النص المفهرس
صفحات 21-40
الموطأ
حدَّثنا سعيدُ بنُّ عثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالح، قال: التمهيد
حدّثنا محمدُ بنُّ الصباح، قال : حدثنا شریك، عن عاصم بن عبيدِ اللهِ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ بنٍ ربيعةً، عن عائشةَ قالت: فَقَدْتُ النبيَّ وَّهِ فَاتَّبِعْتُه،
فأتَى البقيعَ، فقال: ((السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، أنْتُم لنا فرَطْ ، وإنَّا بكم
لاحقون، اللهمَّ لا تحرِمْنا أجورَهم ولا تفتِنَّا بعدَهم » (١).
ورواه أبو داودَ الطيالسىُّ ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن عاصم بنِ عبيدِ اللهِ ،
عن القاسم بن محمدٍ ، عن عائشةً ، مثلَه(٢) .
وذكر العقیلُ قال : حدّثنا حجاج بنُ عمران ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
عبد الرحیمِ البرقىُّ ، حدَّثنا سعیدُ بنُ هاشم، حدّثنا مسلمُ بنُ خالدٍ ، عن زيد بنِ
أسلمَ ، عن صخرِ بنِ أبى سُميةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه قام على بابٍ عائشةً
مرةً وقدِمِ مِن سفرٍ ، فقال : السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ، السلامُ عليك يا أبا بكرٍ ،
السلام عليك يا أبه(٣) .
ورؤِّينا عن أبى هريرةَ، أنه قال: مَن دخَل المقابرَ فاستغفَر لأهلِ القبورِ ،
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٢/ ٢٠٣، وأبو داود فى الجنائز برواية أبى الحسن بن العبد - كما فى تحفة
الأشراف (١٦٢٢٦) - وأبو يعلى (٤٥٩٣)، وابن السنى (٥٩١) من طريق محمد بن الصباح به ،
وأخرجه أحمد ٤٨٦/٤٠ (٢٤٤٢٥)، وابن ماجه (١٥٤٦) من طريق شريك به.
(٢) الطيالسى (١٥٣٢).
(٣) فى الأصل: ((أبة))، وفى م: ((أبت)).
٢١
الموطأ
التمهيد وترَّّم على الأمواتِ، فكأنما شهِد جنائزَهم، وصلَّى(١) عليهم.
وقال الحسنُ: مَن دخَل المقابرَ فقال: اللهمَّ ربَّ الأجسادِ الباليةِ،
والعظامِ النَّخِرةِ، إنها خرَجت مِن الدنيا وهى بك مؤمنةٌ، فَأُدخِلْ عليها
رَوْحًا منك، وسلامًا منِّى. كتب اللهُ له بعددِهم حسناتٍ(٢).
وأظنُّ قولَه: وسلامًا منِّى. مأخوذًا مِن قولِ النبيِّ وَّهِ: ((السلامُ
علیکم)).
ورُوِى عن علىٌّ بن أبى طالبٍ رضِى اللهُ عنه أنه خرَج إلى المقابرِ، فلما
أشرَف على أهلِ القبورِ ، رفَع صوتَه ، فنادَى: يا أهلَ القبورِ ، أتخيروننا عنكم ، أو
نخبِرُكم خبرَ ما عندَنا ؟ أما خبرُ ما قبلَنا ؛ فالمالُ قد اقتُسِم ، والنساءُ قد تَزَوَّجْنَ،
والمسا کنُ قد سگنھا قوم غیرُ کم ، هذا خبرُ ما قبلَنا ، فأخبرونا خبرَ ما قبلکم . ثم
التَفَت إلى أصحابِه فقال: أما واللهِ لو استطاعوا أن يُجيبوا لقالوا: لم نرَزادًا خيرًا
من التقوى(٣).
وهذا كلُّه "مِن علىُّ" على سبيلِ الاعتبارِ، وما يذكِّرُ إلا أولو الأبصارِ.
أخبرنا سعيدُ بنُ نَصَرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
القبس
(١) فى ص١٦، ص١٧، ص٢٧: ((الصلاة)).
(٢) ابن أبى شيبة ٥٠٣/١٣.
(٣) أخرجه ابن حبان فى الثقات ٢٣٤/٩، ٢٣٥ من طريق أنس عن على بنحوه مختصرا، وابن
عساكر ٧٩/٥٨، ٨٠ من طريق آخر عن على.
(٤ - ٤) فى م: ((مر)).
٢٢
الموطأ
وضاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ مسعودٍ (١)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ التمهيد
القطانُ ، عن سليمانَ التيمىِّ، عن أبى عثمانَ النهدىِّ، "عن مينا، أو ميناسٍ"،
قال: خرج رجلٌ فى يومٍ فيه دِفءٌ، فَأتَى الجبَّنَ() فصلَّى ركعتين، ثم أتَى قبرًا
فاتَّكَأ عليه، فسمع صوتًا: ارتفِعْ عنِّى (" ولا تُؤْذِيَتَّى"، إنكم ◌ْ تَعْمَلون ولا
تعلمون ) ، ونحن نعلم ولا نعمل(١)، لأن یکونَ لی مثلُ ر کیتیك أحبُّ إلیَّ مِن
کذا و کذا .
ورُوِّينا عن ثابتٍ البُنانيّ ، أنه قال : بينا أنا أمشِى فى المقابرِ، إذا أنا بهاتفٍ
يهتِفُ مِن ورائى يقولُ: يا ثابتٌ ، لا يغرَّنَّك سكونُها(١) ، فكم من مغمومٍ فيها .
قال: فالتفَتُّ فلم أرَ أحدًا (٨).
