النص المفهرس

صفحات 61-80

الموطأ
النبيِّ وَلَّ، إلا أنَّ ألفاظَهم عن حُمْرانَ مختلفةٌ، ولكنَّها متقاربةُ التمهيد
المعنى .
وأما قولُه: لولا أنه فى كتابِ اللهِ. فاختُلِف فى هذه اللفظةِ؛ فطائفةٌ
رَوَت: لولا أنه فى كتابِ اللهِ. بالنونِ وهاءِ الضميرِ، وطائفةٌ رَوَت : لولا
آيةٌ فى كتابِ اللهِ . بالياءِ وتاءِ التأنيثِ، وقد رُوى عن عروةَ أنَّ الآيةَ قولُه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْمُدَى﴾ الآية [البقرة: ١٥٩].
ورَوى آخرون كما قال مالكٌ: ﴿إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية.
وعلى هذا المعنى يَتْبغى أن تكونَ الروايةُ: لولا أنه. بالنونِ وهاءِ الضميرِ .
واللهُ أعلمُ. وقولُ مالكِ: أَراه يريدُ هذه الآيةَ، يَحْتِلُ الوجهين جميعًا
أيضًا .
وأما قوله: على المقاعد. فقيل: هی الد کا کینُ کانت عند بابٍ دارٍ
عثمانَ ، كانوا يجلِسون عليها فسُمِّيَت المقاعدَ . واللهُ أعلمُ .
وقولُه: آذَنَه بصلاةِ العصرِ. يريدُ: أَعْلَمه بحضورِها. ومِن هذا قولُ
الحارثِ بنِ حِلِّزَةً(١) :
* آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسماءُ »
القبس
= والمطلب بن عبد الله بن حنطب، وعبد الكريم بن أبى المخارق، وسعيد الجريرى، كلهم عن
حمران. وينظر علل الدارقطنى ٢٠/٣ - ٢٨.
(١) شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات ص ٤٣٣.
٦١

٥٩- وحدثنی عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بنِ یسارٍ ،
الموطأ
عن عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِىِّ، أن رسولَ اللهِ وَ لَهقال: ((إِذا تَوضَّأ العبدُ
المؤمنُ فمَضْمَض خرَجتِ الخطايا من فيه، وإذا استَنْثَر خرَجت
التمهید
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا
إسحاقُ بنُّ إبراهيمَ بنِ يونُسَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ نوفلٍ
المعمرىُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ يحيى بنِ عمرو بنِ مالكِ التُّكْرِىُّ(١)،
عن أبيه، عن جدِّه، عن أبى الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبىَ لَيه
قال: ((لم أرَ شيئًا أحسنَ طلبًا، ولا أحسنَ إدراكًا، من حسنةٍ حديثةٍ
لذنبٍ قديم)). ثم قرأ: ((﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى
للذّکِین﴾))().
مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاءِ بنِ یسارٍ ، عن عبدِ اللهِ الصُّنَابِچِئِّ ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((إذا توضَّأ العبدُ المؤمنُ فمضمض، خرجتٍ
الخطايا من فِيه، فإذا اسْتَنْثَر خرَجتِ الخَطايا من أنفِه، فإذا غسَل وجهَه
خرَجتِ الخطايا من وجهِه، حتى تَخرُجَ من تحتِ أُشْفَارٍ عَيْنَيْهِ، فإذا غسل
يدَيْه خرَجتِ الخطايا من يدَيْهِ، حتى تَخرُجَ من تحتٍ أُظْفارِ يدَيْه ، فإذا مسح
ءُ
رأسَه خرَجتِ الخطايا من رأسِه، حتى تَخرُجَ من أَذُنَيْهِ، فإذا غسَلْ رِجْليه
القبس
(١) فى م: ((البكرى)). وينظر تهذيب الكمال ٢١١/٢٢.
(٢) أخرجه العقيلى ١٧٤/٤، ٤٢٠، والطبرانى (١٢٧٩٨)، والبيهقى فى الزهد (٧٨٢)، وابن
الجوزى فى العلل ٣٤١/٢ من طريق مالك بن يحيى به .
٦٢

الخطايا من أنفِه ، فإذا غسَل وجهَه خرَجت الخطايا من وجهِه حتى الموطأ
تَخرُجَ من تحتِ أشفارٍ عينيه، فإذا غسل يديه خرَجت الخطايا مِن یدیه
حتى تَخرُجَ من تحتِ أظفارٍ يدَيه ، فإذا مسَح برأسِه خرَجت الخطايا مِن
رأسِه حتى تَخرُجَ من أذُنَيه ، فإذا غسل رجليه [١١ و] خرَجت الخطايا من
رجلَیْه حتی تخرج من تحتٍ أظفارٍ رجلیه» . قال: « ثم کان مشیه إِلی
المسجدِ وصلاتُه نافلةً له)) .
خرَجتِ الخطايا من رِجْلَيْهِ، حتى تَخرُجَ من تحتِ أَظْفارٍ رِجْليه، ثم كان التمهيد
مَشْيُه إلى المسجدِ وصلاتُه نافلةً له))(١) .
قد تقدَّم القول فى الصُّنَابِحِىِّ وفیمن دُونَه فى هذا الإسنادِ () .
وقال أبو عيسى محمدُ بنُ عيسَى بِنِ سَوْرَةَ التِّزْمِذِىُّ(٢) : سأَلْتُ أبا
عبدِ اللهِ محمدَ بنَ إسماعيلَ البخارىَّ عن حديثِ مالكٍ، عن زيدِ بنِ أُسْلَمَ ،
عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ، عن عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِىِّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((إذا
توضَّأ العبدُ المسلمُ فَتَمَضْمَضَ()، خرَجتِ الخطايا من فيه)) الحديث.
فقال: مالكُ بنُ أَنْسِ وَهَمَ فى هذا الحديثِ فقالَ: عبدُ اللهِ الصُّنَابِحِىُّ. وهو
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٧٤)، وأخرجه أحمد ٤١٨/٣١ (١٩٠٦٨)، والبخارى فى التاريخ
الكبير ٣٢٢/٥، وفى الصغير ١٩٥/١، والنسائى (١٠٣) من طريق مالك به.
(٢) ترجمة زيد بن أسلم ستأتى فى شرح الحديث (١٧٦٤) من الموطأ ، وستأتى ترجمة عطاء
ص٣٥٥، ٣٥٦، وستأتى ترجمة الصنابحى فى شرح الحديث (٥١٤) من الموطأ .
(٣) علل الترمذى الكبير ص ٢١.
(٤) فى ص ٤، م: ((فمضمض)).
٦٣

الموطأ
التمهيد أبو عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِىُّ، واسمُه عبدُ الرحمنِ بنُّ عُسَيْلَةً، ولم يسمع من النبىِّ
وَه ، والحديثُ مُؤْسَلٌ، وعبدُ الرحمنٍ(١) هو الذى روى عن أبى بكرٍ
الصديق .
قال أبو عمرَ : يَسْتَيِّدُ هذا الحدیثُ أيضًا من طرق حسانٍ من حديثٍ عمرو
ابنِ عَبَسَةَ وغيرِه، وستُذكُ(١) فى آخرِ هذا البابِ إن شاء اللهُ .
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ أنَّ الوُضوءَ مسنونَه ومفروضَه جاءً فيه مَجِيئًا
واحدًا ، وأنَّ من شرطِ المؤمن وما ينبغى له إذا أراد الصلاة أن يأتى بما ذُكِرَ فى
هذا الحديثِ، لا يُقَصِّرُ عن شىءٍ منه، فإن قصَّر عن شىءٍ منه كان للمُفْتَرَضِ
حينئذٍ حُكْمٌ، وللمَسْئُونِ محُكْمٌ، إِلَّ أنَّ العلماءَ أجمَعوا على أنَّ غَسْلَ الوجهِ،
واليدێْن إلى المِْفَقَيْنِ ، والرّجلینإلى الگغبین، ومَشْحَ الُأْسِ، فرض ذلك كلُّه؛
لأمرِ اللهِ بهِ فى كِتابِهِ المسلمَ عندَ قيامِه إلى الصلاة إذا لم يكنْ متوضّئًا ، لا خلافَ
عَلِمْتُه فى شىءٍ من ذلك، إلّا فى مسحِ الرِّجْلين وغَسْلِهما، على ما نُبَيْتُه فى(١)
بلاغاتٍ مالكِ إن شاء اللهُ(٤).
واخْتَلَفُوا فى المضمضةِ والاسْتِثْثَارِ؛ فقالَتْ طائِفَةٌ: ذلك فرضٌ. وقال
آخرونَ : ذلك سُنَّةٌ . وقال بعضُهم: المضمضةُ سُنَّةٌ ، والاسْتِنْثَارُ فَوْضٌ.
القبس
(١) بعده فى ص ٤: ((هذا).
(٢) فى ص ٤، س: ((سنذكره))، وفى م: ((سنذكرها)).
(٣) بعده فى ص ٤: ((باب)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤١٠/٢ - ٤١٥.
٦٤

الموطأ
وليسَ فى مسندٍ حديثٍ عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ التمهيد
زيدِ بنِ عاصِمٍ، فى صِفَةِ وُضوءِ رسولِ اللهِ وَلِه(١) ولا فى ((الموطُّ)) ذِنْو
الأَذُنَين فى الوُضوءِ فى حديثٍ مسندٍ إلَّا فى حديثِ الصُّنَابِحِىِّ هذا. وقد استدلَّ
بعضُ أهلِ العلم على أنَّ الأَذُنَين من الرأسِ، وأنَّهما يُمْسَحانِ بماءٍ واحِدٍ مع
الرأسِ بحديثِ الصُّنَابِحِىِّ هذا؛ لقوله فيه: (( فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا
من أُذُنَيْهِ)) . فتَذْكُرْ أقاويلَ الفقهاءِ فى ذلك هلهُنا ، ونُرچِئُ ذِ كْرَ المِْفَقَینإلى بابِ
عمرٍو بنٍ يحيى(٢)، وذِكْرَ الكَعْبَين إلى قولِه ◌ِ: ((وَيْلٌ للأُغْقَابِ من النَّارِ)) (١).
ونُوجئُ ذِکر القول فی مسح الرأس إلی بابٍ عمرو بنِ یحیی أیضًا ، فی حدیثٍ
عبد الله بن زید بن عاصمإن شاءاللهُ() . وجاءً فی هذا الحدیثِ ذِ كُ الاسْتِنْئارِ ،
فَتَذْكُرُه أيضًا بعَوْنِ اللهِ . وكذلك لا أعلمُ فى مسندٍ حديثٍ ((الموطّأُ)) ومَرْفُوعِه
مَوْضِعًا أشْبَة بالقولِ فى الماءِ المستعملِ من هذا الحديث ، ونحنُ ذاکِرُو ذلك
كلِّه ههنا، ونَذْكُرُ حكم المضمضةِ والاسْتِنْثَارِ أيضًا ههُنا ؛ لأنَّهما مُتَقارِبانٍ فی
المعنَى عندَ العلماءِ. وباللهِ تَوْفِيقُنا، وهو حَسْبُنا لا شَرِيكَ له.
فأمَّا الاسْتِنْثَارُ والاسْتِنْشَاقُ فمعناهما واحدٌ مُتَقَارِبٌ ، إلّا أنَّ أُخْذَ الماءِ برِيحٍ
الأنفِ هو الاسْتِنْشَاقُ، والاسْتِنْثَارُ رَدُّ الماءِ بعدَ أُخْذِهِ برِيح الأنْفِ أيضًا . هذه
القبس
(١) بعده فى ص ٤، م: ((الموطأ ذكر المضمضة إلا فى هذا الحديث وفى حديث)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٩) .
(٣) تقدم فى ٣٧١/٢ - ٣٧٣.
(٤) تقدم فى ٤١٠/٢ - ٤١٥.
(٥) تقدم فى ٣٧٣/٢- ٣٨٠.
٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٥/٣ )

