النص المفهرس

صفحات 341-360

الموطأ
التمهيد
فقد صَحَّحَ أحمدُ الحَدِيثَينِ جميعًا عن النبيِّ بَّهِ؛ حديثَ أبى هريرةَ ،
وحديثَ أبى موسى، قولَه عليه السلامُ: ((إذا قَرَأْ الإمامُ فَأَنْصِتُوا)). فأينَ المذْهبُ
عن سُنةِ رسولِ اللهِ وَّهِ، وظاهرِ كتابِ اللهِ عزَّ وجلّ، وعَمَلِ أهلِ المدينةِ؟ ألا
ترَى إلى قولِ ابنِ شهابٍ: فانْتَهَى الناسُ عن القراءةِ مع رسولِ اللهِ وَلَه فيما جَهَرَ
فيه رسولُ اللهِ وَّه بالقراءةِ حينَ سمِعوا منه: ((ما لى أَنَازَعُ القرآنَ)). وقال مالكٌ:
الأمرُ عندَنا أنَّه لا يقرَأَ مع الإمام فيما جَهَرَ فيه الإمامُ بالقراءةِ . فهذا يدُلُّكَ على أنَّ
هذا عملٌ مَوْرُوثٌ بالمدينةِ .
ذگر عبد الرزاق (١) ، عن الثوریِّ ، عن سليمانَ الشَّئْبانى ، عن جواب ، عن
يزيدَ بنِ شَريكٍ ، أنَّه قال لعُمَرَ: أقرَأَ خلفَ الإمام؟ قال: نعم. قال: وإنْ قَرَأتَ
يا أميرَ المؤمنينَ. قال : نعم وإن قرأْتُ .
وعن ابنِ التيمىٌّ ، عن لَيْثٍ ، عن الأشعثِ ، عن أبى يزيدَ ، عن الحارثِ بنِ
سُويدٍ ويزيدَ التيمىِّ قالا : أمرَنا(٢) عمرُ بنُ الخطابِ أن نقرَأً(٢) خلفَ الإمامِ ).
وهذا مَحْمَلُهُ(٥) عندَنا فيما أُسَرَّ فيه الإِمامُ، لأنَّ ابنَ عيينةَ روَى عن أبى
إسحاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عن رجلٍ، قال: عَهِدَ إلينا عمرُ بنُ الخطابِ ألَّ نقرَأَ مع
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٧٧٦).
(٢) فى ى: ((أمر)).
(٣) فى ى: ((يقرأ)).
(٤) عبد الرزاق (٢٧٧٧).
(٥) فى م: ((محله)).
٣٤١

الموطأ
التمھید
الإمام . وهذا عندنا على الجھرِ ؛ لئلا يتضادّ الخبر عنه، وليس فى هذا البابِ
شىءٌ يَثْبُتُ مِن جِهَةِ الإسنادِ عن عمرَ، وعنه فيه اضطِرابٌ . وأمّا على، فأُصَحُ
شیء عنه ما رواه الزهرى ، عن عبد اللهِ بنِ أبی رافعٍ، عن على بن أبى طالبٍ قال :
يقرأُ الإمامُ ومَن خلفَه فى الأولَيَيْنِ مِن الظُّهرِ والعصرِ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ))
وسورةٍ سورةٍ، وفى الأخريتن بـ: ((فاتحة الكتاب))، ويقرأُ الإمامُ فى المغربِ
فى الأُولَيَيْنِ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ)) وسورةٍ سورةٍ (١، وينْصِتُ مَن خلفَه، ويقرَأُ
الإِمامُ ومَن خلفَه فى الثالثةِ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ))، ويقرَأ الإمامُ فى العشاءِ فى
الأُولَيَيْنِ بـ: «فاتحة الكتابِ)» وسورةٍ سورةٍ، ويُنْصِتُ مَن خلفَه ، ويقرَأُ الإِمامُ
ءِ
ومَن خلفَه فى الأُخْرَبَيْنِ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ ))، وأمرَهم أنْ يُنْصِتُوا فى الفجرِ.
ذکرَ إِسحاقُ بنُ راهُویه، عن یزید بن هارون ، عن سفيان بن حسینٍ ، عن
الزهرىِّ .
فهذا يدْفِعُ ما رَوَى عنه أهلُ الكُوفةِ ، وهو مذهبُ أهلِ المدينةِ .
وأمَّا أَتَُّ بنُ كعبٍ، فذكَرَ عبدُ الرزاقِ(٣)، عن يحيى بنٍ
العلاءِ، ("عن أبى سنانٍ)، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى الهُذئِلِ، أَنَّ أُتَعَّ بِنَ
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٨٠٤).
(٢) سقط من: م.
(٣) عبد الرزاق (٢٧٧٢)، ومن طريقه البيهقى فى جزء القراءة (١٩٨).
(٤ - ٤) سقط من النسخ ، ومصنف عبد الرزاق ، والمثبت من جزء القراءة للبيهقى ، وينظر تهذيب
الكمال ٣٠٦/١٣.
٣٤٢

الموطأ
كعب كان يقرَأَ خلفَ الإمامِ فى الظهرِ والعصرِ. وفى تَخْصِيصِه التمهيد
الظهرَ والعصرَ دليلٌ على أنَّه كان لا يقرَأَ فيما جهَرَ فيه مِن
الصلواتِ، ويقرَأُ فى غيرِها . واللهُ أعلمُ.
وكذلك ما رُوِىَ عن عبدِ الله بن عمرو فى ذلك .
ذكَرَ عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابن عيينةً، عن حُصَيْنٍ بنِ عبدِ الرحمنِ قال :
سمِعتُ عبيدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عُثْبَةَ يقرَأَ فى الظهرِ والعصرِ مع الإمامِ ، فسألتُ
إبراهيمَ فقال: لا تَقْرَأْ إلَّا أنْ تَتَّهِمَ الإمامَ . وسألتُ مجاهدًا فقال: قد سمِعتُ
عبدَ اللهِ بنَ عمرو يقرأُ .
وعن الثورىِّ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ قال : سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو
يقرأُ خلفَ الإمامِ فى الظهرِ والعصرِ(١) .
وأمَّا ابنُ عمرَ، فأصَحُ شىءٍ عنه ما ذكَرَه عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أنبأنا ابنُ
جريجٍ، قال: حدَّثنى ابنُّ شهابٍ، عن سالم، أنَّ ابنَ عمرَ كان يُنْصِتُ للإمامِ
فيما جَهَرَ فيه الإمامُ بالقراءةِ لا يقرّأُ معه. وكلُّ ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ مِن
الألفاظِ المُجْمَلَةِ فهذا يُفَسِّرُها؛ ولهذا واللهُ أعلمُ أَدْخَلَ مالكٌ قولَ ابنِ عمرَ
المُجْمَلَ فى بابٍ تركِ القراءةِ خلفَ الإمامِ فيما جهَرَ فيه ، وقَدَه بتَرْجَمَةِ البابِ ،
ثم قال : مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه كان إذا سُئِلَ : هل يقرَأُ أحدٌ خلفَ
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٧٧٥).
(٢) عبد الرزاق (٢٧٧٤).
(٣) عبد الرزاق (٢٨١١).
٣٤٣