ورُوِّينا أن عمرَ بنَ الخطابِ مرَّ يبقيعِ الغَرْقدِ ، فقال: السلامُ عليكم يا أهلَ
القبورِ ، أخبارُ ما عندنا أن نساءً كم قد تَزَوَّجْن، ودورَ كم قد سُكِنت ، وأموالكم
القبس
(١) فى ص ١٧: ((سعد)). وينظر بغية الملتمس ص ١٣٣.
(٢ - ٢) سقط من: ص ١٧، م، وفى ص ١٦: ((عن مينا أو قال ميناس)).
(٣) الجَّان والجّانة: الصحراء وتسمى بها المقابر لأنها تكون فى الصحراء، تسمية للشىء بموضعه.
النهاية ٢٣٦/١، ٢٣٧.
(٤ - ٤) فى ص ١٧: ((فلا تؤذينى)).
(٥ - ٥) فى ص ١٧: ((تعلمون ولا تقولون))، وفى م: ((تقولون ولا تعلمون)).
(٦) فى م: ((نقول)).
(٧) فى ص ١٧، م: ((سكوتنا)).
(٨) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (٤٥).
٢٣
الموطأ
التمهيد قد فُرَّقت . فأجابه هاتفٌ: يا عمرَ بنَ الخطابِ ، أخبارُ ما عندنا أن ما قدَّمناه فقد
وجَدناه، وما أنفَقناه فقد رَبِحناه، وما خلَّفناه(١) فقد خسرناه(٢).
ومِن أحسنٍ ما قيل فى هذا المعنَى من النظمِ قولُ أبى العتاهيةِ (٣):
أهلَ القبورِ عليكمُ منِّى السلامْ إنى أُكلُّمُكم وليس بكم كلامْ
من بعدِ كم لهمُ الشرابُ ولا الطعامْ
لا تحسبوا أن الأحبّةَ لم يشغْ
بكمُ وفَّق ذاتَ بينكمُ الحِمامْ
كلا لقد رفَضوكمُ واستبدَلوا
قد مات لیس له علی حیّ ذِمامُ(٤)
والخلقُ كلُّهم كذاك فكلُّ مَن
وأما قولُهُ نَّهِ: ((وإنَّا إن شاء اللهُ بكم لاحقون)). ففى معناه قولان؛
أحدُهما ، أن الاستثناءَ مردودٌ على معنَى قوله: «دارَ قومٍ مؤمنين)). أى: وإنا بكم
لاحقون مؤمنين إن شاء اللهُ ؛ يريدُ فى حالٍ إيمانٍ ؛ لأن الفتنةَ لا يأمنُها مؤمنٌ ، ألا
ترَى إلى قولِ إبراهيمَ عليه السلامُ: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ تَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾
القبس
وقولُه: ((وإنا إن شاءَ اللهُ بكم لاحقون)). قال قوم: معناه: إذا شاءَ اللهُ.
وليتَهم لم يُخلَقوا ولم يقولوا ذلك ولا تَكلَّموا به. وقيل: تأدَّب النبيُّ
بأدبِ اللهِ عزَّ وجلَّ حِينَ قال له: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّيِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلََّ
أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. فاستعمَل الأدبَ حتى فى الواجبِ الذى لا بُدَّ
(١) فى الأصل، ص ١٦: ((تخلفناه)).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١٠٠).
(٣) أبو العتاهية أشعاره وأخباره ص ٣٤١، ٣٤٢.
(٤) الحمام: الموت. وقيل: هو قدر الموت وقضاؤه. من قولهم: محمَّ كذا. أى قُدِّر. والذِّمامُ: هو
العهد والأمان. ينظر النهاية ٤٤٦/١، ١٦٨/٢.
٢٤
الموطأ
[إبراهيم: ٣٥]. وقولٍ يوسفَ عليه السلامُ: ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى التمهيد
بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. والوجهُ الثانى، أنه قد يكونُ الاستثناءُ فى
الواجباتِ التى لابدَّ من وقوعِها ( كالموتِ والكونِ فى القبرِ، وما(٢) لابدَّ منه)،
ليس على سبيلِ الشكّ، ولكنها لغةٌ للعربِ، ألا ترَى إلى قولِ اللهِ تعالى:
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] . والشكُ لا سبيلَ
إلى إضافته إلى اللهِ، عزَّ وجلَّ عن ذلك ، علَّامِ الغيوبِ .
وأما قولُه : (ودِدْتُ أنى قد رأيتُ إخواننا)). فقيل(١) : يا رسولَ اللهِ ، ألسنا
بإخوانِك؟! قال: ((بل أنتُم أصحابِى، وإخواتُنا الذين لم يأتوا بعدُ». فظاهرُ هذا
منه . وقيل: معناه: وإنا إن شاءَ اللهُ بكم لاحقونَ " فى هذه البقعةِ. يعنى المدينةَ. القبس
وقيل: إنا إن شاء الله بكم لاحقون " على الإيمان . ويعود ذلك إلى النبئ ێ وإلى
أصحابِهِ جميعًاً، إذ قد علِمنا فيه وَ لِّ خاصةً قطع١َ موتِه على الإيمانِ وحُسْنَ
الخاتمة له .
وقولُه: ((ودِدتُ أنى رأيتُ إخوانَنا)). تمنَّى نَّهِ ما لا يكونُ، والتمنِّى تعلُّقُ
(١ - ١) سقط من: ص ١٦، ص ١٧.
