النص المفهرس

صفحات 341-360

الموطأ
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَالَر أنه قال: ((مَن أُكّل مِن هذه الشجرةِ
الخبيثةِ، فلا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا))(١). وقوله: ((مَن أَكَل مِن هاتين الشجرتين
الخبيثتين فلا يَقْرَبِنَّ مسجدَنا(١)))(٢).
التمهید
وذهب جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ وجمهورُ علماءِ المسلمين من أهلِ الفقهِ
المُخْتَطَّةَ( ) التى لا يُمكِنُ أن ينفَصِلَ أحَدٌ مِن موضِعِه إلا بتبديد تجارته . والدليلُ علی
صحة ذلك قول عمر بن الخطابِ فی الصحیحِ: کان النبیُ ټڅ إذا وجد ريحها مِن
أحَدٍ أَمَر به فأُخْرِج إلى البقيعِ .
القبس
تحقيقٌ لُغوىِّ شَرعىٌّ: قولُه: ((مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ الخبيثةِ)). الخبيثُ(4) فى
اللغةِ : عبارةٌ عن كلِّ ما لا يُلائمُ الحاسَّتَيْن؛ الشَّمِ والذَّوقِ، ويُستَعارُ فى غيرِ ذلك (٥).
والخبيثُ فى الشريعةِ : عبارةٌ فى الأطعمةِ عن المُحَرَّمِ. وهو معنى قوله:
﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. يريدُ: يُحَرِّمُ عليهم المُحرَّماتِ،
أى : يُبيِّثُها.
وقال غيرُ مالكٍ مِن العلماءِ: معنى الخبائثِ هلهنا كلَّ مُستَكْرَهٍ. وقد بيَّنا تحقيقَ
الآيةِ فى (( كتابٍ الأحكامِ)).
(١) فى م: ((مساجدنا)).
(٢) أخرجه أحمد ١٨٠/٢٦ (١٦٢٤٧)، وأبو داود (٣٨٢٧)، والنسائى فى الكبرى (٦٦٨١) من
حديث قرة المزنى .
(٣) فى م: ((المختلطة)).
(٤) فى ج، م: ((الخبث)).
(٥) ينظر اللسان (خ ب ث).
(٦) فى ج، م: ((بعينها)).
(٧) بعده فى د : (( تم المجلس الثالث بحمد الله وعونه)).
٣٤١

الموطأ
والحديثِ إلى إباحةٍ أكلِ القُّومِ، لدَلَائِلَ؛ منها حديثُ علىٍّ بنِ أبى طالِبٍ .
التمهید
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال :
حدَّثنا الحارثُ بنُ أَبِى أَسَامةَ، قال: حدَّثنا أبو النضرِ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن مسلم
الأعورِ، عن حبةَ العُرَنِىٌّ، عن علىِّ رضِىَ اللَّهُ عنه قال: أمرنا رسولُ اللّهِ وَل ◌ِ أَنْ نأكلَ
الثُّومَ، وقال: ((لولا أَنَّ الملَكَ يَنزِلُ علىَّ لأكلتُه))(١). فقد بانَ بهذا الحديثِ أنَّه لیس
بمحرَّم، وأنَّ مُباحٌ، وأن النهىَ عنه إنما ورَد مِن أجلٍ أن الملَكَ كان يتأَذَّى بِهِ .
ومنها أيضًا حديثُ أبى سعيدِ الخُدرِىِّ، ذكَرِه عبدُ الرزاقِ (١) ، عن مَعمَرٍ ،
عن أبى هارونَ العَبْدِىِّ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّةِ:
((مَن أَكَل مِن هذه الشجرةِ - يعنى الثُّمَ - فلا يَقْرَبَنَّ مسجِدَنَا ، ولا يأْتِنَّا يَمِسَحُ
جبهته)). قال: فقلت: يا أبا سعيدٍ، أحرامٌ هى؟ قالَ: لا، أَما كرِهها النبىُّ وَل
مِن أَجْلٍ رِيحِها . وهذا نَصِّ عن صاحِبٍ عَرَف مَخرَجَ النَّهْيِ .
ومثلُه حديثُ جابرٍ ، ذكَّرِه البخارىُّ(٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ،
حدثنا أبو عاصم، قال : أَنْبأنا ابنُ مُجرَيجٍ، قال: أخبرنى عَطاءٌ، قال : سمِعتُ
جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ قال: قال النبىُ وَّهِ: ((مَن أُكَل مِن هذه الشجرةِ - ثُرِيدُ الثُّومَ -
القبس
(١) أخرجه السهمى فى تاريخ جرجان ص ٦٣ من طريق أبى النضر به، وأخرجه أحمد بن منيع -
كما فى المطالب (٤٢٨)- والبزار (٧٤٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٢٤٠، وأبو بكر الشافعى
فى الغيلانيات (١٠٢٤)، والطيرانى فى الأوسط (٢٥٩٩)، وابن عدى ٢/ ٨٣٥، وأبو نعيم فى الحلية
٨/ ٣٥٨، ٣١٦/١٠، من طريق إسرائيل به، وأخرجه الخطيب ٣٤٩/٤ من طريق مسلم الأعور به .
(٢) عبد الرزاق (١٧٣٩).
(٣) البخارى (٨٥٤).
٣٤٢