الموطأ
التمهيد حقيقةُ اللفظَتَيْن، وقد كان مالكٌ يَى أنَّ الاسْتِنْثَارَ أنْ يجعَلَ يَدَه على أَنفِه
ويَسْتَثْثِرَ. وقد ذكّرْنَا مذاهبَ العلماءِ فى ذلك فى بابٍ أبى الزِّنَادِ (١) . وأكثُ أهلِ
العلم يَكْتَقُون فى هذا المعنَى باللفظِ الواحدِ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ وَلِّاللفظَانِ
جميعًا، وذلك قولُه فى هذا الحديثِ: ((فَإِذَا اسْتَنْثَرَ)). وقولُه فى حديثٍ
أبى هريرةَ: ((إذا توضَّأَ أحدُكم فلْيَجعَلْ فى أنفِه ماءً، ثم لْيْثُر - ولْينْتِزْ - أَوْ
لِيَسْتَنْثِرْ)) . ونحوُ هذا، على ما رُوِىَ فى ذلك، وقولُه فى حديثٍ أبى هريرةَ
أيضًا: ((من توضّأُ فليستٹئر، ومَن استجمر فلیُوتو))(١). وژُوِیَ من حديث أبى
رَزِينِ العُقَيْلِىِّ أَنَّ رَسولَ اللهِ إِ لّهِ قال له: ((وبَالِغْ فى الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تكونَ
صائمًا)) (٤). ومِن حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ رسولَ اللهِ نَّه قال: ((اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ
بالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا)»(٤). ومِن حديثِ هَمَّامٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّقال:
((إِذَا توضَّأ أحدُكم فلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخرِه من الماءِ ثم لْيْثُوْ))(٥). وقد ذكرنا هذه
الآثارَ بأسانيدِها فى بابٍ أيِى الزِّنَادِ، والحمدُ للهِ.
فاللفظَانِ كما تَرَى مَزْوِيَّانِ متداخِلان، وأهلُ العلم يُعَبِّرُونَ باللفظِ الواحدِ
عن الثانِى اْتِفَاءٌ وعلمًا بالمُرادِ .
فأمَّا اختلافُهم فى مُكْمِهما؛ فإنَّ مالكًا، والشَّافِعِيِّ، وأصحابَهما،
القبس
(١) تقدم فى ٣٨٦/٢، ٣٨٧.
(٢) تقدم فى الموطأ (٣٢).
(٣) تقدم فى الموطأ (٣٣).
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٨٧/٢ .
(٥) تقدم تخريجه فى ٣٨٨/٢ .
٦٦

الموطأ
يقولون : المضمضةُ والاسْتِنْشاقُ سُنَّةٌ، ليسا بفرضٍ لا فى الجنابةِ ولا فى التمهيد
الوضوءِ. وبذلك قال محمدُ بنُ جريرِ الطَّرِىُّ. وهو قولُ الأوزَاعِىِّ واللَّيْثِ بنِ
سَعْدٍ) . ورُوِىَ أيضًا عن الحسن البصرىِّ، والزهرىِّ، وربيعةً، ويحيى بنٍ
سعيدٍ، وقتادةَ، والحكَم بنِ عُتَيْبةَ(٢) . فمَنْ توضَّأ وتركَهما وصَلَّى، فلا إِعادةً
علیه عند واحدٍ من هؤلاء المذكورين .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثورىُّ: هما فَرْضٌ فى الجنابةِ، سُنَّةٌ فى
الوُضوءِ، فإِنْ تَرَكَهما فى غُسْلِه من الجنابةِ وصَلَّى ، أعاد، كمَن تَرَكَ لُمْعَةً ، ومَن
ترَكهما فى وُضُوئِه ( وصلَّى"، فلا إعادةَ عليه. وقال ابنُ أَبِى لَيْلَى ، وحمَّادُ بنُ
أبى سليمانَ(٤)، وهو قولُ إسحاقَ بنِ رَاهُويَه: هما فَرْضٌ فى الغُسْلِ والوضوءِ
جميعًا. وروى عن الزهرىِّ وعطاءٍ(٥) مثلُ هَذا القولِ أيضًا. ورُوِىَ عنهما مثلُ
قول مالك والشافعى . و کذلك اختلف أصحابُ داود ؛ فمنهم من قال: هما
فرضٌ فى الغُسْلِ والؤُضوءِ جميعًا. ومنهم مَن قال: إنَّ المضمضةَ سُنَّةٌ،
والاسْتِنْشاقَ فرضٌ . وكذلك اخْتُلِفَ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ على هذين القولَین
القبس
(١) بعده فى م: ((وقتادة والحكم بن عتبة)).
(٢) ينظر المدونة ١٥/١، ومصنف ابن أبى شيبة ١٩٧/١، وتفسير ابن جرير ١٦٩/٨، والأوسط
لأبى المنذر ٣٧٨/١.
(٣ - ٣) زيادة من: م.
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٩٧/١، وسنن الترمذى ١/ ٤٠، ٤١، والأوسط لابن المنذر
٣٧٧/١ .
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٩٦/١.
(٦ - ٦) سقط من: ك ١، س.
٦٧

الموطأ
التمهيد المذكورين عن داودَ وأصحابِهِ. ولم يَختلِفْ قولُ أبى ثورٍ وأبى عبيدٍ أَنَّ
المضمضةَ سُنَّةٌ، والاسْتِنْشاقَ واجِبٌ ، قالا: فمن ترَك الاسْتِنْشاقَ وصلَّى أعادَ ،
ومَن ترَكُ المضمضةً لم يُعِدْ.
و کذلك القولُ عندَ أحمد بن حنبل فی روايةٍ، وعن بعضٍ أصحاب
داودَ. وحُجَّةُ مَن لم يُوجِئْهما أنَّ اللهَ لم يذْكُرْهما فى كتابه، ولا أُوْجَبَهما
رسولُهُ وَّهِ، ولا اتَّفَقَ الجميعُ عليه، والفرائضُ لا تَثْبُتُ إلَّا من هذه الوُمُجُوهِ.
وحجَّةُ مَن أَوْجَبَهما فى الغُسْلِ من الجنابةِ دونَ الوُضوءِ قولُهُ وَلِ: (( تحتَ
كلِّ شَعَرَةٍ جنابَةٌ، فَثُلُوا الشَّعَرَ، وأَنْقُوا الْبَشَرَةَ))(١). وفى الأنفِ ما فيه من الشَّعَرِ،
وأنَّه لا يُوصَلُ إلى غَسْلِ الأسنانِ والشَّفَتَين إلّ بالمضْمَضَةِ، وقد قال ◌ِلّهِ:
((العينانِ تَزنيانِ، والفمُ تَزنى))(١). ونحو هذا إلى أشياء يطولُ ذِْرُها .
وحُجَّةُ مَن أَوجَبَهما فى الوُضوءِ وفى غُسْلِ الجنابةِ جميعًا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ
قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]. كما قال:
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فما وجب فى الواحدِ من الغُسْلِ وجب فى
الآخَرِ، والنبيُّ وَله لم يُخْفَظُ عنه أنَّه ترك المضمضة والاستنشاقَ فی ◌ُضوئه ولا
فى غُسْلِه للجنابَةِ ، وهو المُبَيِّنُ عن اللهِ عزَّ وجلَّ مُرادَه قَوْلًا وعَمَلًا، وقد بَيْنَ أنَّ
مِن مُرَادِ اللهِ بقولِه: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. المضمضةَ والاسْتِنْشَاقَ، مع
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص٢٩١ .
(٢) أخرجه أحمد ٢١٠/١٤ (٨٥٢٦)، وأبو داود (٢١٥٣) من حديث أبى هريرة.
٦٨

