النص المفهرس

صفحات 81-100

الموطأ
روَى ابنُّ مُزَينٍ، عن أصبغَ، قال: دخَلتُ المسجدَ مع أشهبَ وقد صلّى الاستذكار
الناسُ، فقال لى: يا أصبغُ، اثتمَّ بى. وتنخَّى إلى زاويةٍ ، فَأَتَمَمْتُ به .
وفى ((العُتْبِيَّةِ)) لأشهبَ، عن مالكِ، فى مسجدٍ له إمام راتبٌ فى بعضٍ
الصلواتِ دونَ بعضٍ ، أنه لا بأسَ أن يُجمعَ فيه مِن الصلواتِ مرَّتَيْن ما لا يُجْمَعُ
پامام راتبٍ .
ورَوى ابنُ القاسم، عن مالكِ، أنه لا تُجمعُ فيه صلاةٌ مرتین، لا مِن
الصلواتِ التى يُجمعُ فيها بالإمامِ الراتبِ ولا مِن غيرِها .
قال أبو عمرَ : هذه المسألةُ لا أصلَ لها إلا إنكارُ جمعِ أهلِ النَّيغِ والبدعِ،
وألا يُتْرَكون(١) وإظهارَ نِخْلِهم، وأن تكونَ كلمةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ هى:
الظاهرةَ؛ لأن أهلَ البدع كانوا يرتقِبون صلاةً الإمامِ ، ثم يأتُون بعده فيجمعون
لأنفسِهم بإمامِهم، فرأى أهلُ العلم أن يُمنَعوا مِن ذلك، وجعلوا البابَ بابًا
القبس
تأصيلٌ : انفرَد مالك رحمه اللهُ عن الفقهاءِ بأنه(١) لا يُصلَّى فى مسجدٍ واحدٍ
بجماعةٍ مرّتين، وذلك أصلٌ مِن أصولِ الدينِ؛ وذلك أن الجماعةَ إنما شُرِعَت فى
الصلاةِ لتأليفِ القلوبِ، وجمعِ الكلمةِ، وصلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والتشاورِ فى أمورٍ
الإسلام، فلا تكونُ إلا واحدةً، ولو طُرِق فيها إلى التبعيضِ والتثنيةِ؛ لا نفسَدَ هذا
(١) كذا فى الأصل، ص بثبوت النون، وهى لغة عند بعض القبائل العربية، أنهم لا يُعمِلون ((أن))
الناصبة للفعل المضارع. ينظر شرح ابن عقيل ٣٤٣/٢، والنحو الوافى ٢٨٤/٤.
(٢) فى م: ((بأن)).
(٣) فى م: ((لأفسد)).
٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٦/٤ )

الموطأ
الاستذكار واحدًا، فمنَعوا منه الكلَّ، والأصلُ ما وصَفتُ لك.
وقولُ الثورىٌّ فى هذه المسألةِ كقولٍ مالكٍ: لا تُجمعُ صلاةٌ واحدةٌ فى
مسجدٍ مرتين، ومَن أَتَّى مسجدًا وقد صلَّى أهلُه فلْيُصلوا وُحدانًا .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، والشافعىُّ وأصحابُه، وأبو ثورٍ، وأحمدُ بنُ
حنبلٍ، وإسحاقُ، وداودُ بنُ علىٍّ، وجمهورُ الفقهاءِ: لا بأسَ بأن يُجمعَ فى
المسجدِ مرتين . واحتجّ أصحابُ داودَ بالأحاديثِ فى فضلِ صلاةِ الجماعةِ ،
وبأن الله عزَّ وجلَّ لم يَنْهَ عنه ولا رسولُه، ولا اتَّفَق أهلُ العلم عليه ، فلا وجه للنھي
عنه .
واحتجّ غيرُهم فى جوازِ ذلك أيضًا بما حدَّثنی أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمدٍ ،
القبس
النظامُ، وتنافَرتِ القلوبُ، وافترَقَتِ الكلمةُ، وتَوَصَّلُ أهلُ البدع والنفاقِ إلى
الانفرادِ " بآرائِهم، وإلى الداخلةِ على أهلِ الإسلامِ فى دينهم؛ ولذلك منَعْنا
مِن بُنْيانِ مسجدٍ آخرَ يُقْصَدُ به تفريقُ الكلمةِ وتَشْتيتُ الجماعةِ ، حتى لو
وقَع بينَ أهلِ مَحَلَّةٍ كلامٌ، أو أراد رجلٌ أن يَبْتبِذَ عن جِيرِه، وكلُّ ذلك لبناءٍ
مسجدٍ ينفردُ به،لم يَجزْ، ويُمنعُ مِن ذلك ويُهْدَمُ عليه ويُرَدُّ إلى أصحابِهِ ؛
ولذلك هدَم النبيُّ وَلّ مسجدَ الضِّرارِ، وألزَم رُجُوعَ مَن ارْتِيبَ به إلى مَن
خَلَص مِن الأنصارِ .
(١) فى د: ((توصلت)).
(٢ - ٢) فى ج: ((برأيهم وإلى))، وفى م: ((بآرائهم)).
(٣) فى م: ((الجامعة)).
٨٢

الموطأ
قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَيُّون١َ، الاستذكار
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ بمكةً وأبو داودَ السِّجِسْتانیُّ
بالبصرة ، قالا : حدَّثنا أبو سلمةً موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وهيبُ بنُّ
خالدٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ الأسودُ، عن أبى المتوكلِ الناجِىّ، عن أبى
سعيد الخدرىِّ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ صلَّى إحدى صلاتَى العَشِىِّ، فلما سلِّم
دخَل رجلٌ لم يدركِ الصلاةَ معه، فاستقبل القبلةَ ليصلىَ، فقال النبىُ وَلّى:
(ألا رجلٌ يتصدَّقُ على هذا فيُصلِّىَ معه؟)). فقام رجلٌ ممن صلَّى مع النبىّ
حَلِّ فصلَّى معه(٣) .
قال محمدُ بنُ إبراهيمَ: وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ومحمدُ بنُ
إسماعيلَ، قالا : حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمادٌ ، عن ثابتٍ ،
عن أنسٍ ، أنه أتَى مسجدَ البصرةِ وقد صلَّى أهلُه، ومعه قومٌ، فسأل ، فقالوا :
قد صلَّينا. فأمَر بإقامةِ الصلاةِ، وتقدَّم فصلَّى بمَن معه(٣).
وقال أبو ثورٍ : إذا أذَّنوا وأقاموا وصلَّوا جماعةٌ فهو أحبُّ إلىّ .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) فى ص، م: ((حنون)). وينظر تاريخ علماء الأندلس ٢٦/٢.
(٢) أبو داود (٥٧٤). وأخرجه أحمد ١٥٧/١٨ (١١٦١٣)، والدارمى (١٤٠٨، ١٤٠٩)، وابن
الجارود فى المنتقى (٣٣٠)، وابن حبان (٢٣٩٧، ٢٣٩٨) من طريق وهيب به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢١/٢، ٣٢٢، والبيهقى ٧٠/٣ من طريق آخر عن أنس بنحوه.
٨٣

قال يحيى: وسُئِل مالكٌ عن مُؤذِّنٍ أَذَّن لقوم ثم تنَفَّل ، فأرادوا أن
الموطأ
يُصلُّوا بِإِقامةٍ غيرِهِ ، فقال: لا بأسَ بذلك ، إِقامتُه وإقامةُ غيرِه سواءٌ.
الاستذكار محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا عَبْدُ بنُّ
سلیمان ، عن ابنِ أبى عروبةً ، عن سلیمانَ الناچِئِ ، عن أبى المتو کلِ ، عن أبى
سعيدٍ، قال: جاء رجلٌ وقد صلَّى النبىُ وَّله، فقال: ((أيُّكم يَنَّجِرُ على
هذا؟)). فقام رجلٌ مِن القوم فصلَّى معه(١).
وذكَر فى ((المصنفِ)) (١)، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: حدَّثنا سليمانُ
التَّيْمِىُّ، عن أبى عثمانَ، قال: دخَل رجلٌ المسجدَ وقد صلَّى النبيُّ وَّهِ،
فقال: ((ألا رجلٌ يتصدَّقُ على هذا فيقومَ فيصلىَ معه)).
وممن أجاز ذلك ابنُ مسعودٍ ، وأنسٌ، وعلقمةُ، ومسروقٌ ، والأسودُ،
وعطاءٌ، وقتادةُ ، والحسنُ على اختلافٍ عنه. وقال: إنما كانوا يكرهون أن
يجمعوا مخافةً السلطانِ(٢) .
وأما قولُه : وسُئل مالكٌ عن أهلِ المسجدِ ؛ هل يصلُّون بإقامةٍ غيرِ المؤذِّنِ؟
فقال: لا بأسَ بذلك، إقامتُه وإقامةُ غيرِه سواءٌ .
فهذه مسألةُ اختلافٍ أيضًا؛ فأما مالكٌ وأبو حنيفةً وأصحابُهما فقالوا : لا
بأسَ أن يؤذنَ المؤذنُ ويقيمَ غيرُه . وقال الثورىُّ، والليثُ بنُّ سعدٍ ، والشافعىُّ
وأصحابُه : مَن أَذَّن فهو يقيمُ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ الحديثِ، وحُجَّتُهم حديثُ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٢٢/٢.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٢٢/٢، ٣٢٣.
٨٤

قال يحيى : قال مالك: لم تزلِ الصبحُ يُنادَى لها قبلَ الفَجرِ ، فأما الموطأ
غيرُها مِن الصلواتِ، فإِنَّا لم نرَها يُنادَى لها إلا بعدَ أن يَحِلَّ وقتُها .
زيادٍ (١) بن الحارثِ الصُّدَائِيّ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وَِّ، فلما كان أولُ الاستذكار
الصبح أمَرنى فأذَّنْتُ ، ثم قام إلى الصلاةِ، فجاء بلالٌ ليقيمَ ، فقال رسولُ اللهِ
وَ لَّ: ((إن أخا صُداءٍ قد أُذَّن، ومَن أُذَّن فهو یقیمُ))(١) . وهو حديثٌ انفرد به
عبدُ الرحمنِ بنُ زيادٍ الإفريقىُّ، وليس بحجةٍ عندَهم .
وحُجَّةُ مالكِ ( ومَن قال بقولِه) حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، حينَ أَتَّى رسولَ
اللهِ وَ لِّ بِالأَذانِ، فأمَرَه رسولُ اللهِ وَلَيهِ أَن يُلْقِيَه على بلالٍ، وقال له: (( هو
أَنْدَى منك صوتًا)). فلما أَذَّن بلالٌ قال رسولُ اللهِ وَ لِ لعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: «أَقِمْ
أنت)). فأقامَ(٤) . وهذا الحديثُ أحسنُ إسنادًا مِن حديثِ الإفريقىِّ.
ومن جهةِ النظرِ ليست الإقامةُ مُضَّنةً بالأذانِ ، فجائزٌ أن يتولَّا ها غيرُ مُتولِّى
الأذانِ .
وأما قولُه : لم تزلِ الصبحُ ينادَى لها قبلَ الفجرِ، فأما غيرُها مِن الصلواتِ،
فإنا لم نرَها يُنادَى لها إلا بعدَ أن يحِلَّ وقتُها .
فهذا يدلُّك على أن الأذانَ عندَهم مأخوذٌ مِن العملِ ؛ لأنه شىءٌ لا يُنْفَكُ منه
القبس
(١) فى النسخ: ((عبد الله)). وتقدم على الصواب ص٢٣ .
(٢) تقدم تخريجه ص٢٣ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م.
(٤ - ٤) ينظر ما تقدم ص ١٤، ٢٣ .
٨٥