الموطأ
فلا يَغْشَانا فِى مساجدِنا)). قلتُ: ما يَعنِى به؟ قال: ما أَراه يَعنِى إِلَّا نِيئَه. قال: التمهيد
وقال مَخْلَدُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ جُرَيجٍ: إِلا نَتْنَهُ .
قال(١) : وحدَّثنا سعيدُ بنُ ◌ُفَيْرٍ ، قال : حدثنا ابنُ وهب ، عن يونس ، عن
ابنِ شِهابٍ، عن عطاءٍ، أن جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ زعَم أن النبىَّ وَلِّ قال: «مَن أكّل
ثُومًا أَو بَصَلًا فَلْيَغْتَزِلْنَا، أو فَلْيَعْتَزِلْ مسجدَنا)). وأن النبىَّ نَّهِ أَتِىَ بَقِدْرٍ فيه
خَضِراتٌ مِن بُقولٍ، فوجَد لها رِيحًا . قال: فأُخْبِرَ بما فِيها مِن البُقُولِ ، فقال:
((قَرَّبُوهَا)). إلى بعضِ أَصْحابِه كان معه، فلَمَّا رَآهُ كرِه أكْلَها، قالَ: ((كُلْ، فَإِّی
أُنَاجِى مَن لَا تُنَاجِى)) .
قال أبو عمرَ : هذا بَيِّنٌّ فى الخُصُوصِ له والإباحَةِ لمن سِواه . وهذا الحديثُ
ذكره أبو داودَ(١) ، قالَ: حدثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قالَ :
أخبرنى يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: حدثنى عَطاءُ بنُّ أبى رَباحٍ، أن جابرَ بنَ
عبدِ اللَّهِ قال: إن رسولَ اللّهِ فَلِّ قال: ((من أكّل ثُومًا أو بصلًا)). فذكره سواءً
إلى آخره .
قال أبو داودَ(٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهبٍ، قال :
أخبرنى عمرٌو، أن بكرَ بنَ سَوادةَ حدَّثَه ، أن أبا النَّجِیبِ مَولَی عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ
حدَّثه، أن أبا سعيدِ الخُدْرِىَّ حدَّثه، أنه ذُكِرِ عندَ رسولِ اللّهِ وَهِ الثّومُ والبصلُ،
القبس
(١) البخارى (٨٥٥).
(٢) أبو داود (٣٨٢٢).
(٣) أبو داود (٣٨٢٣).
٣٤٣

الموطأ
وقيل: يا رسولَ اللَّهِ، وأَشَدُّ ذلك كلِّه الثُّومُ، أَفْتُحَرِّمُه؟ فقال النبيُّ وَّه :
( ◌ُلُوه، ومَن أكله منکم فلا یقْرَب هذا المسجد حتی یذهب ڕِیحُه منه))
التمهید
ومثلُ هذا أيضًا حديثُ أُمّأيّوبَ الأنصاريَّةِ ؛ حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ، قالَ: حدّثنا
قاسِمُ بِنَّ أَصْبَغَ، قالَ: حَدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ التّزْمِذِىُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِىُّ،
قال: حدثنا سفيانُ ، قال: حدَّثنى عُبِيدُ اللَّهِ بنُ أبى يزِيدَ، قال: أخبرنى أبى، أن أُمّ
أيوبَ الأنصارِيَّةَ أخبَرته قالت: نزَل علينا رسولُ اللَّهِ وَلِهِ، فَتَكَلَّفْنا له طَعامًا فيه
بعضُ هذه الثُقولِ ، فكَرِهَه ، وقال لأصحابِهِ: ((إِنى لستُ كأحَدٍ منكم، فإِنِّى
أَكْرَةُ أن أوذِىَ صَاحِبِى)). قال الحُميدىُّ: قال سفيانُ: و(١)رأَيتُ رسولَ اللَّهِ وَه
فى النومٍ ، فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ، هذا الحديثُ الذى تُحدِّثُ بِهِ أُمُّ أيوبَ عنك:
((أن الملائكةَ تَتَأَذَّى بِمَّا يَتَأَذَّى منه بنو آدَمَ))؟ قال: حقِّ(٢) .
ومثلُ هذا حديثُ مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، قال :
كان رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ لا يَأْكلُ الثُّومَ ولا الكُوَّاثَ ولا البصلَ؛ مِن أجلِ أن الملائكةَ
تأتِيَه، ومِن أجلِ أنه يُكَلِّمُ جِبرِيلَ عليه السلامُ. رواه عبدُ اللَّهِ بنُّ يوسفَ،
والقَعْنَبِىُّ، وطائِفَةٌ عن مالِكٍ (" فى ((المُوَطَّأُ)) هكذا.
ورواه محمدُ بنُّ إسحاقَ البَكْرِىُّ، عن يحيى بنٍ يحبى النَّيسابورىِّ،
عن مالِكِ"، أنَّه قَرَأ عليه : عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن أنسٍ بنِ مالِكِ، أن
القبس
(١) سقط من : م .
(٢) الحميدى (٣٣٩). وأخرجه أحمد ٤٣٠/٤٥ (٢٧٤٤٢)، والترمذى (١٨١٠)، وابن ماجه
(٣٣٦٤)، وابن خزيمة (١٦٧١)، وابن حبان (٢٠٩٣) من طريق سفيان بن عيينة به.
(٣ - ٣) سقط من: ص ٤.
٣٤٤