الموطأ
التمهيد
غَسْلٍ سائرِ الوَجْهِ .
وحُجَّةُ مَن فَوَّقَ بينَ المضمضةِ وَالاسْتِنْشَاقِ أنَّ النبيَّ وَّهِفِعَل المضمضةً
ولم يأْمُرْ بها، وأُفْعَالُه مَنْذُوبٌ إليها ليست بواجِبَةٍ إِلَّ بدَليلِ، وفعَل الاسْتِثْثارَ وأمَر
به ، وأمرُه علی الُجوب أبدًا إلا ان یتبین غير ذلك من مُرادِه . وهذا على أصُولِهم
فى ذلك .
ء
وأمَّا اختلافُ العلماءِ فى حكم الأَذُنَين فى الطهارةِ ؛ فإِنَّ مالكًا قال فيما
روَى عنه ابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسمِ، وأَشْهَبُ، وغيرُهم: الأُذُنَانِ من الرأسِ. إِلَّا
أنَّه قال: يُسْتَأْنَفُ لهما ماءٌ جديدٌ سِوَى الماءِ الذى مسَحَ به الرأسَ. فوافَقَ
الشافعىَّ فی هذه؛ لأنَّ الشافعىّ قال : یمسحُ الأذنين بماءٍ جديدٍ. کما قال
مالكٌ، ولكنَّه قال: هما سُنَّةٌ على حِيَالِهما، لا من الوَجْهِ ولا من الرأسِ . وقولُ
أبى ثَوْرٍ فى ذلك كقولٍ الشافعىِّ سَواءٌ حرفًا بحَرْفٍ. وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ
فى ذلك كقولٍ مالكِ سَواء ، فى قوله: الأُذُنَانِ من الرأسِ. وفى أنَّهما
يُسْتَأْنَفُ لهما ماءٌ جَدِيدٌ .
وقال الثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه: الأُذُنان (١ من الرأسِ يُمْسَحانِ مع
الرأسِ بماءٍ واحدٍ (١) . ورُوِىَ عن جماعةٍ من السلفِ مثلُ ذلك القولِ من الصحابةِ
والتابعين. وقال ابنُ شهابٍ الزهرىُّ: الأُذُنَانِ) من الوجهِ . وقال الشعبىُّ : ما
القبس
(١ - ١) سقط من: ك١، س.
(٢) فى م: ((جديد). وينظر بدائع الصنائع ٢٣/١، وشرح العناية على الهداية ص ٢٧.
۔۔۔
٦٩

الموطأ
التمهيد أقبلَ منهما من الوَجْهِ، وظاهِرُهما من الرأسِ . وبهذا القولِ قال الحسنُ بنُ
حَىٍّ، وإسحاقُ بنُ رَاهُويَه؛ أنَّ باطِنتَهما من الوَجْهِ، وظاهِرَهما من
الرأسِ. " وحكى ابنُ أبى هريرةَ هذا القولَ عن (١) الشافعيّ. والمشهورُ من
مذهبِهِ ما تقدَّم ذِكْرُه، روَاه المُزَنِىُّ، والرَّبِيعُ، والزَّغْفَرَانِىُّ، والبُوَيْطِئُّ،
وغيرُهم. وقد رُوِىَ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ مثلُ قولِ الشعبىّ(١) وإسحاقَ فى هذا
أيضًا . وقال داودُ : إن مسَح أُذُنَيْه فحَسَنٌّ، وإن لم يَمْسَخ فلا شىءَ عليه .
وأهلُ العِلمِ يَكْرَهُون للمُتَوَضِىَّ تَرْكَ مَسْحٍ أُذُنَتِهِ، ويجعَلُونَه تارِكَ سُنَّةٍ من
سُنَنِ النّبِيِّ بَّهِ، لا يُوجِبُونَ عليه إعادَةً، إلَّ إسحاقَ بنَ راهُويَه، فإنَّه قال:
إِنْ ترَكُ مَسْحَ أَذُنَيْه عامِدًا لم يُجْزِئْه. وقال أحمدُ بنُ حنبلِ: إِنْ ترَكَهما
عَمْدًا أُحْبَيْتُ أنْ يُعِيدَ. وقد كان بعضُ أصحابٍ مالكٍ يقولُ: مَن تَرَك سُنَّةً
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٦)، والطهور لأبى عبيد (٣٦٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٧/١،
وتفسیر ابن جرير ١٨٠/٨.
(٢ - ٢) فى ك ١: (وحكى أبو))، وفى م: ((وحكيا عن أبى)). وهو الحسن بن الحسين أبو على بن
أبى هريرة الفقيه القاضى، أحد شيوخ الشافعيين، شرح (مختصر المزنى)، له مسائل فى الفروع
محفوظة، توفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. طبقات الشافعية للسبکی ٢٥٦/٣.
(٣) فى م: ((وعن).
(٤) الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادى، أبو محمد، صاحب الشافعى وراوية كتبه ، مات سنة
سبعين ومائتين. طبقات الشافعية للسبكى ٢/ ١٣٢.
(٥) الحسن بن محمد بن الصباح أبو على الزعفرانى، أحد رواة ((القديم)، كان إماما جليلا فقيها
محدثا فصيحا بليغا، توفى فى شهر رمضان سنة ستين ومائتين. طبقات الشافعية للسبكى ١١٤/٢.
(٦) فى م: ((الشافعى).
٧٠