الموطأ
التمهيد الإمام؟ قال: إذا صلّى أحدُكم خلفَ الإمامِ فحَسْبُه قراءةُ الإمام ، وإذا صلَّ
ءُ
وحده فليقْرَأْ. قال: وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ لا يقرَأْ خلفَ الإمامِ (١).
قال أبو عمرَ : يُريدُ فیما جَهَر فیه ، بدلیلٍ حدیثِ ابن شهاب ، عن سالم،
عنه، ويَدُلُّكَ على ذلك أنَّ مالكًا جعَل قولَ ابنِ عمرَ هذا فى بابٍ تركِ القراءةِ
خلفَ الإمامِ فيما جهرَ فيه الإمامُ بالقراءةِ. ثم أَرْدَفَه بقولِه: الأمرُ عندَنا أنْ يقرَأَ
الرجلُ وراءَ الإمامِ فيما لا يجْهَرُ فيه الإمامُ بالقراءةِ ، ويَتْكَ القراءةَ فيما يجهرُ فيه
الإمامُ بالقراءة . ثم أردفَ قوله هذا بحديثِ ابنِ شهاب المذ کورِ فی هذا البابِ ،
عن ابنٍ أُكَيْمَةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قولِه: ((ما لِى أَنَازَعُ القرآنَ)).
ذكَر عبدُ الرزاقِ(٣) ، عن معمرٍ وابن جريجٍ، عن الزهرىٌّ، عن سالمٍ قال :
تکفیك قراءة الإمامِ فیما یجھرُ به .
وعن معمرٍ، عن الزهرىِّ قال: إذا قرأ الإِمامُ وجهرَ، فلا يقرأْ شيئً(٣).
فهذا مذهبُ مالكِ ومن ذكّرنا مِن العلماءِ فى هذا البابِ .
ولا تجوزُ القراءةُ عندَ أصحابٍ مالكِ خلفَ الإمامِ إذا جَهَرَ بالقراءةِ ، وسواءٌ
سمِعَ المأمومُ قراءتَه أو لم يَسْمَعْ ؛ لأنها صلاةٌ جَهَر فيها الإمام بالقراءةِ ، فلا يجوزُ
فيها لمَن خلفَه القراءةُ ؛ لأنَّ الحُكْمَ فيها واحدٌ ، كالخُطْبةِ يومَ الجمُعةِ ، لا يجوزُ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٩٠).
(٢) عبد الرزاق (٢٨١١).
(٣) عبد الرزاق (٢٧٨٤).
٣٤٤

الموطأ
التمهید
لمَن لم يَسْمَعْها وشَهِدَها أنْ يتكَلَّمَ، كما لا يجوزُ أنْ يَتكَلَّمَ مَن سَمِعَها ، سواءً .
وسواءٍ عندَهم ((أَمُّ القرآنِ)) وغيرها، لا يجوزُ لأحدٍ أن يتشاغلَ عن الاستماع
لقراءةٍ إمامِه والإنصاتِ، لا بـ: ((أَمّ القرآنِ)) ولا بغيرِها. ولو جاز للمأموم أن يقرأ
مع الإمامِ إِذا جَهَرٍ ، لم يكنْ لجَهْرِ الإمامِ بالقراءةِ معنًى؛ لأَنَّه إِنَّمَا جَهَر لِيُسْتَمَعَ له
ويُنْصَتَ، و: ((أَمّ القرآنِ)) وغيرُها فى ذلك سواءٌ. واللهُ أعلمُ .
وقال أحمدُ بنُّ حنبلٍ : مَن لم يسمع قراءةً الإمامِ جاز له أن يقرأ ، وكان عليه
إذا لم يسمع أن يقرَأَ ولو بـ: ((أَمّ القرآنِ))؛ لأَنَّ المأمورَ بالإنصاتِ والاستماعِ هو
مَنْ سَمِعَ دونَ مَن لم يسمعْ . وقال بقوله طائفةٌ مِن أهلِ العلم قبلَه وبعدَه . وقال
بعضُ أصحابٍ مالكٍ : لا بأسَ أن يتكلَّمَ يومَ الجمعة من لا يسمعُ الخَطِیبَ بما
شاءَ مِن الخيرِ ، وما به الحاجةُ إليه. وكَرِه مالكٌ له ذلك. وقد ذكَوْنا هذه المسألةً
فى مَوضِعِها مِن هذا الكتاب (١).
ذکرَ عبد الرزاق(٢) ، عن الثوریِ ، عن الصَّلْتِ الَّبعىِّ ، عن سعيد بن جبيرٍ
قال : إذا لم يُشْمِعْك الإمامُ فاقْراً .
وعن ابنٍ تجريجٍ، عن عطاءٍ قال : إذا لم تَفْهَمْ قراءةَ الإمام فاقْرَأْ إن شئتَ
(٣)
وسَبغ (١) .
وقال آخرون: لا يَتْرُكُ أحدٌ مِن المأمومِينَ قراءةَ ((فاتحةِ الكتابِ)) خلفَ
القبس
(١) سيأتى ص٦٦٦ - ٦٧٤.
(٢) عبد الرزاق (٢٧٧٨).
(٣) عبد الرزاق (٢٧٧٩).
٣٤٥