الموطأ
التمهید
رسولَ اللَّهِ مَّهِ كان لا يَأْكُلُ القُّومَ ولا الكُرَاثَ ولا البصلَ؛ مِن أجلِ أن الملائكةَ
تَأْتِيه، وأنَّه يُكلِّمُ جِبرِيلَ عليه السَّلامُ (١) . قالَ الدَّارَقُطْنِئُ: هذا ممّا انْفَرَدَ به
محمدُ بنُ إسحاقَ البَكْرِىُّ بهذا الإسنادِ، وهو ضعيفٌ ، وما جاءَ به وَهْمٌ ؛ لأنَّه
فى ((المُؤَطُّ)) عنِ الزُّهْرِىِّ، عن سُلَيْمانَ بِنِ يَسَارٍ مُرْسَلٌ(١).
وأخْبَرنا محمدُ بنُّ إِبراهِيمَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ معاوِيَةً، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ شُعَيبٍ ، قال : أنتَأَنَا إسحاقُ بنُ منصورٍ ، قال : أنْبأنا يحيى ، عن ابنِ
مجرَيْج، قال: حدثنا عَطاءٌ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَن أكَل
مِن هذه الشجرةِ - قال أوَّلَ يومٍ: ((الثُّمَ)). ثم قال: ((الثُّومَ والبَصَلَ
والكُوَّاثَ)) - فلا يَقْرَبْنَا فى مَساجِدِنا؛ فإن الملائكةَ تَتَأَذَّى بِمَّا يَتَأَذَّى منهُ
(٢)
الإنش))().
وحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داؤُدَ ، قال: حدَّثْنَا شَيبانُ(٢) بِنُ فَرُوخَ، قال: حدَّثنا أبو هِلالٍ، قال: حدَّثَنَا
حُمَّيْدُ بنُ هِلالٍ، عن أبى بُؤْدَةَ، عن المغِيرَةِ بنِ شُعَبةَ، قال : أكَلْتُ ثُومًا ، فَأَتَيْتُ
مُصَلَّى رسولِ اللَّهِ وَلِّ وقد سُبِقْتُ بِرَكْعَةٍ، فلمَّا دخَلتُ المسجدَ وجَد رسولُ اللَّهِ
وَالَّ رِيحَ الثُّومِ، فلمّا قضَى رسولُ اللّهِ وَلَّهِ صَلاتَه قال: ((مَن أكّل مِن هذه
القبس
(١) أخرجه الخطيب ٢٦٥/٢ من طريق محمد بن إسحاق البكرى به.
(٢) النسائى (٧٠٦)، وفى الكبرى (٧٨٦). وأخرجه الترمذى (١٨٠٦) من طريق إسحاق بن
منصور به، وأخرجه مسلم (٧٤/٥٦٤)، وأبو عوانة (١٢٢٨)، وابن خزيمة (١٦٦٥)، وابن حبان
(١٦٤٤) من طريق يحيى به .
(٣) فى م: ((سفيان)). وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩٨.
٣٤٥

الموطأ
التمهيد الشجرةِ فلا يَقْرَبَنَّا حتى يَذْهَبَ رِيحُها )» . فلما قضَئْتُ الصلاةَ جِئْتُ إلى رسولِ
اللَّهِ وَلِهِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، واللَّهِ لَتُعْطِيِّى يَدَكَ. قال: فَأَدْخَلتُ يَدَه فى كُمّ
قَمِيصِى إلى صدرِى، فإذا أَنَا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ. فقال: ((إِنَّ لك عُذْرًا))(١).
قال أبو داودَ(١): وحدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثَنَا الجرّاح أبو وَكِيعٍ، عن أبى
إسْحاقَ، عن شَرِيكِ بنِ حَنبَلٍ، عن علىٍّ، قال: نهَى رسولُ اللَّهِ وَلِّ عن أْل
الثُّومِ إِلَّ مَطْبُوخًا .
وحدثنا عبدُ الوارثِ وسعیدٌ ، قالا : حدّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال : حدثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ وبَكرٌ ، قالا : حدثنا مُسَدَّدٌ ، قال : حدثنا أبو وَكيعٍ، عن
أبى إسحاق ، عن شريك بن حنبلٍ، عن علىٍّ . فذكره.
قالَ أبو عمرَ : ففى هذه الأحاديثِ أوْضَحُ الدَّلائلِ على أن أكلَ الثُّومِ ليس به
بَأْسٌ، وأنه مُباح. وقد أكَله جماعَةٌ مِن الصَّحابة والتابعين ، وأجاز أكله جمهورُ
علماءِ المسلمين .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، أن أباه أخبره، قال: أَنْبَأنا
أحمدُ بنُ خالِدٍ ، قال: أَنْتَأَنا الحَسَنُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ ،
القبس
(١) أبو داود (٣٨٢٦). وأخرجه أحمد ١١٢/٣٠ (١٨١٧٦) والطحاوى فى شرح المعانى ٢٣٨/٤،
والطبرانى ٤١٧/٢٠ (١٠٠٣) من طريق أبى هلال الراسبى به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥١٠، وأحمد
١٤٣/٣٠ (١٨٢٠٥)، وابن حبان (٢٠٩٥) من طريق حميد بن هلال به .
(٢) أخرجه البيهقى ٧٨/٣ من طريق محمد بن بكر به، وهو عند أبى داود (٣٨٢٨)، وأخرجه الترمذى
(١٨٠٨) من طريق مسدد به، وأخرجه البزار (٨٠٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٣٧/٤، ٢٣٨ من
طريق أبى إسحاق به. وينظر علل الدارقطنى ٢٤٢/٣، ٢٤٣.
٣٤٦