الموطأ
من سُنَنِ الوُضوءِ أو الصلاةِ عامِدًا أعادَ. وهذا عندَ الفقهاءِ ضعيفٌ، وليسَ التمهيد
لقائلِه سَلَفٌ، ولا له حظٍّ من النَّظَرِ، ولو كان ذلك كذلك لم يُعْرَفِ
الفرضُ الواجبُ من غيرِه. وقال بعضُهم: مَن تَرَك مَسْحَ أَذُنَتْه فكأنَّه ترك
مَسْحَ بعضٍ رأسِه. وهو ممَّن يقولُ بأنَّ الفرضَ مَسْخُ بعضِ الرأسِ، وأنَّه
يُجْزِئُ المُتَوَضِّئَ مَسْخُ بعضِه. وقولُه هذا كلُّه ليسٍ (١) أُصْلَ مذهبٍ مالكٍ
الذی یُقتدى(٢). وسیأتی القولُ فی مسح الرأسِ فى بابٍ عمرو بنِ یحیی
(٣)
إن شاء الله .
واحتجّ مالكٌ والشافعىُّ فى أخْذِهما للأُذُنَين ماءً جديدًا بأَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ
كان يُفْعَلُ ذلك(٤). وحُجَّةُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ ومَن قال بقَوْلِهم: إنَّ الأُذُنين
يُمْسَحان مع الرأسِ بماءٍ واحدٍ - حديثُ زيدِ بنِ أسْلَمَ ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ ، عن
ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَ أَنَّه كذلك فَعَلَ(٥). وذلك موجودٌ أيضًا فى حديثٍ
عبيدٍ (١ ) اللهِ الخَوْلانِيِّ، عن ابنِ عباسٍ، عن علىٌّ فى صِفَةِ وُضوءِ رسولِ اللهِ وَ(١)،
القبس
(١) بعده فى ص ٤، م: ((على)).
(٢) بعده فى م: (به)).
(٣) تقدم فى ٣٧٣/٢ - ٣٨١.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٠).
(٥) أخرجه البخارى (١٤٠، ١٥٧)، وأبو داود (١٣٧، ١٣٨)، وابن ماجه (٤١١، ٤٣٩)،
والترمذى (٣٦، ٤٢)، والنسائى (٨٠، ١٠٢) من طريق زيد بن أسلم به .
(٦) سقط من: ص ٤، وفى م: ((عبد).
(٧) أخرجه أحمد ٥٩/٢ (٦٢٥)، وأبو داود (١١٧) من طريق عبيد الله الخولانى به.
٧١

الموطأ
التمهيد وفى حديثِ الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوَّذِ بنِ عَفْرَاءَ (١)، وفى حديثٍ طَلْحَةً بنِ مُصرّف ، عن
أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ وَ لَه). واحتجُوا أيضًا بحديثِ الصُّنَابِحِىِّ هذا؛ قولِه
◌َالقر: ((فإذا مسح برأسه خرجتِ الخطايا من أُذُنَتِهِ)). كما قال فى الوجه: ((من
أَشْفَارٍ عَيْنَيْهِ)). وفى اليَدَين: ((من تحتٍ أَظْفَارِهِ)). ومعلُومٌ أنَّ العَمَلَ فى ذلك
واحدٌ بماءٍ واحدٍ . واخْتَجُوا أيضًا بما أُخْبَرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: أُخْبَرَنا
محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُّ علىٍّ،
قال: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا عبَادُ بنُ منصورٍ، عن عكرمةً
ابنِ خالدٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه رأى رسولَ اللهِ وَهِ
يَتَوَضَّأُ. فذكَر الحديثَ كلَّه ثلاثًا ثلاثًا، وفيه: قال: ومسَح برأسِه
وَأُذُنَِّه(٣) مسْحَةً واحدةً(٤).
وأكثرُ الآثارِ على هذا. وقد يَحْتَمِلُ أَنَّه مسَح رَأْسَه مَرَّةً واحدةً،
وَأُذُنَيْه مَرَّةً واحدةً؛ لأَنَّه ذكَر الوضوءَ ثلاثًا ثلاثًا إلَّ الرأسَ
والأَذُنَين .
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٣٧٥/٢.
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٧٦/٢.
(٣) بعده فى م: ((ظاهرهما وباطنهما).
(٤) أبو داود (١٣٣). وأخرجه أبو عبيد فی الطهور (٨٣)، وأحمد ٤٤٥/٥(٣٤٩٠) عن یزید به ،
وأخرجه أحمد ٤٥٤/٥ (٣٥٠٢)، وابن خزيمة (١٠٩٤)، والطيرانى (١٢٥٠٤) من طريق عباد
٧٢

الموطأ
وحُجَّةُ مَن قال: يُغْسَلُ باطِنُهما(١) مع الوَجْهِ، ويُمْسَحُ ظاهِرُهما(١) مع التمهيد
الرأسِ. أنَّ اللهَ قد أمَرَ بَغَشْلِ الوَجْهِ، وهو مَأْخُوذٌ من المُواجَهَةِ ، فَكُلُّ مَا وَقَعَ عليه
اسْمُ وَجْهٍ وَجَبَ عليه غَسْلُه، وأمَر عَزَّ وجلَّ بمَشْحِ الرأسِ، وما لم يُواجِهْك من
الأُذُنَينِ فَمِن الرأسِ ؛ لأنَّهما فى الرَّأْسِ، فوجَب المَسْحُ على ما لم يُواجَهْ منهما
مع الرأسٍ.
قالَ أبو عمرَ: هذا قولٌ تَرُدُّه الآثارُ الثابِتَةُ عن النبيِّ وَلِّ؛ أَنَّه كانَ يَمسح
ظُهورَ أُذُنَيْه وبُطُونَهما - من حديثٍ علىٍّ، وعُثْمانَ، وابنٍ عباسٍ، والرُّبَيِّعِ بِئْتِ
مُعَوِّدٍ، وغيرهم .
وحُجَّةُ ابنٍ شِهَابٍ فى أنَّهما من الوَجْهِ؛ لأنَّ ما لم يَنْبُتْ عليه الشَّعَرُ
فهو من الوَجْهِ لا من الرأسِ إذا أدرَكَتْه المواجهةُ ولم يكنْ قَفًا ، واللَّهُ قد أُمَرَ
بغَسْلِ الوَجْهِ أمْرًا مطلقًا. ويُمْكِنُ أنْ يُحْتَبَّ له بحديثِ ابنِ أبِى مُلَئِكَةَ أَنَّه
رأى عثمانَ بنَ عفانَ. فذكَر صِفَةَ وُضوءِ رسولِ اللهِ وَلَهِ ثَلاثًا ثلاثًا. قال:
ثم أُدْخَلَ يَدَه فَأَخَذَ ماءَ فَمَسَحَ برأسِه(٣) وأُذُنَيْهِ، فَغَسَلَ ظُهُورَهما
وبُطُونَهما(٤).
ومِن الحُجّةِ له أيضًا ما صَحَّ عن رسولِ اللهِ وَ أَنَّه كان يقولُ فى سُجُودِه :
القبس
(١) فى ص ٤: ((ظاهرهما)).
(٢) فى ص ٤: ((باطنهما)).
(٣) فى ك ١، س، م: ((به رأسه)).
(٤) أخرجه أبو داود (١٠٨) من طريق ابن أبى مليكة به .
٧٣

