النص المفهرس

صفحات 121-140

الموطأ
التمهيد
انْقِضَاءُ العِدَّةِ - لم يَجُزْ إِمْسَاكُهُنَّ، وهذا إجماعٌ لا خِلافَ فيه ، فدلَّ على أنَّ
قُوبَ الشىءٍ قد يُعَبَُّ به عنه ، والمرادُ مفهومٌ، وبالله التوفيقُ .
ومعلومٌ أن النبيَّ وَلَّهِ لا يَأْمُرُ أصْحابَه أنْ يأكُلوا ويشْرَبُوا حتى يُؤْذِّنَ من لا
◌ُؤَذِّنُ إِلَّ وقد أضْبحَ . وإذا كان هذا مَغْلُومًا ، صَحّ اُنَّ معنی قولِ ابن شهاب فى ابنِ
أُمّ مَكْتومٍ ما ذكرنا مِن مقاربةِ الصباحِ، وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ منِ استَيْقَنَ
الصباحَ لم يَجُزْ له الأكلُ ولا الشُّوْبُ بعدَ ذلك، وفى إجماعِهم على ذلك ما
يُوضِّحُ ما ذكرناه .
واخْتلَفُوا فيمَن أكَلَ بعدَ الفجرِ وهو يَظُنُّ أنه ليلٌ ، أو أَكَلَ وهو شاٌّ فى
الفجرِ ؛ فقال مالك: مَن تَسَخَّرَ بعدَ طُلُوعِ الفجرِ، أو أكَلَ قبلَ غروبٍ الشمسِ،
وهو لا يعلمُ، فعليه القضاءُ إنْ كان واجبًا، وإنْ كان تَطَوُّعًا مَضَى ولا شىءَ
عليه . وهو قولُ ابنِ عُلَيَّةً فى الواجبِ خاصَّةً؛ قال: هو عندِى بمنزلةٍ مَن صلَّى
قبلَ الوقتِ . وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ بنُ سعدٍ، والشَّافعىُ: عليه
القضاءُ. فى الذى يأكُلُ وهو يَرَى أَنَّه ليلٌ ، ثم يَعْلَمُ أنَّه نهارٌ ، وأمّا الذى يأكُلُ وهو
شاكٌّ فى الفجرِ؛ فقال أبو حنيفةَ : أحبُّ إلىَّ أنْ يَقْضِىَ إذا كان أكثرُ رأيِه أنَّه أكلَ
بعدَ الفجرِ . وقال مالكٌ: عليه القضاءُ . وقال الشافعىُّ وعبيدُ اللهِ بنُّ الحسنِ : لا
شىءَ عليه . وقال الثَّورىُّ: كُلْ ما شكَكْتَ حتى تَسْتَيْقِنَ. وقال الشافعىُّ مِن بينِ
هؤلاءٍ: مَن أَفسَدَ صَوْمَه التَّطوعَ عامدًا أساءً، ولا شىءً عليه . وليس هذا مَوضِعَ
ذِكْرِ هذه المسألةِ، ولمالكِ فى ((مُوطَئِهِ)) أحاديثُ فى الشُّحورِ حِسانٌ ، ستأتى
فى مَوضِعِها مِن كتابنا هذا إن شاء اللهُ .
القبس
١٢١
ے

الموطأ
افتتاحُ الصلاةِ
التمهيد
افتتاح الصلاةِ :
القبس
اعلَموا - بصَّرَكم اللَّهُ تعالى - أن هذه العبارةَ، وهى قولُه: افتاح الصلاةِ.
معناها أنَّ الصلاةَ فِعْلٌ مُتَعَلِّقٌ على المُكَلَّفِ ممتنعُ الفعلِ ، لا يجوزُ التلئُّسُ بها له إلا
بعدَ تقديمٍ مِفْتاحٍ يتألَّفُ مِن عَقْدٍ وفعلٍ وقولٍ ؛ أمَّ العقدُ فهى النيةُ ، ولا خلافَ فيها بينَ
الأمةِ ، وحقيقتُها قَصْدُ التقرُّبِ إلى الآمرِ بفعلِ ما أمر به لحَقِّ الآمرِ خاصةً؛ قال اللهُ
تبارك وتعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوّاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وقال النبيُّ
وَّهِ: ((الأعمالُ بالنَِّّاتِ))(١). وأشرفُ الأعمالِ الصلاةُ، وهى أوَّلُها، وهى المُرادةُ
بمعنى هذا الحديثِ فيها ، والأصلُ فى كلِّ نِيَّةٍ أن يكونَ عَقْدُها مع التَّلَّكُسِ بالفعلِ
المَنْوِىِّ بها أو قبلَ ذلك، بشرطِ اسْتِصْحابِها، فإن تقدَّمَت النيةُ وطرَأَت غَفْلَةٌ فوقَع
التَّلَكْسُ بالعبادةِ فى تلك الحالةِ ، لم يُعْتَدَّ بها، كما لا يُعْتَدُّ بالنيةِ إذا وقعت بعدَ التلُّسِ
بالفعلِ، وقد رُخِّص فى تقديمها فى الصومِ لعظيمِ الحَرَجِ فى اقْترانِها بأوَّلِه ، ووقَع
لعلمائِنا مسامحةٌ فى تقديمِها على الوضوءِ، فيمَن خرَج يَقْصِدُ النَّهرَ للطهارةِ
فَعَزَبَت نيتُهُ قبلَ البلوغ إليه؛ أنها تُجزِتُه، وحمَل الجُهَّالُ الصلاةَ عليه، وإنما كان
ذلك فى الطهارة لاختلافٍ العلماءِ فى افتقارها إلى النية ، بخلافٍ الصلاةِ فإن افتقارها
إلى النيةِ مُجْمَعٌ عليه، فلا يجوزُ رَدُّ الأصلِ المُنَّفَقِ عليه إلى الفرع المُخْتَلَفِ فيه . قال
لنا أبو الحسنِ القَزْوِينِىُّ(١) بثَغْرِ عَشْقلانَ(٤): سمِعتُ إمامَ الحرمَين يقولُ: يُحضِرُ
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
(٢) فى م: ((مشاحة)).
(٣) فى ج، م: ((القروى)).
(٤) عسقلان : مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وجبرين . مراصد الاطلاع ٢ / ٩٤٠.
١٢٢