الموطأ
التمهید
قال : حدثنا حمّادُ بنُ زیدٍ ، قال : حدثنا سعیدُ بنُ أبی صدقةً - وقد ذكره أُوبُ ،
عن محمدٍ - أنَّ ابنَ عمرَ سُئل عن الثُّومِ والبصلِ ، فقال: اذهبوا واقطعوا عنكم
: (١)
ريحها بالتُّضْجِ(١) .
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: حدَّثَنِى أبى، قال: حدَّثَنَا أحمدُ بنُ
خالِدٍ ، قال : حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمدَ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ بنِ حِسابٍ،
قال: حدَّثْنَا حَمّادُ بنُ زيدٍ ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ أصابَه
◌ُهْرُ(٢) زَمَنَ أَذْرَ بِيجَانَ، فَتُعِتَ له الثُّومُ، فَكُنَّا نَنْظِمُه فتَجْعَلُه فى حِسَاءٍ له (١) .
وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ الدِّينَوَرِىُّ،
قال : حدثنا محمدُ بنُ جَريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَم، قال :
حدثنا أبى، وشُعَيبُ بنُ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، عن تَزِيدَ بنِ الهادِى، قال: قلتُ
النافِعِ: هل كانَ ابنُ عمرَ يَأْكُلُ الثُّومَ فى اللحم؟ قال: نعم(١).
فهذا ابنُّ عمرَ قد روَى الحديثَ فى الثُّومِ ، وكان يأْكُلُه، فدَلَّ على أنَّه قد علِم
المُرَادَ ، وعرَف المَقْصِدَ .
أخبرنا خَلَفُ بُ القاسِم ، أنبانا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبی الموتِ ، حدثنا أبو
صالح ، حدثنا أبو یوسف محمدُ بن أحمد بنِ الحجّاج ، حدثنا عیسی بنُ يونس ،
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٣/٨ من طريق محمد بن سيرين به. ووقع عنده: ((عمر)) بدلًا من:
((ابن عمر)) وهو خطأ.
(٢) البُهْر: الربو. التاج (ب هـ ر).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٢/٨ من طريق نافع به بنحوه.
٣٤٧

الموطأ
التمهيد
حدثنا الأوزاعىُّ، عن أبى عُبَيدٍ، عن نُعَيم بنِ سَلامةَ ، قال: دخلتُ على عمرَ بنِ
عبدِ العزيزِ، فَوَجَدْتُه يأكلُ ثُومًا مسلُوقًا بماءٍ ومِلحٍ وزَيتٍ (١) .
ولو ذكّرنا الآثارَ عن العُلماءِ فى ذلك لطَوَّلنا وأَملَلنا، والأمرُ الواضِحُ لا وَجهَ
للتّطويلِ فيه .
وفى هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ أيضًا أنَّ محُضورَ الجماعةِ ليس بفَرْضٍ ؛ لأنه لو
كان فرضًا ما كانَ أَحَدٌ ليُبَاحَ له ما يَخْبِسُه عن الفرضِ، وقد أباحَتِ السُّنةُ لآ كِلٍ
الثُّومِ التََّّ عن شُهودِ الجماعَةِ ، وقد بيّنا أن أكلَه مُبَاحٌ، فدَلَّ ذلك على ما
وَصفنا، وباللَّهِ عِضْمَتُنا. ألا ترى أن الجُمُعةَ إذا نُودِىَ لها، حَرُمَ على
المسلمينَ (مِن أهلِ الحَضَرِ) كلُّ ما يَخْبِسُ عنها مِن بَيع وقُعُودٍ ورُقادٍ وصلاةٍ،
وكُلُّ ما يَشْتَغِلُ به المرءُ عنها. وكذلك مَن كانَ مِن أهلِ المِصْرِ حاضِرًا فيه، لا
◌ُذْرَ له فى التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ ؛ أَنَّه لا يَحِلُّ له أن يُدْخِلَ على نَفْسِه ما يَحْبِسُه
عنها ، فلو كانت الجماعةُ فَرْضًا، لكانَ أْلُ الثُّومِ فى حينٍ وَقتِ الصَّلاةِ حَرامًا ،
وقد ثبَتَتْ إِبَاحَتُه، فدَلَّ ذلك على أنَّ محُضُورَ الجمَاعةِ ليس بفَرْضٍ . واللَّهُ أعلمُ .
وإنّما خُضورُها سُنّةٌ وفَضِيلَةٌ وعمَلُ بِّ. وممّا يَدُلَّ على أن حُضُورَ الجماعَةِ ليس
بِفَرْضٍ، قولُ رسولِ اللَّهِ بِلّهِ: ((إذا حَضَرَ العَشاءُ، وسَمِعْتُم الإقامَةَ بالصلاةِ،
فابدءُوا بِالعَشَاءِ)).
وفى الحديثِ المذكورِ أيضًا مِن الفقهِ أن آكِلَ الثُّومِ يُعَدُ مِن الْمَسْجِدِ ويُخرَجُ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٢/٨ من طريق عيسى بن يونس به.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) تقدم تخريجه ص ٧٧ .
٣٤٨