الموطأ
التمهيد إمامِه فيما جهَر فيه الإِمامُ بالقراءةِ؛ لأنَّ قولَ رسولِ اللهِ وَالَ: ((لا صلاةَ لمَن لم
يقرَأْ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ))(١). عامّلا يخُصُّه شىءٌ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ لم يَخُصَّ
بقولِه ذلك مُصَلِّيًا مِن مُصلِّ. قالوا: وقولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ
فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾. خاصّ واقعٌ على ما سِوَى ((فاتحةِ الكتابِ)). وكذلك
قولُه: ((مالِى أَنَازَعُ القرآنَ)). وقولُه: ((وإذا قرَأَ فَأَنْصِتُوا)). أرادَ: بعدَ ((فاتحةِ الكتابِ)).
ومِمَّن ذهَب إلى هذه الجُمْلَةِ الأَوْزاعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ. وهو قولُ
الشافعيّ بمصرَ، وعليه أكثرُ أصحابِه ؛ منهم المُزَنِىُّ ، والبُوَيْطِئُ . وبه قال أبو
ثور .
ورُوِىَ ذلك عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى،
وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، واختُلف فيه عن أبى هريرةً ١) . وهو قولُ عروةَ بنِ الزييرِ ،
وسعيدِ بنِ جبيرٍ، ومكحولٍ، والحسنِ البصرىِّ.
وذکر و کیت، عن ابن عون ، عن رجاء بن حيْوَةً، عن محمود بن الربيعِ
قال: صلَّيْتُ إلى جَتْبٍ عُبادةَ بن الصامتِ، فقرَأ بـ: ((فاتحة الكتاب))، فلمَّا
انْصَرَفَ قلتُ : يا أبا الوليدِ، ألمْ أسْمَعْكَ قرأْتَ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ))؟ قال:
أجلْ، إِنَّه لا صلاةَ إلَّ بها(٣).
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٩٥، ٢٩٦، وسيأتى ص ٣٥١.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١/ ٣٧٥، وابن المنذر فى الأوسط (١٣٢٧) من طريق وكيع به، وأخرجه
عبد الرزاق (٢٧٧١)، والبيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (٢٠١، ٢٠٢) من طريق ابن عون به .
وسقط من مصنف عبد الرزاق : محمود بن الربيع .
٣٤٦

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
زُهَيْرٍ، حدَّثنا هارونُ بنُ معروفٍ، حدَّثنا ضمرَةُ، عن الأوزاعيِّ، قال: أَخَذْتُ
القراءةَ مع الإمامِ عن عبادةَ بنِ الصامتِ ومكحولٍ .
ذگرَ عبدُ الرزاق (١) ، عن المُثَنَّی بنِ الصَّبَّاحِ، عن عمرو بن شعيب ، عن
أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ بَّر قال: ((إذا كنتَ مع الإمامِ فاقرَأْ
بـ: ((أمّ القرآنِ)) قبلَه، أو(١) إذا سَكَتَ)).
وهذا الحديثُ لا يَصِحُ بهذا اللَّفْظِ مرفوعًا ، والمُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ ضعيفٌ ،
ومنهم مَن يُوقِفُ هذا الحدیثَ علی عبدِ الله بن عمرو .
وعبد الرزاق() ، عن ابنِ المُثَنَّی ، عن ليث ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: لا بُدَّ أنْ يقْرَأَ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ)) فيما يَجْهَرُ فيه الإمامُ، وفيما لا يَجْهَرُ.
وليثُ ابنُ أبى سُليمٍ ضعيفٌ ليس بحُجةٍ .
وعن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ قال: إذا كان الإمامُ يجهرُ فَلْيُبَادِرْ بالقراءةِ بـ ((أُمّ
القرآنِ )) ، أو لِيقْرَأْهَا بعدَ ما يَسْكْتُ، فإذا فرَعَ فلْيُنْصِتْ كما قال اللهُ عزَّ وجلّ (١).
وعن ابنٍ جريجٍ ومعمرٍ ، قالا: أنبأنا ابنُ خُثَيْمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أَنَّه قال:
لا بُدَّ أنْ يُقرَأَ بـ: ((أُمَّ القرآنِ)) مع الإمامِ، ولكن مَن مَضَى كانوا إذا كَبَّرَ الإِمامُ
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٧٨٧، ٢٧٩٣).
(٢) فى النسخ: ((و)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) عبد الرزاق (٢٧٧٣).
(٤) عبد الرزاق (٢٧٨٨).
٣٤٧

الموطأ
التمهید
سَكَتَ سَكْتَةً لا يَقْرَأُ، قَدْرَ ما يُقرَأُ بـ: ((أُمّ القُرآنِ))(١).
وعن معمرٍ، عمن سَمِعَ الحسنَ يقولُ: اقْرَأْ بـ: ((أُمّ القرآنِ))، جَهَرَ الإمامُ أو
لم يجْهَرْ، فإذا جَهَرَ فَفَرَغَ مِن ((أمّ القرآنِ)) فاقْراً بها أنت(٢) .
وعن إبراهيمَ بنِ محمدٍ ، عن شَريكِ بنِ أبِى نَمِرٍ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ قال :
إذا قال الإِمامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾. قَرْ(١٣) بـ: ((أُمّ
القرآنِ ))، أو(٤) بعدَما يَفْرُغُ مِن السورةِ التى بعدَها (٥).
وإبراهيمُ بنُ محمدٍ هذا هو ابنُ أبي يحيى، قد أجمعوا على تَوْكِ حديثه ،
ورمَوْه بالكذِبِ، وكان مالكٌ يُسىءُ القولَ فیه، وابنُ خُثَئِم فیہ لِینٌ ، لیس
بالقوىِّ .
حدَّثنى أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، حدَّثنا
محمدُ بنُ قُطَيْسٍ، حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ بنِ سِنانٍ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيد
القطانُ، حدَّثنا هشامُ بنُ حسَّانَ، عن الحسنِ قال: اقْرَأْ بـ: ((فاتحة الكتابِ))
خلفَ الإمامِ ، جَھَرَ أو لم يَجْهَرْ .
وقال البُوَيْطِئُ، عن الشافعيّ: إِنَّ المأمومَ يقرَأُ فيما أَسَرَّ فيه الإِمامُ بـ: ((أُمّ
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٧٨٩).
(٢) عبد الرزاق (٢٧٩٠، ٢٧٩٢، ٢٨٢٠).
(٣) فى م: ((اقرأ)).
(٤) فى النسخ: ((و)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٥) عبد الرزاق (٢٧٩١).
٣٤٨