الموطأ
التمهيد ((سجَد وجْهِی للذي خلقه فشَقَّ سمعه وبصَرَه)»(١). فأضاف السَّمْعَ إلى الوَجْهِ .
وهذا كلُّهُ(٢) مُخْتَمِلٌ للتأوِيلِ، يُمْكِنُ فيه الاعْتِراضُ .
وحُجَّةُ الشافعىِّ فى قوله: إنَّ مَسْحَ الأَذُنَين سُنَّةٌ على حيالِهما، وليسا من
الوَجْهِ ولا من الرأسِ . إجْمائُ القائلينَ بإيجابِ الاسْتِيعَابِ فی مَسْح الرأسِ أنه إِنْ
ترَك مَسْعَ أُذُنَتِهِ وصَلَّى لم يُعِدْ ، فبطَل قَوْلُهم: إنَّهما من الرأسِ. لأَنَّه لو ترَك شيئًا
من رَأْسِه عندَهم لم يُجْزِئْه، وإجمَامُ العلماءِ أنَّ الذى يجبُ علیه حلقُ رأسِه فى
الحجّ ليس عليه أن يأخُذَ ما على أُذُنَتِهِ من الشَّعَرِ ، فَدَلَّ ذلك على أنَّهما ليسا من
الرأسِ، وأَنَّ مَسْحَهما سُنَّةٌ على الانْفِرادِ كالمضمضةِ والاسْتِنْشَاقِ .
ولكلِّ طائفةٍ منهما اعتلالٌ من جِهَةِ الأَثَرِ والنَّظَرِ تَرَكْتُ ذلك خَشْيَةً
الإطالَةِ ، وأنَّ الغرضَ والجملةَ ما ذكَرْنا، وباللهِ التوفيقُ .
قال أبو عمرَ: المعنَى الذى يجبُ الوقوفُ على حقيقتِه فى الأَذُنَين أنَّ الرأسَ
قد رأينا له محُكْمَين، فما واجَهَ منه كان مُحُكْمُه الغَسْلَ، وما عَلا منه و كان مَوضِعًا
النَّبَاتِ الشَّعَرِ كانَ حُكْمُهُ المَشْعَ. واختلافُ الفقهاءِ فى الأُذُنَين إنَّما هو : هل
حُكْمُهما المَسْحُ كحُكْمِ الرأسٍ، أو حُكْمُهما الغَسْلُ كغَسْلِ(٣) الوَجْهِ، أو لهما
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٣٢/٢، ١٨٣ - ١٨٥ (٧٢٩، ٨٠٣، ٨٠٥)، ومسلم (٧٧١)، وأبو داود
(٧٦٠)، والترمذى (٣٤٢١ - ٣٤٢٣)، والنسائى (١١٢٥) من حديث علىٍّ.
(٢) فى م: «كلام)).
(٣) فى س: ((كحكم)).
٧٤

الموطأ
من كلِّ واحدٍ منهما مُحُكّمٌ، أو هما من الرأسِ فيُمْسَحانِ معه؟ فلمَّا قال ◌َّه فى التمهيد
هذا الحديثِ ، حديثِ الصُّنَابِحِىِّ: ((فإذا مسَح بِرأسِه خرَجتِ الخطايا من
أُذُنَيهِ)) . (١) فَتَى بذِكْرِ الأُذُنَيْنِ مِع الرأسِ، ولم يَقُلْ : إذا غسَل وجهه خرَجْتِ
الخطايا من أُذُنَيْه١) . عَلِمْنا أنَّ الأُذُنَين ليس لهما من حكم الوجهِ شىءٌ؛ لأَنَّهما لم
یُذْگرا معه، وذُکِرًا مع الرأس ، فكانَ حُكْمُهما المَشْحَ کُگّم الرأسِ ، فليس
يَصُِ من الاختلاف فى ذلك عندی إلّا مَشْخُهما مع الرأسِ بماءٍ واحدٍ ،
واسْتِنافُ الماءِ لهما فى المَسْحِ، فإنَّ هذَين القولَين مُحْتَمِلانِ للتَّأْوِيلِ. وأمَّا قولُ
مَن أَمَر بغَسْلِهما، أو غَسْلِ بعْضِهما - فلا مَعْنَى له، وذلك مَدْفُوعُ بحديثٍ
الصُّنَابِحِىِّ هذا، مع ما رُوِىَ عن النبيِّ ◌َّرِ فِى مَسْجِهما، وباللهِ التوفيقُ.
واستدلَّ بعضُ مَن لم يُجِزِ الوُضوءَ " بالماءِ المستعملِ " بحديثٍ الصُّنَابِجِىِّ
هذا، وقال: الماءُ إذا تُوُضِّئَّ به مرَّةً خرَجتِ الخَطايَا معه ، فوجَب التََّزُّهُ عنه ؛
لأَنَّه ماءُ الذُّنُوبِ . وهذا عندِى لا وَجْهَ له؛ لأَنَّ الذُّنُوبَ لا تُنَجِسُ الماءَ؛ لأَنَّها لا
أَشْخاصَ لها ولا أَجْسَامَ تُمازِجُ الماءَ فَتُفْسِدَه، وإنَّما معنَى قوله: ((خرَجتِ
الخطايا مع الماءِ)). إعلامُ منه بأنَّ الوُضوءَ للصلاةِ عمَلٌ يُكَفِّرُ اللهُ به
السّيعاتِ عن عباده المؤمنين؛ رَحْمَةً منه بهم، وتفضُّلاً عليهم، أَعْلِمُوا
بذلك لِيَرْغَبُوا فى العملِ به .
واخْتَلَفَ الفقهاءُ فى الوضوءِ بالماءِ المستعملِ، وهو الذى قد تُوُضِّئ به
القبس
(١ - ١) سقط من: ك١، س.
(٢ - ٢) فى ك ١: ((بماء المغتسل)).
٧٥