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) من هنا إلى قوله: فى اللفظ. فى ص ٢٧ جاء مكانه فى ص ١٦: ((ففيه دليل على أن أهل
الدين كلهم إخوة فى الدين فالمؤمنون كلهم إخوة كما قال الله عز وجل : إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا
بین إخوانکم ویین إخوتکم وین اخویکم یرید من یأتی منھم ومن نأی» ومثلہ فی ص ١٧ دون قوله :
((فأصلحوا ... أخويكم)) وفيه: ((بان، دنا)) مكان قوله: ((يأتى، نأى)).
(٤ - ٤) سقط من: ج.
(٥) فى ج، م: ((معًا)).
(٦) فى ج، م: ((قطعًا)).
٢٥
أ
الموطأ
التمهيد الكلام أن إخوانَه ◌َلِّ غيرُ أصحابِه، وأصحابُه الذین رأوه وصحِبوه مؤمنين،
وإخوانُه الذين آمَنوا به ولم يرَؤْه، وقد جاء منصوصًا عنه وَّهِ. والإخوانُ
والإخوةُ هنا معناهما سواءٌ، وقد قُرِئت: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ
ج
أخويگت﴾ [الحجرات: ١٠]. و: (بینَإِخوێکم). و: ( بینَإخوانكم) . وقد ژُوِی
عن الحسن البصرىِّ، أنه قرأ بهذه الثلاث قراءات: ﴿بَينَ أَخَوَتگمْ﴾. و:
(إخوتِكم). و: (إخوانكم). قال أبو حاتم: والمعنَى واحدٌ، ألا
ترَى إلى قولِهِ: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ
أَوْ بُيُوتٍ أَخَرَتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. إلا أن العامة أولِعت بأن تقول : إخوتی فی
النسبٍ ، وإخوانى فى الصداقةِ. وممن قرأ: (فَأَصْلِحوا بينَ إخوانِكم). ثابتٌ
البُنانىُّ، وعاصمُ الجَحْدرىُّ، ورُوِى ذلك عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، وابنٍ مسعودٍ،
القبس الإرادة بما فى المستقبل، والأسفُ تعلُّقُ الإرادةِ بالماضِى، والتمنِّى لا يجوزُ
إلا فى أمور الدينِ، وقد بيَّ ذلك فى ((شرح كتابٍ التمنِّى)) واستَوْفَيناه،
وفيه تشريفُ الأمةِ بتمنّى النبيِّ وَلِّ أن يراها، فنحنُ أولَى أن نكونَ لرؤيته
أشدَّ تمنًّا وأكثرَ تطلُّعًا. وقولُه: ((إخواننا)). بيانٌ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]. قالت له الصحابةُ: أَلَسْنا إخوانك؟ قال لهم:
((بل أنتُم أصْحابى)). فأعطاهم اسمًا هو أخصُّ مِن الأَخوَّةِ وأشرَفُ منه. والأسماءُ
ثلاثةٌ : صحابىٌّ، وتابعىٌّ، ومؤمنٌ، ولكلِّ اسمٍ مرتَبَةٌ شرَحناها فى كتابٍ ((الرقاقِ))(١)
عندَ ذِكْرِنا مراتِبَ الخلْقِ .
(١) ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٤.
(٢) فى ج، م: ((الدقائق)).
٢٦
الموطأ
واختار يعقوبُ: (إخوتِكم). وقراءةُ العامةِ: ﴿أَخَوَيَّكُمْ﴾ . على اثنين فى التمهيد
اللفظِ .
( وأما الأصحابُ، فمَن صحِبك وصحِبتَه، وجائزٌ أن يُسمَّى الشيخُ
صاحبًا للتلميذِ، والتلميذُ صاحبًا للشيخ، والصاحبُ : القرينُ المُمَاشِى
المُصاحبُ ، فهؤلاءِ كلُّهم أصحابٌ وصحابةٌ ) .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى رافع بمصرَ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، حدَّثْنا علىٌّ بنُ المدينىٌّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُّ أسامةً ،
قال : حدّثنا الأحوصُ بُ حکیم ، عن أبى عون ، عن أبى إدريس الخولاني ، عن
أبى سعيد الخدرىِّ، أن النبيَّ وَالتّه قال: ((أنتم أصحابى، وإخوانى الذين آمنوا بی
ولم يرَوْنى)). هذا إسنادٌ ليس فى واحدٍ منهم مقالٌ إلا الأحوصَ بنَ حكيم ، فإن
ابنَ معينٍ وطائفةً من أهلِ العلم بالحديثِ ضعفوه، وقالوا : عنده منا کیرُ. و كان
ابنُ عُيينةَ يوتِّقُه ويُثْنِى عليه . وأبو عونٍ هو محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ الثقفىُ، أجمَعوا أنه
ثقةٌ، وسائرُ مَن فى الإسنادِ أئمةٌ .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نَصَرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ وضاح، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى وإبراهيمُ بنُ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) قرأ يعقوب (إخوتکم)، وقرأ نافع وابن کثیر وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائی وأبو
جعفر وخلف ﴿أخويكم﴾. ينظر النشر ٢٨١/٢.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ص ٢٧.
٢٧
الموطأ
التمهيد المنذرِ ، قالا : حدّثنا محمدُ بنُ معن الغفاریُّ، قال: حدّثنا داودُ بنُ خالدِ بنِ
دينارٍ ، قال: مرَرتُ يومًا أنا ورجلٌ مِن بنى تيمٍ ، يقالُ له: يوسفُ أو أبو يوسفَ .