الموطأ
التمهيد
عنه؛ لأن رسولَ اللَّهِ مَل﴾ قال: ((لَا يَقْرَبْ مسجدنا - أو مساجدنا - لأنه يُؤْذِینَا
بريح الثُّمِ)) . وإذا كانَتِ العِلَّةُ فى إخراجِه مِن المسجدِ أنَّه يُتَأَذَّى به ، ففى القياسِ
أن كَلَّ مَا يَتَأَذَّى به چِيرانُه فى المسجدِ؛ بأنْ (١) يكونَ ذَرِبَ اللِّسانِ(٢) ، سَفِيهًا
عليهم فى المسجدٍ مُسْتَطِيلًا، أو كانَ ذا رِيحَةٍ قَبِيحَةٍ لا ترِيُهُ(١) لشُوءِ صِناعَتِه، أو
عاهةٍ مُؤْذِیَةٍ كالجذام(٤) وشِئهِه، و كلُّ ما يتأدَّى به الناس إذا وُجِد فى أحدِ جيرانٍ
المسجِدِ ، وأرادُوا إِخرَاجَه عن المسجدِ وإبعادَه عنه، كان ذلك لهم ما كانَتِ العِلَّةُ
مَوْجُودَةً فيه حتى تَزُولَ، فإذا زالَت بإفاقَةٍ أَو تَوْبَةٍ أو بأىِّ وَجْهٍ زالَتْ، كانَ له
مُراجَعَةُ المسجدِ . وقد شاهدتُ شيخَنا أبا عمرَ أحمدَ بنَ عبدِ المَلِكِ بنِ هاشِمِ (٥)
رَحِمه اللَّهُ ، أفتى فى رَجُلِ شَكاه جِيرانُه، وأثبتُوا عليه أنه يُؤْذِيهم فى المَسْجِدِ
بلِسَانِهِ ويَدِهِ ، فَشُوِرَ فيه، فأفتَى بإخراجِه عن المسجدِ وإبعادِهِ عنه، وألا يُشَاهِدَ
معهم الصلاةَ؛ إذْ لا سبيلَ مع مجنونِه واستطالته إلى السلامةِ منه، فذا گرْتُه يومًا
أَمْرَه، وطالَيْتُه بالدَّليلِ فيما أفتَى به مِن ذلك، وراجَعْتُه فيه القولَ، فاسْتَدَلَّ
بِحَدِيثِ النُّومِ ، وقال: هو عندِى أكثرُ أَذِى مِن آكِلِ الثُّومِ، وصاحِبُه ◌ُمْنَعُ مِن
شُهودِ الجماعةِ فى المسجدٍ . وذكر الحديث اُنَّہ کان إذا وُچِد مِن أُحَدِ رِی} ثُومٍ فى
مسجدٍ رسولِ اللهِ وَلَّهِ أُخرج عنه، ورُّما أُتْعِدَ حتى يُبلَغَ بهِ التَّقِيعُ .
أُخْبَرَنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية بنِ
القبس
(١) فى ص ٤: ((أنه)).
(٢) ذَرِب اللسان: سليط اللسان . القاموس المحيط (ذر ب).
(٣) لا تريمه : لا تبرحه .
(٤) الجذام: داء يصيب الجلد والأعصاب الطرفية، يسبب فقدًا بقعيًّا، وقد تتساقط منه الأطراف.
الوسيط (ج ذ م).
(٥) فى ص ٤: ((هشام)).
٣٤٩

الموطأ
التمهید
عبد الرحمنِ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ المُتَّى،
قال : حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثَنَا هِشَامٌ ، قالَ: حدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عن سالِم
ابن أبى الجَغْدِ ، عن مَعْدَانَ بنِ أبي طلحةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: إنَّكم أَيُّهَا
الناسُ تَأْكُلُون مِن شجَرَتَيْنِ مَا أَرَاهُمَا إِلَّ حَبِيئَتَيْنِ؛ هذا البَصَلُ والثُّومُ، ولقد
رَأيْتُ نبىَّ اللَّهِ وَ لَه إذا وجَد ريحها (١) مِن الرجلِ، أمَر به فأُخرِجَ إلى التَّقِيعِ، فَمَن
أكَلَهما فلْيُمِتْهما طَبْخًا(٢) .
فهذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يُجيزُ أكْلَ البصلِ والثّومِ مطبوخین علی حَسَبِ ما
ذكرنا، وهذا هو الصحيحُ فى هذا البابِ، واللَّهُ المُوفِّقُ للصوابِ.
وحدّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفیان ، قال : حدثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قال: حدثَنا عقّانُ بنُ مسلم، قال: حدثَنا همّامُ بنُّ يحيى،
قال: حدثنا قتادَةُ، عن سالم بن أبى الجَعْدِ الغَطَفانىّ، عن مَعْدانَ بنِ أبى طَلْحَةً
الْيَعْمَرِىِّ(٢) ، أن عمرَ قامَ على المنْبَرِ يومَ مُجُمُعةٍ ، فحَمِد اللَّهَ، وأثنى عليه . ثم ذكَّر
الحديثَ بمعنَى ما تَقَدَّم سَواءً إِلى آخرِه (٤).
القبس
(١) كذا فى النسخ، وهو موافق لنسخة من السنن الكبرى، وفى المجتبى ونسخة من السنن الكبرى: ((ريحهم)).
(٢) النسائى (٧٠٧)، وفى الكبرى (٧٨٧). وأخرجه مسلم (٥٦٧)، والبزار (٣١٤) من طريق
محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٣١٧/١ (١٨٦)، وأبو يعلى (١٨٤) من طريق يحيى القطان
به، وأخرجه الطيالسى (٥٣) من طريق هشام به .
(٣) فى م: ((العمرى))، وفى ص ٤: ((المعمرى)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الأنساب
٦٩٩/٥، وتهذيب الكمال ٢٥٦/٢٨.
(٤) أخرجه أحمد ٢٤٩/١ (٨٩) عن عفان به، وأخرجه ابن سعد ٣٣٥/٣، ٣٣٦ من طريق همام
به .
٣٥٠

٣٠ - وحدّثنى عن مالكِ، [٦] عن عبد الرحمنِ بنِ المُجَبَّرِ، أنه الموطأ
كان يَرَى سالمَ بنَ عبدِ اللَّهِ إذا رأى الإنسانَ يُغَطِّ فَاه وهو يُصَلِّى، جَبَذَ
القُّوْبَ عن فيه جَبْذًا شديدًا حتى يَنْزِعَه عن فِيهِ .
ورؤَى جَرِيرُ بنُ عبد الحميدِ وزُهیرُ بنُ معاویةً، عن مُطَرِّفٍ بن طريفٍ ، عن التمهيد
أبى الجَهْمِ، عن أبى القاسمِ مولَى أبى بكرِ الصِّدِّيقِ رَضِى اللَّهُ عنه قال: لمَّ افْتُبِحَت
خيبرُ أكَلوا مِن الثُّومِ، فقال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَن أُكَل مِن هذه البَقْلَةِ الخَيْثَةِ،
فلا يَقْرَبَنَّ مسجدنا حتی یذهبَ ریحُها مِن فِيه))(١).
مالكٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ المُجَبَّرِ ، أنه كان يَرَى سالمَ بنَ عبدِ اللهِ إذا رأى الاستذكار
الإنسان یغطّی فاه وهو یصلِّی ، جپذ الثوب عن فیه جهدًا شديدًا حتى يَنْزِعَه عن
(٢)
فيه(٢) .
عبدُ الرحمنِ المجَّرُ هو عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ ،
وإنما قيل لابنه: عبدُ الرحمنِ المُجَبَّرُ؛ لأنه سقَط فتكسّر فجير، فقيل له :
المجبَّرُ. وقد قيل: إنه كان يقالُ له: المكشَّرُ. فقالت حفصةُ: بل هو
المجبَّرُ. وقيل: إنما قيل له : المجبَّرُ؛ لأن أَباه تُوِّى وهو فى بطنٍ أُمِّه، فسمَّته
حفصةُ المجبَّرَ ؛ لعلَّ اللهَ يجبُرُه . وقال فيه الزبيرُ بنُ بكارٍ : المجْبَرُ. وسائرُ الناسِ
يقولون بتحريكِ الجيم وتشديدِ الباءِ. وكان ابنُ مَعينٍ يضعِّفُ عبد الرحمنِ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى خيثمة فى تاريخه - كما فى الإصابة ٣٢٦/٧ من طريق مطرف به، والطبرانى
فى الأوسط (٦١٣) من طريق مطرف بن طريف عن أبى الجهم عن أبى القاسم عن أبى بكر
الصديق. وينظر علل الدارقطنى ٢٨٨/١.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٢). وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٤٦/٢ من طريق مالك به.
٣٥١

الموطأ
الاستذكار المجبَّرَ هذا، وليس قولُه بشىءٍ ؛ لأنه لا يُحفَظُ له حديثٌ منكر أتَى به .
وأَما تغطيةُ الغمِ والأَنْفِ فى الصلاةِ فمكروهٌ لَمَنْ أَكْل ثُومًا، وإنما أصلُ
الكراهيةِ فيه ؛ لأنهم كانوا يتلقَّمون ويصلُّون على تلك الحالِ ، فنُهوا عن ذلك .
ذكَر ابنُ وهبٍ قال : أخبرنى الوليدُ بنُ المغيرةِ أن وهبَ بنَ عبدِ اللهِ المُعَاوِىَّ
حدَّثه قال: قال رسولُ اللهِ وَالتِّ: ((لا یضعَنَّ أحدُ كم ثوبه على أنفه وهو فى
الصلاةِ، فإن ذلك خطمُ الشيطانِ )) .
قال ابنُ وهبٍ: وكُرِهِ أن يغطّىَ الإنسانُ أنفَه فى الصلاةِ . وقال ابنُ
عبدِ الحكم : لا يغطّى أنفَه فى الصلاةِ . وقال ابنُ الجهم : معنى ذلك : ليباشِرِ
الأرضَ بأنفِه عندَ سجودِه، كما يباشرُها بجبهتِهِ . وكَرِهِ التَّثمَ فى الصلاةِ عبدُ اللهِ
ابنُّ عمرَ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ ، وعكرمةُ، وطاوسٌ ، وإبراهيمُ ، والحسنُ، ورُوِى
عن علىٍّ. وقال محُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرَّقاشىُّ، قال: حدَّثْنا بُكَيُ بنُ عامٍ،
قال: كان إبراهيمُ والشعبىُّ يكرّهان أن يغطّىَ الرجلُ فاه فى الصلاةِ(١).
القبس
(١) فى ص، م: ((بكر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٠/٤.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٤٦/٢، ٣٤٧.
٣٥٢