الموطأ
التمهيد مرَّةً ؛ فقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما: لا يُتَوَضَّأُ به، ومَن توضَّأَ به
أعاد(١)؛ لأَنَّه ليس بماءٍ مطلقٍ، ويَتَيََّّمُ واجِدُه؛ لأَنَّه ليس بواجِدٍ ماءً. ومِن
محجّتهم فى ذلك على الذين أجازُوا الوضوءَ به عندَ عدَمٍ غيرِهِ، أَنَّه لمّا كان مع
الماءِ الذى لم ١) يُستعملْ كَلا مَاءٍ، كان عندَ عَدَمِه أيضًا كَلا مَاءٍ، ووجب
التَّيَّهُمُ . وقال بقولهم فى ذلك أصْبَغُ بنُّ الفَرَج، وهو قولُ الأوزاعيِّ . وأمَّا مالكٌ
فقال: لا يَتَوَضَّأُ به إذا وجَد غيرَه من الماءِ، ولا خَيْرَ فيه. ثم قال : إذا لم يَجِدْ
غيرَه توضَّأَ به ولم يَتْيَكَّمْ ؛ لأَنَّه ماءٌ طاهرٌ لم يُغَيِّرْه شىءٍ . وقال أبو ثَوْرٍ ، وداودُ :
الوضوءُ بالماءِ المستعملِ جائزٌ؛ لأَنَّه ماءٌ طاهرٌ لا يَنْضافُ إليه شىءٌ، فوجب أن
يكونَ مُطَهِّرًا لطَهارتِه، ولأَنَّه لا يُضافُ إلى شىءٍ، وهو ماءٌ مُطْلَقٌ. واخْتَهُجوا
بإجماع الأمَّةِ على طَهارَتِه إذا لم يكنْ فى أعضاءِ المُتَوَضِّىَّ نجاسةٌ . وإلى هذا
ذهَب أبو عبدِ اللهِ المَرْوَزِىُّ محمدُ بنُ نَصْرٍ. ومِن حُبَّتِهم أنَّ الماءَ قد يُستعمَلُ
فى العُضْوِ الواحدِ لا يَمتنعُ من ذلك أحدٌ ولا يَسْلَمُ من ذلك. واخْتُلِفَ عن
الثَّورىِّ فى هذه المسألةِ ؛ فرُوِىَ عنه أَنَّه قال : لا يَجوزُ الوضوءُ بالماءِ المستعملِ.
وأُظُنُّه ◌ُحُكِىَ عنه أيضًا أنَّه قال: هو ماءُ الذُّنُوبِ . وقد رُوِىَ عنه خِلافُ ذلك؛
وذلك أنَّه أَقْتَى مَن نَسِىَ مسْحَ رأسِه فقال: يَأُخذُ من بَلٍ لِخَتِهِ فِيَمْسَحُ بهِ رَأْسَه .
وهذا واضح فى استعمال الماءِ المستعمل . وقد ژُوِیَ عن علىّ بنِ أبی طالِبٍ ،
وابنٍ عُمَرَ، وأيِى أَمامةَ، وعطاءِ بنِ أبى رَباحٍ، والحسنِ البصرىِّ، والَّخَعِىِّ،
القبس
(١) بعده فى ص ٤، م: ((أبدا)).
(٢) سقط من : ك١، م.
٧٦
٠٠

الموطأ
ومَكْحُولٍ ، والزهرىِّ، أَنَّهم قالوا فيمن نسِى مسح رأسِه فوجَد فى لِحْيَتِهِ بَلَلَا أَنَّه التمهيد
يُجْزِئُه أن يَمسحَ بذلك البَلَلِ رأسَهُ (١) . فهؤلاء كلُّهم أجازوا الوُضوءَ بالماءِ
المستعملِ. وأمّا مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً، ومن قال بقولهم، فلا يجوزُ
عندَهم لمن نسِى مسح رأسِه ووجد فى لِحِيتِه بَلَلًا أن يَمسحَ رأسَه بذلك البَلَلِ ،
ولو فعَل لم يُجْزِئْه، وكان كمن لم يَمسح، وكانَ عليه الإعادةُ لكلِّ ما صلَّی
بذلك الؤُضوءِ عندَهم ؛ لأنَّه ماءٌ قد أُدُیَ به فرضً فلا يُؤَدَّی به فرضٌ آخرُ ، .
کالچمارِ وشبھھا .
قال أبو عمرَ: الجِمارُ مُختلَفٌ فى ذلك منها .
وقال بعضُ المُنْتَمِينَ إلى العِلم من أهلِ عصرِنا: إنَّ الكبائرَ والصغائرَ تكَفُِّها
الصلاةُ والطهارةُ. واحتجّ بظاهرٍ حديثِ الصُّنابِحِىِّ هذا، وبمثلِه من الآثارِ،
وبقولِهِ وَله: ((فَما ترَون ذلك يُثْقِى من درنِه(١)؟)). وما أشبه ذلك . وهذا جَهْلٌ
بَيِّنٌ، ومُوافَقَةٌ للمُرْجِئَةِ فيما ذهَبوا إليه من ذلك، وكيف يجوزُ لذِى لُبِّ أن
يَحْمِلَ هذه الآثارَ على عُمومِها وهو يسْمَعُ قولَ اللهِ عَزَّ وجلَّ: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. وقولَه تبارك وتعالى: ﴿وَتُوبُواْ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٤١، ٤٢، ٤٧، ٤٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢١/١، ٢٢،
والأوسط لابن المنذر (١٩٦ - ١٩٨).
(٢) فى م: ((ذنوبه)). والدرن: الوسخ. النهاية ١١٥/٢.
والحديث أخرجه أحمد ٤٩٤/١٤، ٤٩٥ (٨٩٢٤، ٨٩٢٥)، والدارمى (١٢٢١)، والبخارى
(٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧)، والترمذى (٢٨٦٨)، والنسائى (٤٦١) من حديث أبى هريرة.
٧٧