الموطأ
التمهيد
القرآنِ )) وسورةٍ فى الأُولَينِ، وبـ: ((أُمّ القرآنِ)) فى الأُخْرَيْنِ، وما جَهَرَ فيه الإمامُ لا
يقرأُ مَن خلفَه إِلَّ بـ: (( أُمَّ القرآنِ)). قال البُوَيْطِئُ: وكذلك يقولُ الليثُ، والأوزاعىُّ.
ورَوَى المُزَنِىُّ، عن الشافعىِّ أنه يقرأُ فيما أسَرَّ وفيما جَهَر. وهو قولُ أبى ثورٍ .
وذكَر الطبرىُّ، عن العباسِ بنِ الوليدِ بنِ مَزْيَدٍ ١، عن أبيه، عن الأوزاعىِّ ،
قال: يقْرَأُ خلفَ الإمام فيما أسَرَّ وفيما جَهَرَ. وقال: فإِذا جَهَر فأنْصِتْ، وإذا
سَكَتَ فاقْرَأْ . يعنى فى سَكَتَاتِهِ بينَ القراءتَيْنِ .
قال أبو عمرَ: رَوَى الحسنُ، عن سمُرَةَ، أنَّ النبيَّ ◌َ لهل كانت له سكتَاتٌ ؛
حينَ يُكَبُرُ يَفْتَتِحُ الصلاةَ ، وحينَ يَقْرَأ ((فاتحة الكتاب) . وإلى ذلك ذهب هؤلاء.
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن يونُسَ ، عن
الحسن، عن سَمُرَةَ قال: حَفِظْتُ لرسولِ اللهِ وَسَكْتَتَيْنِ فى صلاِه، سكْتَةً
إِذا كَبَ، وسَكْتَةً إِذا فَرَعَ مِن قراءةِ ((فاتحةِ الكتابِ )) . فأنكَرَ ذلك عليه عمرانُ بنُ
حُصَيْنٍ، فَكَتَبُوا فى ذلك إلى المدينةِ إلى أُتَىِّ، فقال: صدّق سمُرَةً(١).
قال أبو داودَ(٣): وحدَّثنا أبو بكرٍ(٤) بنُ خَلَّادٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ
القبس
(١) فى النسخ: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٥/١٤.
(٢) أبو داود (٧٧٧) - ومن طريقه البيهقى ١٩٦/٢ - وأخرجه أحمد ٣٨٧/٣٣ (٢٠٢٤٥)،
وابن ماجه (٨٤٥)، والدارقطنى ٣٣٦/١ من طريق إسماعيل به، وأخرجه أحمد ٣١٢/٣٣، ٣٩٥
(٢٠١٢٧، ٢٠٢٦٦)، والدارقطنى ٣٣٦/١ من طريق يونس به.
(٣) أبو داود (٧٧٨) .
(٤) بعده فى م: ((محمد)). وأبو بكر هو محمد، وأثبتناه كما فى مصدر التخريج . وينظر تهذيب
الكمال ١٦٩/٢٥.
٣٤٩

الموطأ
التمهيد الحارثِ ، قال: حدَّثنا أَشْعَثُ، عن الحسنِ ، عن سمُرةَ بنِ مُنْدُبٍ، عن النبىِّ
وَّهِ، أَنَّه كان يسكُتُ سَكْتَتَيْنٍ؛ إذا اسْتَفْتَحَ، وإذا فرَغَ مِن القراءةِ كلِّها . ( ثم
ذكر معنی حدیث یونس .
وروَى قتادةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، مِثْلَه )(٢).
وقال أبو داودَ : كانوا يَسْتَحِبُونَ أن يَسْكِتَ عندَ فراغِه مِن السورةِ لئلَّّ يَصِلَ
التَّكْبِيرَ بالقراءةِ .
ورَوَى أبو زُرْعَةَ، عن أبى هريرةَ قال: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إِذا كَبَّرَ فى
الصلاةِ سكَتَ بينَ التّكبيرةِ والقراءةِ(١) .
قال أبو عمرَ: فذهَبَ هؤلاء إلى أنَّ الإمامَ يسْكِتُ سَكتَاتٍ على ما فى هذه
الآثارِ، ويتَحَيَّنُ المأمومُ تلك السَّكتَاتِ مِن إمامِه فى إمامَتِه، فيقرَأُ فيها بـ(أُمِ القرآنِ)).
قال الأوزاعىُ، والشافعىُّ، وأبو ثورٍ: حَقٌّ على الإمام أن يَسْكُتَ سَكْتَةً بعدَ
التّكْبِيرَةِ الأولَى ويَسْكِتَ بعدَ ( قراءتِه لـ: ((فاتحةٍ ) الكتابِ))؛ ليقرَأَ مَن خلفَه
القبس
(١ - ١) سقط من: بى.
(٢) أخرجه أحمد ٢٦٩/٣٣ (٢٠٠٨١)، والبخارى فى جزء القراءة خلف الإمام (٢٧٧)، وأبو
داود ( ٧٧٩، ٧٨٠)، وابن ماجه (٨٤٤)، والترمذى (٢٥١) من طريق قتادة به .
(٣) أخرجه أحمد ٨١/١٢، ٤٨٥/١٥، ٢٥٧/١٦ (٧١٦٤، ٩٧٨١، ١٠٤٠٨)، والبخارى
(٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨)، وأبو داود (٧٨١)، وابن ماجه (٨٠٥)، والنسائى (٦٠، ٨٩٣،
٨٩٤) من طريق أبى زرعة به .
(٤ - ٤) فى ى: ((فاتحة)).
٣٥٠

