القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢١٢). ٢٠٧ قال يحيى : وقال مالك فى إمام يَنْسَى تكبيرةَ الافتتاح حتى يَفرُعْ من الموطأ صلاتِه ، قال : أَرَى أن يُعِيدَ ويُعِيدَ مَن خلفَه الصلاةَ، وإِن كان مَن خلفَه قد كبَّروا فإنهم يُعِيدون . الإمام عن تكبيرة الافتتاح و کبر فی الركوع الأول، رأيتُ ذلك مُجزءًا عنه إذا ٠ الاستذ کار نوی بها تكبيرۀً الافتتاحِ . قال أبو عمرَ : أما قولُ ابنِ شهابٍ فى المسألةِ قبلَ هذا، فليس فيه دليلٌ أنه نوَى بتكبيرتِه تلك الافتتاح، وهو معروفٌ مِن مذهبِهِ فى تركِ إيجابِ التکبیرِ بالافتاحِ(١) فرضًا . وأما قولُ مالكِ : وذلك إذا نوى بتلك التكبيرة افتتاح الصلاةِ . فإنما هو على مذهبه، كأنه قال: وذلك إذا نوَى به عندَنا تكبيرةَ الافتتاحِ . وهذا صحيح؛ لأن الداخلَ المُدرِكَ للإمامِ راكعًا، إذا كبّر تكبيرةً واحدةً ينوِى بها افتتاح الصلاةِ وركَع بها ، أغنَتْه عن تكبيرةٍ الركوع. وقد أوضحنا أن التكبيرَ فيما عدا الإحرامَ سُنَّةٌ، فدلَّ ذلك على أن مَن قال مِن العلماءِ: يكبّرُ الداخلُ تكبيرتَين؛ إحداهما للافتتاحِ والأخرى للركوعِ. أراد الكمالَ والإتيانَ بالفرضِ والسُّنَّةِ، ومن اقتصَر على تكبيرةٍ الافتتاح، فقَد اقتصر على ما أجزأه . وأمّا قولُ مالكِ فى الذى يَدخُلُ مع الإمامِ، فينسَى تكبيرةَ الافتاحِ والر کوعِ، حتی صلی ر کعةً ، ثمّ ذكر ذلك و کثّر فی الركعة الثانية ، أنه استحب القبس (١) فى ص، م: ((للافتتاح)). ٢٠٨ الموطأ الاستذكار له أن يبتدئَ صلاتَه . فالجوابُ أن قولَه: ثُمَّ كبّر فى الركعةِ الثانيةِ . لا يخلو مِن أن يكونَ نوى بتلك التكبيرةِ تكبيرةَ الافتتاح، أو لم ينوِ بها إلّا تكبيرةَ الركوع فقط ، فإن كان نوی بها الافتتاح وهو فى الركعة الثانية ، فوجهُ الاستحباب له أن يبتدئَّ صلاتَه. يعنى واللهُ أعلمُ: بالإقامةِ والإحرامِ ؛ لأنه راعَى فيه قولَ من قال : إن الإحرامَ ليس بواجبٍ، وإنه لو تمادى فى صلاتِه أجزأَتّه. إلا أنَّ مالكًا يَرَى عليه الإعادةَ مع (١) ذلك؛ للأخذِ بالأوثقِ والاحتياطِ لأداءِ فرضِه . فوجهُ استحبابه له أن یقطَعَ ویبتدئ صلاته رجوعُه إلى أصلِه فی إیجابٍ تكبيرة الإحرام ، وتركُ مراعاةٍ مَن خالفَ ذلِك فرأى له أن يبتدئَ فيصلَِّ ما أدرك ويقضىَ ما فَاتَهُ، على أنه قد يأتى له، رحِمه اللهُ، استحبابٌ فى موضعٍ الوجوبٍ. وإن کان لم ينو بها الافتتاح، وإنما کبّر للر کوع دون نية الافتتاح، وذلك فى الركعة الثانية فذلك أحری) أن یقطعَ ویبتدئ صلاته کما قد روى عنه ابنُ القاسم وغيرُه ، ويكونُ قولُه : أحبُّ إلى أن يبتدئَ صلاته . من باب استحباب ما يجِبُ فعلُه، فإنه قد يأتى بمثلٍ هذا اللفظِ فى الواجبِ أحيانًا. وقد اضطرب أصحابُه فى هذه المسألةِ اضطرابًا كثيرًا ، ينقضُ بعضُه ما قد أصَّلوه فى إيجابٍ تكبيرة الإحرامِ ، ولم يختلفوا فى وجوبها على المنفردِ والإمامِ، كما لم يختلفوا أن الإمامَ لا يحملُ فرضًا مِن فروضِ الصلاةِ عمَّن خلفَه . فقِفْ على هذا كلِّه مِن