الموطأ
التمهيد إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. فى آي كثيرٍ من
كتابِهِ . ولو كانتِ الطَّهارةُ والصلاةُ وأعمالُ البِرّ مُكَفِّرَةً للكبائرِ، والمُتَطَّهِّرُ
المُصَلِّى غيرُ ذاكِرٍ لذنبِهِ المُوبِقِ، ولا قاصدٍ إليه، ولا حضَره فى حِينِه ذلك
الندمُ(١) عليه، ولا خطَرت خَطِيقَتُه المُحِيطَةُ به بيالِهِ - لَما كان لأُمْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ
بالتوبةِ معنًى، ولكان كلُّ مَن توضَّأُ وصلَّى يُشهَدُ له بالجنةِ ياثرِ سَلامِه من
الصلاةِ ، وإن ارتكَب قبلَها ما شاء من المُوبِقاتِ الكَبائرِ. وهذا لا يقولُهُ أحدٌّ ممَّن
له فَهْمٌ صحيحٌ، وقد أجمَع المسلمون أنَّ التوبةَ على المذنبٍ(٢) فرضٌ،
والفُروضُ لا يَصِحُ أداءُ شىءٍ منها إلَّا بِقَصْدٍ ونِيَّةُ(١) واعتقادٍ أن لا عَوْدَةَ، فأمّا أنْ
يُصلِّىَ وهو غيرُ ذاكِرٍ لِما ارْتَكَبَ من الكبائرِ، ولا نادِمٍ على ذلك، فمُحالٌ، وقد
قال رسولُ اللهِ وَِّهِ: ((النَّدَمُ تَوْبَّةٌ))(٤). وقال ◌َ: ((الصَّلَواتُ الخمسُ،
والجمعةُ إلى الجمعةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ)).
حدَّقَنا يونُسُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً،
قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ الفِزيائىُ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بنُ
القبس
(١) فى م: ((أنه نادم)) .
(٢) فى ص ٤: ((المؤمن)).
(٣) بعده فى ص ٤: ((وندم)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٧/٦ (٣٥٦٨)، والطيالسى (٣٨٠) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٥) بعده فى م: ((بن معاوية)). وهو يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث. ينظر بغية الملتمس
ص ٥١٢، ٥١٣.
(٦ - ٦) سقط من : ك١، س، م.
٧٨

الموطأ
العَلاءِ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر بن أبى التمهيد
كثيرٍ قال: حدَّثنا العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: «الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجمُعةُ إلى الجمُعةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ
من الخطايا ما لم تُنشَ الكبائرُ))(١).
وحدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ ، قال : حدّثنا
أبو بَكْرٍ محمدُ بنُ أبى العوَّامِ (١) ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُّ سعيدِ القُرَشِئُ، قال: حدَّثنا
سعيدُ بنُّ بَشِيرٍ ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ، عن عمرانَ بنِ الخُصينِ ، أَنَّ رسولَ اللهِ
وَلَّه قال: ((الجمُعةُ إلى الجمُعةِ كفَّارةٌ لِما بينَهما لمن اجْتَنَبَ الكبائرَ)) ".
وروَى عبدُ الرزاقِ(٥) قال: أخبرنا الثورىٌّ، عن الأعمشِ، عن أبى وائل،
قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: الصَّلَواتُ الخمسُ كفَّارةٌ لِما بَيْنَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ
الكبائر .
قال(٢): وأخبرنى الثورىُّ، عن أبيه، عن المُغِيرَةِ بنِ شُبئل، عن طارِق بنِ
القبس
(١) فى ك ١: (محمد).
(٢) أخرجه أبو عوانة (١٣١١)، وابن المنذر فى الأوسط (١٧٦٢) من طريق محمد بن جعفر به،
وأخرجه أحمد ١٩٦/١٦ (١٠٢٨٥)، ومسلم (١٤/٢٣٣)، والترمذى (٢١٤)، وابن ماجه
(١٠٨٦) من طريق العلاء به .
(٣) فى ك ١: (الحوافر). وينظر الأنساب ٢٠٠/٦، وسير أعلام النبلاء ٧/١٣.
(٤) أخرجه العقيلى ٢٢٠/٢ من طريق أبى رجاء العطاردى، عن عمران به .
(٥) عبد الرزاق (١٤٧).
(٦) عبد الرزاق (١٤٨، ٤٧٣٧).
٧٩

الموطأ
التمهيد شِهابٍ، سمِع سَلْمانَ الفارسيَّ يقولُ: حافِظُوا على هذه الصلواتِ الخمسِ،
فإِنَّهُنَّ كفَّارةً لهذه الجِراحِ ما لم تُصِبِ المَقْتَلَةَ .
وحدَّثَنَا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا
أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا ابنُ فُضَيْلِ، عن مُغيرةَ، عن زِیادِ بنِ كُلَيْبٍ ،
عن إبراهيمَ، عن(١) عَلْقَمَةَ، عن سلمانَ(٢)، أنَّ رسولَ اللهِ بِلهِ قال: ((أَلَّا
أَحَدِّثُكم عن يومِ الجمعةِ؟ لا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ ثم يأتِى الجمعةَ فِيَجْلِسُ ولُنْصِتُ حتى
يَقْضِىَ الإمامُ صلاتَه ، إلَّا كانت له كفَّارةَ ما بينَ الجمعة إلى الجمعةِ ما اجْتُنِبَتِ
المقتلةُ))(٣).
قال أبو بكرٍ(٤): وحدَّثَنَا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن أبِى كُدَيْنَةً، عن
مُغِيرَةً، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمَةً، عن القَرْثَع، عن سَلْمانَ، عن النبيِّ وَهـ
قال: ((أَحَدِّثُكَ عن يوم الجمعةِ، مَن تَطَهَّرَ وأتَى الجمعةَ، ثم أُنْصَتَ حتى
يَقْضِىَ الإمامُ صلاتَه، كانت كفَّارةً لِما بينَها وبينَ الجمعةِ التى تَلِيها ما
اجْتُنِبَتِ المَفْتَلَةُ)) .
قال(٥): وحدَّثَنَا عفانُ، قال: حدَّثنا أبو عَوانَةَ، عن مُغِيرَةَ،
القبس
(١) فى النسخ: (بن). وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٠٠.
(٢) فى م: ((سليمان بن يسار)).
(٣) فى: ك ١، س، م: ((الكبائر) .
والحديث فى مسند ابن أبى شيبة (٤٥٨) وسقط من الإسناد: (عن سلمان)).
(٤) ابن أبى شيبة فى مسنده (٤٦٣).
(٥) ابن أبى شيبة فى مسنده (٤٦٦) .
٨٠