الموطأ
التمهيد
بـ: ((فاتحةِ الكتابِ))، فإنْ لم يَفْعَلْ، فاقْرَأْ معه بـ: ((فاتحةِ الكتابِ))، وأُسْرِع
القراءةَ. هذا لفظُ الأوزاعيِّ، وقولُ الشافعىِّ، وأبو ثَورِ مثلُه. وأمَّا مالكٌ فَأَنْكَرَ
السَّكْتَتَيْنِ ولم يعرِفْهما، وقال: لا يقرأُ أحدٌّ مع الإمام إذا جهَر قبلَ قِراءته ولا
بعدَها. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: ليس على الإمام أنْ يسكُتَ إذا كَبَّرَ، ولا إذا
فَرَغَ مِن قراءةِ (( أُمّ القرآنِ))،ولا يقرأُ أحدٌ خلفَ إمامِه.
قال أبو عمرَ : مِن حُجّةٍ مَن ذهبَ مذْهبَ الأوزاعِيِّ فى هذا البابِ ما حدَّثناه
سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ،
قال: حدَّثنا الحُميدىُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزهرىُّ، قال:
سمِعتُ محمودَ بنَ الربيع يُحدِّثُ، عن عُبادة بن الصامتِ، أَنَّ النبيَّ ◌َّه قال:
(١)
((لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بـ: ((فاتحة الكتابِ)))).
قالوا : فهذا على عُمُومِه فى الإمامِ والمأمومِ ؛ لأَنَّه لم يخُصَّ إمامًا مِن مأموم
ولا مُنْفَردٍ. قالوا: ولما لم يُنُبْ ركوُ الإمامِ، ولا قيامُه، ولا إِخْرامُه، ولا
سُجوده ، ولا تسلیمُه ، عن ر کوع المأموم ، ولا عن قیامِه ، ولا عن سجودِه، ولا
عن إحرامِه، ولا عن تَسْلِيمِه، فكذلك لا تَنُوبُ قِراءَتُه فى ((أَمِّ القرآنِ )) عن
قراءَتِه . وقالوا : إنْ كان الزهرىُّ قد رَوَى هذا الحديثَ مُجْمَلًا مُحْتَمِلًا للتأويلِ،
فقد رَواه مكحولٌ مُفَشَرًا .
وذكّروا ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا
القبس
(١) الحميدى (٣٨٦). وتقدم تخريجه ص٢٩٥، ٢٩٦.
٣٥١

الموطأ
التمهيد قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبی
شيبةً ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ نُمَيْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن
مكحول، عن محمودٍ بن الربيعِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ قال: صلَّى بنا
رسولُ اللهِ وَّهِ العشاءَ، فَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلمَّا انصرَفَ قال: ((لعلَّكم
تَقْرَءُونَ خلفَ إمامِكم؟ )) قال: قلنا: أجَلْ يا رسولَ اللهِ، إِنَّا لتَفْعَلُ. قال:
(لا تَفْعَلُوا إِلَّا بـ: ((أَمَّ القرآنِ))؛ فإنَّه لا صلاةَ إلَّ بها))(١).
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثْنا مُؤَمَّلُ بنُ يحيى بنِ مَهْدِىٍّ،
حدَّثنا محمدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الإمامِ(٢)، حدَّثنا علىَّ بنُ عبدِ اللهِ المدنِئُ، حدَّثنا
تزیدُ بنُ هارونَ ، حدّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن مکحول، عن محمود بنِ
الربيعِ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَّهِ صلاةَ الغداةِ،
فتقُلَتْ عليه القراءةُ ، فلمَّا انصرَفَ قال: ((إنّى لأَراكم تَقْرَءُونَ وراءَ الإمامِ)) .
قلنا: نعم يا رسولَ اللهِ. قال: ((فلا، إلا بـ: ((أُمّ القرآنِ))؛ فإنَّه لا صلاةَ
لمن لم يقرأْ بها)(٣).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ النَّيْسابُورىُّ، حدَّثنا
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٧٣/١، ٣٧٤ - ومن طريقه البيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (١١٠م) -
وأخرجه ابن حبان (١٧٩٢)، والبيهقى (١١١) من طريق عبد الله بن نمير به .
(٢) بعده فى م: ((حدثنا ابن الإمام)).
(٣) أخرجه أحمد ٣٧٠/٣٧ (٢٢٦٩٤)، وابن خزيمة (١٥٨١) والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٥/١،
وابن حبان (١٧٩٢) من طريق يزيد بن هارون به، وينظر ما تقدم ص ٢٩٥.
٣٥٢

الموطأ.
أحمدُ(١) بنُ عمرِو البَزَّارُ، حدَّثْنا مُؤَمَّلُ بنُ هشام، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ،
وهو ابنُّ عُلَّةَ ، عن محمد بن إسحاق ، عن مكحول ، عن محمود بن الربيعِ،
عن عُبادة بن الصامتِ، عن النبيِّ ◌َالآلِ. فذكر نحوه(٢).
التمهيد
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، حدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ يحيى، حدَّثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ،
حدَّثنا علىُّ بنُ المدِینیّ ، حذَّثنا یحیی بنُ سعیدٍ ، حدَّثنا جعفرُ بنُ میمونٍ ، حدَّثنا
أبو عثمانَ النَّهدِىُّ ، عن أبى هريرةَ ، أُنَّ رسولَ اللهِ ێ آمر رجلا یُنادِی فی الناسِ
((أنْ لا صلاةَ إلَّا بقراءةِ ((فاتحة الكتابِ)) فما زادَ)) (١).
وحدَّثناه أحمدُ بنُّ فتح ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ز کریا ، حدّثنا أحمدُ
ابنُ عمرٍو البَزَّارُ، حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن جعفرِ بنِ
ميمونٍ، عن أبى عثمانَ، عن أبى هريرةَ قال: أمَر النبىُ وَ لَّهِ مُناديًا يُنادِى ((أَلَا لا
صلاةَ إِلَّا بـ: (( فاتحة الكتاب))))(١).
قالوا: وهذا على عُمُومِه فى كُلِّ أحدٍ، مأمُومًا كانَ أو إمامًا أو منفرِدًا .
وذكَّروا ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثْنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ
حمّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا خالدٌ
الخَذَّاءُ، عن أبى قِلابَةً، عن محمدِ بنِ أبى عائشةَ، عمَّن شَهِدَ ذلك قال: صلَّى
القبس
(١) فى النسخ: ((محمد)).
(٢) البزار (٢٧٠٢). وأخرجه ابن خزيمة (١٥٨١)، وابن حبان (١٧٨٥)، والدارقطنى ٣١٨/١ (٥)،
والحاكم ٢٣٨/١، والبيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (١١٠) من طريق مؤمل بن هشام به.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٩٦.
٣٥٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٣/٤)