١٥٢ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، أنه بلغه أنَّ المُؤذِّنَ جاء عمرَ
الموطأ
فى كلّ يومٍ، فيصِحُ الاحتجاجُ فيه بالعملِ ؛ لأنه ليس مما يُنسى ولا يستترُ عن
الاستذكار
العلماءِ .
وكذلك غيرُه احتجّ بالعمل فيه أيضًا ( عندَه، على ما قدَّمنا ذكره.
وقد اختلف العلماءُ فى هذه المسألةِ؛ فذهَب أهلُ الحجازِ والشامِ وبعضُ
أهلِ العراقِ إلى جوازِ الأذانِ لصلاةِ الفجرِ قبلَ طلوع الفجرِ . وممن قال بذلك
مالكٌ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ، والطبرىُّ، وهو
قولُ أبى يوسفَ القاضى . وروَى عبدُ الملكِ بنُّ الحسنِ ، عنِ ابنِ وهبٍ ، قال :
لا يُؤْذَّنُ لها إلا فى السَّحَرِ. فقيل له: وما السّحَرُ؟ قال: السُّدُسُ الآخِرُ. وقال
ابنُّ حبيبٍ : يُؤْذِّنُ لها مِن بعدِ خروجٍ وقتِ العشاءِ، وذلك نصفُ الليلِ . وقال أبو
حنيفةً، ومحمدُ بنُّ الحسنِ، والثورىُّ: لا يُؤْذِّنُ للفجرِ حتى يطلُعَ الفجر. وهو
قولُ ابنِ مسعودٍ وأصحابِهِ، وعائشةَ، وإبراهيمَ النخعىِّ، ونافعٍ مولى ابنِ عمرَ،
والشعبىّ، وجماعةٍ (٢) .
وقد ذكرنا حجّةً كلِّ فرقةٍ منهم مِن جهة الآثار فى بابٍ حديث الزهرىِّ عن
سالمٍ، عندَ قولِهِ بَله: ((إن بلالًا يُنادِى بليلٍ)). مِن كتابٍ ((التمهيدِ)) ".
وأما قولُه أنه بلغه أن المؤذنَ جاء عمرَ بنَ الخطابِ يُؤذِنُه بصلاة الصبحِ،
القبس
(١ - ١) فى ص، م: ((لما)).
(٢) ينظر الأوسط لابن المنذر ٢٩/٣.
(٣) سيأتى ص ١١٦ - ١١٩.
٨٦

ابنَ الخطابِ يُؤذِنُه لصلاةِ الصبح فوجَده نائمًا ، فقال : الصلاةُ خيرٌ مِن الموطأ
النومٍ . فأمَره عمرُ أن يجعلَها فى نداءِ الصبحِ .
فوجَده نائمًا، فقال: الصلاةُ خيرٌ مِن النوم. فأمَرِه عمرُ أن يجعَلَها فى نداءٍ الاستذكار
الصبحُ(١) . فلا أعلمُ أنه رُوى هذا عن عمرَ مِن وجهٍ يُحتجُّ به ، وإنما فيه حديثُ
هشامِ بنِ عروةً، عن رجلٍ يقالُ له : إسماعيلُ. لا أعرِفُه .
ذكر ابنُ أبى شيبةً(٢)، قال: حدَّثنا عَبْدُ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بنِ
عروةً(١)، عن رجلٍ يقالُ له: إسماعيلُ. قال: جاء المؤذنُ(٤) يُؤْذِنُ عمرَ بصلاةٍ
الصبحِ، فقال : الصلاةُ خيرٌ مِن النوم . فأعجب به عمر، وقال للمؤذن : أقِرَّها
فى أذانِك .
والمعنى فيه عندى ، واللهُ أعلمُ ، أنه قال له : نداءُ الصبح موضعُ القولِ بها ،
لا هلهنا. كأنه كرِه أن يكونَ منه نداءٌ آخرُ عندَ بابِ الأميرِ، كما أحدثه الأمراءُ
بعدَه، على ما قدَّمنا ذكره فى هذا البابِ .
وإنما حملنى على هذا التأويلِ، وإن كان الظاهرُ مِن الخبرِ خلافَه؛ لأُن
التثويبَ فى صلاةِ الصبح - وهو قولُ المؤذنِ : الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ - أشهرُ
عندَ العلماءِ والعامةِ مِن أن يُظَنَّ بعمرَ رضِى اللهُ عنه أنه جهِل ما سَنَّ منه
رسولُ اللهِ وَلّهِ وَأمَر به مؤذِّنَتْه؛ بالمدينةِ بلالًا، وبمكةً أبا محذورةَ.
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن عقب (٩١)، وبرواية أبى مصعب (١٩٣).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٨/١.
(٣) فى ص، م: ((عمر)).
(٤) فى ص، م: ((رجل)).
٨٧

الموطأ
فهو محفوظٌ معروفٌ فى تأذينِ بلالٍ وأذانِ أبى محذورةً فى صلاةٍ الصبحِ
الاستذكار
للنبىِّ وَّ، مشهورٌ عندَ العلماءِ، ونحن نذكرُ منه طرفًا دالا هلهنا إنَ
شاء اللهُ تعالى .
ذكَّر ابنُ أبى شيبةً(١): حدَّثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن حجاج، عن عطاءٍ،
قال: كان أبو محذورةَ يؤذِّنُ لرسولِ اللهِ وَلَّهِ، ولأبى بكرٍ، ولعمرَ، فكان يقولُ
فى أذانِه : الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ .
قال(١) : وحدَّثنا حفصُ بنُّ غِيَّاتٍ، عن حجاجٍ، عن طلحةً، عن سُوَیدٍ ،
عن بلال ، وعن حجاج، عن عطاء، عن أبى محذورةً، أنهما كانا يُتَوِّبان فى
صلاةِ الفجرِ : الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ .
قال(٢): وحدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سویدِ بنِ
غَفَلَةَ ، أنه أُرسَل إلى مؤذنِه: إذا بلَغتَ: حىَّ على الفلاح . فقل : الصلاةُ خيرٌ مِن
النومٍ . فإنه أذانُ بلالٍ .
ومعلوم أن بلالاً لم يؤذِّنْ قطَّ لعمرَ، ولا سمِعه بعدَ رسولِ اللهِ وَلَه إلا مرةً
بالشامِ إِذ دخَلها، وقد ذكرنا الخبرَ بذلك فى غيرِ هذا الموضعِ .
ذکر ابنُ المبارك ، وعبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرىِّ ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ، أن بلالًا أَذَّن ذاتَ ليلةٍ، ثم جاء يُؤْذِنُ النبيَّ وَِّ، فنادَى: الصلاةُ خيرٌ
القبس
:
(١) ابن أبى شيبة ٢٠٩/١.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٠٨/١.
٨٨