الموطأ
القبس
التمهيد
الإنسانُ عندَ التَّلُسِ بالصلاةِ النيةَ، ويُجَدِّدُ النظرَ فى الصانع، وحدوثٍ العالم،
والتُبواتِ ، حتى ينتهىَّ نظرُه إلى نيةِ الصلاةِ . قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمانٍ طويلٍ،
وإنما يكونُ فى أوجزٍ لحظةٍ ؛ لأن تعليمَ الجملِ يَفْتَقِرُ إلى الزمانِ الطويلِ، وتَذْكارُها
يكونُ فى لحظةٍ .
ومن تمامِ النيةِ أن تكونَ مُنْسِبةً على الصلاةِ كلِّها ، إلا أن ذلك لمّا كان أمرًا
يتعذَّرُ، سمَح الشرعُ فى عُزُوبِ النيةِ فى أثنائِها، سمِعتُ شيخَنا أبا بكرِ الفِهْرىّ
بالمسجد الأقصى يقولُ: قال محمدُ بنُ سُحنونٍ(١): رأيتُ أبى سحنونَ ربَّما يُكْمِلُ
الصلاةَ فيُعيدُها، فقلتُ له: ما هذا يا أبتِ ؟ فقال: عَزَبَت نِيَّتى فى أثنائِها فلذلك
أَعَدْتُها . وسيأتى تمامُ القولِ فيه فى بابٍ قولِه: النظرُ فى الصلاةِ إلى ما يَشْغَلُك عنها .
إن شاء اللَّهُ تعالى .
وأما الأفعالُ فهى السّتْرُ، واستقبالُ القبلةِ ، والسّواكُ، وَرَفْعُ اليدين .
أُمَّا السَّتْرُ، فهو فرضٌ إسلامىٌّ بإجماع الأمةِ، واختُلِف هل هو مِن شُروطِ الصلاةِ
أم لا؟ فمشهورُ المذهبِ أنه ليس من شرطِ الصلاةِ، والصحيحُ فى النَّظَرِ أنه مِن
واجباتِ الصلاةِ المخصوصةِ بها؛ قال النبيُّ وَّ﴿ فى عهدِه: ((لا يَحُبُّ بعدَ العامِ
مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بالبيتِ عُزْيانٌ))(٢).
(١) فى ج، م: ((حدث)).
(٢) محمد بن سحنون، أبو عبد الله، الفقيه الحافظ النظار، مع الجلالة والثقة والعدالة ، تفقه بأبيه ،
وله فى العلم تآليف كثيرة، منها كتابه المسند فى الحديث، وكتابه الكبير؛ المشهور بـ (( الجامع )) ،
جمع فيه فنون العلم، توفى سنة خمس وخمسين ومائتين ، وقيل سنة ست وخمسين ومائتين ، وله
أربع وخمسون سنة. طبقات الفقهاء ص ١٥٧، ١٥٨، الديباج المذهب ١٦٩/٢.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٣١٨) من الموطأ .
١٢٣

الموطأ
التمهيد
القبس
وأمّا استقبالُ القبلةٍ فلا خلافَ فيه .
وأمَّا السّواكُ، فمِن جُهَّالِ المُحَدِّثين مَن أوجبه، وذلك مُعانَدةٌ للنصِ؛ ففى
صحيحِ الحديثِ أنه وَل ◌ِ قال: (لولا أن يَشُقَّ(١) على أَمَّتى - أو على الأمةِ، أو على
أمتِه - لأُمَرْتُهمِ بالسّواكِ )). وفى الصحيح: ((عندَ كلِّ وُضوءٍ)). وفيه أيضًا: ((عندَ
كلِّ صَلاةٍ)) . فهو ◌َِّ قد صرَّح بنفْي الوجوبِ فكيف يُثْبِتُه أحدٌ؟! وفى هذا
الحديثِ الذى ذكره مالكٌ ومسلمٌ أصلانٍ مِن أَصولِ الفقهِ : أحدُهما : أنه يجوزُ للنبىِّ
وَلَّ أن يَفْرِضَ بالاجتهادِ على أمتِه؛ لأنه لو كان وحيًا مِن اللَّهِ تعالى بنفي أو إثباتٍ
لبلَّغَه، کان فیه حَرَج أو لم یکنْ، وقد مَهَّدنا ذلك فی کتابٍ ((المحصول)) وغيره.
ثانيهما: النصُّ على أن الأمرَ على الوجوبِ؛ لقولِه: ((لأُمَرْتُهم بالسّواكِ)). فإذا ارتفع
الوجوبُ بقِى التخصيصُ المستدعى للمندوبٍ (١)، وقد روَى النسائىُ عن عائشةً:
((السّواكُ مَطْهَرةً للفم، مَرْضاةٌ للربِّ)). وروَى الدارقطنىُ عن عكرمةَ، عن ابنِ
عباسٍ : فى السّواكِ عَشْرُ خِصالٍ ؛ مَظْهَرةً للفم، مَرْضاةٌ للربِّ، مَطْرَدةٌ للشيطانِ ،
مَفْرَحَةٌ للملائكةِ، يُذْهِبُ الحَفْرَ(١)، وَيَجْلُو الْبَصَرَ، وَيَشُدُّ اللَّةَ، ويقطَعُ البَلْغِمَ،
ويُطَيِّبُ النَّكْهةَ، وهو مِن الشُّنَّةِ. زادَنا فيه أبو بكرِ الفِهْرىُّ بالمسجدِ الأقصى():
مَثْرَاةٌ للمالِ ، مَنْمَاةٌ() للعددِ، وتَزِيدُ فى الحسناتِ .
(١) فى م: ((أشق)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٦٢٣/٣ - ٦٣٠ .
(٣) فى ج، م: ((للندب)).
(٤) النسائى (٥)، وينظر ما تقدم فى ٦٢٥/٣، ٦٢٦.
(٥) الدارقطنى ٥٨/١.
(٦) الحَفْر والحَفَر: هو ما يلزق بالأسنان من ظاهر وباطن. والتحريك لغة بنى أسد، وقيل: هى
لغة رديئة، والفصيح التسكين. ينظر التاج ( ح ف ر ).
(٧) فى ج: ((الحرام)).
(٨) فى ج: ((منها)).
١٢٤

١٦١ - حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بنِ
الموطأ
مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ ، عن سالِمٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن أبيه ، أنَّ
التمهيد
القبس
(١) قال أبو عمر: ((ابن شهاب، عن سالم ، عن عبد الله بن عمر - تسعة أحاديث؛ منها ثلاثة
مرسلة ، وغيرها متصلة مسندة ، ومنها حديث واحد ، شرك سالما فيه أخوه حمزة بن عبد الله بن
عمر ، وسالم یکنی أبا عمرو ، كان أشبه ولد عبد الله بن عمر بعبد الله بن عمر. وذكر مالك ، عن
یحیی بن سعید عن سعيد بن المسيب ، قال : كان أشبه ولد عمر بن الخطاب به عبد الله بن عمر ،
وكان أشبه ولد عبد الله بن عمر به سالم . قال أبو عمر: كان عبد الله بن عمر محبا فى سالم فيما
ذكروا ، وكان يفرط فى حبه فيلام أحيانا فى ذلك ، فكان يقول :
وجلدة بين العين والأنف سالم
يلوموننى فى سالم وألومهم
ويروى :
وجلدة بين العين والأنف سالم
یدیروننى عن سالم وأديرهم
وكان سالم ناسكا يلبس الصوف ، وكان فقيها جليلا ، أحد الفقهاء العشرة من التابعين
بالمدينة ، وكان حسن الخلق ، مداعبا ، له أخبار ظريفة مع أشعب الطمع ، وكان أسمر ، شديد
السمرة ، يخضب بالحناء ،أمه أم ولد ، روى عنه القاسم بن محمد ، ذكر الحسن الحلوانى ، قال :
حدثنا عثمان بن الهيثم ، قال : حدثنا حنظلة ، عن القاسم ، أن سالم بن عبد الله قال ، لو فاتنى من
الجمعة ركعة ، ما زدت على أن أركع إليها ركعة أخرى . وكان سالم سريع الكلام ، وذكر
الحلوانى ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : سمعت سالما يسئل عن
التيمم ، فقال : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين - وكان سريع الكلام . قال الحلوانى :
وحدثنا المعلى بن أسد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن مختار ، عن على بن زيد ، عن سعيد بن
المسيب، قال : قال لى عبد الله بن عمر: هل تدرى لما سميت ابنى سالما؟ قلت : لا . قال: باسم
سالم مولى أبي حذيفة . وهل تدری لما سميت ابنى واقدا ؟ قلت : لا . قال : باسم واقد بن عبد الله
الیربوعی . وهل تدری لما سمیت ابنی عبد الله ؟ قلت : لا . قال : باسم عبد الله بن رواحة . حدثنا
عبد الرحمن بن يحيى ، حدثنا أحمد بن سعيد ، قال : حدثنا ابن الأعرابى ، حدثنا أبو داود ، قال :
قرئ على الحارث بن مسكين- وأنا شاهد- أخبر كم ابن وهب ، قال: أخبرنى مالك، قال : إن فتيا
ابن شهاب ، ووجه ما كان يأخذ به إلى قول سالم ، وسعيد بن المسيب . وتوفى سالم سنة ست
ومائة بالمدينة ، لم ينتقل عنها حتى مات فيها ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك ، كان حج تلك =
١٢٥

