النص المفهرس
صفحات 61-80
الموطأ الأذانِ وأولِ الإقامةِ أربعُ مَّاتٍ، ولا خلافَ عندَهم بينَ الأَذانِ والإقامةِ فى التمهيد شیء، ذهبوا فی ذلك إلی حدیثِ عبدِ اللهِ بنِ زیدٍ ، وهو حديثٌ مُختلفٌ فى ألفاظِه وإسنادِه، وسنذكرُه فى بابٍ يحيى بن سعيدٍ ١ إنْ شاء اللهُ. وذهَب مالكٌ، والشافعىُّ، فى الأذان والإقامةِ إلى حديثٍ أبى محذورةَ . ولا خلافَ بينَ مالكِ، والشافعىٌّ، فى الأذانِ، إلَّا فى قوله: اللهُ أكبرُ. فى أولِه، فإنَّ الشافعىَّ ذهَب إلى أنَّ ذلك يُقالُ أربعَ مراتٍ. وذهَب مالكٌ إلى أنَّ ذلك يُقالُ مرتينٍ ، وأكثرُ الآثارِ عن أبى مَحذورةً وغيرِه على ما قال الشافعىُّ، وهو أذانُ أهلِ مكّةَ ، والأذانُ بالمدينةِ على ما قال مالكٌ، وهو شىءٌ يُؤخذُ عملًا؛ لأَنَّه لا يُنفَكُّ منه، ومثلُ هذا يَصحُ فيه ادعاءُ العَملِ بالمدينةِ . واتَّفقَ مالكٌ ، والشافعىُّ ، على الترجيعِ بالشهادةِ فى الأذانِ خاصةً دونَ الإقامةِ على ما فى حديثٍ أبى مَحذورةَ. وذهَب الكوفيون إلى أنْ لا تَرجيعَ فى أذانٍ ولا إقامةٍ، وإنما ذلك عندَهم مثنَى مثنى، إلّ التكبيرَ فى أوَّلِه على حَسَبٍ ما " ذكرتُه لك٢َ) . وقال أحمدُ ، وإسحاقُ: إن رجَّع فلا بأسَ. قال إسحاقُ: هما مُستعملان، والذى أختارُ أذانُ بلالٍ. وقالت طائفةٌ منهم الطبرىُّ : إن شاء رجَع، وإن شاء لم يُرجِّعْ، وإن شاء أذَّن كأذانٍ أُبی محذورةً ، وإن شاء كأذانٍ بلالٍ ، وفى الإقامةِ أيضًا؛ إن شاء ثنَى، وإن شاء أفرَدَ ، وإن شاء قال: قد قامَتِ الصلاةُ . مرَّةً، وإن شاء مرتينٍ، كلَّ ذلكَ مُباح . القبس (١) تقدم ص ٧ - ١٨. (٢ - ٢) فى ص، ص ١٧: ((ذكر مالك))، وفى ص ١٦: ((ذكرت لك)). ٦١ الموطأ التمهید قال أبو عمرَ: قولُ داودَ وأصحابِه فى الأذانِ والإقامةِ كقول الشافعىِّ سواءً، ومِن ◌ُحُجةٍ مالكِ والشافعىِّ فى إفرادِ الإقامةِ ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ ابنُّ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سلمةَ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبرنا خالدٌ ، عن أبى قلابةَ، عن أنس قال: أُمِر بلالٌ أنْ يَشفعَ الأذانَ وأنْ يُوتِّرَ الإقامةَ(١) . وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهابٍ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةً، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ وَهِ أَمَر بلالًا أنْ يَشفعَ الأُذانَ وأَنْ يُوتِرَ الإقامةً(٢) . قال أبو عمرَ: ذكّر عباسٌ(٢)، عن يحتى بنٍ معينٍ قال: لم يرفع هذا الحديثَ غيرُ عبدِ الوهابِ . قال: وقد رواه إسماعيلُ ووهيبٌ ولم يرفعَاه . قال أبو عمرَ : يَعنِى أَنَّه لم يَقُلْ أحدٌ فى حديثِ أنسٍ هذا: إنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ أَمَر بلالاً. غيرَ عبدِ الوهابٍ من أصحابٍ أيوبَ، وغيرُهم يقولون: أُمِرَ القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٣٢/١، ١٣٣ من طريق حماد بن سلمة به. (٢) النسائى (٦٢٦)، وفى الكبرى (١٥٩٢) - ومن طريقه الدارقطنى ٢٤٠/١ - وأخرجه الحاكم ١٩٨/١، والبيهقى ٤١٣/١ من طريق قتيبة به، وأخرجه أحمد ٦٠/١٩ (١٢٠٠١)، ومسلم (٥/٣٧٨)، وأبو عوانة (٩٥٦) من طريق عبد الوهاب به، وعند أحمد ومسلم: ((أُمر بلال)). (٣) تاريخ الدورى ٢٦٩/٤ (٤٣٢٠). ٦٢ : :٧٠٠٠ الموطأ التمهيد بلالٌ. ولا يَذكرونَ النبىَّ وَه . وحجةُ مَن قال: قد قامَتِ الصلاةُ. مرتين، ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق ، وأُخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدَّثنا أبو داودَ ، قالا جميعًا: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن سِماكِ بنِ عطيةً، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، عن أنس قال: أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ وأنْ يُوتِرَ الإقامةَ(١) . زادَ أبو داودَ فى إسنادٍ هذا الحديثِ فقال : حدَّثنا سُليمانُ بنُّ حربٍ وعبدُ الرحمنِ بنُّ المباركِ ، قالا : حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ . ثم ذكره . قال أبو داود(١) : وحدَّثنا مُوسَی بنُ إسماعيلَ، قال: حدّثنا ◌ُهيب، عن أيوب، عن أبى قِلابةً، عن أنس بن مالك قال: أَمِرَ بلالٌ أنْ يَشفَعَ الأذانَ وُوتَرَ الإقامةَ . قال أبو داودَ(١): وحدَّثنا محُميدُ(٤) بنُّ مسعدةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن القبس (١) أخرجه البيهقى ٤١٣/١ من طريق محمد بن بكر به، وهو فى سنن أبى داود (٥٠٨)، وأخرجه الدارمى (١٢٣١)، والبخارى (٦٠٥)، وابن خزيمة (٣٧٦) من طريق سليمان بن حرب به. (٢) أبو داود (٥٠٨) - ومن طريقه أبو عوانة (٩٥٢). (٣) أبو داود (٥٠٩) - ومن طريقه أبو عوانة (٩٥٤) - وأخرجه أحمد ٢٨٨/٢٠ (١٢٩٧١) والبخارى (٦٠٧)، ومسلم (٢/٣٧٨) من طريق إسماعيل به. (٤) فى الأصل: ((حماد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٥/٧. ٦٣ الموطأ التمهيد خالد الحذاءِ، عن أبى قلابةً، عن أنسٍ بنِ مالكِ مثلَ حديثٍ وُهيبٍ. قال إسماعيلُ: فحَدَّثْتُ به أيوبَ ، فقال: إِلَّ الإقامةَ. قال أبو عمرَ : يُريدُ بقولِه : إِلَّ الإقامةَ. قولَه: قد قامَتِ الصلاةُ . فإنَّها لا تُفرَدُ وتثنَّى، يقولُ: أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشِفَعَ الأَذانَ ويُوتِرَ الإقامةَ إِلَّ قولَه: قد قامَتِ الصلاةُ . فإِنَّه مثنَى . حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا يحتى، قال: حدّثنا شُعبةُ ، قال: حدَّثنى أبو جعفرٍ، عن أبى المثنَّى، عن ابنِ عمرَ قال: كان الأذانُ على عهدِ رسولِ اللهِ وَ لِّ مِثنَى مثنَى، والإقامةُ مرةً، إلَّا أَنكَ تقولُ: قد قامَتِ الصلاةُ ، قد قامَتِ الصلاةُ(١) . وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا أسودُ بنُ عامٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبى جعفرٍ المؤذِّنِ، عن أبى المثَّى مُؤذِّنِ المسجدِ الأكبرِ، أَنَّه سمِع ابنَ عمرَ يقولُ: كان الأذانُ على عهدِ رسولِ اللهِ وَ لِّ مثنَى مثنَى، والإقامةُ واحدةً، إِلَّا أنَّه إذا قال: قد قامَتِ الصلاةُ. قالَها مرتين، فكُنَّا إذا سمِعْنا الأذانَ توضَّأْنَا القبس (١) النسائى (٦٢٧)، وفى الكبرى (١٥٩٣). وأخرجه ابن خزيمة (٣٧٤) ن طريق يحيى به. ٦٤ الموطأ التمهید ثم خرَجْنا إلى الصلاةِ . وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدَّثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ جعفر، قال : حدّثنا شُعبةُ، قال: سمِعتُ أبا جعفرٍ يُحدِّثُ عن مُسلم أبى (١) المُثَنَّى، عن ابنِ عمرَ قال: إنما كان الأذانُ على عهدِ رسولِ اللهِ وَّله مرتينِ مرتينٍ، والإقامةُ مرةً مرةً ، غيرَ أنَّه يقولُ: قد قامَتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ. فإذا سمِعْنا الإقامةَ توضَّأْنا ثم خرَجْنا إلى الصلاةِ. فقال شُعبةُ: لم أسمَعْ من أبى جعفرٍ غيرَ هذا الحديثِ (١). قال أبو عمرَ: تحصيلُ مذهبٍ مالكٍ فى الإقامةِ على ما ذكّر ابنُ خُوازِ بندادَ وغيرُه، أنَّها سُنَّةٌ مُؤكدةٌ، وهى عندَهم أوكَدُ من الأذانِ ، ومن ترَكها فهو مُسِىءٌ وصلاتُه مُجزئةٌ. وهو قولُ الشافعىِّ وسائرِ الفقهاءِ فيمن ترَك الإقامةَ، أَنَّه مُسىءٌ بتركِها ولا إعادةَ عليه. وقال أهلُ الظاهرِ، والأوزاعىُّ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ: هى واجبةٌ (١) . ويرون الإعادةَ على مَن تركها أو نَسِيَها . القبس (١) فى ص، ص ١٦، ص ١٧، م: ((بن)). (٢) أبو داود (٥١٠). وأخرجه أحمد ٤٠٣/٩ (٥٥٦٩)، وابن خزيمة (٣٧٤)، وابن حبان (١٦٧٤) من طريق محمد بن جعفر به . (٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٩٥٧، ١٩٥٨، ١٩٧٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢١٨/١، وكتاب الصلاة للفضل بن دكين (٢٨١ - ٢٨٤). ٦٥ ( موسوعة شروح الموطأ ٥/٤ ) الموطأ التمهید ذكَر أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(١) قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن الفَزَارِىِّ، عن الأوزاعىِّ قال: الإقامةُ أوَّلُ الصلاةِ. قال أبو عمرَ: فى قولِهِ وَله: ((تحريمُها