الموطأ
الاستذكار
مِن النومِ . فَأُقْروت فى صلاةِ الصبحِ(١).
وذكر ابنُّ أبى شيبةً(١) ، عن عَبْدةَ بنِ سليمانَ ، عن محمدِ بنِ إِسحاقَ ، عن
الزهرىِّ، عن ابنِ المسيّبِ مثلَه .
وابنُ المباركِ ، عن يونسَ بنِ يزيدَ ، عن الزهرىٌّ، قال : أخبرنى حفصُ بنُّ
عمرَ بنِ سعدِ المؤذِّنُ، أن جدَّه سعدًا كان يؤذنُ على عهدِ رسولِ اللهِ وَلّ لأهلِ
قُباءٍ، حتى انتقَله عمرُ بنُ الخطابِ فى خلافتِهِ، فَأَذَّن له بالمدينةِ فى
مسجدِ النبيِّ بَّهِ، فزعَم حفصّ أنه سمِع مِن أهلِه أن بلالًا أتَى رسولَ اللهِ
وَّه ليُؤْذِنَه بصلاةِ الفجرِ بعدَما أَذَّن، فقيل له: إنه نائمٌ. فنادَى بأعلى
صوتِه: الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ. فَأَقِّت فى تأذينِ الفجرِ، ثم لم يزلِ الأمر
على ذلك(٣).
وروَى اللیثُ بنُّ سعدٍ ، عن يونسَ ، عن الزهرىِّ مثلَه . وقال الحسنُ: كان
بلالٌ يقولُ فى أذانِه بعدَ: حىَّ على الفلاحِ: الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ، الصلاةُ خيرٌ
مِن النومٍ . مرتين.
ورَوی سفيانُ، عن ابنِ عجلانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، قال: كان فى الأذانِ
الأول بعدَ: حىّ على الفلاحِ. الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ، الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ" .
القبس
(١) عبد الرزاق (١٨٢٠). وأخرجه ابن ماجه (٧١٦) من طريق ابن المبارك به.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٠٨/١.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٦٠٨٥) من طريق يونس بن يزيد به .
(٤ - ٤) سقط من : ص ، م .
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٣٧/١، والبيهقى ٤٢٣/١ من طريق سفيان به .
٨٩

الموطأ
١٥٣ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن عمّه أُبی سُھیلٍ بنِ
مالكٍ ، عن أبيه ، أنه قال: ما أَعرِفُ شيئًا مما أدرَكتُ عليه الناسَ إِلا
النداءَ بالصلاة .
١٥٤ - وحدّثنى يحيى عن مالكِ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
سمِع الإقامةَ وهو بالبقيع، فأسرَع المَشىّ إلى المسجدِ .
الاستذكار
وأما حديثُه عن عمِّه أبى سهيلٍ بن مالك ، عن أبيه ، أنه قال: ما أعرِفُ شيئًا
مما أدركتُ الناسَ عليه إلا النداءَ بالصلاةِ(١) . ففيه بيانُ أن الأذانَ لم يتغيرُ منه
شىءٌ عما كان عليه. وكذلك قال عطاءٌ: ما أعلمُ تأذينَهم اليومَ يخالفُ تأذينَ
من مضَى .
وفيه دليلٌ على أن الأحوالَ تغيّرت وانتقلَت وتبدَّلَت فى زمانِه ذلك عما
كانوا عليه فى زمنِ الخلفاءِ الراشدين؛ أبى بكرٍ ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ ، فى
أكثرِ الأشياءِ.
وقد احتجّ بهذا بعضُ مَن لم يرَ عملَ أهلِ المدينةِ حُبَّةٌ ، وقال: لا حُجَّةَ إلا
فيما نُقِل بالأسانيدِ الصحاح عن النبيّ عليه السلامُ، وعن الخلفاءِ الأربعةِ رضِى
اللهُ عنهم، ومَن سلَك سبيلَهم من العلماءِ .
وأما حديثُه عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أنه سمِع الإقامةَ وهو بالبقيعِ، فأسرّع
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٦٩)، وبرواية أبى مصعب (١٩٤).
٩٠

[٢٦ظ] النداءُ فى السفرِ وعلى غيرٍ وضوءٍ
١٥٥ - حدَّثنى يحيى عن مالكِ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
أَذَّن بالصلاةِ فى ليلةٍ ذاتٍ بَرْدٍ ورِيحٍ، فقال: ألا صَلُّوا فى الرِّحالِ . ثم
الموطأ
المشىَ(١) . فقد مضَى القولُ فيه فى صدرِ هذا البابِ(٢) . والحمدُ اللهِ.
الاستذكار
التمهيد
مالك، عن نافع ، أنَّ عبد الله بن عمرً اذَّنَ بالصلاةِ فی لیلةٍ ذاتٍ بڑدٍ ورِيحِ،
فقال: ألاَ صَلُّوا فى الرِّحالِ. ثم قال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ كان يأمرُ المُؤَذِّنَ إِذا
كانت ليلةٌ باردةٌ ذاتُ مَطَرٍ يقولُ: ((ألا صَلُوا فى الرّحالِ))(٣).
قال أبو عمرَ: لَم يُخْتَلَفْ على مالكِ فى إسنادِ هذا الحديثِ ولا فى لَفْظِه .
وقد حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسینِ
العَسْكَرِىّ، حدَّثنا المُزَنىُ، حدَّثنا الشافعىُّ ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، أَنَّه أَذَّنَ بالصلاةِ فى ليلةِ قِرَّةٍ وربحٍ فقال: ألا صَلُّوا فى الرّحالِ . ثم قال : إنَّ
رسولَ اللهِ لَّهِ كان يأْمُرُ المُؤْذِّنَ، إذا كانت ليلةٌ بارِدَةً ذاتُ مَطَرٍ، يقولُ: ((ألا
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٤)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٩٥). وأخرجه الشافعى
٢٥٠/٧، والبيهقى فى المعرفة (١٧٨٢)، وابن عساكر فى تاريخه ٢٥/١١ من طريق مالك به.
(٢) تقدم ٣٩ - ٤١ .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٨٦)، وبرواية أبى مصعب (١٩٦). وأخرجه أحمد ٢٢٢/٩
(٥٣٠٢)، والبخارى (٦٦٦)، ومسلم (٢٢/٦٩٧)، وأبو داود (١٠٦٣)، والنسائى (٦٥٣) من
طريق مالك به .
(٤) فى النسخ: ((الحسن)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥٤١/١٥، وما سيأتى فى شرح الحديث (٥٧٢) من الموطأ .
٩١