الموطأ عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَالِهِ كان إِذا افتتَح
الصلاةَ رفَع يَدَيه حَذْوَ مَنكِبَيه، وإِذا رفَع رأسَه من الركوعِ رفَعهما
كذلك أيضًا، وقال: ((سَمِع اللهُ لِمَن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ)).
وكان لا يفعَلُ ذلك فى السجودِ .
التمهيد رسولَ الله ◌ِلہے کان إذا افتتح الصلاةَ رفَع یدَيْه خَذْوَ مَنكِبیه، وإذا رفع رأسه من
الركُوعِ رفَعَهُما كذلك وقال: ((سمِع اللهُ لمن حَمِدَه، رَبَّا ولك الحمدُ)).
وكانَ لَا يَفعلُ ذلك فى الشُّجُودِ .
هكذا رواه يحيى عن مالكٍ، لم يَذكر فيه الرفعَ عندَ الانحطاطِ إلى
الركوعِ، وتابَعه على ذلك جماعةٌ من الرواةِ لـ ((الموطّاً)) عن مالكٍ؛ منهم
القبس
وأمَّا رفع اليدين ، فهو الذى صدَّر به مالكٌ ، وللعلماءِ فيه خمسةُ أقوالٍ ، وهى فى
مذهبِنا مَرْوِيَّةٌ، وقد استوفَيناها فى كتبٍ ((المسائلِ)) و((شرحٍ" الصحيحين)) وغيرِما
موضعٍ .
واختلفت الروايةُ فى الصحيح عن النبيِّ بِّهِ فيها؛ فرُوِى أنه كان يرفع يديه حَذْوَ
= السنة ، ثم قدم المدينة زائرا ، فوافق موت سالم فصلى عليه . واختلف فى موضع صلاته عليه ؛ فقال
قوم : صلى عليه بالبقيع ، ذكر ذلك الواقدى ، عن أفلح بن حميد ، وخالد بن القاسم . وقال آخرون :
صلی علیه فی مسجد رسول الله پے. ذكر ذلك ابن أبى خيثمة، عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن
سلمة، عن حميد الطويل، قال: صلينا على سالم بن عبد الله عند مسجد النبى ◌َ لغيره. ولم يختلفوا فى
سائر ما ذكرت لك ، والله أعلم . إلا أن وهب بن جرير قال : توفى سالم سنة ثمان ومائة ، وقال غيره
کثیر : توفی سنة ست ومائة ، و کذلك قال ضمرة ، عن ابن شوذب : شهدت جنازة سالم بن عبد الله سنة
ست ومائة . قال ضمرة عن ابن شوذب ، حج هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة ، فمر بالمدينة ، فعاد
سالم بن عبد الله ، وكان مريضا، ثم انصرف ، فوجده قدمات ، فصلى عليه ، وذلك سنة ست ومائة)) .
تاريخ دمشق ٤٨/٢٠، وتهذيب الكمال ١٤٥/١٠)).
(١ - ١) فى م: ((الحديث فى)).
١٢٦

الموطأ
التمهيد
القَعْنَبِىُّ(١)، وأبو مصعبٍ(٢) ، وابنُ بُكَيْرٍ، وسعيدُ بنُ الحَكَم بن أبى مريمَ ، ومَعْنُ
(٢)
ابنُ عيسَى ، والشافِعِىُّ ، ويحيى بنُ يحيى النيسابُورِىُّ، وإسحاقُ بنُّ الطَّاعِ،
ورَوْحُ بنُ عُبادَةَ، وعبدُ اللهِ بنُّ نافعِ الزُّبَيْرِىُّ، وكاملُ بنُ طَلْحَةَ، وإسحاقُ بنُ
إبراهيمَ الحُنَئِىُّ ، وأبو محذافةً أحمدُ بنُ إسماعيلَ ، وابنُ وهبٍ فى رواية ابنِ أخِیه
عنه . ورواه ابنُّ وهْبٍ ١، وابنُّ القاسم، ويحيى بنُ سعيدِ القطَّائُ(٥) ، وابنُ أبی
أَوَيْسٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدِئٍّ (١)، وجُوَثْرِيَّةُ بنُ أسماءَ، وإبراهيمُ بنُ طَهْمانَ ،
القبس
مَنْكِبَيْه، ورُوى: حَذْوَ أَذْنِيه . ووَجْهُ الجمع بينَهما: أنه كان يجعَلُ آخِرَ الكفِّ مما
يلي الساعدَ بحِذاءِ المَنْكِبَين، ويُقِيمُهما ولا يَتْسُطُهما، فيقَعُ أطرافُ الأصابعِ بحيالٍ
الأَذُنَين ، فينتظمُ المعنى بالحديثَين .
وأما الأقوالُ: فهو التكبيرُ، ولا خلافَ فيه فى الجملةِ، وقد قال الشافعىُّ :
يُسْتَحَبُّ له أن يتكلَّمَ بلسانِهِ بنِيَِّه فيقولَ: أؤدِّى ظُهرَ الوقتِ . ثم يُكبِّرَ. وهی بدعةٌ ما
رُوِيت عن النبيِّ بَ لِّ ولا عن أحدٍ من السلفِ، أما أنه يُستحبُّ للمشوَّشِ الخاطرِ
الموسوَسِ الفكرِ إذا خشِى ألَّ يرتبطَ له فى قلبِه عقدُ النية أن يعقِدَه بالقول حتى يذهب
عنه اللَّسُ .
والأصلُ فى وجوبِ التكبيرِ قولُه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّّ
وَذَكَرَ اُسْمَ رَبِّهِ،
١٤
(١) أخرجه البخارى (٧٣٥) من طريق القعنبى به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٠٤).
(٣) أخرجه الشافعى ٢٠٠/٧ عن مالك به .
(٤) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١٣٨١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٣/١، والبيهقى ٦٩/٢،
وفی المعرفة (٧٥٩) من طريق ابن وهب به .
(٥) أخرجه أحمد ٣٠١/٨ (٤٦٧٤)، والنسائى (١٠٥٦) من طريق يحيى بن سعيد به.
(٦) أخرجه أحمد ٢١١/٩ (٥٢٧٩) عن عبد الرحمن بن مهدى به.
١٢٧