التكبيرُ))(١). دليلٌ على أنَّه لم يَدخُلْ فى الصلاةِ مَن لم يُحرِمْ، فما كان قبلَ الإحرامِ فحكمُه ألَّ تُعادَ منه الصلاةُ، إلّا أنْ يُجمِعوا على شىءٍ فيُسَلَّمَ للإجماع؛ كالطهارةِ والقِبلَةِ والوقتٍ ونحوِ ذلك. وأمَّا قولُه: ((حتى يَظلَّ الرجلُ إِنْ يدرِى كم صلَّى)). فإنَّه يُريدُ: حتى يَظَلَّ الرجلُ لا يدرِى كم صلَّى. وكذا رواه بهذا اللفظِ جماعةٌ. ومعنَى ((يظلُّ)): يصيرُ، يقولُ: حتى يصيرَ المرءُ لا يدرِى كم صلَّى. وقيلَ: ((يَظلُّ)) هلهنا بمعنَی ببقَی لا یدرِی کم صلَّى . وأنشَدوا(٣) : ظَلِلْتُ ردائِى فوقَ رأسىَ قاعدًا أَعُدُّ الحصَى ما تَنقضِى عَبَراتى ومن روَاه بكسرِ الهمزِ: ((إنْ يدرِى كم صلَّى)). فـ ((إنْ)) بمعنَى ((ما)) كثيرٌ، ولكنَّ الروايةَ عندَنا بفتحِ الهمزةِ (٤) . واللهُ أعلمُ. القبس : (١) ابن أبى شيبة ١٢٧/١٤. (٢) سيأتى تخريجه ص ١٧٧ . (٣) البيت لامرئ القيس، فى ديوانه ص ٧٨. (٤) قال القاضى عياض: كذا لجمهور الرواة والأشياخ بكسر الألف، وهو الصواب . = ٦٦ ١٥١ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن أبى حازم بنِ [٢٥ظ] الموطأ دينارٍ ، عن سهلٍ بنِ سعدِ الساعدىِّ، أنه قال: ساعتان تُفتَحُ لهما أبوابُ السماءِ، وقَلّ داع تُرَدُّ عليه دعوتُه؛ حَضْرَةُ النداءِ للصلاةِ، والصَّفُّ فى سبيلِ اللهِ. مالكٌ، عن أبى حازم، عن سهلٍ بنِ سعدِ الساعدىِّ قال: ساعتان تُفتحُ التمهيد لهما أبوابُ السماءِ، وقلّ داع تُرَدُّ عليه دعوتُه؛ حضرةُ النداءِ للصلاةِ ، والصفُّ فى سبيلِ اللهِ (). هكذا هو موقوفٌ على سهلٍ بن سعدٍ فى ((الموطأ)) عندَ جماعةِ الرواةِ ، ومثلُه لا يُقالُ مِن جهةِ الرأي، وقد رواه أيوبُ بنُ سُويدٍ ومحمدُ بنُ مَخْلَدٍ (٣) وإسماعيلُ بنُ عمرَ(٢) ، عن مالكٍ مرفوعًا؛ كتَب إلىَّ أبو الفضلِ أحمدُ بنُ أبى القبس حديثٌ: ((ساعتانٍ تُفْتَحُ فيهما أَبوابُ السماءِ)). قال (٤ الإمامُ الحافظُ أبو بكرِ بنُ العربىُّ: أبوابُ السماءِ مُغَلَّقةٌ وكذلك أبوابُ الجنةِ، لا تُفْتَحُ إلا لسببٍ؛ مِن مُرُوجٍ = وضبطه الأصیلی بالفتح وابن عبد البر وقال: هى رواية أكثرهم، قال : ومعناها : لا يدرى. وليس بشىء، وهو مفسد للمعنى . مشارق الأنوار ١/ ٤١. (١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٥). وأخرجه عبد الرزاق (١٩١٠)، وابن أبى شيبة ٢٢٤/١٠، ٢٢٥، والبخارى فى الأدب المفرد (٦٦١)، وابن المنذر فى الأوسط (١١٩٢)، والبيهقى ٤١١/١ من طريق مالك به . (٢) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((خالد)). (٣) فى النسخ: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ١٥٤/٣. والأثر أخرجه ابن حبان (١٧٢٠) من طريق إسماعيل بن عمر به . (٤ - ٤) فى ج، م: ((أبى)). ٦٧ الموطأ التمهيد عمرانَ الهَرَوِىُّ إجازةً بخطِّه، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ علىٍّ بنِ عاصمٍ الأصبهانيُ ، قال: حدَّثنا أبو بشرِ الدُّولائِيُ، قال: حدَّثنا أبو عَميرةَ عبدُ العزيزِ ابنُّ أحمدَ بنِ سُويدِ البَلَوِىُّ، حدَّثنا أيوبُ بنُّ سُويدٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبى حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((ساعتانٍ تُفتحُ فيهما أبوابُ السماءِ وقلَّما تُردُّ على داع دعوتُهُ؛ لحضورِ الصلاةِ، والصَّفِّ فى سبيلِ اللهِ)». القبس أمرٍ، أو تُزُولٍ قضاءٍ، أو ما شاء اللَّهُ تعالى، والبارئُ سبحانه هو الذى يسمَعُ الأقوالَ ، وهو الذى يرفَعُ الأعمالَ، وهو الذى يقبَلُ الدعاءَ، وقد جعَل لذلك علاماتٍ ، وقَرَنه بأسبابٍ، وخَصَّ به أوقاتًا؛ منها حَضْرةُ الصلاةِ، ومنها الاصْطِفافُ عندَ القتالِ، فينبغى أن تَغْتِمَ تلك الساعةَ وأمثالَها؛ فإنها متهيِّئَةٌ للقَبولِ، ولكن للدُّعاءِ شُرُوطٌ يُقْبَلُ معها، ولا يصحُ دونَها، وقد بيَّنَّا فى كتابٍ ((المُشْكِلَيْن)) شروطَه وخصائصَه، وجِماعُها عشرونَ خَصْلةً ، وثمرتُهُ(١) الإجابةُ، وكلُّ داع مقبولٌ دعاؤُه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ [البقرة: ١٨٦]. لكنَّ الإجابةَ على ثلاثةِ أَوجهٍ ؛ إمَّا أن تُقْضَى له حاجته التى عَيَّن ، وإمَّا أن يُعَوَّضَ خيرًا منها مما لم يَعْلَم الدَّاعی قَدْرَها ولو علمە لرّضِی بالبَدَلِ، وإمَّا أن يُدَّخَرَ له إلى الآخرةِ، وكذلك هو نصُّ الحديثِ عن رسولِ اللهِ ◌ِهُ(١)، ﴿ وَلَلَّخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. (١ - ١) فى الأصل، ص ١٦، ص ١٧، م: ((أبو عمير أحمد بن عبد العزيز))، وفى ص ٢٧: ((أبو عمر أحمد بن عبد العزيز)). وسيأتى على الصواب فى ص ٧١، وينظر صحيح ابن خزيمة ٢١٩/٤. (٢) فی ج، م: ((ثمرتها)). (٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٥٠٦) من الموطأ . ٦٨ i الموطأ قال: وحدَّثنا الطبرانىُ، قال: حدَّثنا موسى بنُ جُمْهُورٍ، قال: حدَّثَنا مُؤْمَّلُ التمهيد ابنُّ إهابٍ ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ ، حدَّثنى مالكٌ، عن أبى حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ساعتانٍ لا تُرَدُّ على داعٍ دعوتُهُ فيهما؛ حينَ تُقَامُ الصلاةُ، والصَّفِّ فى سبيلِ اللهِ)) (١) . فائدةٌ: الأذانُ إنما وُضِع - كما قدَّمنا - للإعلامِ بالوقتِ ، فلا يكونُ إلا عندَ القبس دخول الوقتِ، فَلَمْ يُشْرَعِ الأذانُ فى الدينِ للنوافلِ، وإنما شُرِعٍ للإعلامِ بوقتٍ الفرائضِ خَلا الصبحَ؛ فإنه يُنادَى لها قبلَ وقتِها بقليلٍ ليتأهّبَ الناسُ لها، ويُوقِعوها فى وقتها، إذ تُصادِفُهم على غفلةٍ ، وفى وقتٍ يَشُقُّ عليهم القيامُ، وقد غَلا فى ذلك بعضُ الرواةِ فقال : إنه يُؤْذِّنُ للصبح عندَ الفراغ من صلاةِ العَتَمةِ. وقيل : يُؤْذَّنُ لها إذا انتصف الليلُ أو تَثَلَّث. وهذا كلُّه ضعيفٌ؛ لأَنه ليس فى تلك الأوقاتِ صلاةُ فريضةٍ ، وإنما هى أوقاتُ فضيلةٍ ، ولم يُشْرَعْ لها أذانٌ ، فلا ينبغى أن يُلتَفَتَ إلى ذلك. كيفيةُ الأذانِ: اختلَفت الروايةُ فيه عن النبيِّ وَلِّ مِن طريقِ مُؤذِّنِيه ؛ بلالٍ وسعدٍ وسَمُرةَ وغيرِهم ، ومالَ جماعةٌ مِن العلماءِ إلى تَزبيع التكبيرِ ، وحُذوا - أخَذ اللَّهُ تعالى بكم ذاتَ اليمينِ - ما مَهَّدْنا) لكم أصلاً فيما تقدَّم مِن أن عملَ أهلِ المدينةِ فيما طريقُه النقلُ أصلٌ لا يُزَعْزَُ، وقد نقَلَت الأذانَ تسعَ عشْرَةَ كلمةً نقلًا متواترًا ، فَتَرجّح على غيرِهِ، وكذلك نقَلَت الإقامةَ فُرادَى حتى الإقامةَ منها، فكان هذا النقلُ المتواترُ مُرَّحًا على الحديث الصحيح: أَمِر بلالٌ أَن يَشْفَعَ الأذانَ (١) الطبرانى (٥٧٧٤). وأخرجه ابن حبان (١٧٦٤) من طريق مؤمل به . (٢) فى م: ((لتأهب)). (٣) فى ج، م: ((يوقعونها)). (٤) فى ج، م: ((مهدناه)). ٦٩ الموطأ التمهید وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ز کریا ، حذَّثنا محمدُ ابنُّ جعفرِ الكوفىُ، حدَّثْنا مُؤمَّلُ بنُ إهابٍ، حدَّثنا أيوبُ بنُ سُویدٍ ، حدَّثنی مالكٌ . فذكره پاسنادِه مرفوعًا . وحدَّثنا خلفٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ (١) بنِ إسحاقَ بنِ عُتَبَةَ الرازىُّ وأبو القاسمِ علىُّ بنُ الحسنِ بنِ جعفرٍ ابنُ أخى محمدِ بنِ جعفرٍ الإمامُ بدِمِيَاطَ ، قالا : حدَّثنا بكرُ بنُ سهلِ الدِّمياطئُ ، حدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدِ الرُّعَيْنِىُ، حدَّثنا مالكٌ، عن أبى حازمٍ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((ساعتانٍ تُفتحُ فيهما أبوابُ السماءِ، قلَّما تُرَدُّ فيهنَّ دعوةٌ؛ حُضورُ الصلاةِ، وعندَ الصَّفِّ (٢) للقتالِ))(٢). وقد رُوِى عن النبيِّ وَلَّ أنه قال: ((لا يُردُّ الدُّعاءُ بينَ الأذان والإقامةِ)) . مِن وُجوهِ حسانٍ . أخبرنا خلفُ بنُ قاسم ، حدّثنا ابنُ السکنِ، حدثنا یحتی بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ(٢)، حدَّثنا حفصُ بنُ عمرو الرّقاشِئُ، حدّثنا أبو زیادٍ سهلُ بنُ زیادٍ الطَّانُ، عن سليمانَ التَّيمِىِّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((إذا وأن(٤) يُوتِّرَ الإقامةَ(٥). "إِلَّ الإقامةَ)). القبس (١) فى ص ١٧، م: ((الحسين)). (٢) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٤٣/٦ من طريق بكر بن سهل الدمياطى به . (٣) فى ص ١٧، م: ((ساعد)). (٤) سقط من: ج. (٥) تقدم تخريجه ص ٦٢ ، ٦٣ . (٦ - ٦) سقط من: ج. وهذه الزيادة من قول أيوب فى رواية أبى داود تقدمت ص ٦٤. ٧٠ الموطأ التمهید نُودىَ بالأذانِ فُتِحَتْ أبوابُ السماءِ، واستجيبَ الدعاءُ)) ". وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، حدثنا محمدُ ابنُ عبدِ السلامِ الخُشَنِىُّ، حدَّثنا بُندارٌ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدیٍّ ، حدَّثنا سفيانُ، عن زيدٍ، عن ١٢) أبى إياسٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأذانِ والإقامة(٣) . وروَى يزيدُ الرَّقاشىُّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((عندَ الأذانِ تُفتحُ أبوابُ السماءِ، وعندَ الإقامةِ لا تُرَدُّ دعوةٌ))(٤) . وقال عطاء: عندَ نزولِ الغيثِ ، والتِقَاءِ الزَّحْفَيْن، والأذانِ ، يُستجابُ (٥) الدعاء(٥). وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، حدَّثنا أبو عميرةَ عبدُ العزيزِ بنُ أحمدَ بنِ سُويدٍ ، حدَّثنا أيوبُ بنُ سُویدٍ الرَّمْلِىُ، حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن أبى حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدِ الساعدىِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((ساعتانِ تُفتحُ لهما أبوابُ السماءِ، وقلَّما تُرَدُّ على الدَّاعِى فيهما دعوتُه ؛ حُضورُ الصلاةِ، والصَّفُّ فى سبيلِ اللهِ)). القبس (١) أخرجه أبو يعلى (٤٠٧٢) من طريق سهل بن زياد به . (٢) فى ص ٢٧: ((بن)). (٣) أخرجه النسائی فی الکبری (٩٨٩٨) من طريق ابن مهدی به . (٤) أخرجه الطيالسى (٢٢٢٠)، وابن أبى شيبة ٢٢٦/١٠ من طريق يزيد الرقاشى به. (٥) سيأتى تخريجه فى شرح حديث (٥٠٥) من الموطأ . ٧١ الموطأ التمهيد وحدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، حدَّثنا محمدُ بنُّ جرير، حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارَةَ الأَسدىُّ، قال: حدَّثنا ◌ُبيدُ اللهِ بنُ موسى، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن بُرَيدِ(١) بنِ أبي مريمَ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ الدعاءَ لا يُرَدُّ بين الأذانِ والإقامةِ)) (١). وأخبرنا أحمدُ، حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، حدَّثنا أبو هشامٍ الرّفاعُ ، حدثنا ابنُ یمانٍ() ، حدثنا سفيان، عن زيد العمِئِ ، عن أبی إیاسٍ معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أنسٍ بنِ مالك قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الدعاءُ لا يُرَدُّ بينَ الأذانِ والإقامةِ))(٤). ووقَفه ابنُ مهدئٍّ، عن سُفيانَ؛ حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا محمدٌ، حدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن زيدِ العمِّىِّ، عن أبى إياسٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأَذانِ والإقامةِ(٥). قال: وحدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، وابنُ المثنَّى، قالا: حدَّثنا يحتى بنُ سعيدٍ ، عن سليمانَ التَّيمىِّ، عن قتادةَ، عن أنس قال: إذا أُقيمت الصلاةُ فُتِحَت أبوابُ السماءِ ، القبس (١) فى النسخ: ((يزيد)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٢. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٦/١٠ عن عبيد الله بن موسى به، وأخرجه أحمد ٤١/٢٠ (١٢٥٨٤) والنسائى فى الكبرى (٩٨٩٥) من طريق إسرائيل به . (٣) فى م: ((عامر)). وينظر تهذيب الكمال ٥٥/٣٢. (٤) أخرجه الترمذى (٣٥٩٤) عن أبى هشام به، وأخرجه أحمد ٢٣٤/١٩ (١٢٢٠٠)، وأبو داود (٥٢١)، والترمذى (٢١٢، ٣٥٩٥)، والنسائى فى الكبرى (٩٨٩٦، ٩٨٩٧) من طريق سفیان به . (٥) تقدم تخريجه الصفحة السابقة . ٧٢ : قال يحيى: وسُئِل مالِكٌ عن النداءِ يومَ الجُمُعةِ، هل يكونُ قبلَ أن الموطأ يَحِلَّ الوقتُ ؟ فقال: لا يكونُ إلا بعدَ أن تَزُولَ الشمسُ . قال يحيى : وسئِلَ مالِكٌ عن تَثْنِيَةِ الأذانِ والإقامةِ ، ومتى يچِبُ القيامُ على الناسِ حينَ تقامُ الصلاةُ ؟ فقال : لم يَبلُغْنى فى النداءِ والإقامةِ إلا ما أدرَ كتُ الناسَ عليه ؛ فأما (١) واستجيب الدعاء التمهيد وأما قولُه : سُئل مالكٌ عن النداءٍ(١) يومَ الجمعةِ، هل يكونُ قبلَ أن يحِلّ الاستذكار الوقت؟ قال : لا یکونُ إلا بعد أن تزولَ الشمسُ. وقد ذكرنا اختلاف الناسِ فی وقتٍ الجمعةِ، وأن الفقهاءَ أئمةَ الأمصارِ على أنه لا يجوزُ الأذانُ لها إلا بعدَ الزوالِ كالظهرِ، وللاختلافِ فى ذلك - واللهُ أعلمُ - سُئل مالكٌ عنه . ولما أجمَع الفقهاءُ على أنها تنوبُ فى يومِها عن الظهرِ، ويجب أن يكونَ وقتُها وقتَ الظهرِ قياسًا ونظرًا، وعلى ذلك جماعةُ الفقهاءِ، والحمدُ للهِ . وأما قولُه: إنه لم يبلُغْنى فى النداءِ(٢) والإقامةِ إلا ما أدركتُ الناسَ عليه ، فأما توقيتْ: قال النبيُّ ◌َلّهِ: ((إِذا أُقيمَتِ الصلاةُ فلا تَقُوموا حتى تَرَوْنى)). القبس وهذا إذا كان الإمام غائبًا، فإن كان حاضرًا؛ فقال مالكٌ : ليس فى ذلك حَدِّ (١) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩٩٠٠) عن ابن المثنى به . (٢) فى ص، م: ((الأذان)). (٣ - ٣) سقط من: ج. (٤) سيأتى تخريجه ص ١٨١. ٠٠ ٠. ٧٣ الموطأ الإقامةُ فإِنها لا تُثَنَّى، وذلك الذى لم يزلْ عليه أهلُ العلم ببلدنا، وأما قيامُ الناسِ حينَ تُقامُ الصلاةُ فإنی لم أسمع فى ذلك بحدِ يُقامُ له ، إلا أنی أَرَى ذلك على قدرٍ طاقةِ الناسِ، فإن منهم الثقيلَ والخفيفَ، ولا يستطيعون أن يكونوا کرجل واحدٍ . الاستذكار الإقامةُ فإنها لا تُثَنَّى، وهذا الذى لم يزلْ عليه أهلُ العلم ببلدنا . فتصريح بأنه لم يبلُغْه فيه حديثٌ مِن أخبارِ الآحادِ، وأن الأذان والإقامةَ عندَه مأخوذان مِن العملِ بالمدينةِ، وهو أمرٌ يصِحُ فيه الاحتجاجُ بالعملِ؛ لأنه شىءٌ لا ينقَكُ منه فى كلِّ يومٍ مِرارًا، وقد (١) يصِحُ لغيرِهِ مثلُ ذلك؛ لأن كلَّ بلدةٍ أخَذت علمَ شريعتها فى أولِ أمرِها عن الصحابةِ النازلين بها، وهم الذين وعَوا عن نبيّهم، وأُمِروا بالتبليغِ فَلَّغوا. وهذا يدلُّك على أن الأذانَ وجهُ الاختلافِ فيه الإباحةُ على ما قدَّمنا، وقد مضَى فى الأذانِ والإقامةِ ما فيه كفايةٌ . القبس معروفٌ، وإنما ذلك على قَدْرِ حالِ الناسِ. وقال غيرُه: وقتُ القيامِ عندَ قولِه: قد قامتِ الصلاةُ. وإنما أخذوها مِن هذا اللفظِ، والأذانُ الثانى مِن التكبيرِ إلى التهليلِ كلُّه إقامةٌ؛ فلذلك جعله مالكٌ رحِمه اللهُ كلَّه وقتًا للقيام؛ لأنه كلَّ لفظً للإشعارِ بالصلاةِ والإعلامِ بحضورِها، فيتَأَّبُ كلُّ أحدٍ على قدرِ حالِه . (١) بعده فى م: ((لا)). ٧٤ الموطأ وأما قولُه فى قيام الناسِ إلى الصلاةِ ، أنه لا حدَّ عندَه فيه؛ لأن الناسَ تختلفُ الاستذكار أحوالُھم فمنهم الثقیلُ والخفیفُ . فیدُلَّ علی أنه لم یکنْ عندَه فیه عن السلفِ ما ينزِغُ به فى جوابٍ سائلِه . وهذه مسألةٌ قديمةٌ لكبارِ التابعين ومَن تلاهم مِن فقهاءِ المسلمین . وقد ذكرنا فى ((التمهيدِ)) () بالأسانيدِ عن عمرو بنٍ مُهاجرٍ، قال : رأيتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، ومحمدَ بنَ كعبِ القُرَظىَّ، وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ ، وأُباقِلابةً ، وعِراكَ بنَ مالكِ الغِفاريَّ، ومحمدَ بنَ مسلم الزهرىّ، وسليمانَ بنَ حبيبٍ، يقومون إلى الصلاةِ فى أولٍ بدءٍ مِن الإقامةِ . قال : وسمِعتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقولُ: إِذا سمِعتَ النداءَ بالإقامةِ فَكُنْ أولَ مَن أجاب . قال: وكان إذا قال المؤذنُ : قد قامت الصلاةُ. عدَل الصفوفَ بيدِه عن يمينه ويسارِه، فإذا فرغ المؤذنُ کبر . وعن عمرَ بنِ عجلانَ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ بِخُنَاصِرَةَ(١) يقولُ حينَ يقولُ المؤذنُ : قد قامَت الصلاةُ: قومُوا ، قد قامَت الصلاةُ . وعن ابنِ المباركِ، عن عبد الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، قال: سمِعتُ الزهرىَّ يقولُ: ما كان المؤذنُ يقولُ: قد قامَت الصلاةُ. حتى تعتدلَ الصفوفُ . القبس (١) سيأتى ص ١٨٢، ١٨٣. (٢) خناصرة: بليدة من أعمال حلب. معجم البلدان ٢/ ٤٧٣. ٧٥ الموطأ الاستذكار وعن ابنِ المباركِ ، عن أبى يَعلَى ، قال : رأيتُ أنسَ بنَ مالكِ إذا قيل : قد قامَت الصلاةُ . قام فوقَب . وعن الحسنٍ وابنٍ سيرينَ، أنهما كانا يكرّهان أن يقوما حتى يقولَ المؤذنُ : قد قامَت الصلاةُ . وقال فَوْقَدٌ السَّبَخِىُّ للحسنِ: أرأيتَ إذا أَخَذ المؤذنُ فى الإقامةِ ، أأقومُ أم حتى يقولَ المؤذنُ : قد قامَت الصلاةُ؟ فقال الحسنُّ: أُّ ذلك شئتَ . وروَى كُلثومُ بنُّ زيادٍ ، عن الزهرىِّ ، عن سعيد بن المسيبِ ، قال : إذا قال المؤذنُ: اللهُ أكبرُ. وجَب القيامُ، فإذا قال: حىَّ على الصلاةِ. اعتدلَت الصفوفُ، فإذا قال: لا إلهَ إلا اللهُ. كبَّرَ الإمامُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : إذا لم يكُنِ الإمامُ معهم فى المسجدِ ، فإنهم لا يقومُون حتى يَروا الإمامَ. وهو قولُ الشافعىّ، وداودَ. وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ : إذا كان الإمامُ معهم فى المسجدِ ، فإنهم يقومُون فى الصفّ إذا قال المؤذنُ : حیَّ على الفلاح . وقال الشافعىُّ وأصحابُه، وداودُ : البِدَارُ فى القیامِ إلى الصلاةِ أولی فی أخذِ المؤذن فی الإقامة ؛ لأنه پِدارٌ إلی فعلِ بِّ. ولیس فى ذلك شيءٌ محدودٌ عندَهم، وحُجَّتُهم حديثُ أبى قتادةَ عن النبيِّ وَلَّهِ، أنه قال: ((إذا أُقيمت الصلاةُ، فلا تقومُوا حتى ترَونى)). وقد ذكرنا أسانيدَ هذه الآثارِ كلِّها فى ((التمهيدِ))(١). القبس (١) سيأتى تخريجها ص ١٨١ . ٧٦ الموطأ وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن حنبل: سألتُ أبى عن الإمام ، يكبّو إذا قال الاستذكار المؤذنُ : قد قامَت الصلاةُ . أو حينَ يفرغُ مِن الإقامةِ؟ فقال : حديثُ أبى قتادةَ : (( لا تقومُوا حتى ترَونى)). وقد رُوى عن ابنِ عمرَ أنه كان ببعَثُ إلى الصفوفِ، فإذا استَوت كبّر. وحديثُ: لا تَشْبِقْنى بـ: آمينَ. فأرجو ألا يُضَيَّقَ ذلك. قال أبو عمرَ : قولُه : لا تسبِقْنى بـ: آمين . يعنى حديثَ بلالٍ ؛ لأنه كان يتولَّى إِقامةَ الصلاةِ، فقال للنبىِّ وَالّ: لا تسبِقْنى بـ: آمينَ. أىْ: لا تَسْبِقْنى بقراءةٍ فاتحةِ الكتابِ ، فيفوتَنى معك قولُ : آمينَ . ومِن هلهنا قال أبو هريرةَ: مَن فاتته قراءةُ أَمّ القرآنِ فقد فاتَّه خيرٌ كثيرٌ . حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داود ، قال : حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بنِ راهُویه الحنظلُ ، قال: حدّثنا و کیھٌ، عن سفيانَ، عن عاصم، عن أبى عثمانَ ، عن بلالٍ ، أنه قال : يا رسولَ اللهِ ، لا تسبقْنی بـ: آمينَ(١) . وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن رسولَ اللهِ وَله كان يكبّرُ للإحرامِ ويقرأُ وبلالٌ فى إقامةِ الصلاةِ . وهو مخالفٌ لحديثٍ أبى هريرةَ وحديثٍ أبى قتادةَ؛ فلذلك قال أحمد : أرجو ألا يُضيَّقَ شىءٌ مما قيل فى هذا الباب . وفی حدیثِ بلالٍ أيضًا أن رسولَ اللهِ كان يقولُ: ((آمِينَ)). وقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: حديثُ أبى قتادةَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((إذا أُقيمت الصلاةُ، فلا تقومُوا حتى القبس (١) سيأتى تخريجه ص ١٨٠ ٧٧ قال يحيى : وسُئِل مالِكٌ عن قوم حُضُورٍ أرادوا أن يَجمَعوا المكتوبةَ ، الموطأ فأرادوا أن يُقيمُوا ولا يُؤْذِّنوا، قال مالك: ذلك مُجْزِئُ عنهم، وإنما يَجِبُّ النداءُ فى مساجدِ الجماعاتِ التى تُجْمَعُ فيها الصلاةُ . الاستذكار ترَوْنى)). أتذهَبُ إليه؟ قال: أنا أذهَبُ إلى حديث أبى هريرةَ، قال: خرج علينا رسولُ اللهِ ﴾﴾ وقد أقمنا الصفوف ، فأقبلَ یمشِی حتی أتی مقامه ، فذكر أنه لم يغتسِلْ. إسنادُه جيدٌ، ورواه الزهرىُّ، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةً(١) ، ولا أدفَعُ حديثَ أبى قتادةً . قال أبو عمرَ : وحديثُ أبى قتادةَ رواه يحيى بن أبى كثيرٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى قتادةَ، عن أبيه، عن النبيِّ وَلِّ، وخرَّجه أهلُ الصحيحِ كلُّهم. وأما قولُه: وسُئل عن قومٍ حُضُورٍ أرادوا أن يجمعوا المكتوبةَ، وأرادوا أن يُقيموا ولا يُؤْذِّنوا، فقال مالك: ذلك مجزِئٌ عنهم، وإنما يجبُ النداءُ فى مساجدِ الجماعاتِ التى تُجمعُ فيها الصلاةُ. فقد اختلف العلماءُ فى هذه المسألةِ اختلافَ استحبابٍ، وما أعلمُ أحدًا منهم أفسَد صلاةَ مَن لم يؤذِّنْ إذا أقام ، بل الصلاةُ مُجزِئةً عند جمیعھم إذا صُلِّیتْ پاقامةٍ ، و کذلك عند الجمهورِ لو لم يُقيموا وقد أساءُوا. وقال الشافعىُّ: تَرْكُ رسولِ اللهِ وَلِّ التأذينَ حينَ جمَع بينَ الصلاتَين بمُزدلفةً ويومَ الخندقِ ، دليلٌ على أن التأذينَ ليس بواجبٍ فرضًا، ولو لم تَجُزِ الصلاةُ إلا بأذانٍ لم يَدَعْ ذلك وهو يُمكِنُهُ(١) . قال: وإذا كان هكذا القبس (١) تقدم تخريجه فى ٣٥٩/٣، ٣٦٠. (٢) فى م: ((بمكة)). ٧٨ قال يحيى: وسُئِلَ مالك عن تسليم المؤذنِ على [٢٦ و] الإمام ودعائِه إياه الموطأ للصلاةِ، ومَن أولُ مَن سُلِّمَ عليه، فقال: لم يَتْلُغْنى أن التسليمَ كان فى الزمانِ الأولِ . فى الأذانِ كانت الإقامةُ كذلك ؛ لأنهما جميعًا غيرُ الصلاةِ . وقال الشافعىُ : لا الاستذكار أحِبُّ لأحدٍ أن يصلىَ فى جماعةٍ ولا وحدَه إلا بأذانٍ وإقامةٍ . والإقامةُ عندَه أوكدُ، وهو قولُ الثورىّ ومالكِ أيضًا. قال مالكٌ، والثورىُّ: لا يستَجزِئُ بإقامةِ أهلِ المِصْرِ المصلِّى وحدَه. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إن استجزّأ بإقامةِ أهلِ المِصْرِ وأذانِهم أجزأه. ويستحبُّون إذا صلَّى وحدَه أن يؤذنَ ويقيمَ. ويأتى القولُ فى أذانِ المسافرِ والمنفردٍ فى بابِ الأذانِ فى السفرِ بعدَ هذا البابِ . وأما قولُه : وسُئل عن تسليم المؤذن على الإمامِ ودعائِه إِيَّه بالصلاةِ ، ومَن أولُ مَن سُلِّم عليه ، فقال: لم يبلُغْنى أن التسليمَ كان فى الزمانِ الأولِ. فهو كما قال ، لم يكنْ ذلك فى زمنٍ أبى بكرٍ ، وعمرَ، وعثمانَ ، وعلىِّ رضِى اللهُ عنهم. ويقالُ: إن أولَ مَن فعلَ ذلك معاويةُ ، أمَر المؤذِّنَ بأن يُشعِرَه ويُناديَه، فيقولَ : السلامُ على أمير المؤمنين ورحمةُ اللهِ ، الصلاةَ يرحمُك اللهُ. وقد قيل : إن المغيرةَ ابنَ شعبةَ أولُ مَن فعل ذلك، والأولُ أصحُ. وكان مالكٌ يقولُ: فى : حىَّ على الصلاةِ ، حىَّ على الفلاحِ. ما يكفِى مِن الدعاءِ إليها . قال أبو عمرَ : مَن خشِى على نفسِه الشُّغُلَ عن الصلاةِ بأمورٍ المسلمين وما یجوزُ فعلُه ، فلا بأسَ أن یقیم لذلك مَن يُؤْذِنُه بالصلاةِ ، ويُشعِرُه پإقامتها إن شاء اللهُ تعالى . القبس ٧٩ قال یحیی: وسئل مالِكٌ عن مؤذِّنٍ أذَّن لقوم ، ثم انتظر هل یأتیه الموطأ أحَدٌ ، فلم يأتِه أحدٌ ، فأقام الصلاةَ وصلى وحدَه ، ثم جاء الناسُ بعدَ أن فرَغْ، أَيُعِيدُ الصلاةَ معهم؟ فقال: لا يُعيدُ الصلاةَ، ومَن جاء بعدَ انصرافِه، فلْيُصَلِّ لنفسِه وحدَه . الاستذكار وأما قولُه فى مؤذنٍ أَذِّن لقوم، ثم انتظَر هل يأتيه أحدٌ فلم يأته أحد١ٌ) ، فأقام وصلَّى وحدَه، ثم جاء الناسُ بعدَ أن فرَّغ مِن الصلاةِ، أنهم يصلُّون أفذاذًا(٢) ولا يجمعون ، ولو جمعوا لم يجمع معهم . هذا معنی قوله دونَ لفظه ؛ فإن ابن نافعٍ قال: إنما عنَى مالكٌ بالمؤذن(١) هلهنا الإمامَ الراتبَ إذا انتظَر القومَ وصلَّى ثم أَتَى الناسُ، لم يجمَعوا، ولم يُرِدٍ(٤) المؤذِّنَ. قال ابنُّ نافعٍ: فإن لم يكنِ الإمامَ الراتبَ ، فلا بأسَ أن يجمَعوا تلك الصلاةَ فى ذلك المسجدِ ، ويصلِّيّها ذلك المؤذنُ معهم إن شاء اللهُ . قال أبو عمر : تفسير ابن نافع لذلك تفسیرٌ حسنٌ على أصلٍ مذهب مالك فى ذلك؛ لأنه لم يختلِفْ قولُه أن كلَّ مسجدٍ له إمام راتبٌ ، أنه لا تُجمَعُ فيه صلاةٌ واحدةٌ مرتين، فإن كان مسجدٌ على طريقٍ تصلِّى فيه المارّةُ يجمَعون فيه، فلِمَن جاء بعدَهم أن يجمعوا فيه، وهو قولُ ابنٍ القاسمِ، وأجاز ذلك أشهَبُ . القبس (١ - ١) سقط من: ص، م. (٢) فى ص، م: ((أفرادا)). (٣) فى الأصل: ((بالأذان)). (٤) فى ص، م: ((يؤذن)). ٨٠