قال: إن رسولَ اللهِ نَّهِ كان يأَمُرُ المُؤذِّنَ، إِذا كانت ليلةٌ بارِدَةٌ ذاتُ
الموطأ
مطرٍ، يقولُ: ((ألا صَلُّوا فى الرّحالِ)).
صَلُّوا فى الرِّحالِ »(١).
التمهید
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ الرُّخْصَةُ فى التَّخَلَّفِ عن الجماعةِ فى ليلةٍ
المَطَرِ والرِّيحِ الشدِيدَةِ ، وقِيلَ: إِنَّ هذا إنَّما كان فى السَّفَرِ. وعلى ذلك تَدُلُّ
تَرْجَمَةُ مالكٍ للبابِ الذى ذكَر فيه هذا الحديثَ . وقيلَ: إِنَّ ذلك كان يومَ
جُمُعَةٍ، وإذا كان فى السَّفَرِ فلا معنَى فيه(٢) لذِكْرِ يومِ الجمعةِ. وجائزٌ أن
يَكُونَ (٣) ذلك الوقتَ كانوا يُصَلُّونَ بصَلاةِ الإمامِ فى رِحالِهم، وجائزٌ أن
تكونَ لهم رُخْصَةً فى سفَرِهم؛ يَتَخَلَّقُونَ عن الجماعةِ لشِدَّةِ المؤْنةِ فى
السَّفَرِ. وفى ذِكْرِ الرِّحالِ دليلٌ على أنَّه كان فى سَفَرٍ، واللهُ أعلمُ .
وقد قيلَ : إِنَّ ذلك جائزٌ فى السفرِ والحضرِ ، ولا فوقَ بينَ الحضَرِ والسَّفَرِ ؛
لأَنَّ العِلَّةَ المطَرُ والأذَى، والسفرُ والحضرُ فى ذلك سَواءٌ، فيَدْخُلُ السفرُ
بالنصِ، والحضَرُ بالمعْنَى؛ لأنَّ العِلَّةَ فيه المطَرُّ، وقد رَخَّصَت جماعةٌ من أهلِ
العِلمِ فى وقتٍ المطَرِ الشَّدِيدِ فى التَّخَلَّفِ عن الجمعةِ لمن وجَبَتْ عليه، فكيف
القبس
(١) أخرجه الشافعى فى السنن المأثورة (٣٦).
(٢) سقط من: ى، م.
(٣) فی ی، م: ((يكونوا)).
٩٢

الموطأ
بالجماعةِ فى غيرِ الجمعةِ؟ وقد مضَى القولُ فيمن ذهَب إلى أنَّ الجماعَةَ التمهيد
شُهُودُها لمن سمِع النِّداءَ فِرِيضَةٌ ، ومَن قال: إنَّ ذلك سُنَّةٌ وليسَ بِفَرْضٍ. فيما
سلَف من كتابِنا هذا(١) ، وسيَتَكَوَّرُ القولُ فى ذلك فى مَواضعَ من كتابنا هذا إِن
شاء اللهُ .
واسْتَدَلَّ قومٌ على أنَّ الكلامَ فى الأذانِ جائزٌ بهذا الحديثِ)، إذا
كان الكلامُ مِمَّا لابُدَّ منه، وزعم أنَّ قولَه: ((ألا صَلُّوا فى الرِّحالِ)). كان
فى نَفْسِ الأذانِ بإِثْرِ قولِه: حَىَّ على الفلاح. واسْتَدَّلُّوا بما حدَّثنا محمدُ
ابنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
شُعَيْبٍ، قال: أخبرنا قُتِبَةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرو بنِ
دِينارٍ، عن عمرو بنٍ أوسٍ، قال: أخبرنا رجلٌ من ثَقِيفٍ أَنَّه سمِع مُنادىَ
رسولِ اللهِ وبَّهَ - يَعْنِى فى ليلةِ مطرٍ فى السَّفَرِ - يقولُ: حَىَّ على
الصلاةِ، حَىَّ على الفلاح، صَلَّوا فى رِحالِكم(٢) . ففى هذا الحديثِ أنَّ
ذلك كان فى السَّفَرِ، وأَنَّ قَوْلَه ذلك كان فى نَفْسِ الأذانِ، وأنَّ ذلك
كان فى مَطَرٍ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٢٨٩) من الموطأ .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) النسائى (٦٥٢)، وفى الكبرى (١٦١٧). وأخرجه ابن أبى عاصم (١٦١٥) من طريق سفيان
به .
٩٣