الموطأ
التمهيد وعبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ (١)، وبِشْرُ بنُ عمرَ (٢)، وعثمانُ بنُ عمرَ(٢) ، وعبدُ اللهِ بنُ
القبس
فَصَلَّ﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] وبهذا تَعَلَّقَ أبو حنيفةَ فى أنه يجوزُ افتتاح الصلاةِ بكلِّ اسم
مِن تعظيم اللَّهِ تعالى ولو كان بغيرِ العربيةِ، حتى لو قال: بُزُرْكَ خُدَاى(٩) لانعقَدَت.
وقال الشافعىُّ: لو قال: اللَّهُ الأكبرُ. لانعقَدَت. وقال أبو يوسفَ: (" ولو قال٩) : اللَّهُ
الكبيرُ. لانعقَدَت . وهلهنا تنزيلٌ فى النظرِ يُصِّرُكم إن اسْتبصَرْتُمْ مَدارِجَ الفكرِ . قولُه
تبارك وتعالى: ﴿وَذَكَرَ أَسْمَ رَيْهٍ فَصَلَى﴾. قولٌ محتمِلٌ لكونِ المرادِ بالذِّكرِ النيةَ ، أو
الذكرَ باللسانِ، وربما كان كونُ النيةِ مُرادًا به أظهرَ؛ لأن مَحِلَّ الذِّكرِ مَحِلُّ النسيانِ ؛
لأنه ضدُّه، والشيئانٍ لا يصِحُ تضادُّهما إلا على المحِلُّ الواحدِ، فعلى هذا لا محُجّةً
لأبى حنيفةَ فيه، وإن قلنا: إن المرادَ بذلك الذِّكرُ باللسانِ. ففى القرآنِ الأمرُ بالذكرٍ
مطلقًا، وفى السُنَّةِ الأمرُ به مقيّدًا بصفتِه ووقتِه، فكان أولَى .
وإذا تَعَيَّنَ التكبيرُ حسَبَ ما عَيَّنه الرسولُ عليه السلامُ قولًا للأعرابيّ إذ علَّمه
الصلاةَ فقال له: ((كَبِّزْ))(١). وبَيْنَه أيضًا فَهِ فعلًا حين قال: ((اللَّهُ أكبرُ))(١). فلا
تَجوزُ زيادةُ الألفِ واللامِ فيه ؛ لأنها زيادةٌ على البيانِ فى عبادةٍ لا مجالَ للقياسِ فيها ،
وأيضًا فإن زيادةَ الألفِ واللامِ تُوهِمُ تَخْصِيصًا بنفي اشتراكٍ كان قبلَها ، وليس مع :
(١) أخرجه النسائى (١٠٥٨)، وابن حبان (١٨٦١) من طريق ابن المبارك به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٣/١ من طريق بشر به.
(٣) أخرجه الدارمى (١٢٨٥، ١٣٤٨) من طريق عثمان بن عمر به .
(٤) البُرُرك: فارسى محض ومعناه: العظيم ، الكبير، القوى. وخُدَای : اسم الله ، مركب من: خود ،
بمعنى الذات، ومن آى، بمعنى أتى، أى: واجب الوجود. المعجم الذهبى ص ١١٢، ٢٣٤، والألفاظ
الفارسية المعربة ص ٢٢، ٥١.
(٥ - ٥) سقط من : ج، م.
(٦) سيأتى تخريجه ص ١٧٣ - ١٧٥ .
(٧) سيأتى تخريجه ص ١٦٧، ١٧٢.
١٢٨

الموطأ
التمهيد
يوسفَ التَّنِّيسِئُ(١)، وخالدُ بنُ مَْلَدٍ (٢)، ومَكِّئُ بنُ إبراهيمَ، ومحمدُ بنُ
الحسنِ الشَّيْيانِئُّ(٢)، وخارِجَةُ بنُ مصعبٍ، وعبدُ الملكِ بنُ زِیادِ النَّصِيبىُّ ،
وعبدُ اللهِ بنُ نافع الصائِغُ، وأبو قُوَّةَ موسَى بنُ طارِقٍ، ومُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ ،
وقُتِبَةُ بنُ سعيدٍ (٤) ؛ كلُّ هؤلاءِ رَوَوه عن مالكِ فذكروا فيه الرفْعَ عندَ الانحطاطِ
إلى الركوعِ. قالوا فيه: إِنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ كان يَرْفَعُ يدَيْه إذا اقْتَتَحَ الصلاةَ حَذْوَ
مَنْكِبِيه، وإذا رَكَعَ، وإذا رَفَعَ رأسه من الركوعِ .
وذكر الدَّارَقُطْنِئ(٥) الطُُّقَ عن أُکثرهم، عن مالك كما ذكرنا، وهو
الصَّوابُ . و کذلك رواه سائژُ مَن رواه عن ابن شهاب ، وممن رَوَیْنا ذلك عنهمن
أصحابٍ ابنِ شِهابٍ؛ الزَّيَدِىُّ(٦)، ومَعْمَةُ(٢)، والأوزاعِىُّ(٨)، ومحمدُ بنُ
إسحاقَ، وسفيانُ بنُ حسينٍ، وعُقَيْلُ بنُ خالدٍ (٩)، وشُعَيْبُ بنُ أبى حمزةً(١٠)،
القبس
(الله أكبر)) . احتمالٌ، ولا للَّهِ فی ذلك شریڭ ، فيفتقرإلى التخصیص وزيادة البيانِ
فيه، وقولُه: الكبيرُ. أقلُّ معنًى مِن: أكبرُ. ونحن قد مَنعنا مِن الزيادةِ بالأدلةِ،
(١) أخرجه البخارى فى جزء رفع اليدين (٣٣) من طريق عبد الله بن يوسف به.
(٢) أخرجه الدارمى (١٣٤٧) من طريق خالد بن مخلد به .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٩).
(٤) أخرجه النسائي (٨٧٧) من طريق قتيبة به .
(٥) أحاديث الموطأ للدارقطنى ص ١١.
(٦) أخرجه أبو داود (٧٢٢)، والدارقطنى ٢٨٨/١، والبيهقى ٨٣/٢ من طريق الزبيدى به.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٢٥١٧)، وأحمد ١٠١/٩ (٥٠٨١)، والنسائى (١٠٨٧) من طريق معمر به.
(٨) أخرجه البيهقى ٨٢/٢ من طريق الأوزاعى به.
(٩) أخرجه البخارى فى جزء رفع اليدين (١٣٨)، ومسلم (٢٣/٣٩٠) من طريق عقيل به.
(١٠) أخرجه البخاری (٧٣٨)، وفى جزء رفع اليدين (٨٦)، والنسائى (٨٧٥) من طريق شعيب به.
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/٤ ) .