الموطأ
كتابُ الطهارةِ
العملُ فى الوضوءِ
٣١- حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن عمرو بنِ یحیی المازنىٌ ، عن
أبيه ، أنه قال لعبدِ اللَّهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ ، وهو جدُّ عمرو بنِ یحبی،
و کان من أصحاب رسول الله پلے : هل تستطيع أن تُرِيِنى كيف كان
رسولُ اللَّهِ ،وَلِ يَتَوَضَّأُ؟ فقال عبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ: نعم . فدَعَا بوَضُوءٍ،
مالك ، عن عمرو بن یحیی المازنئ(١) ، عن أبيه، أنّه قال لعبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ
عاصمٍ، وهو جدُّ عمرو بنٍ يحيى، وكان من أصحابٍ رسولِ اللهِ وَله : هل
تستطيعُ أن تُرِيَتَى كيف كان رسولُ اللَّهِ ،وَله يتوضَّأُ؟ فقال عبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ :
التمهيد
المجلسُ الرابعُ
العملُ فى الوُضوءِ
القبس
ذكَر مالكٌ حديثَ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، وروَى وُضوءَ رسولِ اللَّهِ وَهِ جماعةٌ ،
منهم؛ عبدُ اللَّهِ هذا وعثمانُ وعلىٌّ وعبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ وجماعةٌ ، هؤلاءِ أصولُهم .
والوضوءُ أصلٌ فى الدينِ، وطهارةٌ للمُسلِمِين، وخَصِيصةٌ لهذه الأمةِ فى العالمين. وقد
رُوِى أن النبيَّ وَلّ توضَّأ فقال: ((هذا وُضوئى ووُضوءُ الأنبياءِ قَبلى ووضوءُ خلیلِی
(١) قال أبو عمر: ((وهو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبى حسن المازنى الأنصارى، مدنى، ثقة،
روى عنه مالك، وشعبة، وخالد الواسطى، والثورى، ووهيب، وسليمان بن بلال، وابن عيينة ،
وغيرهم من الأئمة. وروى عنه ممن فوق هؤلاء؛ يحيى بن سعيد الأنصارى، وعبيد الله بن عمر.
وأبوه يحيى بن عمارة، تابعی ، ثقة، روى عنه محمد بن يحيى بن حبان، وغيره. وتوفى عمرو بن
يحيى سنة أربعين ومائة، والله أعلم)). تهذيب الكمال ٢٩٥/٢٢.
:
٣٥٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٣/٢)

الموطأ
فَأَفْرَغَ على يَدِهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مرتين مرتينٍ، ثم تَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثلاثًا ،
ثم غَسَلَ وَجْهَه ثلاثًا ، ثم غَسَلَ يديهِ مرتين مرتين إلى المِرْفَقَيْنِ ، ثم
مَسَحَ رأْسَه بيدَيه ، فأقبَلَ بهما وأدبَرَ ؛ بَدَأْ بمُقدَّم رَأْسِه، ثم ذَهَبَ بهما
إلى قَفَاه، ثم رَدَّهما حتى رَجَع إلى المكانِ الذى بَدَأ منه، ثم غَسَلَ
رِجْلَيْه .
التمهید
نعم . فدعا بوَضوءٍ، فأفرَغْ على يديه، فغسل يديه مرَّتين مرّتين ، ثم تمضمضَ
واستنثرَ ثلاثًا (١)، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غَسَل يديه مرَّتين مرّتين إلى المرفقين،
ثم مسح رأسَه بيديه، فأقبَل بهما وأدبَر؛ بدأ بمُقَدَّمٍ رأسِه ، ثم ذهَب بهما إلى
قفاه، ثم ردَّهُما حتى رجع إلى المكانِ الذى بدأ منه، ثم غسل رجليه (١) .
لم يُختلَفْ على مالكِ فى إسنادٍ هذا الحديثِ ولا فى لفظه ، إلا أنَّ ابنَ وهپ
القبس إبراهيمَ)). وهذا لا يَصِحُ، وهو مشروعٌ فى الدِّينِ على ستةِ أقسامٍ؛ وضوءٌ للدُّعاءِ،
ووضوءٌ لِرَدِّ السلامِ، ووضوءٌ للنومٍ، ووضوء لقراءةِ القرآنِ عن ظَهرِ قلبٍ ، ووضوءٌ
للدُّخولِ على الأمراءِ، ووضوءٌ للفضيلةِ وتجديدِ العبادةِ، والأصلُ وضوءُ الحَدَثِ ، قال
اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة
(١) بعده فى ص ١٦، ص ٢٧: ((ثلاثا)).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٣). وأخرجه أحمد ٣٦٠/٢٦، ٣٦٨، ٣٧٢ (١٦٤٣١، ١٦٤٣٨،
١٦٤٤٣)، والبخارى (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، وأبو داود (١١٨)، والترمذى (٣٢)، والنسائى
(٩٧، ٩٨)، وابن ماجه (٤٣٤)، وابن خزيمة (١٥٥، ١٥٧، ١٧٣) من طريق مالك به.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤١٩). من حديث ابن عمر.
٣٥٤