الموطأ
التمهید
بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنَا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ ، عن أيوبَ وعاصم"
الأخوَلِ وعبدِ الحمیدِ صاحِبِ الزُّیادِئِّ، عن عبد الله بن الحارثِ ، قال : خَطَّنا
ابنُ عباسٍ فى يومٍ ذِى رِيحٍ، فَلَمّا بلَغ المُؤَذِّنُ: حَىَّ على الصلاةِ . أمَره أن يُنادِىَ :
الصلاةَ فى الرّحالِ . قال: فنظَر القومُ بعضُهم إلى بعضٍ . فقال: كأنَّكم أَنْكَوْتُم
هذا؟ قد فعل هذا مَن هو خَيْرٌ مِنِّى (١).
وذگره أبو داود(٢) ، عن مُسَدَّدٍ ، عن إسماعيلَ() ، عن عبد الحميدِ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن ابنِ عباسٍ ، وزادَ فيه: إنَّ الجمعةَ عَزْمَةٌ، وإنِّى كَرِهْتُ
أن أُخْرِجَكم فتَعْشُون فى الطِّينِ والمطَرِ .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داود ، قال: حدّثنا نَصْرُ بنُ علىّ ، قال : أخبرنا سفيانُ بنُ حییب ، عن خالد
الخَذَّاءِ، عن أبى قِلابَةً، عن أبى المَليح، عن أبيه، شهِد النبىَّ ◌َ لَهُزَمَنَ الحدَثِيَةِ
فى يومٍ مُجُمُعَةٍ . فذكّر الحديثَ(٥) .
قال أبو داودَ(١): وحدَّثنا ابنُ المثَنَّى، حدَّثنا عبدُ الأَعْلَى، ("ثنا سعيدً) ، عن
القبس
(١) فى النسخ: ((عامر)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤٨٥/١٣.
(٢) أخرجه البخارى (٦١٦)، والبيهقى ١٨٥/٣ من طريق مسدد به.
(٣) أبو داود (١٠٦٦) .
(٤) فى النسخ: ((حماد)).
(٥) أبو داود (١٠٥٩). وأخرجه ابن خزيمة (١٨٦٣)، والحاكم ٢٩٣/١ من طريق نصر بن على به.
(٦) أبو داود (١٠٥٨).
(٧ - ٧) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج.
٩٤

الموطأ
التمهيد
صاحِبٍ له، عن(١) أبِى المَليحِ، أنَّ ذلك كان يومَ جمعةٍ .
ووَجَدْتُ فى أصْلِ سَماع أبى بخَطِّه رحِمه اللهُ ، أنَّ محمد بن أحمدَ بنِ
قاسِمٍ بنِ هلالٍ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْناقِىُ، قال: حدّثنا
نَصْرُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أسَدُ بنُ موسَى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُنَيْنَةً ، عن
عمرو بنِ دِينارٍ، سمِع عمرو بنَ أوْسٍ، حدَّثَه رَجُلٌ من ثَقِيفٍ، سمِع مُنادى
النبيِّ وَّهِ فِى سَفَرٍ فى ليلةٍ مَطَرٍ يقولُ: حَيَّ على الصلاةِ، حَىَّ على
الفلاحِ، صَلُّوا فی رِحالِكم.
فقد بان بهذا الحديثِ أنَّ ذلك منه وَّهِ إِنَّما كان فى السَّفَرِ مع المطَرِ ،
وهذه رخصةٌ تَخُصُّ قولَهِ وَلَّهِ: ((هل تَسْمَعُ النِّداءَ؟)). قال: نعم. قال: ((فلا
رخصةً لك))(٢) . وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ(٢) جَوازَ التَّأخّرٍ فى حينِ المَطَرِ
الدَّائِمِ عن شُهُودِ الجماعةِ والجمعةِ ؛ لِما فى ذلك من أذَى المَطَرِ ، واللهُ أعلمُ،
لهذه الحالِ ، وإذا جاز للمَطَرِ الدَّائِمِ والماءِ أن يُصَلِّىَ المسافِرُ فيُومِىُّ للركوعِ
والسجودِ من أجلِ الماءِ والمطَرِ والطّينِ، ولولا المطَرُ الدَّائمُ والطينُ لم يَجُزْ ذلك
له - كان المتَخَلِّفُ عن شُهودِ الجماعة والجمعةِ أوْلَی بذلك, وقد ذكرنا
الحُكْمَ فى صلاةِ الطَّيْنِ والمطَرِ وحِكْمَ الجَمْعِ بينَ الصَّلاَتَين فى المَطَرِ، كلٌّ
ذلك فى مَوْضِعِه من كتابِنا هذا، فلا وجْهَ لإعادةِ شىءٍ منه ههنا .
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((ابن)).
(٢) أخرجه مسلم (٦٥٣) من حديث أبى هريرة.
(٣) سقط من: ى، م.
٩٥
٠

الموطأ
التمهید
وأمَّا الكلامُ فى الأذانِ ، فإِنَّ أهلَ العِلم اخْتَلَفُوا فى إجازَتِه و گراهِیته؛ فقال
منهم قائِلُونَ : إذا كان الكلامُ من شَأْنِ الصَلاةِ والأُذانِ فلا بَأْسَ بذلك . قالوا :
کما ژُوِیَ عن ابنِ عباسٍ ، أَنَّه أمَر مُؤَذِّنَهفی يومٍ مطر أن يقول بعد قوله : حىَّ على
الفَلاح: ألا صَلَّوا فى الرّحالِ . قالوا: فإِن تكلّم بما ليس من شَأْنِ الصلاةِ فقد
أساءَ، ولا إِعادةَ عليه للأذانِ . هذا قولُ طائفةٍ من أهلِ الحديثِ، وهو يُشْبِهُ
مَذْهَبَ ابنِ القاسم ورِوايَتَه عن مالكٍ فيمن تكلّم فى شأنِ الصلاةِ وإصلاحِها ، أنَّه
لا شىءَ عليه، فكذلك الأذانُ قِياسًا ونَظَرًا، إِلَّ أنَّ مالكًا لم يَختلفْ قولُه ومَذْهَبُه
فى كَراهِيتِه الكلامَ فى الأذانِ على كلِّ حالٍ .
قال أبو عمرَ : احْتَجَّ مَن أجاز نحوَ هذا من الكلام فى الأذان بأن قال: قد
ثبَت التَّقْوِيبُ فى الفَجْرِ ؛ وهو قولُ المُؤَذِّنِ: الصلاةُ خَيْرٌ من الثَّوْمِ . فَكُلُّ ما كان
حَضًّا على الصلاةِ أو من شَأْنِها فلا بأسَ بالكلام به فى الأذانِ ، قياسًا على ذلك،
واسْتِدْلالًا بالحديثِ المذكورِ فى هذا البابِ، وباللهِ التوفيقُ .
وكان مالكٌ رحِمه اللهُ ، فيما روَى عنه غيرُ واحدٍ ، يَكْرَهُ الكلامَ فى الأذانِ ،
وقال: لم أَعْلَمْ أحَدًا يُقتدَى به فَعَل ذلك. وكرِه رَدَّ السَّلام فى الأذانِ؛ ( لئلّا
يَشْتَغِل١َ) المُؤَذِّنُ بغيرِ ما هو فيه من الأذانِ ، وكذلك لا يُشَمِّتُ عاطِسًا، ولكنَّه
إِنْ فَعَل شيئًا من ذلك وتكَلَّم فى أذانِهِ بنَى ولا شىءَ عليه . ونحوُ هذا كلِّه قولُ
الشافِعِيِّ: يُسْتَحَبُّ للإنسانِ ألا يَتَكلَّمَ فى أذانِه ولا فى إِقامَتِه ، فإن تكلَّمَ أْزَاه .
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((ليشتغل)).
٩٦