الموطأ
التمهيد
وابنُ عُبَيْنَةً(١)، ويونسُ بنُ يزيدَ(٢)، ويحيى بنُ سعيدِ الأنصارِىُّ، وعبيدُ(٣) اللهِ بنُ
عمرَ(٤)؛ كلَّهم رَوَوا هذا الحديثَ عن ابنِ شِهابٍ ، عن سالم، عن أبيه، عن
النبى ێ، کما رواه ابنُ وهبٍ ومن ذگرنا معه من أصحاب مالك، وقد ذكرنا
طُرُقَ هذا الخَبرِ فى غيرٍ هذا الكتابِ ، وتَرَكْنا الأسانيدَ عن هؤلاءِ فى ذلك ھَهُنا
خَشْيَةَ الإِطالَةِ ، وقال جماعةٌ من أهلِ العلم: إِنَّ إسقاطَ ذِكْرِ الرَّفْعِ عندَ الانحطاطِ
فالنُّقْصانُ أولَى أن يكونَ ممنوعًا .
القبس
وأما الذِّكْرُ بالعجميةِ للقادرٍ على العربيةِ، فذلك لا يجوزُ لوجهَين؛ أحدُهما: أنّا
لا نتحقَّقُ صحةَ المعنى فى اللفظِ العَجَميِّ كما تحقَّقناه فى اللفظِ العربيِّ؛ ولأن
ذلك تبديلٌ للعبادةِ وتَغْبِيرٌ وقياسٌ فى العباداتِ. وذلك كلَّه غيرُ جائزٍ، وقد ثبت
عن النبىِّ وَّرَ فى الصحيحِ أنه كبّر فى الصلاةِ ثِنتَين وعشرينَ تكبيرةً، وأربعُ
تحميداتٍ للمأمومِ بدلًا مِن تَكْبِيرِه، وجوابًا لقوله: ((سمِعِ اللَّهُ لمَن حمِده)).
وأُطلِقٍ على ذلك كلِّ اسمُ التكبيرِ، إخبارًا بالمُعْظَمِ عن الأقلُّ، واتَّفَق العلماءُ على
أن التكبيرةَ الأولى فرضّ دونَ سائرِ التكبيراتِ ما خلا ابنَ شهابٍ ؛ فإنه يُؤْوَى عنه
أن تكبيرة الإحرامِ ليست بغرضٍ. ووقَع فى ((المدونةِ)) وَهْمُ نشْبَةِ هذا القولِ إِلى
سعيدِ بنِ المسيبٍ وليس له، والصحيحُ أنها فرضٌ ؛ لثلاثةِ أدلةٍ : أحدُها : حديثُه
(١) أخرجه أحمد ١٣٩/٨ (٤٥٤٠)، والبخارى فى جزء رفع اليدين (١٨)، ومسلم (٢١/٣٩٠)
من طريق ابن عيينة به .
(٢) أخرجه البخارى (٧٣٦)، وفى جزء رفع اليدين (١٠١، ١٧٦)، ومسلم (٢٣/٣٩٠) من
طریق یونس به .
(٣) فى النسخ: ((عبد)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه البخارى فى جزء رفع اليدين (١٣٦)، والنسائى (١١٨١)، وابن خزيمة (٦٩٣) من
طریق عبيد الله بن عمر به .
١٣٠

الموطأ
فى هذا الحديثِ إنما أتى من مالكٍ، وهو الذى كان رُبَّما وهَمَ ١) فيه؛ لأنَّ التمهيد
جماعةٌ حُفَّاظَا رَوَوا عنه الوَجْهَين جميعًا .
قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ الأربعةِ التى رفَعها سالمٌ ، عن
أبِه، عن النبيِّ وَّرِ، وأَوْقَفَها نافعٌ عن ١١ ابنِ عمرَ؛ فمنها ما جعله من قول ابنِ
القبس
وَّهُ: ((تَحْريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التَّسْليمُ)). الثانى: قولُه للأعرابيّ:
((كبّرْ))(٢). وهذا أمرّ. الثالثُ: أن خاتمتها تفتقر عندنا وعندَه إلى نُطْقٍ وهو
التسليمُ، ففاتحتُها بذلك أولَى، وتحريرُه أحدَ طرفَى الصلاةِ فتَعَيَّنَ النطقُ فيه،
أصلُه الطرفُ الآخرُ(٤) .. واللَّهُ أعلمُ.
تأسيس : رتَّب مالكٌ رحِمه اللَّهُ أمرَ الصلاةِ فى البيانِ على نحوٍ تَلاه فيه غیرُه
مِن سائرِ المُصَنِّفين للأحاديثِ على الأبواب ، وذكروا ما ورد فى ذلك مِن الأخبارِ ،
وزاد مالكٌ عليهم ما جاء فيها مِن الآثارِ، ولا غنى بالناظرِ عن معرفةٍ إِلآثارٍ، كما لا
بدَّ له مِن العلم بالأخبارِ؛ ليعلَمَ كيف كان تَلَقِّى السلفِ للأحاديثِ، وعلى أىِّ
وجهٍ كان قَبولُهم لها ، وتَطَّلِعَ مِن أىِّ بابٍ تَوَلَّجوا إليها، فلا منهجَ إلا مِنْهالجُهم،
وهذه الحالةُ مُشْكِلةٌ جدًّا؛ ولإِشْكالِها تَقَطَّعَ فيها العلماءُ أيادِىّ سَبَاً ، ونحن
(١) فى ر، ى: ((أوهم)).
(٢) فى م: ((على)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ١٧٣ - ١٧٥ .
(٤) فى ج، م: ((الأخير)).
(٥) يقال: ذهبوا أيادى سبا. وتفرقوا أيادى سبا: أى تفرقوا تفرقًا لا اجتماع معه، شبهوا بأهل سبأ
لما مزقهم الله فى الأرض كل ممزق فأخذ كل طائفة منهم طريقًا على حدة، واليد: الطريق. قالوا :
والعرب لا تهمز (( سبا)) فى هذا الموضع لأنه كثر فى كلامهم فاستثقلوا فيه الهمز. ينظر مجمع
الأمثال ٢/ ٤، والتاج ( س ب أ).
١٣١

الموطأ
التمهید
عمرَ وفعلِه، ومنها ما جعَله عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، والقولُ فيها قولُ سالم، ولم
يَلْتَفِتِ الناسُ فيها إلى نافعٍ؛ فهذا أحَدُها، والثانى: ((من باعَ عبدًا وله مالٌ))(١).
جعَله نافِعٌ عن ابنِ عمرَ ، عن عمرَ قولَه، والحديثُ الثالثُ: ((الناسُ كإِلٍ مائةٍ لا
تكادُ تَجِدُ فِيها راحِلَةً))(١) . والرابعُ: ((فِيما سَقَتِ السَّماءُ والعُيُونُ أو كان بَعْلًا()
العُشْرُ، وما سُقِىَ بِالنَّضْحِ نصفُ العُشْرِ))(١).
نخرجُ لكم فيها عن ذخيرةٍ يا طالَما شَدَدْنا عليها الوكاءَ، ودافَعْنا عنها بالأرجاءِ،
القبس
قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وصلَّى النبيُِّنَِّ صلاته
المعلومةَ ، ونقلها الناسُ جملةً كأنى مُمَيدِ الساعدىِّ وأبى هريرةَ وغيرِهما ، ونقلها
أيضًا جماعةٌ مِن الصحابةِ مُفَصَّلةً، واجتَمع البيانُ فى كلِّ طريقٍ منها ، والذى نُقِل
عنه وَّهِ فى هيئةِ الصلاةِ مِن الأفعالِ والأقوالِ ستّ وثلاثونَ خَصْلةٌ، اختلفت
مناهجُ العلماءِ فيها على ثلاثةِ أنحاءٍ ؛ المنحى الأولُ: أنها كلَّها واجبةٌ . المنحى
الثانى: أن ما تَضَمَّن القرآنُ منها فهو واجبٌ، وما خرَج عنه فهو مَشْنونٌ . المنحى
الثالثُ: المقابلةُ بينَ الأقوال والأفعالِ، فما تَخلَّص منها إلى الوجوبِ أو السنةِ
قُضِى به، وعلى ذلك بنَى مالكٌ ((موظَّه)) وهو المنهجُ الأَسَدُّ الأقصَدُ، بَشْعُهُ
وإيضاحُه أن النبيَّ وَلَ﴿ قال: ((صَلُّوا كما رأيتُمونى أُصَلِّى))(٤) .. فوجَب الانتهاءُ
إلى هذا، وتَعين الاقتداءُ به .
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٣٣٢) من الموطأ .
(٢) البعل : هو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقى سماء ولا غيرها . ينظر النهاية
١٤١/١.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦١٢).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٠٢) من الموطأ .
١٣٢
٠