على ربيعةَ بنِ أبى عبد الرحمنِ ، فقال له أبو يوسفَ: يا أبا عثمانَ، إنا لنجِدُ عندَ
غیرك مِن الحدیث ما لا نچِدُ عندك . فقال : إن عندی حدیثًا کثیرًا ، ولکن ربيعةُ
ابنُّ الهُدَيرِ أخبرنى، وكان يَلزمُ طلحةَ بنَ عبيدِ اللهِ ، أنه لم يسمع طلحةً يحدِّثُ
عن رسولِ اللهِ وَِّ حديثًا قطُّ غيرَ حديثٍ واحدٍ. قال ربيعةُ بنُّ أبى عبدِ الرحمنِ
لربيعةَ بنِ الهُدَيرِ: وما هو؟ قال: قال (١) لى طلحةُ: خرَجنا مع رسولِ اللهِ وَل
حتى أشرَفنا على حرَّةٍ واقمٍ(٢)، وتدلَّينا منها، فإذا قبورٌ بمَحْنِيةٍ(١) ، فقلنا:
يا رسولَ اللهِ، هذه قبورُ إخواننا؟ قال: «هذه قبورُ أصحابِنا». ثم مشَینا حتى
جِئنا قبورَ الشهداءِ، فقال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((هذه قبورُ إخواننا))(٤).
قال أبو عمرَ: هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ، وفيه أنه قال ◌َ له فى قبورِ
الشهداءِ: ((هذه قبورُ إِخوانِنا)). ومعلوم عنه أنه قال فى الشهداءِ فى عصرِه: ((أنا
شهيدٌ عليهم)) (٥).
القبس
(١) سقط من: ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧، م.
(٢) حرة واقم: من حرتى المدينة. مراصد الاطلاع ٣٩٦/١.
(٣) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((مجبنة)). وبمحنية: أى بحيث ينعطف الوادى، وهو منحناه أيضا .
ومحانى الوادى معاطفه. النهاية ٤٥٤/١.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٤٣)، وابن عدى ٩٦١/٣ من طريق حامد بن يحيى به.
(٥) أخرجه البخاری (١٣٤٣، ١٣٤٦، ١٣٤٧)، وأبو داود (٣١٣٨، ٣١٣٩) من حديث جابر
مطولا .
٢٨
الموطأ
وقد روَى الحُمَيدىُّ هذا الحديثَ عن محمدِ بنِ معن الغفارىِّ، ورواه أيضًا التمهيد
علىَّ بنُ عبدِ اللهِ المدينىُّ عن محمدِ بنِ معنِ الغفارىِّ.
ورواه أحمدُ بنُ حنبلٍ، عن علىٍّ بنِ المدينىِّ، أخبرنا به عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ بنٍ يحبى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ
ابنُّ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ اللهِ، قال :
حدَّثنی محمدُ بنُ معن الغفارئُّ ، قال : حدَّثنی داودُ بنُ خالد بن دینارٍ ، أنه مؤ هو
ورجلٌ يقالُ له : أبو يوسفَ . مِن بنى تيم ، على ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ ، فقال
له أبو يوسفَ: إنا لنجِدُ عندَ غيرِك مِن الحديثِ ما لا نجِدُ عندَك. فقال: أما إن
عندى حديثًا كثيرًا، ولكنْ ربيعةُ بنُ الهُدَيِ حدَّثنى، وكان يلزمُ طلحةً بنَ
عبيدِ اللهِ، أنه لم يسمَعْ طلحةً بنَ عبيدِ اللهِ يحدِّثُ عن رسولِ اللهِ وَلَ حديثًا قطَّ
غيرَ حديثٍ واحدٍ . قال ربيعةُ بنُ عبدِ الرحمنِ: وما هو؟ قال: قال لی طلحةُ بنُ
عبيدِ اللهِ: خرجنا مع رسول اللهِ وَ لقل حتى أشرفنا على حرَّةٍ واقم. قال: فتدلّينا
منها، فإذا قبورٌ بمَخنيةٍ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، قبورُ إخوانِنا هذه؟ قال :
((قبورُ أصحابِنا)). ثم خرَجنا حتى أتَينا قبورَ الشهداءِ، فقال رسولُ اللهِ
وَله : ((هذه قبورُ إخواننا))(١).
قال أبو عمرَ : حرَّةُ واقِم هى الحرَّةُ التى كانت بها الوَقْعَةُ يومَ الحرّةِ بالمدينةِ ،
· القبس
(١) أحمد ١٠/٣ (١٣٨٧) - ومن طريقه الضياء فى المختارة (٨١٣) - وأخرجه البزار (٩٥٥) من
طريق محمد بن معن به. وينظر علل ابن المدينى ص ١١٩، ١٢٠.
٢٩
/
أ
٠٤
الموطأ
التمهيد أوقَعها بهم مسلمُ بنُ عقبةً أيامَ يزيدَ بنِ معاويةً، وإياها عنَى الشاعرُ بقولِه:
فإن تقتُلونا يومَ حرَّةِ واقِمٍ فنحنُ على الإسلامِ أوَّلُ مَن قُتِلْ
قال علىُّ بنُّ المدينىّ: لا أحفَظُ لداودَ بنِ خالدٍ غيرَ هذا الحديثِ .
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ مدنٌّ حسنُ الإسنادِ ، محمدُ بنُ معنٍ عندَهم
ثقةٌ ، وداودُ بنُ خالدِ بنِ دينارٍ لم يذكره أحدٌ بجَرْحةٍ ، ولا ضَّفه أحدٌ مِن نقلةٍ
أئمة أهل الحديثِ ، ولم ینکِزه أحدٌ منهم .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ
الجوهرىُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجاج، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ
خالدٍ ، قال : حدثنا ابنُ لھیعةً ، عن یزید بنِ أُبی حبیبٍ ، عن تُگیرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الأُشجّ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى عمرةَ، عن أبيه، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ،
أرأيتَ مَن آمَن بك ولم يرَك، " وصدَّقك ولم يَرَك"؟ فقال ◌َّهِ: ((أولئك
إخوانُنا ، أولئك معنا ، طوتَى لهم، طوتى لهم)) ".