أُصولِهم بَيَنْ لك وجهُ الصوابِ إن شاء الله تعالى. القبس (١) فى ص، م: ((بعد). (٢ - ٢) فى ص: ((فلذلك رأى)). ٢٠٩ ( موسوعة شروح الموطأ ١٤/٤ ) الموطأ الاستذكار ومِن اضطرابِهم فى هذه المسألةِ تَفْرقتُهم بينَ تكبيرِ الداخلِ للركوعِ دونَ الإحرامِ فى الركعة الأولى ، وبينَ تكبيرةٍ الركوع فى الركعةِ الثانيةِ ، بما لا معنَى لإيراده ولا للاشتغال به . كما أنه مَن راعَى فى أجويتِه قولًا لا يصِحُ عندَه ولا يذهبُ إليه، فإِنه فسادٌّ(١) داخلٌ عليه ، ألَا تَرى أنه لا يُراعِى ذلك أحدٌ منهم ولا مِن غيرِهم فى غيرِ هذه المسألةِ مِن مسائلِ الوضوءِ ولا الصلاةِ، ولا الصيامِ، وأكثرِ أبوابِ الشرائعِ والأحكام. وبالله عز وجل التوفيقُ لا شريك له . وفیما ذگّرنا ما ییینُ لك به أن مَن لم یکڑ للإحرامِ لیس فی صلاةٍ ، ومَن لیس فی صلاةٍ فلا حاجةً به إلى القطع بسلام . وهذا موضئ قد اضطرب فيه أصحابُ مالكِ أيضًا ، وذلك لمراعاتهم الاختلاف فيما لا تجبُ مراعاته؛ لأن الاختلافَ لا يوجبُ حُكْمًا ، إنما يوجِئُه الإجماعُ، أو الدليلُ مِن الكتاب والسنةِ ، وبذلك أُمِرنا عندَ التنازعِ . وأما الثورىُّ، فقال: إذا وجدتَ الإمامَ راكعًا، فكبّرْ تكبيرةً تنوِى بها الافتتاح، وكبّرْ أُخرى للركوع، وكذلك إذا وجدتَه ساجدًا كبّرْ تكبيرةً للافتاحِ، ثم كبّرْ أُخرى للسجودِ ولا تحتسِبْ بها (٢) ، فإن وجدتَه جالسًا فكبّر للافتتاحِ واجْلِسْ بغيرِ تكبيرٍ ، وإذا قُمْتَ قُمْ بتكبيرٍ . القبس (١) فى الأصل: ((فاسد)). (٢) فى ص، م: ((لها)). ٢١٠ الموطأ القراءةُ فى المغرب والعشاءِ ١٦٩ - حدَّثنى يحيى عن مالك ، عن ابنٍ شهابٍ، عن محمدِ بنِ الجبيرٍ بنِ مُطعِم، عن أبيه، أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَله قرَأ بـ: ﴿ الطُّورِ﴾ فى المغربِ. وقال الشافعىُّ: إذا وجَد الإمامَ راكعًا، فكبَّرَ تكبيرةً نوَى بها الافتتاح، الاستذكار أجزأته وكان داخلًا فى الصلاةِ ، فإن نوَى بها غيرَ الافتتاح، أو نوَى بها الافتتاح والركوعَ جميعًا ، لم يكنْ داخلًا فى الصلاةِ؛ لأنه لم يُفردِ النيةَ لها . وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ مثلَ قولٍ مالك: إذا نوى بتكبيرةٍ الركوعِ تكبيرةَ الافتاحِ، أو تكبيرةَ الافتتاحِ والركوعِ معًا أجزَأَتْه (١) . وهو قولُ أبى ثورٍ ، وهو الصحيحُ عندَنا؛ لِما قدَّمنا عن ابنِ عمرَ، أنه كان يغتسلُ للجنابةِ والجمعةِ غسلًا واحدًا . مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم ، عن أبيه قال : التمهيد القبس (١) فى ص، م: ((أجزأه)). (٢) قال أبو عمر: ((وهو محمد بن جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصی القرشى النوفلى يكنى أبا سعيد ، قد ذكرنا أباه وشيئا من أخباره فى كتابنا فى الصحابة ، وكان محمد بن جبير بن مطعم من أعلم أهل وقته بالنسب وأيام العرب أخذ ذلك عن أبيه ، دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال له : يا أبا سعيد ألم نكن نحن وأنتم ، يعنى بنى عبد شمس وبنى نوفل ، فى حلف الفضول ؟ قال : أمير المؤمنين أعلم . فقال له عبد الملك: لتخبرنى يا أبا سعيد ، فقال: لا = ٢١١ الموطأ التمهيد سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَه قرَأْ فى المغربِ بـ: ﴿وَاَلُُّورِ﴾(١). هکذارواه مالك وجماعةُ أصحاب ابن شهاب عنه ، عن محمدِ بنِ جُبیٍ بنِ مُطعم ، عن أبيه . ورواه محمدُ بنُ عمرو ، عن ابن شهاب ، عن نافع بن جبيرٍ . (٢) والصوابُ فیہ محمدُ بنُ مجبیٍ . وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ فى وقْتِ المغربِ سَعَةً ، وأَنَّه ليس يَضِيقُ، وقد مضَى القولُ فى وقتِ المغربِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عُروةً مُستَوعَبًا ، وفى سائرِ أوقاتِ الصلواتِ(٣) . والحمدُ للهِ. وقد رُوىَ عن النبيِّ وَ ل ◌ِ أَنَّه قرَأْ فى المغربِ بـ: ﴿الَّصّ﴾ مِن حديثٍ مُروةً(٢) بنِ الزبيرِ، عن مزوانَ بنِ الحكمِ، عن زيد بن ثابتٍ. وقد رَوى القبس = والله يا أمير المؤمنين لقد خرجنا نحن وأنتم منهم. قال : صدقت . وتوفی محمد بن جبير بن مطعم سنة مائة فى خلافة عمر بن عبد العزيز ، وتوفى أخوه أبو محمد نافع بن جبير بن مطعم بالمدينة سنة ست وتسعين وقيل: فى خلافة سليمان بن عبد الملك)). تهذيب الكمال ٥٧٣/٤، وسير أعلام النبلاء ٥٤٣/٤، والاستيعاب ٢٣٢/١. (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٤٧)، وبرواية أبى مصعب (٢١٦). وأخرجه أحمد ٣٣٨/٢٧ (١٦٧٨٣)، والبخارى (٧٦٥)، ومسلم (١٧٤/٤٦٣)، وأبو داود (٨١١)، والنسائى (٩٨٦)، وابن خزيمة (٥١٤) من طريق مالك به . (٢) ذكره الدارقطنى فى العلل (٤/ق ١٠١ - مخطوط ) . (٣) فى ر، ى، م: ((الصلاة)). وينظر ما تقدم فى ٦٣/٢ وما بعدها. (٤) بعده فى ر، ى، م: ((عن)). (٥) أخرجه أحمد ٤٩٨/٣٥، ٥٠٤، ٥٠٧ (٢١٦٣٣، ٢١٦٤١، ٢١٦٤٦)، والبخارى (٧٦٤)، وأبو داود (٨١٢)، والنسائى (٩٨٩) من طريق عروة به. ٢١٢ الموطأ هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَ ذلك(١). والإسنادُ الأولُ أصحُ. وفى ذلك دليلٌ على سَعَةٍ وقتٍ المغربِ کما ذکونا . التمهید ورُوى عن النبيِّ نَّهِ أَنَّه قرَأْ بـ: ((الصافاتِ)) فى المغربِ، وأَنَّه قرَأ فيها بـ: ﴿حَمّ﴾ الدخانِ. وأنَّه قرَأ فيها بـ: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وأَنَّه قرَأ فيها بـ: ﴿ اَلِيْنِ وَاُلْزَّيْتُونِ﴾، وأنَّه قرَأ فيها بـ: ((المعوِّذتَين))، وأَنَّه قرَأ فيها بـ: ﴿اَلْمُرْسَلَتِ﴾، وأنَّه كان يقرأ فيها بقِصارِ المُفَصَّلِ. وهى آثارٌ صِحاحٌ مشهورةٌ، لم أرَ لذكرِها وجْهًا خَشْيَةً الإطالةِ، وفى ذلك كلِّه دليلٌ على أن لا تَوقِيتَ فى القراءةِ فى صلاةِ المغربِ ، وكذلك غيرُها ، بدلائلَ يطولُ ذكرُها ، وأهلُ العلمِ يَسْتَحِبُونَ فيها قراءةً السورِ القِصارِ ، ولعلَّ ذلك أن يكونَ آخرَ الأمرينِ مِن رسولِ اللهِ وَ ﴾، أو يكونَ إباحةً وتخييرًا منه ◌َله، فيكونَ دليلُ العلماءِ على استحبابِ ما اسْتَحَبُّوا مِن ذلك قولُهُ وَّهِ: ((من أمَّ الناسَ فليُقصِّرْ وَلْيُخَفِّفْ))(١). والحمدُ للهِ الذى جعَل فى دينِنَا سَعَةً ويسرًا وتخفيفًا ، لا شريكَ له . وفى هذا الحديثِ شىءٌ سقَط مِن روايةٍ مالك فى ((الموطأُ)) لم يذكُزُه أحدٌ مِن رُواتِه عنه فيه، وذكره غيرُه مِن رُواةِ ابنِ شهابٍ، وهو معنًى بديعٌ حسنٌ مِن الفقْهِ؛ وذلك أنَّ جبيرَ بنَ مُطعِمٍ سمِع هذا الحديثَ من النبىّ وَلَ﴿ وهو كافرٌ، وحدَّث به عنه وهو مُسلمٌ، وقد مضَى القولُ فى هذا المعنَى فيما سلَف مِن كتابِنا هذا. وقد روَى هذه القصةَ فيه عن مالك، القبس (١) أخرجه النسائى (٩٩٠) من طريق هشام به . (٢) سيأتى فى الموطأ (٣٠١). ٢١٣ ٠ الموطأ التمھید علىُّ بنُ الربيعِ بنِ الرُّكَيْنِ، وإبراهيمُ بنُّ علىَّ التميمىُّ جميعًا، عن مالكِ، عن الزهرىِّ، عن محمدٍ بن جبيرِ بنِ مُطعِمٍ، عن أبيه قال: أتيتُ النبىَّ وَه فى فِداءٍ أَسارَى بدرٍ، فسمِعتُه يقرأ فى المغربِ بـ: ﴿اٌلْتُلُورِ﴾، ولم أُسلِمْ يومَئذٍ، فكأنما صُدِعَ قلبِى، وقال: ((لو كان مُطعِمٌ حيًّا وكلَّمنِى فِى هؤلاءٍ النفرِ لأَعتَقْتُهم)). هذا لفظُ علىِّ بنِ الربيعِ، وقال إبراهيمُ: ((وكلَّمنى فِى هؤلاءِ النَّنَى لتركتُهُمْ له)). ولم يُتابَعْ هذانِ على سياقةِ هذا الحديثِ بهذا اللَّفظِ عن مالكٍ. وقد رواه كذلك عن ابن شهابٍ جماعةٌ من أصحابِهِ، وممن روَى١٢) ذكْرَ ذلك عن ابن شهابٍ، عن محمدٍ بنٍ جبيرِ بنِ مُطعِم ٣) أُسامةُ بُ زیدِ اللیثُ وغیرُه . روى ابنُّ وهب، عن أسامةً بنِ زیدٍ ، عن ابن شهابٍ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ، عن أبيه، أنَّه جاءَ فى فداءِ أسارَى أهلٍ بدرٍ، قال : فوافقْتُ(٤) رسولَ اللهِ وَهِ يَقرأْ فى صلاةِ المغربِ بـ: ﴿وَاُلُّورِ وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾، فأخَذنِى مِن قراءتِه كالكَوْبِ، فكان ذلك أولَ ما سمِعتُ مِن أمرِ الإسلامِ" . القبس (١) بعده فى الأصل: ((المقبرى))، وفى م: ((المقرئى)). (٢) سقط من : ر ، ى . (٣ - ٣) فى ر، ى: ((فى هذا الحديث)). (٤) فى ر: ((فوافيت)). (٥) أخرجه الطبرانى (١٤٩٨) من طريق ابن وهب به. ٢١٤ الموطأ التمهيد وأسلَم ◌ُبيرُ بنُ مُطعِمٍ عامَ الفتح ، ويقالُ : عام خيبرَ. وقد ذكرْنَا مِن خبرِه فى كتابِنا فى ((الصحابةِ))(١) ما فيه كفايةٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحتَى البَلْخِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، قال: سمعتُ الزهرىَّ يُحدِّثُ عن محمدِ بنِ بجبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه، أنَّه سمِع النبىّ وَِّ يَقرأْ فى المغربِ بـ: ﴿اَلْتُورِ﴾. قال سفيانُ: فسمِعتُه يقولُ: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ اُلْخَلِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. قال: فكاد يطيرُ قلپی . : وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ ابنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: سمِعْتُ الزهرىَّ يُحدِّثُ عن محمدِ بنِ مجبيرٍ بنِ مُطعِمٍ، عن أبيه، أنَّه سمِع رسولَ اللهِ وَ لَّه يقرأُ فى المغربِ بـ: ﴿اُلْتُورِ﴾. قال سفيانُ: فقالوا فى هذا الحديثِ : إِنَّ مجبيرًا قال: سمِعتُها مِن رسولِ اللهِ وَ له وأَنا مُشركٌ، فكاد قلبى يطيرُ حينَ قرَأ: أَمّ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ﴾. ولم يقلْه لنا الزهرُّ(٢). وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُّ عثمانَ بنِ الشّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ القبس (١) الاستيعاب ٢٣٢/١. (٢) الحميدى (٥٥٦). ٢١٥ الموطأ التمهيد البخارىُّ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثونى(١) عن الزهرىِّ، عن محمدِ بنِ تجبيرٍ بنِ مُطعم، عن أبيه، قال: سمِعْتُ النبىَّ وَله يقرأ فى المغربِ: ﴿وَالُّورِ﴾، فلمَّا بلَغ هذه الآيةَ: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ اُلْخَلِقُونَ (٢٥) أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴿ أَمَ عِندَهُمْ خَزَآيِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧]. كاد قلبى يطيرُ. قال سفيانُ ، فأمَّا أنا ، فإِنِّى سمِعْتُ الزهرىَّ يُحدِّثُ عن محمدٍ بن جبيرٍ، عن أبيه، سمِعْتُ النبىَّ وِّه يقرأُ فى المغربِ بـ: ﴿اُلتُورِ﴾، ولم أسمعه زاد الذى قالوا لى(٢). وروَاه يزيدُ بنُّ أبى حبيبٍ ، عن ابنٍ شهابٍ، فجعَل فى موضعٍ المغربِ العَتَمَةَ ، إِلَّا أنَّه مِن روايةِ ابنِ لَهِيعةً . وجَدْتُ فى أصلِ سَماع أبى بخطِّه رحِمه اللهُ ، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسم حدَّثَهم، قال : حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ مرزوقٍ ، قال : حدَّثنا أسدُ بنُ موسَى ، قال: حدَّثنا ابنُّ لهيعةً، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُّ أبى حبيبٍ ، أنَّ ابنَ شهابٍ كتَب إليه قال: حدَّثنی محمدُ بنُ مجبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : قدِمْتُ على النبيِِّ نََّ فِى فداءٍ أَسارَى بدرٍ، فسمِعتُه يقرأ فى العتمةِ بـ: ﴿ وَاَلْتُورِ﴾. ورواه سفيانُ بنُ محسينٍ، عن الزهرىِّ، على الشكُّ فى العتمةِ أو المغربِ . القبس (١) فى م: ((حدثنى)). (٢) البخارى (٤٨٥٤). ٢١٦ الموطأ .. التمهید حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأجازَه لَنا أبو محمدٍ بنُ أسدٍ، عن ابنِ جامعٍ، عن علىِّ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدٍ ، قال: حدَّثنا مُشيمٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ حُسينٍ، عن الزهرىِّ، قال مُشيمٌ: ولا أُنِى (١) إِلَّا وقد سمِعتُه من الزهرىِّ، عن محمدِ بنِ بتجبيرٍ بنٍ مُطعِمٍ، عن أبيه مجبيرٍ بنِ مُطعِم قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وَلِّ لأَكَلِّمَه فى أَسارَى بدرٍ فوافقتُه وهو يُصلّى المغربَ أو العَتَمَةَ، فسمعتُه وهو يقولُ أو يقرأ وقد خرج صوتُه مِن المسجدِ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ ﴿ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨]. قال: فكأنما