الموطأ
التمهيد
وفى هذا الحديث من الفقه رفع اليدين فى المواضع المذكورة فيه ، وذلك
عندَ أهلِ العلمِ تَعْظِيمٌ للهِ ، وابتهالٌ إليه، واستسلامٌ له ، وخُضُوعٌ للوقُوفِ بينَ
يدَيْه، وأتِبائع لسُنَّةِ رسولِه ◌َلِهِ .
واخْتَلَف العلماءُ فى رَفْع اليدَين فى الصلاةِ ؛ فَرَوَى ابنُّ القاسمِ وغيرُه عن
مالكٍ، أَنَّه كان يرَى رَفْعَ اليدَين فى الصلاةِ ضعيفًا إلّ فى تكبيرة الإحرامِ
القبس
ثم نظرنا إلى جملةِ الستّ والثلاثينَ حَصْلةٌ نَظَرًا مجملِيًّا ومُفَصَّلًا؛ أما النظرُ
الجُمْلِىُّ، فمِن حديث أبى هريرةَ وغيرِهِ، أن رجلًا دخَل على النبيِّ وَّهِ فى المسجد
فصلَّى، ثم خرّج وسلَّم، فقال له النبيُّ وَِّ: ((وعليك السلامُ، ارجع فصَلِ فإنك لم
تُصَلِّ )). إلى أن تَيئن له، فقال له: ((توضّأْ كما أمرك اللَّهُ، ثم استقبلٍ القبلةَ وكبّزْ، ثم
اقرأْ ما تیشّر معكمِن القرآن ، ثم ار گئ حتی تَطْمَئَّرا کمًا ،ثم ارفع حتى تطمئنَّ رافعًا ،
ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا ، ثم ارفَعْ حتى تَطمئنَّ جالسًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ
ساجدًا، ثم ارفَع، ثم افعَلْ فى صلاتِك كلِّها هكذا))(١). فذكَر وَ لَّ فِى مَعْرِضٍ
التعليم ما سبق بيانُه مِن الأركانِ ، وسكت عن رفع اليدين، وعن حدِّ القراءة ، وعن
تكبيرةٍ الانتقالاتِ، وعن الجَلْسةِ الؤُسْطى، وعن التشهّدِ، وعن الجَلْسةِ الآخرةِ ()،
وعن السلام، ثم اسْتَقْرَأْنا الشريعةَ () واستقرَيْناها)، فثبت عنه ◌َِّ أنه قال: ((لا
صلاةَ لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتابِ))(١). وثبت عنه وَلِّ أنه قال: ((كلُّ صلاةٍ لم
(١ - ١) سقط من: ج، م .
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٧٣ - ١٧٥ .
(٣) فى م: ((الأخيرة)).
(٤ - ٤) ليس فى : د .
(٥) سيأتى تخريجه ص ٢٩٥، ٢٩٦ .
١٣٣

الموطأ
التمهید
وحدَها، وتعَلَّقَ بهذه الرّوايَةِ عن مالكٍ أْثَرُ المالِكِيِينَ، وهو قولُ الكُوفِيِّينَ؛
سفيانَ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةً وأصحابِهِ، والحسنِ بنِ حَيٍّ، وسائرٍ فُقَهاءٍ
الكُوفَةِ، قديمًا وحديثًا. قال أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ نَصْرِ المَرْوَزِىُّ -
رحِمه اللهُ - فى كتابِهِ فى رَفْعِ اليدَين من الكتابِ الكبيرِ: لا نعلَمُ مِصْرًا
من الأمصارِ يُنْسَبُ إلى أهلِه العلْمُ قديمًا تَرَكوا بأجمَعِهم (١) رَفْعَ الْيَدَين
القبس
يُقرَأْ فيها بأمّ القرآنِ فهى خِداجٌ)). الحديث. وثبت عنه وَِّ أنه قال: ((يقولُ
اللَّهُ: قسَمْتُ الصلاةَ بينى وبينَ عبدى نصفَين)) الحديثَ. فتَعَيَّنتِ الفاتحةُ بهذه
الأخبارِ، وتَرَكْ بَِّ الجَلْسةَ الوسطى، فلم يَجعَلْ ذلك قادحًا فى الصلاةِ، لكنه
عوّض عنها بالسجودِ قبلَ السلامِ، وقال نَّهِ: ((تَحْرِيمُها التكبيرُ، وتحليلُها
التسليمُ)). وهو حديثٌ حسنٌ، ثم اختلَفَتْ مناهجُ العلماءِ فى هذه الأخبارِ
بحسَبٍ اختلافٍ مراتبِ الأدلةِ فى الكتاب والسنةِ وارتباطِها باللغةِ ، واختلافٍ
الروايةِ فى الأحاديثِ بالزيادةِ والنّقْصانِ، وعلى هذه الأصولِ انبتَى اختلافُ
الاجتهادِ بينَ العلماءِ، وانظُروا - نوَّرَ اللَّهُ بصائرَكم - إلى أَنْموذجٍ يَجْلو لكم عن
بصيرةٍ النظرِ، ويغسِلُ عنكم رَحْضَ (٢) التقليدِ، نورِدُه عليكم فى ثمانٍ مسائلَ:
المسألةُ الأولى: أَذَّن النبىُ نَّهِ وَأَقَامَ وصلَّى، فتعَينَ الكُلُّ بفعلِه، ثم سقَط
الوجوبُ فى الأذانِ عن الفَذِّ، كما بيَّناه فى الدليلِ الذى أورَدْناه، وبَقِيتِ الإقامةُ ؛
فمِن العلماءِ مَن أسقَط وجوبَها نظرًا إلى أنها أختُ الأذانِ، شُرِعت تنبيهًا للغافلِ
(١) فى الأصل، م: ((بإجماعهم)).
(٢) الخداج: النقصان. النهاية ٢/ ١٢.
والأثر سيأتى فى الموطأ (١٨٦).
(٣) الرحض: الغَشْلُ، والرُّحاضة: الغُسالةُ. وكأن المصنف استخدمه بمعنى القذر الذى يزال
بالغَشل. ينظر اللسان (ر ح ض).
١٣٤