الموطأ
وكذلك قال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يتَكَلَّمُ مؤذِّنٌ فى الأذانِ ولا فى الإقامَةِ ، فإن التمهيد
تَكَلَّمَ مَضَى ، ويُجْزِئُه . وهو قولُ الثورىِّ، وإسحاقَ . ورُوِىَ عن ابنِ شِهابٍ أنَّه
قال: إِنْ تَكَلَّمَ الرَّجلُ فى الأذانِ وفى الإِقامَةِ أعادَهما(١) . ورُوِىَ عنه أَنَّه أمَر مُؤَدِّنًا
تگلَّم فی أذانه أن يُعید . ولیس ذلك بصحیح عنه، والإسنادُ فیه عنه ضَعِيفٌ .
وكَرِهَ الكلامَ فى الأذانِ النَّخَعِىُّ، وابنُ سِيرِينَ ، والأوزاعِىُ، ولم يَجِئُ عن
واحدٍ منهم أنَّ عليه إعادةَ الأذانِ ولا ابتداءَه. ورَخَّصَتْ طائفةٌ من العلماءِ فى
الكلامِ فى الأذانِ ؛ منهم الحسنُ، وعُرْوَةُ، وعطاءٌ، وقتادةٌ(١) . وإليه ذهب
أحمدُ ابنُّ حنبلٍ. ورُوِىَ ذلك عن سليمانَ بنِ صُرَّدٍ() .
وروَى الوليدُ بنُ مَزْيدٍ (١) ، عن الأوزاعِيّ: لا بأسَ أن يَرُدَّ السلامَ فى أذانِهِ ،
ولا يَرُدُّ فى إِقامَتِهِ. قال: وقال الأوزاعِيُ: ما سمِعتُ قَطُّ أنَّ مُؤَذِّنَا أعادَ أذانَه .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الأذانَ من شأنِ الصلاةِ ، لا
يَدَعُه مُسافِرٌ ولا حاضِرٌ، وهذا مَوْضِعٌ اختلَف العلماءُ فيه، مع إجماعِهم أنَّ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٣/١.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٠٩، ١٨١٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢١٢/١.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨١١، ١٨١٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢١٢/١.
(٤) سليمان بن صرد بن الجّون أبو المطرّف الخزاعى الكوفى، يقال: كان اسمه يسار فغيَّرَه النبى اَله.
کان خیرًا فاضلاً ، شهد صفین مع علىّ رضی الله عنهما، وقتل سنة خمس وستين وله ثلاث وتسعون
سنة . الإصابة ٣/ ١٧٢.
والأثر ينظر فيه مصنف ابن أبى شيبة ٢١٢/١.
(٥) فى الأصل: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٨١.
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/٤ )

الموطأ
التمهید
رسولَ اللهِ وَّهِ كان يُؤَذَّنُ له فى حَياتِه كلِّها لكلِّ صلاةٍ، فى سَفَرٍ وحَضَرٍ ، وأنَّه
نَذَبَ المسلمين إلى ذلك وسَنَّه لهم، وكانَ بِّهِ فِى غَزَواتِه كلِّها إذا سمِع أذانًا
كَفَّ وعَلِمَ أنَّها دارُ إیمانٍ، وإذا لم يَسمعه أغارَ، وكانَ يأُمُرُ بذلك سرایاه . وقال
اللهُ عزَّ وجل: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ التَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَا﴾ الآية [المائدة: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]. وقال
وَه: ((إذا نُودِىَ للصلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطانُ)) الحديث(١).
واختلف العلماءُ فى وجوبِ الأذانِ ؛ فالمشْهُورُ من مذهبٍ مالكٍ وأصحابِه
أنَّ الأذانَ إنَّما هو للجماعاتِ حیثُ یَجْتَمِعُ الناسُ للأئِمَّةِ ، فأمّا ما سِوَی ذلك من
أهلِ الحَضَرِ والسَّفَرِ فالإقامةُ تُجْزِئُهم . واخْتَلَف المتأخِّرُونَ من أصحاب مالكٍ
على قَوْلَين فى وُمجوبِ الأذانِ ؛ فقال بعضُهم: الأذانُ سُنةٌ مُؤَكَّدَةٌ واجِبَةٌ على
الكفايةِ وليس بفَرْضٍ . وقال بعضُهم: هو فرضٌ على الكفاية فى المِصْرِ خاصَّةً .
وقولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ ، أَنَّه سُنَّةٌ مؤكدةٌ على الكفايةِ . وقال الشافِعِىُّ : لا
أُحِبُّ لأحَدٍ أن يُصَلِّىَ فى جماعةٍ ولا وحدَه إلَّا بأذانٍ وإِقامَةٍ. والإِقامَةُ عندَه
أوْكَدُ . وهو قولُ الثورىِّ. واخْتَلَف أصحابُ الشافِعِيِّ؛ فمنهم من قال: إنَّه سُنَّةٌ
على الكفاية. ومنهم من قال: هو فرضٌ على الكفاية. وذكَر الطَّرِىُّ، عن
مالكِ ، أَنَّه قال : إن ترَك أهلُ مِصْرِ الأذانَ عامِدِينَ أعادُوا الصلاةَ. وقال عطاءٌ،
ومُجاهِدٌ ، والأوزاعِىُ، وداودُ بنُ علىٍّ: الأذانُ فرضٌ(١٢). ولم يقولوا: على
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٥٠) .
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٥.
٩٨