ومِن حديثٍ ابنٍ أبى أوفَى قال: خرج علينا رسولُ اللهِ وَلِّ يومًا فقعَد ،
القبس
(١) البيت فى معجم البلدان ٢٥٣/٢ منسوبا لمحمد بن بحرة الساعدى.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ص ٢٧.
(٣) أخرجه الطبرانى (٥٧٦) من طريق ابن لهيعة ، عن يزيد، عن بكير، عن بيهس، عن عبد الرحمن
به، وأخرجه فى الأوسط (٨٦٢٤) من طريق ابن لهيعة، عن بكير، عن بيهس الثقفى، عن
عبد الرحمن بن أبى عمرة به بدون ذكر يزيد بن أبى حبيب، وقال الطبرانى عقبه: لم يرو هذا
الحديث عن بكير إلا ابن لهيعة .
٣٠
الموطأ
وجاءه عمرُ، فقال: ((يا عمرُ، إنى لمشتاقٌ إلى إخوانى)). فقال عمر: ألسنا التمهيد
بإخوانِك يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((لا، ولكنكم أصحابِى، وإخوانِ قوم آمنوا بى
ولم یرونی))(١).
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّيثِلُّ، قال: حدَّثنا علىَّ بنُ زيدٍ الفرائضئُّ، قال:
حدَّثنا موسى بنُ داودَ ، عن همامٍ ، عن قتادةَ، عن أيمنَ(٣)٢)، عن أبى أُمامةَ ، أن
النبيَّ ◌َ لَهِ قال: ((طوبَى لمنْ رآنى وآمنَ بى، وطوبى سبعَ مراتٍ لمَن لم يرَنى وَآمَن
(٤)
بی)
ورواه أبو داود الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا همام، عن قتادةَ، عن أيمنَ(٥)، عن
أبى أمامةً، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّلَهِ يقولُ: ((طوبى لمن رآنى وآمَن بی،
وطوبى سبعًا لمَن لم يرَنى وَآمَن بی))(١).
القبس
(١) أخرجه ابن عساكر ١٣٧/٣٠ - ١٣٩.
(٢ - ٢) سقط من: ص ١٧.
(٣) فى الأصل، ص ١٦، ص ٢٧، م: ((أنس)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر التاريخ
الکبیر ٢٧/٢.
(٤) أخرجه أحمد ٤٥٣/٣٦ (٢٢١٣٨) من طريق موسى بن داود به، وأخرجه أحمد ٥٤٧/٣٦،
٦١٠ (٢٢٢١٤، ٢٢٢٧٧)، والبخارى فى تاريخه ٢٧/٢، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند
٤٥٤/٣٦ (٢٢١٣٩)، وابن حبان (٧٢٣٣)، والطبرانى (٨٠٠٩) من طريق همام به.
(٥) فى النسخ: ((أنس)).
(٦) أبو داود الطيالسى (١٢٢٨).
٣١
الموطأ
التمهيد
وهذا الحديثُ فى «مسندٍ أبى داودَ الطيالسيِّ))، أُخبرنا بجميعِه أحمدُ بنُ
سعيدِ بنِ بشرٍ وأحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ إجازةً، عن مَسلمةَ بنِ
قاسم، عن جعفر بن محمد بن الحسنِ الأصبهانئ ، عن يونس بن حبیبِ بنِ
عبد القاهرِ ، عن أبى داود .
وذكَر مسلمُ بنُّ الحجاج، قال: حدَّثنا قُتَئِةُ بنُ سعیدٍ ، قال: حدثنا يعقوبُ
ابنُ عبدِ الرحمنِ، عن سُهَيْلٍ بن أبى صالحٍ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أن
رسولَ اللهِ﴿ قال: ((مِن أشدِّ أمتِى حَالى ناسٌ يكونون بعدى، يودٌّ أحدُهم لو رآنى بأهلِه ومالِه) ).
ومِن «مسند أبی داود الطيالسی)) ، عن محمد بنِ أُبی محمَيْدٍ، عن زيدِ بنِ
أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، قال: كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ وَ لِّ فقال: ((أَتَدْرون
أىُّ الخلقِ أفضلُ إيمانًا؟)). قلنا: الملائكةُ. قال: ((وحُقَّ لهم، بل غيرُهم)) .
قلنا: الأنبياءُ. قال: ((حُقَّ لهم، بل غيرُهم)). قلنا: الشهداءُ. قال: ((هم كذلك
وحُقَّ لهم، بل غيرُهم)). ثم قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أفضلُ الخلقِ إيمانًا، قومٌ فى
أصلابٍ الرجالِ ، يؤمنون بى ولم يرَونى ، يَجِدون ورَقًّا فيعمَلون بما فيه ، فهم
أفضلُ الخلقِ إيمانًا))(٢).
وحدَّثنا أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
القبس
(١) مسلم (٢٨٣٢).
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه - كما فى المطالب العالية (٣٢١٠) - وأبو يعلى (١٦٠)، والحاكم
٨٥/٤، ٨٦ من طريق محمد بن أبى حميد به.
٣٢
الموطأ
يحيى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ (١) بن حمدانَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى التمهيد
زكريا بنُّ يحيى الساجىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أُبی
عدىٍّ، عن ابن أبى محُميدٍ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن أبيه ، عن عمرَ بنِ الخطابِ ،
قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ،وَ لِّ يقولُ: ((أَنبِئونى بأفضلِ أهلِ الإيمانِ إيمانًا)). قلنا:
الملائكةُ. وذكر الحديثَ كما تقدَّم(١).