الموطأ
التمهید
عندَ الخفضِ والرَّفْع فى الصلاةِ إلَّا أهلَ الكوفةِ .
وروَى ابنُ وهْبٍ ، والوليدُ بنُ مُسْلِمٍ، وسعيدُ بنُّ أبِى مَرْيَمَ ، وأَشْهَبُ ، وأبو
المُضْعَبِ، عن مالك، أنَّه كان يَرفعُ يديه، على حديثِ ابنِ عمرَ هذا إلى أن
مات ، فاللهُ أعلمُ . وبهذا قال الأوزاعِىُّ، وسفيانُ بنُ عُبَيْنَةَ ، والشافِعِىُ ، وجماعةٌ
أهلِ الحديثِ، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وأبى عُبَيْدٍ، وإسحاقَ بنِ راهُويَه،
القبس
الحاضرِ، واسْتِدعاءً للغائبِ القريبِ، كما شُرِع الأذانُ لمثلِه، ومنهم مَن أَثْبَتَ
وجوبَها؛ لقولِ النبيِّ وَ لِّ للأعرابيّ: ((وأَقِمْ وكبّ)). فأمَره بالإقامةِ كما أمره بالوضوءِ
والاستقبالِ والتكبيرِ، وحَذارٍ مِن مُلَيِّسةٍ جَرَت فى ألفاظِ أصحابنا المغاربةِ، إذ
يقولون: إن الصلاةَ تعادُ مِن تركِ السُّننٍ. لأنه ليس (١) بينَ الشُنَّةِ والفرضِ فَرْقٌ إلا
الاعتدادُ أو (٢) الإسقاطُ، فأما أنتم الآنَ " وقد) وقَعتُم على الحديثِ فقد تعيَّنَ
عليكم أن تقولوا بإحدى رِوايتَى مالكِ الموافقةِ للحديثِ وهو أن الإقامةَ فرضٌ .
المسألةُ الثانيةُ: تكبيرةُ الإحرامِ ، وقد تقدَّمَت .
المسألةُ الثالثةُ: القراءةُ، قال أبو حنيفةً: هى فرضٌ لأنها فى القرآنِ ؛ قال اللّهُ
تبارك وتعالى: ﴿فَاقْرَهُ وَأَمَا تَبَشَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. وهذا وَهْمٌ؛ لأنه لا خلافَ فيما
بينَ العلماءِ أن الآيةَ إنما نزَلَت فى نسخِ قيامِ الليلِ بوجوبِ صلاةِ الفرضِ ، وأن المرادَ
بالقراءةِ هلهنا الصلاةُ، لكن لمَّا قال النبيُّ وَِّ: ((لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بفاتحةٍ
الكتابِ )). واختلَف الناسُ فى هذا الأصلِ؛ هل يُحْمَلُ هذا النفىُ على التمامِ
(١) سقط من: ج .
(٢) فى ج، م: (( و)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((فقد)).
(٤) فى ج، م: ((وقد)).
١٣٥

الموطأ
التمهید
وأبى ثَوْرٍ ، وابنِ المُبارَكِ ، وأبى جعفرٍ محمدِ بنِ جريرِ الطّرِئِّ. وقال داودُ بنُّ
علىٍّ : الرفعُ عندَ تكبيرة الإحرامِ واجِبٌ ، ركنٌ من أركانِ الصلاةِ. واختلف
أصحابُه؛ فقال بعضُهم: الرَّفْعُ عندَ الإحرامِ والركوعِ والرَّفْعِ من الرُّكوعِ
واجِبٌ . وقال بعضُهم: لا يجبُ الرفعُ إِلَّا عندَ الإحرامِ. وقال بعضُهم: لا
يجبُ لا عندَ الإحرامِ ولا غيرِهِ؛ لأَنَّه فَعَلَه ولم يَأْمُرْ به. وقال بعضُهم: هو
القبس
والكمالِ ، أو يُحمَلُ على الإجزاءِ؟ اختلفتِ الفَتْوَى بحسب اختلافِ حالِ الناظرِ ،
ولئًا كان الأشهرُ فى هذا الأصلِ والأقوى أنَّ النفى على العمومِ كان الأقوى مِن رواية
مالكِ أنَّ مَن لم يقرأ الفاتحةَ فى صلاتِهِ بَطَلَتْ .
المسألةُ الرابعةُ: ثم نظَرنا فى تَكرارِها فى كلِّ ركعةٍ، فمَن تأمّل قولَ
النبيِّ وَّهِ للأعرابيّ: ((ثم افعَلْ كذلك فى صلائِك كلِّها)). لزِمه أن يُعِيدَ
القراءةَ كما يُعِيدُ الركوعَ والسجودَ، على أنه قد رُوِى أيضًا حديثٌ مِن طرقٍ
كثيرةٍ: ((كلُّ ركعةٍ لم يُقْرَأْ فيها بأمّ القرآنِ فهى خِدَاجٌ)). هذا مع النظرِ فى
أن القيامَ فرضٌ فى الثانيةِ وما بعدَها، والقيامُ لا يرادُ لنفسِه وإنما هو مجِلِّ
لغيره .
المسألةُ الخامسةُ: الركومُ والسجودُ، ولا خلافَ فيهما؛ لأنهما ثبتا قرآنًا
وسُنَّةً، وزادَت السنةُ الطُّمَأنينةَ فيهما والفصلَ بينَهما، وقد تكاثَرتِ الروايةُ عن
ابنِ القاسمِ وغيرِهِ بوجوبِ الفصلِ بينَهماً) وسقوطِ الطُّمَأْنينةِ، وهو وَهْمٌ
عظيمٌ؛ لأن النبيَّ وَِّ فعَلها وأمَر بها وعلَّمها، فإن كان لابنِ القاسم عذرٌ، فإنه ()
(١) سقط من : ج .
(٢) فى ج: ((وإن كان)).
١٣٦

الموطأ
التمهيد
كلُّه واجِبٌ؛ لقولِهِ مَّهِ: ((صلُّوا كما رأيتُمونى أصلِّى))(١).
"وذكر ابنُ خُوازٍ بَنْدَادَ، قال: اخْتَلَفَتِ الروايةُ عن مالكِ فى رَفْعِ اليدين عندَ
الخفضِ والرفع فى الصلاةِ؛ فقال: يَرفعُ فى كلِّ خَفضٍ ورَفْعٍ. على حديثِ ابنِ
عمرَ، عن النبيِّ عليه السلامُ. وقد قال: لا يَرْفَعُ إلَّا فى تكبيرة الإحرامِ . وهذا
قال: لا يَرْفَعُ أَضْلًا. قال: والذى عليه أصحابُنا الرَّفْعُ عندَ الإحرامِ لا غيرُ.
القبس
لم يَطَّلِغ ("على هذا)، "فأتى عذر لكم) وقد انتهى العلم إليكم، وقامتِ الحُجّةُ به
علیکم ؟!
المسألةُ السادسةُ: الجَلْسةُ الوُسطَى: ثبت عن النبيِّ وَلِّ فعلُها، وهى فعلٌ
يشتمِلُ على قولٍ، فقد تأكَّدَت، لكن لا محرمةَ إلا لما احتَرَمَ الشرعُ، ولا قوةَ إلا لما
قوَّى (١)، وقد ثبت أن النبيَّ وَلّهِ قامَ مِن اثنتَين، فجعَل السجودَ جبرانًا، فتَعَين على
الكافَّةِ الحكم بسقوطٍ وجوبها ، ثم اختلفت مذاهبهم فى الجبرانِ؛ فمنهم من
قال: إن الجُبْرانَ واجبٌ يأتى به قبلَ السلامِ، فإن لم(١) ففيما بعدَ السلامِ على القُرْبِ،
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٠٢) من الموطأ .
* من هنا أتى السياق مختصرًا فى: ر، ى اختصارًا منضبطًا، ذكر فيه من ثبت عنهم الرفع من
الصحابة والتابعين، والاختلاف فى ذلك، وذكر نقل المروزى، وابن المنذر، وينتهي ص ١٤٢.
(٢ - ٢) فى ج: ((عليها)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((فما بالكم أنتم)).
(٤) بعده فى ج، م: ((الشرع)).
(٥) فى ج، م: (( ثم جعل)).
(٦) فى ج: ((مناهجهم)).
(٧) بعده فى ج، م: ((يكن)).
١٣٧