الموطأ
الكفاية. وقال الأوزاعى ، وعطاءٌ: من ترَك الإقامةَ أعادَ الصلاةَ . وقال الطَّرِىُّ: التمهيد
الأذانُ سُنَّةٌ وليس بواجِبٍ . وقال الشافعىُّ: تَرْكُ رسولِ اللهِ وَّهِ التَّأْذِينَ حينَ
جمَع بينَ الصلاتين بمزدلفةً ويومَ الخنْدَقِ دليلٌ على أنَّ التَّأَذِينَ ليس بواجِبٍ
فوضًا، ولو لم تُزِ الصلاةُ إلَّا بآذانٍ لم يَدَغ ذلك وهو يُمكِنُه. قال: وإذا كان
هكذا فى الأذانِ كانتِ الإقامةُ كذلك؛ لأنَّهما جميعًا غيرُ الصلاةِ .
واختلفوا أيضًا فى الأذانِ للمُسافِرِ ؛ فروَى ابنُّ القاسم، عن مالكٍ، أَنَّ
الأذانَ إِنَّما هو فى المِصْرِ للجماعاتِ فى المساجد . وروَی أُشْهَبُ ، عن مالك
قال: إنْ ترَك الأذانَ مسافرٌ عامِدًا أعاد الصلاةَ . ذكرَه الطبرئُّ ، قال : أخبرنى
یونسُ بنُ عبدِ الأعْلَی ، قال : أخبرنا اشْهَب ، عن مالك. فذكره. وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه: أمَّا المسافِرُ فَيُصَلِّى بأذانٍ وإقامَةٍ. قالوا: ويُكْرَهُ أن يُصَلِّىَ بغيرِ
أذانٍ ولا إقامةٍ ، وأمَّا فى المِصْرِ فيُسْتَحَبُّ للرجلِ إذا صلَّى وحدَه أن يُؤَذِّنَ وتُقِيمَ ،
فإن اسْتَجْزَأْ بأذانِ الناسِ وإِقامَتِهم أجْزَأَه . وقال الثورىُّ: لا يسْتَجْزِئُ بإقامةِ أهلِ
المِصْرِ . وقال الأوزاعِىُ: لا تُجْزِئُ المسافرَ ولا الحاضِرَ صلاةٌ إذا ترَك الإقامةً.
وقال داودُ بنُ علىّ: الأذانُ واجِبٌ على كلِّ مُسافِرٍ فى خاصَّتِهِ، والإِقامَةُ
كذلك. واحتجّ بحديثٍ مالكِ بنِ الحَيْرِثِ، أَنَّ رسولَ اللهِ بَلِّ قال له
ولصاحِبِهِ: ((إذا كُنْتُما فى سفرٍ (١) فَأَذِّنا وأقِيما، ولْيُؤُمَّكُما أحَدُكُما))(٢). وهو
القبس
(١) فى ى، م: ((سفركما)).
(٢) أخرجه أحمد ٣٦٤/٢٤ (١٥٥٩٨)، والدارمى (١٢٨٨)، والبخارى (٦٢٨)، ومسلم
(٦٧٤)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذى (٢٠٥)، والنسائى (٦٣٣، ٦٣٤)، وابن ماجه (٩٧٩)
من حديث مالك بن الحويرث .
٩٩

الموطأ
التمهيد
قولُ أهلِ الظَّاهرِ، ولا أعلمُ أحَدًا قال بقوله من فُقَهاءِ الأُمْصارِ إلَّ ما رُوِى عن(١)
أَشْهَبَ، عن مالكٍ، وما رُوِىَ عن الأوزاعِيِّ، فيمن ترَك الإقامَةَ دونَ الأذانِ .
وهو قولُ عطاءٍ، ومجاهِدٍ .
وقال الثورىُّ: تُجْزِئُكَ الإقامةُ فى السَّفَرِ عن الأَذانِ ، وإن شِئتَ أنَّنْتَ
وأقمْتَ ، وتَكْفِيك الإقامةُ، وإن صلَّْتَ بغيرِ أذانٍ ولا إِقامَةٍ أُجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ .
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُهما - وهو قولُ أبى ثَورٍ، وأحمدَ،
وإسحاقَ ، والطبرىِّ: إذا ترَك المسافرُ الأذانَ عامِدًا أو ناسيًا أجْزَأَتْه صلاتُه .
وكذلك لو ترَك الإقامةَ عندَهم لم تكنْ عليه إعادَةُ صَلاتِه، وقد أساءً إِنْ ترَكها
عامِدًا. وهو تَخْصِيلُ مذهبٍ مالكِ أيضًا. وقد رَوَى أيوبُ عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، أَنَّه كان فى السَّفَرِ يُصَلِّى بِإِقامَةٍ إِقامَةٍ ، إلَّ الغَداةَ فإنَّه كان يُؤَذِّنُ لها
ويُقيمُ . يعنى صلاةَ الصُّبحِ.
قال أبو عمرَ: قد أجمع العلماءُ على أنَّ المسجدَ إِذا أُذَّنَ فيه واحدٌ وأقامَ ، أنَّه
يُجْزِئُ أذانُه وإقامَتُه جميعَ "من فى" المسجدِ، وأنَّ من أدْرَك الإمامَ فى سَفَرٍ أو
حَضَرٍ وقد دخل فى صلاتِه أنَّه يدْخُلُ معه ولا يُؤَذِّنُ ولا يُقِيمُ ، فدَلَّ إجماُهم فى
ذلك كلِّه على بُطلانٍ قولٍ مَن أَوْجَب الأذانَ على كلِّ إنسانٍ فى خاصَّةِ نفسِه ؛
مُسافِرًا كان أو غيرَ مُسافِرٍ، ودَلَّ على أنَّ الأذان والإقامةَ غيرُ واجِبَين . ومن جهةٍ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٧/١ من طريق أيوب به .
(٣ - ٣) فى م: ((أهل)).
١٠٠
٠٠