وذكَر سُنَيدٌ، عن خلفِ بنِ خليفةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، قال : قال ابنُ
عباسٍ يومًا لأصحابِهِ : أمُّ الناسِ أعجبُ إيمانًا؟ قالوا: الملائكةُ. قال: وكيف
لا تؤمنُ الملائكةُ والأمرُ فوقَهم؟! قالوا: الأنبياءُ. قال: وكيف لا تؤمنُ الأنبياءُ
والأمرُ ينزِلُ عليهم غدوةً وعشيَّةً؟! قالوا : فنحن؟ قال: وكيف لا تؤمنون وأنتم
ترَون مِن رسولِ اللهِ وَله ما ترَون؟ ثم قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((أعجبُ
الناسِ إيمانًا قوم يأتون بعدی ، يؤمنون بی ولم يرَونى، أولئك إخوانى حقًّا»(٣).
و کان سفيانُ بنُ ◌ُبينةً يقولُ : تفسير هذا الحديث وما كان مثله بِّن فی
كتابِ اللهِ، وهو قولُه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ
رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١].
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((إبراهيم)). وينظر تاريخ بغداد ٤٠٢/٦.
(٢) أخرجه البزار (٢٨٨) عن محمد بن المثنى به، وأبو يعلى - كما فى المطالب العالية (٣٢١٢) -
من طريق ابن أُبی عدی به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح مشكل الآثار (٢٤٧٢)، والطبرانى (١٢٥٦٠) من طريق خلف بن
خلیفة ، عن عطاء، عن الشعبی، عن ابن عباس به .
٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣/٣)
الموطأ
التمهيد
وروَى " ابنُ وهب، وجماعةٌ، عن ٢١ مالكِ، عن صفوانَ بنِ سُليمٍ، عن
عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أن النبيَّ وَ لِّ قال: ((إن أهلَ الجنةِ
ليتَراءَون أهلَ الغرفِ من فوقِهم كما تتراءَون الكوكبَ الدرِّئَّ فِى الأفقِ من
المشرقِ أَو المغربِ؛ لتفاضلِ ما (١٢) بينَهم)). قالوا : يا رسولَ اللهِ ، تلك منازلُ
الأنبياءِ، لا يبلغُها غيرُهم؟ قال : ((بلى، والذى نفسى بيدِه، رجالٌ آمنوا باللهِ ،
وصدَّقوا المرسلين))(١) . وروَى فُليحُ بنُ سليمانَ، عن هلالِ بنِ علىٍّ، عن عطاء
ابنِ يسارٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ نحوَهُ(٤) . وقال محمدُ بنُ يحبى:
كلاهما عندى " غيرُ مدفوع .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ معروفٍ، قال: حدَّثنا ضَعْرةُ، عن
مرزوقٍ بنِ نافعٍ، عن صالحٍ بنٍ جبيرٍ، عن أبى جمعةً، قال: قلنا يا رسولَ اللهِ،
هل أحدٌ خيرٌ منَّا؟ قال: ((نعم، قوم يجيئُون مِن بعدِ كم، فيجِدون كتابًا بينَ
لوحین، يؤمنون بما فیه، ویؤمنون یی ولم یرونی»().
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ص ٢٧، م.
(٢) ليس فى: الأصل، ص ٢٧، م.
(٣) أخرجه البخارى (٣٢٥٦)، ومسلم (١١/٢٨٣١)، وابن حبان (٧٣٩٣) من طريق مالك
به .
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٤١٨ - زوائد نعيم)، وأحمد ١٤٥/١٤، ١٤٦، ١٧٨ (٨٤٢٣،
٨٤٧١)، والترمذى (٢٥٥٦) من طريق فليح به .
(٥) فى م: ((مرفوع)).
(٦) أخرجه ابن قانع ١٨٧/١، ١٨٨ من طريق هارون بن معروف به. وأخرجه ابن قائع ١٨٧/١،=
٣٤
الموطأ
قال أبو عمرَ : أبو جمعةً له صحبةٌ ، واسمُه حبیبُ بنُ سِباع، وقد ذكرناه التمهيد
بما ينبغِى مِن ذكرِه فى كتابٍ الصحابةِ(١)، وصالحُ بنُ جبيرٍ(١) من ثقاتٍ
التابعين، روَى عنه قومٌ جِلةٌ؛ منهم أبو عبيدٍ حاجبُ سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ
شيخُ مالكٍ، ومرزوقُ بنُ نافعٍ، ومعاويةُ بنُّ صالحِ، وهشامُ بنُ
سعدٍ، ورجاءُ بنُّ أبى سلمةَ، (" وغيرُهم). قال عثمانُ بنُ سعيد
السُّجِسْتانىُ الدارميُّ : سألتُ يحيى بن معينٍ عن صالح بن جبيرٍ : كيف هو ؟
فقال : ثقةٌ .
وروَى أبو ثعلبةً الخشنىُّ، عن النبيِّ وَ لِّ، أنه قال: ((إن أمامَكم أيامًا ،
الصابرُ فيهنَّ كالقابضٍ على الجمرِ، للعاملِ فيهم أجرُ خمسين رجلاً يعملُ
مثلَ عملِه )). قيل: يارسولَ اللهِ، منهم؟ قال: ((بل منكم)) (١). وهذه
اللفظةُ: ((بل مِنكم)). قد سكت عنها بعضُ رواةِ هذا الحديثِ، فلم
یذكرها .