الموطأ
وحُجَّةُ مَن ذهَب مذهبَ ابنِ القاسمِ ورِوايَتِه عن مالكٍ، ومَذْهَبَ الكُوفِئِينَ
التمهيد
المُوافِقِينَ له فى ذلك - حديثُ البَراءِ بنِ عازِبٍ، وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ،
عن النبيِّ ◌َلِّ، أَنَّه كان يَرْفَعُ يديه إذا افتتحَ الصلاةَ، ثم لا يَرفعُ بعدُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم، قال: حدَّثنا موسَى بنُ محمدٍ
الأنصارِیّ، عن یزید بنِ أبی زیادٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبی لیلی ، عن الآراءِ بنِ
عازِبٍ، قال: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ وَِّفِكَبَّرَ فَرَفَعَ يديه حتى حاذَى أَذُنَيْه فى أوَّلِ
القبس
فإن طالَ أعادَ الصلاةَ. وإليه صَغْؤُ المالكيةِ، ومنهم مَن قال: دُخُولُ المُبْرانِ
فيها دليلٌ على سُقوطِها، ومِن المُحالِ سقوطُ الأصلِ ووجوبُ الجُبْرانِ. والذى
◌ُدَانُ اللهُ تعالى به وجوبُ المجبرانِ، کما فعله النبىُ ێر، لكنه یأتی به متی ما
يَذْكُرُه طالَ أو (٢) قَصُر، ولو كان الأصلُ هو الذى يأتى به ، لكان لك أن تُراعِىَ فيه
القُرْبَ للاتصالِ .
المسألةُ السابعةُ: وهى أصعَبُها : التشَهُّدُ ، قال الشافعىُّ : هو واجبٌ فى آخرِ
الصلاةِ. وقال علماؤنا وأصحابُ أبى حنيفةً: لا يجبُ؛ لأن النبيَّ وَلِّ لم يذكُرْه
للأعرابيّ. وهذا فيه ضعفٌ؛ لأنه لم يذكُرْ له السلامَ، وقد ثبت عن الصحابةِ أنهم
قالوا: كان رسولُ اللَّهِ وَهِ يُعَلِّمُنا التشهدَ كما يُعَلِّمُنا السورةَ مِن القرآنِ (١) . وقال ابنُ
مسعودٍ: كُنا نقولُ إذا صَلَّينا: السلامُ على جبريلَ، السلامُ على ميكائيلَ، السلامُ
(١) فى ج، م: ((صغوا))، والصغو: الميل، ينظر القاموس المحيط ( ص غ و).
(٢) فى ج، م: ((أم )).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٣٩٩) من الموطأ .
١٣٨

الموطأ
مَرَّةٍ ، لم يَزِدْ عليها . قال أحمدُ بنُّ زهيرٍ : سُئِلَ يحيى بن معينٍ، عن يزيدَ بنِ أبی
زیادٍ ، فقال : ليس بذاك .
التمهيد
وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ بنِ
العباسِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ جريرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسَى الرَّازِئُّ،
قال : حدثنا شرِیكٌ ، عن یزید بنِ أبی زِیادٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبی لیلی ، عن
البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: كان النبىُّ نَّهَ إِذا افْتَتَحَ الصلاةَ رفَع يديه حتى تُحاذِىَ(١)
القبس
على فلانٍ. فقال النبيُّ وَله: ((قُولوا: التحياتُ للَّهِ))(١). فذكرها، وهذا أمرٌ، وقد
علِمتُم وجوبَها فى الصلاةِ، وقد علِمتُم فريضتَها فى طريقِ التعلُّم، فقَدْ(١) ويجب أن
يُقابَلَ بالقَبولِ .
المسألةُ الثامنةُ: التسليمُ، وقد تقدَّم فيه الحديثُ ، ولقد زَلَّ فيه أبو حنيفةً حينَ
قال: إن الحَدَثَ يقومُ مَقامَ السلامِ فى الخروج عن الصلاةِ. وكان شيخُنا فخر
الإسلامِ يُنْشِدُنا فى الدرسِ :
ويَرى(٤) الخروجَّ مِن الصلاةِ بِضَرْطةٍ أين الضُّرَاطُ مِن السلامُ عليكم
("وسُرِدْ لعلمائِنا من هذه المسألةِ فرعان ضعيفان؛ أما أحدُهما : فروَى عبدُ
الملكِ بنُ حبيب عن عبدِ الملكِ، أن مَن سَلَّم مِن ركعتَين مُتَلاعبًا ، فخرَج البيانُ أنه
(١) فى الأصل: ((يحاذى)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٣٢، ٤٣٣.
(٣) فى ج، م: ((وقد )).
(٤) فى م: ((نرى)).
(٥ - ٥) بياض فى ج، وفى م: ((وورد)).
١٣٩

الموطأ
التمهيد أَذُنَيْه، ثم لا يَعُودُ (١).
قال أبو عمر: قالَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نُمَیْرٍ: لم یکنْ یزیدُ بنُ ابی زِیادٍ
بالحافظ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثَنِى أيِى، قال: حدَّثنا وكيع، ( حدَّثنا
سفيانُ(٢)، عن عاصمٍ بنِ كُلَيْبٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ الأُسْوَدِ، عن عَلْقَمَةَ،
كان عن أربعٍ، أنه يُجْزِئُه. وهذا هو مذهبُ أهلِ العراقِ بعينِه .
القبس
وأما الثانى: فوقَع فى الكتبِ المنبوذةِ أن الإمامَ إذا أُحدَث بعدَ التشهدِ متعمدًا
و(٢)قَبَلَ السلامِ، أنه يُجْزِئُ مَن خلفَه. وهذا مما ينبغى ألّا يُلْتَفَتَ إليه فى الفتوى، وإن
عمَرَت به المجالسُ للذكرَى، وإنما تَشَبَّث أهلُ العراقِ فى ذلك بحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ
عمرٍو بنِ العاصِ عن النبيِّ وَ لِ ﴿ِ حينَ ذكّر أفعالَ الصلاةِ ، فقال فى آخرِ الحديثِ :
(فإِذا تَشْهَّدْتَ فقد انقضَت صلاتُك، فإن شئتَ أن تقومَ فقُمْ، وإن شئتَ أن تَقْعُدّ
فاقْعُدْ)). وهذا الحديثُ لا حُجَّةَ فيه مِن ثلاثةِ أوجهٍ ؛ الأولُ : أن هذا الحديثَ لم
يَصِحّ، وقد وَصَّيناكم أن الاشتغالَ بما لم يَصِحَّ عَناءٌ . الثانى: أنه إن كان مُجَّةً علينا
فى تركِ السلامِ، فهو محُّةٌ على المُخالفِ فى تركِ النيةِ . الثالثُ : أن معناه: إن شئتَ
أن تقعُدَ فتزيدَ فى الدعاءِ فافعَلْ(٤)، وإن شئتَ أن تقومَ فسَلِّمْ، وفى هذا جمعٌ بينَ
(١) أخرجه أبو داود (٧٤٩)، وأبو يعلى (١٦٩٠) من طريق شريك به .
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) فى م: (( أو )).
(٤) فى ج: ((فاقعد)).
١٤٠