الموطأ
التمهيد النبيُّ وَله، فلمَّا قَضَى صلاتَه قال: (أَتَقْرَءُونَ والإمامُ يقرَأَ؟)) فسَكَتُوا. قال:
(أَتَقْرَءُونَ والإمامُ يقرَأُ ؟)) قالوا: إِنَّا لنفْعَلُ. قال: ((فلا تفْعَلوا إلا أنْ يقرَأَ أحدُكم
بـ: ((أُمُ القرآنِ)) فى نفسِه)(١).
قال أبو عمرَ : أمّا حدیثُ محمدِ بنِ إسحاق وزیادتُه على الزهرىِّ فإنها
غير مقبولةٍ ؛ لأنه ممن لا يُحتجُ به جملةً عندَ جماعةِ أهلِ العلمِ بالحديثِ ؛ منهم
أحمدُ بنُ حنبلٍ، ويحيى بنُ سعيدِ القطانُ، وكان علىُّ بنُ المدينىِّ، وشعبةُ،
وابنُ عيينةً ، يَحْتُون بحديثه جملةً ، وأما هذا الحديثُ ، فقد خُولِف فيه محمدُ
ابنُ إسحاق١َ) ، فرَوَاه الأوزاعىُّ، عن مكحول، عن رجاءِ بنِ حيْوَةً، عن عبدِ اللهِ
ابنِ عمرٍو قال: صَلَّيْنا مع النبيِّ وَّهِ، فلمَّا انْصرَفَ قال لنا: ((هل تَقْرءونَ القرآنَ
إذا كنتم معى فى الصلاةِ؟)) قلنا: نعم. قال: ((فلا تَفْعَلُوا، إلَّ بـ: (أُمّ القرآنِ))(٣).
ورَوَاه زيدُ بنُ واقدٍ (٤)، عن مكحول، عن نافع بنِ(٥) محمودٍ، عن عُبادةً(١).
ونافع هذا مجهولٌ . ومِثلُ هذا الاضْطرَابِ لا يثْبُتُ به عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ
القبس
(١) أخرجه البخارى فى جزء القراءة خلف الإمام (٦٧)، والبيهقى فى المعرفة (٩٢٠) من طريق يزيد
ابن زريع به، وأخرجه عبد الرزاق (٢٧٦٦)، وأحمد ٦١١/٢٩، ٢٠٥/٣٤، ٣٦٤، ٤٦٥/٣٨
(١٨٠٧٠، ٢٠٦٠٠، ٢٠٧٦٥، ٢٣٤٨١)، والبيهقى ١٦٦/٢، وفى المعرفة (٩٢١، ٩٢٢)،
وفى جزء القراءة خلف الإمام (١٥٥ - ١٥٧) من طريق خالد الحذاء به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه البيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (٤٠٧) من طريق الأوزاعى به .
. (٤) فى م: ((خالد)). وينظر تهذيب الكمال ١٠٨/١٠.
(٥) فى ى: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٩١.
(٦) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (٦٧)، وفى جزء القراءة خلف الإمام (٦٥)، وأبو داود =
٣٥٤

الموطأ
شىءٌ . وليس فى هذا البابِ ما لا مَطْعَنَ فيه مِن جِهَةِ الإسنادِ غيرُ حديثِ الزهرىِّ، التمهيد
عن محمودٍ بنِ الربيع، عن عُبادةَ . وهو مُحْتَملٌ للتأويلِ . وأمَّا حديثُ محمدِ بنِ
أبى عائشةَ، فإنَّمافيه: ((إلَّا أنْ يقرَأَ أحدُكم بـ: ((أمّ القرآنِ)) فى نفسِه)). ومعلومٌ أنَّ
القراءةَ فى النَّفْسِ ما لم يُحَرَّكْ بها اللِّسَانُ، فليست بقراءةٍ ، وإنَّما هى حديثُ
النَّفْسِ بالذِّكْرِ ، وحديثُ النَّفْسِ مُتَجاوَزْ عنه؛ لأَنَّه ليس بعملِ يُؤَاخِذُ عليه فيما
نُهِىَ أَنْ يَعْمَلَه، أو يُؤَدِّى عنه فَرْضًا فيما أُمِرَ بِعَمَلِهِ .
وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِى: إن كانت قِراءةُ الإمام بغيرِ ((أُمّ القرآنِ))
قراءةً لمَن خلفَه، فينبغى أن تكونَ ((أُمَّ القرآنِ)) كذلك، وإن كانت لا تكونُ قِراءةً
لمَن خلفَه، فقد نقَصَ مَنْ خلفَ الإمامِ عمَّا سُنَّ مِن القراءةِ للمُصلِّينَ، وحُرِمَ مِن
ثواب القراءةِ بغيرِ (( أُمّ الكتابٍ)) ما لا يعلمُ مَبْلَغَه إلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ. قال: والذى
يُصَلِّى خلفَ الإمامِ محُكْمُه فى القراءةِ حُكْمُ مَن قرَأَ؛ ( إلا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد
أَشْرَكَ بينَ القارِئِّ وبينَ المُسْتَمِعِ المُنْصتِ ، فهما شَرِيكَانِ فى الأجرِ ، وكذلك
الذى يَخْطُبُ يومَ الجمُعةِ والمُسْتَمِعُ لخُطْبَيِه. قال: وكذلك جاء عن عثمانَ .
وقال آخرون ؛ منهم سفيانُ الثورِىُّ ، وابنُ عيينةً، وابنُ أبى ليلَى ، وأبو حنيفةً
وأصحابُه، والحسنُ بنُ حَىٍّ: لا يقْرَأَ مع الإمام ، لا فيما أسَرَّ ولا فيما جَهَر. وهو
قولُ جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ ١، وجماعةٍ مِن التابعين بالعراقِ. ورُوِى ذلك أيضًا عن
القبس
.
= (٨٢٤)، والنسائى (٩١٩) من طريق زيد بن واقد به.
(١ - ١) فى م: ((لأن)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٦١.
٣٥٥