القبس
= والطبرانى (٣٥٤١) من طريق ضمرة به .
(١) الاستيعاب ٣٢٢/١.
(٢) بعده فى ص ١٦: ((انفرد بهذا الحديث)).
(٣ - ٣) فى ص ١٦: ((وأسيد بن عبد الرحمن و)).
(٤) هو عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الدارمى السجستانى صاحب ((المسند الكبير)) و ((الرد
على الجهمية))، توفى سنة ثمانين ومائتين. ينظر سير أعلام النبلاء ٣١٩/١٣.
(٥) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، وابن ماجه (٤٠١٤)، والترمذى (٣٠٥٨) .
٣٥
الموطأ
التمهید
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصَرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
وضاح، قال: حدّثنا أبو بکرِ بُ أبی شیبةً، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن
یحیی بن سعيد ، عن أبى صالح، عن رجلٍ من بنی اسدٍ ، عن أبى ذرٍّ ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَهِ: (إن مِن أشدِّ أُمتِى حَّالى قومًا يأتون مِن بعدى، يودُّ أحدُهم لو
يُعطِى مالَه وأهله ویرانی))(١).
قال أبو عمر: قد عارض قوم هذه الأحاديثَ بما جاء عنه أَله: ((خيرُ الناسِ
قَرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (١) . وهو حديثٌ حسنُ المَخرجِ،
جيدُ الإسنادٍ، وليس ذلك عندى بمعارِضٍ؛ لأن قولَه وَلقوله: ((خيرُ الناسِ قَرنى)).
ليس على عمومِه ، بدليلٍ ما يَجمعُ القرنُ مِن الفاضلِ والمفضولِ، وقد جمَع قرئُه
مع السابقين مِن المهاجرين والأنصارِ جماعةً مِن المنافقين المظهرين للإيمانِ،
وأهلِ الكبائرِ الذين أقام عليهم أو على بعضِهم الحدودَ، وقال لهم: (( ما تقولون
فى الشارب ، والسارقٍ ، والزانى؟))(١) وقال مواجهةً لمن هو فى قرنِه: ((لا تسبُوا
أصحابى، فلو أنفَق أحدُكم مثلَ أَحدٍ ذهبًا ما بلَغْ مُدَّ أُحدِهم ولا نَصِيفَه))(٤). وقال
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٠٨/٣٥، ٣٨٩، ٣٩٠ (٢١٣٨٥، ٢١٤٩٤)، وأبو جعفر بن البخترى فى
أماليه (١٤٨)، والخطيب ٣٥٨/٥ من طريق يحيى بن سعيد به .
(٢) أخرجه أحمد ٧٦/٦ (٣٥٩٤)، والبخارى (٦٤٢٩) من حديث ابن مسعود، وأخرجه مسلم
(٢٥٣٤) من حديث أبى هريرة .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٤٠٤).
(٤) النَّصِيفُ: هو النَّصْفُ. النهاية ٦٥/٥.
والحديث أخرجه الطيالسى (٢٢٩٧)، وأحمد ١٣٧/١٧، ١٣٨ (١١٠٧٩)، والبخارى
(٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبى سعيد الخدرى.
٣٦
الموطأ
التمهيد
لخالدِ بنِ الوليدِ فى عمَّارٍ: ((لا تشبَّ مَن هو خيرٌ منك))(١).
وقال عمرُ بنُ الخطابِ فى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال: مَن فعَل
مثلَ فعلهم كان مثلَهم(١) .
وقال ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: هم الذين
هاجروا مِن مكةَ إلى المدينةِ، وشهِدوا بدرًا والحديبيةَ(١) . وهذا كلُّه يشهدُ أن
خيرَ قرنِه فضلاً أصحابُه، وأن قولَه: ((خيرُ الناسِ قَزْنى)). أنه لفظُ خرَج على
العموم، ومعناه الخصوصُ، وقد قيل فى قولِ اللهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾: إنهم أمةُ محمدٍ وَلّه. يعنى الصالحين منهم وأهل الفضلِ، هم
شُهداءُ على الناسِ يومَ القيامةِ . قالوا : وإنما صار أولُ هذه الأمةِ خيرَ القرونِ لأنهم
آمَنوا حينَ كفَر الناسُ، وصدَّقوه حينَ كذَّبه الناسُ، وعزَّروه ونصروه وآووه
وواسوه بأموالهم وأنفسهم، وقاتلوا غيرَهم على كفرِهم، حتى أُدخَلوهم فى
الإسلام. وقد قيل فی توجیه أحاديث الباب مع قوله : ((خیرُ الناسِ قَوْنى)) : إن
قرنَه إنما فُضِّل؛ لأنهم كانوا نُرباءَ فى إيمانِهم؛ لكثرةِ الكفارِ، وصبرِهم
على أذاهم، وتمسكِهم بدينهم، وإن آخِرَ هذه الأمةِ إذا أقاموا الدينَ
القبس
(١) البخارى فى التاريخ الكبير ١٣٦/٣، والطبرانى (٣٨٣٠ - ٣٨٣٥) بلفظ: ((لا تسب
عمارا)). مطولًا ومختصرا.
(٢) أخرجه ابن جرير ٥/ ٦٧١، ٦٧٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٢/٣ (٣٩٧٠) بنحوه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ١٣٠/١، وابن جرير ٦٧١/٥، وابن أبى حاتم ٧٣٢/٣ (٣٩٦٨).
٣٧
الموطأ
التمهيد وتمَسَّكوا به، وصبّروا على طاعةِ ربِّهم فى حينِ ظهورِ الشرِّ والفسقِ
والهَرْجِ والمعاصى والكبائرِ - كانوا عندَ ذلك أيضًا غرباءَ، وزكّت
أعمالُهم فى ذلك الزمن، كما زكَت أعمالُ أوائلِهم، ومما يشهَدُ
لهذا قولُهُ وَّهِ: ((إن الإسلامَ بدَأ غريبًا وسيعودُ غريبًا، فطوتَى
للغرباءِ)) (١). ويشهَدُ له أيضًا حديثُ أبي ثعلبةَ الخُشَنىِّ، وقد تقدَّم
ذكرُه(٢)، ويشهدُ له أيضًا قولُهُ وَّهِ: ((أمتِى كالمطرٍ لا يُدرَى أولُه خيرٌ
أم آخِرُه »(٣).
وقد ذكَر البخارىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى
عدىٍّ، عن محُمَيدٍ، عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((لا تقومُ الساعةُ حتى
لا يقالَ فى الأرضِ: اللهُ اللهُ»(٤).
قال أبو عمر : فما ظنّك بعبادة اللهِ وإظهار دينه فى ذلك الوقت ، أليس هو
كالقابضٍ على الجمرِ لصيرِه على الذلِّ والفاقةِ ، وإقامةِ الدينِ والسنةِ ؟!
ورُوِّينا أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ لما وَلِى الخِلافةَ كتَب إلى سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
القبس
:(١) أخرجه أحمد ٢٢/١٥ (٩٠٥٤)، ومسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦) من حديث
أبى هريرة .
(٢) تقدم فى ص ٣٥.
(٣) سيأتى تخريجه فى ص ٤٠- ٤٢.
(٤) لم يعزه المزى فى تحفة الأشراف ٢٠٤/١ إلى البخارى والحديث عند الترمذى (٢٢٠٧) عن
محمد بن بشار به .
٣٨
الموطأ
عمرَ، أن اكتُبْ إلىَّ بسيرةٍ عمرَ بنِ الخطابِ لأَعملَ بها. فكتب إليه التمهيد
سالمٌ: إن عمِلتَ بسيرةٍ عمرَ، فأنت أفضلُ مِن عمرَ؛ لأن زمانَك ليس
كزمانٍ عمرَ، ولا رجالَك كرجالٍ عمرَ. قال: وكتَب إلى فقهاءِ زمانِه،
فكلُّهم كتَب إليه بمثلِ قولٍ سالمٍ(١). وقد عارض بعضُ الجِلَّةِ من العلماءِ
قولَه وَله: ((خيرُ الناسِ قَرنى)). بقولِه عليه السلامُ: ((خيرُ الناسِ مَن طال
عمُرُه وحسن عملُه)) .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ المدينىِّ، قال: حدَّثنا عفانُ ،
قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن محُمَيدٍ ويونسَ، عن الحسنِ، عن أبى
بكرةَ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ ، أُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: ((مَن طال عمُرُه
وحسن عملُه)). قال: فأىُّ الناسِ شرٌّ؟ قال: ((مَن طال عمُرُه وساء
وأما قولُهُ مَّهِ: ((أمتِى كالمطرِ لا يُدرَى أولُه خيرٌ أم آخِرُه)). فرُوِى مِن
حديثٍ أنسٍ ، وحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصٍ، مِن وجوهٍ حسانٍ ، منها ما
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٣٩٦/٥، وأبو نعيم ٢٨٤/٥ - ٢٨٦، وابن عساكر ١٧٤/٤٥،
١٧٥.
(٢) أخرجه أحمد ١٣٨/٣٤، ١٣٩ (٢٠٥٠٠)، والبيهقى فى الزهد (٦٢٧) من طريق عفان به،
وأخرجه أحمد ٩٤/٣٤ (٢٠٤٤٤)، والطبرانى فى الأوسط (٥٤٤٩)، وفى الصغير ٢٠/٢،
والبيهقى ٣٧١/٣ من طريق حماد بن سلمة به.
٣٩
الموطأ
التمهيد رواه أبو داود الطيالسيُّ(١) بالإسنادِ المتقدم عنه، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ یحیی
الأبَعُ، قال: حدَّثنا ثابتٌ الثنائيُ، عن أنس، أن النبيَّ وَّه قال: ((أمتى كالمطرِ
لا يُدرَى أولُه خيرٌ أم آخِرُه)» .
وبه عن أبى داود الطيالسيّ(٢) قال: حدَّثنا عمرانُ، عن قتادةَ قال: حدَّثنا
صاحبٌ لنا، عن عمَّارٍ بنِ ياسرٍ، أن النبيَّ وَالتّه قال: ((مثلُ أمتى كالمطرِ لا يُدرَی
أولُه خيرٌ أم آخِرُه)) .
وذكر أبو عيسى الترمذىُّ(٢) ، قال: حدَّثْنَا قُتَيْبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدّثنا
حمادُ بنُّ يحيى الأَبَخُ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَله: ((أمتى كالمطرِ لا يُدرَى أولُه خيرٌ أم آخِرُه))(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قال: سمِعتُ
يحيى بنَ معينٍ يقولُ: حمادُ بنُ يحيى الأبَعُ ثقةٌ ().
قال أبو عمرَ: مَن قبلَه ومَن بعدَه يُشْتغنَى عن ذكرِهم؛ لأنهم حجةٌ عندَهم
فى نقلهم .
وحدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرّفٍ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) الطيالسى (٢١٣٥).
(٢) الطيالسى (٦٨٢).
(٣) الترمذى (٢٨٦٩).
(٤) تاريخ ابن معين ١٣٣/٢ (١٢٦٩).
٤٠