صُدِعَ قليِى. فلمَّا فرَغ مِن صلاتِه كلَّمتُه فى أَسارَى بدرٍ، فقال: ((شيخُك - أو الشيخُ - لو كان أَتَانَا فيهم شفَّعْناه)). يعنِى أَاه المطعِمَ ابنَ عدىٍّ(٢) . قال أبو عُبيدٍ: قال هُشيمٌ وغيرُه: وكانت له عندَ رسولٍ اللهِ أَلِ يدٌ. قال أبو عمرَ: كانت يدُ المطعِمِ بنِ عدىٍّ عندَ رسولِ اللهِ پێ قیامَه فى شأنِ الصحيفةِ التى كَتَبَتْها قُريشٌ على بنى هاشمٍ وبنى المطّلبِ . وهو أيضًا أجارَ النبىَّ وَّله حين قدِم مِن الطائفِ مِن دُعاءِ ثقيف ؛ أجاره هو ومن كان معه يومئذٍ ، وخبره بکماله فی المغازِی والسِّيرِ . القبس (١) فى ر: ((أحسبنى)). (٢) أخرجه الطبرانى (١٤٩٩) عن على بن عبد العزيز به . ٢١٧ الموطأ ١٧٠ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن ابنٍ شهابٍ، عن ◌ُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ؛ أن أمّ الفَضلِ بنتَ الحارثِ سمِعتْهُ وهو يقرَأْ: ﴿ وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفَا﴾. فقالت له: يا بنى، لقد ذكّرْتَنى بقراءَتك هذه السورةَ؛ إنها لآخِرُ ما سمِعتُ ءِ رسولَ اللهِ وَلَه يقرأ بها فى المغربِ. التمھید مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: إنَّ أُمَّ الفضلِ بنتَ الحارثِ(١) سمِعتُه وهو يقرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْنَا﴾ .. فقالت : يا بُنيَّ لقد أذكرتَنِى بقراءتِك هذه السورةَ؛ إنَّها لآخرُ ما سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقرأُ بها فى المغربِ(٢) . وليس فى هذا الحديثِ أكثرُ مِن أَنَّ القراءةَ فى الصلاةِ ليسَ فيها توقيتٌ ، وأنَّ قراءةً: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ ومثلِها جائزٌ فى صلاةِ المغربِ. وسيأتِى القولُ فيما يُستَحَبُّ مِن القراءةِ. وما يَجِبُّ منها فى المغربِ وغيرِها، فى أولَى المواضعِ بذلك مِن كتابنا هذا إن شاء الله . القبس (١) قال أبو عمر: ((أم الفضل هذه هى أم ابن عباس واسمها لبابة تكنى أم الفضل بابنها الفضل بن عباس وهى أخت ميمونة زوج النبى و # قد أتينا من نسبها وأحوالها فى كتاب النساء من كتاب الصحابة بما فيه كفاية)). الاستيعاب ١٩٠٧/٤، الإصابة ٩٧/٨. (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٤٦)، وبرواية أبى مصعب (٢١٧). وأخرجه أحمد ٤٥٣/٤٤ (٢٦٨٨٤)، والبخارى (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢)، وأبو داود (٨١٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٦٤١) من طريق مالك به . (٣) تقدم ص ٢١١ - ٢١٧ . ٢١٨ الموطأ ١٧١ - وحدّثنی [٢٨] یحیی، عن مالك، عن أبی ◌ُبيدٍ مولَی سليمانَ بنِ عبدِ الملِكِ، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، عن قَيْسٍ بنِ الحارثِ ، عن أبى عبد الله الصُّنابحی ، أنه قال : قدمتُ المدينةَ فی خلافةِ أُبی بکرِ الصديقِ، فصلِّيتُ وراءَه المغربَ، فقرَأ فى الركعَتَين الأولَيَين بـ: ((أمّ القرآنِ)) وسورةٍ سورةٍ مِن قِصارِ المُفضَّلِ، ثم قام فى الثالثةِ، فدنَوتُ منه، حتى إن ثيابِى لتكادُ أن تَمَسَّ ثيابَه، فسَمِعتُه قرَأْ بـ: ((أمّ القرآنِ)) وبهذه الآية: ﴿ رَبََّا لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن ◌َُّنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. التمهيد حدَّثنِى خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثْنا مُؤْمَّلُ بنُ يحتى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ الإمامُ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ المدينىٌّ، قال: حدَّثنا مُوسَى بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أَبِى سَلَمَةً، عن حُميدِ الطويلِ، عن أنسٍ ، عن أمّ الفضلِ بنتِ الحارثِ، قالت: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَ لِّ فى بيتِه فى مرضِه مُتَوشِّحًا فى ثوبٍ - المغربَ، فقرَأْ ب: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾، فلم يُصلِّ صلاةً بعدَها حتى قُبِضَ وَّةَ(١). الاستذكار وما ذكّره فى ((الموطأُ)) من قراءةٍ أبى بكرِ الصديقِ بـ: ((أمِّ القرآنِ)) فى المغرب، وبقراءته مع ذلك: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. ۔ القبس (١) أخرجه أحمد ٤٤١/٤٤ (٢٦٨٧١)، والنسائى (٩٨٤)، والطبرانى ٢١/٢٥ (٢٥) من طريق موسی بن داود به . ٢١٩ : الموطأ الاستذكار وبالقراءة فى كل ركعةٍ بـ: ((أمّ القرآنٍ))، وسورةٍ مِن قصارِ المفصَّلِ . وقراءة ابنٍ عمرَ فى كلِّ ركعةٍ بـ: ((أمّ القرآنِ))، وسورةٍ سورةٍ(١) ، وربما قرَأ بالسورتّين والثلاثٍ فى كلِّ ركعةٍ(٢) . فكلُّ ذلك مِن المباح الجائزِ أن يقرأُ المرءُ بما شاء مع ((أمّ القرآنِ))، ما لم يكنْ إمامًا يطوّلُ على مَن خلفَه. وبنحوِ ذلك تواترت الآثارُ فى القراءةِ عن النبيِّ نَّهِ فى الصلاةِ، مرةً خَفَّف وربَّما طوَّلَ، يصنَعُ ذلك فى كلِّ صلاةٍ. وهذا كلُّه يدلُّ على أن لا توقيتَ فى القراءةِ عندَ العلماءِ بعدَ («فاتحةٍ الكتابِ)). وهذا إجمائٌ مِن جماعةِ علماءِ المسلمين، ويشهدُ لذلك قولُه وَّه: ((مَن أَمَّ الناسَ فَلْيُخَفِّفْ))(٤). ولم يَحُدَّ شيئًا. وإنما اختلفوا فى أقلِ ما يجزئُ مِن القراءةِ، وفى ((أمّ القرآنِ)) ، هل يجزئُ منها غيرُها مِن القرآنِ أم لا؟ وأجمعوا أن لا صلاةَ إلا بقراءةٍ . وقد كان الشافعىُ يقولُ ببغدادَ : تسقطُ القراءةُ عمَّن نسِى ، فإن النسيانَ موضوعٌ. ثم رجَع عن هذا بمصرَ، فقال : لا تجزئُ صلاةُ مَن يُحسِنُ ((فاتحةَ الكتابِ )) إلا بها ، ولا يجزئُه أن يَنْقُصَ منها حرفًا، فإن لم يقرأها، أو نقَص منها حرفًا أعادَ " صلاته و) إن قرأ بغيرِها. القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢١٨). وأخرجه الشافعى ٢٠٧/٧، ٢٢٨، وعبد الرزاق (٢٦٩٨)، وأبو داود - كما فى تهذيب الكمال ٢٤/ ٩، وتحفة الأشراف ٢٩٨/٥ (٦٦٠٧) - والبيهقى ٢/ ٦٤، ٣٩١ من طريق مالك به . (٢) سقط من: م. (٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٢). (٥) سيأتى فى الموطأ (٣٠١). (٦ - ٦) فى م: ((الصلاة وكذا)). ٢٢٠