الموطأ
التمهيد زيدِ بنِ ثابتٍ )، وعلىٍّ(٢)، وسَغدٍ(١)، وهؤلاء ثبتَ ذلك عنهم مِن جِهَةٍ
الإسنادٍ. واحْتَجَّ مَن ذهَب هذا المذْهَبَ بأنْ قال: قولُ رسولِ اللهِ وَله :
((لا صلاةَ لمَن لم يقرَأُ) بـ: ((فاتحة الكتابِ)))). خاصٌّ واقعٌ(٤) على مَن
صلَّى وحدَه، أو كان إمامًا، فأمَّا مَن صلَّى وراءَ إِمَامٍ، فإنَّ قراءةَ الإمامِ له
قراءةٌ . واسْتَدَلّوا على صحةٍ قولِهِم بأنَّ الجمهورَ قد أجْمَعُوا على أنَّ الإمامَ
إذا لم يقرّأْ " وقرأْ) مَن خلفَه، لم تَنْفَعهم قِراءَتُهم، فدَلَّ على أنَّ قراءةً
الإمام قراءةٌ "لمن خلفَه) ( ورَوَوا عن عمرَ بنِ الخطابِ أنه لم يَقْرَأْ فى
صلاةٍ صلَّها فأعاد بهم الصلاةَ(١).
حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدّثنا أبو داود ،
قال: حدَّثنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ وابنُ السرحِ، قالاْ): حدَّثنا سفيانُ، (°عن
٨)
الزهرىِّْ)، عن محمودٍ بنِ الرَّبيعِ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، ( يَبْلُغُ به
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٦٠، ٣٦١.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٦٠.
(٣) بعده فى م: ((فيها)).
(٤) فى م: ((وواقع)).
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦ - ٦) فى م: ((لهم)).
(٧) تقدم تخريجه ص٢٩٢ .
(٨ - ٨) فى م: ((أنه سمع)).
٣٥٦

الموطأ
النبيَّ ◌َِّ قال: ((لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بـ: ((فاتحةِ الكتابِ)) فصَاعِدًا)).
قال سفيانُ: لمَن يُصَلِّى وحدَه(١).
التمهيد
واحتَبُّجُوا بحديثٍ جابرٍ، عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال: ((مَنْ كان له إمامٌ
فقرَاءَةُ الإِمامِ له قراءةٌ)). وهذا حديثٌ رَوَاه جابرٌ الجُعْفِىُ، عن أبى الزُّبَيْرِ، عن
جابرٍ، عن النبيِّ وَلَ﴾(١). وجابرٌ الجُغْفِىُّ ضعيفُ الحديثِ، مذمومُ
المذهبٍ، لا يُحْتَجُّ بمثلِه ( وإن كان حافظًا).
وقد روَى هذا الحديثَ أبو حنيفةً، عن موسى بن أبى عائشةَ،
عن عبدِ اللهِ بنِ شدادِ بنِ الهادِى، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ
وَلَه١). ولم يَسنِدْه غيرُ أبى حنيفةً وهو سيِّئُ الحفظِ عندَ أهلِ
الحديثِ، وقد خالفَه الحُفَّاظُ فيه؛ سفيانُ الثورىُّ(٥)، وشعبةُ(٢)، وابنُ
القبس
(١) أبو داود (٨٢٢). وأخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (٦٦)، وفى جزء القراءة خلف الإمام
(٢٩٩) عن قتيبة به .
(٢) أخرجه عبد بن حميد (١٠٤٨)، وابن ماجه (٨٥٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٧/١،
وابن عدى ٥٤٢/٢، ٢١٠٧/٦، والدارقطنى ٣٣١/١، والبيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام
(٣٤٣ - ٣٤٥، ٣٩٥) من طريق جابر به .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) مسند أبى حنيفة ٣٢/١ - ومن طريقه محمد بن الحسن فى كتاب الآثار (٨٦)، وفى الموطأ له
(١١٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٧/١، وابن عدى ٢٤٧٧/٧، والدارقطنى ٣٢٣/١ (١)،
٣٢٤، ٣٢٥ (٢)، والبيهقى ١٥٩/٢، وفى جزء القراءة خلف الإمام (٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٨).
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٧/١، والبيهقى ٢/ ١٦٠، وفى جزء القراءة خلف الإمام
(٣٣٦، ٣٣٧) من طريق الثورى به .
(٦) أخرجه ابن عدى ٢٤٧٧/٧، والبيهقى ١٦٠/٢، وفى جزء القراءة خلف الإمام (٣٣٦، ٣٣٧) =
٣٥٧

الموطأ
عیینۀ()، وجريڑ)، فرووه عن موسی بن أبی عائشةً، عن عبد الله بن شداد
التمهید
مُوسَلًا . و"الصحیحُ فیه الإرسالُ، وليس مًّا يُخْتَمُ به .
وقد رَوَاه اللیثُ بنُ سعدٍ ، عن أبی یوسفَ ، عن أبى حنيفةً، عن موسى بنِ
أبى عائشةً، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ ، عن أبى الوليدِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ()،
فأدْخَلَ بينَ عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ وبينَ جابرٍ أبا الوليدِ هذا، وهو مجهولٌ لا يُعْرَفُ،
وحديثُه هذا لا يَصِغُ .
فإن قيل: قد روَى يحيى بنُ سلَّامٍ، عن مالكِ بن أنس، عن وهبٍ بنِ
كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال: «كلُّ ركعةٍ لا يُقرَأُ فیھا
بـ: (أُمِ القرآنِ)) فلا تُصَلَّى، إِلَّ وراءَ الإمام)(٥).
قال أبو عمرَ: لم يَزْوِ هذا الحديثَ أحدٌ مِن رُواةِ((المُوَطَّأُ)) مرفوعًا ، وإنَّما
هو فى ((المُوَطَُّ))(١) موقوفٌ على جابرٍ مِن قولِهِ، وَانْفَرَد يحيى بنُ سلّامٍ برفعِه عن
مالك، ولم يُابَغ علی ذلك. والصحیح فيه أنه مِن قولٍ جابٍ، ولسنا نذْكُرُ
الخلافَ فى هذه المسألةِ بينَ الصحابةِ ومَن بعدَهم ، ولكنَّ الحُجَّةَ عندَ التََّازُعِ
الکتابُ والسنةُ لا ما سواهما .
القبس
= من طريق شعبة به .
(١) أخرجه ابن عدى ٢٤٧٧/٧ من طريق ابن عيينة به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٦/١، وابن عدى ٢٤٧٧/٧ من طريق جرير به .
(٣) بعده فى م: ((هو)).
(٤) أخرجه الدارقطنى ٣٢٥/١، والبيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (٣٤١).
(٥) تقدم تخريجه ص ٢٧٩.
(٦) الموطأ (١٨٥).
٣٥٨

الموطأ
التمهيد
واحتجَّ أيضًا مَن ذهَب مَذْهَبَ الكُوفِينَ فى هذا البابِ بما حدَّثناه أحمدُ بنُّ
فتح بنِ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زَكَرِيا النَّيْسَابُورىُّ، قال:
حدَّثنا أحمدُ بنُّ عمرو بنِ عبدِ الخالقِ اليَزَّارُ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ وعمرُو
ابنُ علىّ، قالا: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُّ أبى (١) إسحاقَ ، عن
أبيه، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ قال: كانوا يَقْرَءُونَ خلفَ النبيِّ وَلَه ،
فقال: ((خَلَّطْتم علَىَّ القرآنَ))(٢) .
قال أبو عمرَ : هذا يحتمِلُ أن يكونَ هذا فى صلاةِ الجهرِ، وهو الظاهِرُ ؛
لأنهم لا يُخَلِّطُونَ إلَّا برَفْع أصواتِهم، فلا حجةً فيه للكوفِتِينَ، و كذلك مَن
قال: إنَّما نَهاهم عمَّا عدَا ((فاتحةَ الكتابِ )). بعيدٌ قولُه، وغيرُ ظاهرٍ معناه فى
هذا الحديثِ .
واخْتَبَّ أيضًا مَن ذهَب مَذْهَبَ الكُوفِتِينَ فى تركِ القراءةِ خلفَ الإمامِ بما
رَوَاه وكيعٌ، عن عليّ بنِ صالحٍ، عن ابنِ الأُضْبهانِىّ، عن المختارِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ أبى ليلَى، (٤عن أبيه٤)، عن عليٍّ قال: مَن قرَأ خلفَ الإمامِ فقد
القبس
(١) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) البزار (٤٨٨ - كشف). وأخرجه أحمد ٣٣٤/٧ (٤٣٠٩)، وأبو يعلى (٥٠٠٦)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٧/١، والبيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (٣٦٨) من طريق أبى
أحمد الزبيرى به، وأخرجه البخارى فى جزء القراءة خلف الإمام (٢٥٤)، والبزار (٤٨٨ -
كشف)، وأبو يعلى (٥٣٩٧)، والدارقطنى ١/ ٣٤٠، ٣٤١، والبيهقى فى جزء القراءة خلف
الإمام ( ٣٦٥، ٣٦٩، ٤٤٩) من طريق يونس به .
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٢٤٢.
(٤ - ٤) سقط من: ى.
٣٥٩

الموطأ
التمهيد أُخْطَأ الفِطْرَةَ(١).
قال أبو عمرَ : هذا الخبرُ لوصَحَّ كان معناه: مَن قَرَأْ مع الإمامِ فيما جَهَرَ فيه
بالقراءةِ فقد أخْطَأُ الفِطْرَةَ ؛ لأَنَّه حينئذٍ خالفَ الكتاب والسنةً ، فکیف وهو خبرٌ
غيرُ صحيح؛ لأَنَّ المختارَ وأباه مجهولانٍ ، وقد عارضَ هذا الخبرَ عن علىَّ ما هو
أَثْبَتُ منه، وهو خبرُ الزهرىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى رافعٍ، عن علىٍّ. وقد
ذكرناه فى هذا الباب(٢) .
واحتَجُوا أيضًا بما رَوَاه عبدُ الرزاقِ (٤) وغيرُه، عن داودَ بنِ قيسٍ قال:
أخبرَنى عمرُ بنُ محمدِ بنِ زیدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال : حدَّثنی موسی بنُ سعیدٍ
ابنِ زيدِ بنِ ثابتٍ ، أَنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ قال: مَن قرَأ مع الإمامِ فلا صلاة له .
وهذا يحتمِلُ أن يكونَ مَن قرأ مع الإمامِ فيما جَهَر فيه بالقراءةِ ، على أنَّهم قد
أجمعوا أنَّه مَن قرأ مع الإمام على أيّ حالٍ كانَ فلا إعادةَ علیه ، فدَلَّ ذلك علی
فساد®) حديث زيدٍ هذا .
ورَوَى الثورىُّ، عن أبى الزِّنادٍ ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عمرَ ، أَنَّهما كانا لا
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٣٣١/١، ٣٣٢، والبيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (٤١٧) من طريق
وكيع به، وعلقه البخارى فى جزء القراءة خلف الإمام (٣٨) عن على بن صالح به .
(٢) فى ی: (عبيد).
(٣) تقدم ص٣٤٢ .
(٤) عبد الرزاق (٢٨٠٢). وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٦/١ من طريق عمر بن محمد، عن موسى بن
سعد به. وينظر البيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (٤٤٨).
(٥) بعده فى م: ((ظاهر)).
٣٦٠