الموطأ
رواه فى «موطَّئه)) عن مالكِ ، عن عمرٍو بنٍ يحيى بنِ عُمارةَ المازنىٌ ، عن أبيه ، عن التمهيد
عبدِ اللَّهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمِ المازنىّ، عن رسولِ اللَّهِ بَّر. فذكَر معنى ما فى
(الموطّ)) مختصرًا، ولم يقلْ: وهو جدُّ عمرو بن يحيى.
وذكَرِه سُحنُونٌ(١) فى ((المُدوّنِةِ))(٣) ، عن مالك، عن عمرو بنٍ يحيى بنٍ .
عمارةَ بنِ أبى حسنٍ المازنىّ، عن أبيه يحيى، أنَّ سمِعَ جدَّه أبا حسنٍ يسألُ
عبدَ اللهِ بنَ زید بن عاصم . ولم یقُلْ : وهو جدُّ عمرو بن یحیی. ولا ذكر عمّن
رواه عن مالكِ .
وقال أحمدُ بنُّ خالدٍ : لا نعرِفُ هذه الرّوايةَ عن مالكٍ ، إلاّ أن تكونَ لعلىِ بنِ
وقد اختلَفتْ آراءُ علمائِنا فى " هذه الأقسام" اختلافًا طالَ معه الكلامُ، والذى القبس
يَرْبُطُ (٤) فيه الَرَامَ، أن الرجلَ إذا توضَّأَ بنيةِ رفع الحدَثِ الطارئُّ عليه فإنه يجوزُ له أن
يفعلَ كلَّ شىءٍ كان الحدثُ مانعًا منه ، ولا خلافَ فیه بينَ علمائنا ، إلا أنه قد ذكر
القاضى أبو الحسنِ بنُ القصَّارِ (١)، أن رفعَ الحدَثِ إن كان مطلقًاً صعّ هذا القولُ، وإن
(١) عبد السلام بن حبيب بن حسان بن هلال أبو سعيد، يلقب بسحنون، فقيه المغرب، وقاضى
القيروان، وصاحب ((المدونة))، كان موصوفًا بالعقل والديانة والورع، توفى سنة أربعين ومائتين. سير
أعلام النبلاء ٦٣/١٢.
(٢) المدونة الكبرى ٣/١.
(٣ - ٣) فى ج، م: ((هذا التقسيم)).
(٤) فى ج، م: ((يرتبط)).
(٥) على بن عمر بن أحمد أبو الحسن البغدادى، ابن القصار، شيخ المالكية، كان أصوليا نظارا،
ولى قضاء بغداد، قال أبو إسحاق الشيرازى: له كتاب فى مسائل الخلاف، لا أعرف للمالكيين
كتابا فى الخلاف أحسن منه. توفى سنة ثمان - وقيل سنة سبع - وتسعين وثلاثمائة . سير أعلام
النبلاء ١٠٧/١٧، والديباج ١٠٠/٢.
٣٥٥

الموطأ
التمهید
زيادٍ، وليس هذا الحديثُ فى نُسخَةِ القعنبيِّ، فإِمَّا أسقطَه، وإمَّا سقَط له، ولم
يقلْ أحدٌ من رواةٍ هذا الحديثِ فى عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ: وهو جدُّ عمرو بن
يحيى . إلّا مالكٌ وحدَه، ولم يُتابعه عليه أحدٌ، فإن كان جدَّه، فعسى أن يكونَ
جدَّه لأمّه.
وثمّن رواه عن عمرو بنٍ يحيى؛ سليمانُ بنُ بلالٍ ، ووهيبُ(١) بنُّ خالدٍ ، وابنُ
عيينةً، وخالدّ الواسطىُ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبى سلمَةً، وغيرهم، لم يقلْ فيه أحدٌ
منهم : وهو جدّ عمرو بنٍ يحيى . وقد نسَبنا عمرو بنَ يحيى بما لا اختلافَ فيه(٢) .
وذَکَر ابنُ سَنجرَ : حدَّثنا خالدُ بنُ مخلدٍ ، حدَّثنا سُلیمانُ بنُ بلالٍ ، حدّثنا
عمرُو بنُ يحيى المازنىُ، عن أبيه، قال: كان عمَّى يُكثِرُ من الوضوءِ، فقال
لعبدِ اللَّهِ بنِ زيدٍ: أخيِرْنى كيف كان رسولُ اللَّهِ وَّه يتوضَّأُ ؟ فدعا بتَوْرٍ(٣) من
القبس
كان مُقيّدًا بفعلٍ لم يبُزْ إلا ذلك الفعلُ، مثلَ أن يتوضَّأَ للظهرِ، قال: فلا يجوزُ له أن
يصلىَ به العصرَ. وهذا قولٌ ساقِطٌ؛ لأن الحدَثَ ليس بَمَحسوسٍ وإنما معناه المنعُ، وإذا
زال المنُ لم يَعُدْ إلا بعودِ سببه .
وأما الوضوءُ بنيّة الأقسامِ المتقدِّمةِ ، فإن الصلاةَ وأمثالَها مما يَمنَعُ الحدَثُ منه، ثُجُوزُ
به؛ لأنه إنما توضَّأ ليكونَ على أكملِ الأحوالِ ، فيقولُ فى النَّومِ: أَلْقَى ربى على طهارةٍ
إن مِتُّ . ويقولُ فى الدخولِ على الأميرِ : لا أدرى قدرَ ما أُحْتَسُ، فربما تَحينُ الصلاةُ
فتجِدُنى طاهرًا . وأما ذِكرُ اللهِ تعالى ؛ فيقولُ: لا أتكلّمُ به إلا على طُهرٍ. فأىَّ خِلافٍ
(١) فى م: ((وهب)).
(٢) ينظر ص ٣٥٣.
(٣) التور: هو إناء من صفرٍ أو حجارة كالإجانة . ينظر النهاية ١٩٩/١.
٣٥٦
.

الموطأ
التمهيد
ماءٍ (١) . وذكّر معنى حديثٍ مالكِ.
قال ابنُ سنجرَ: وحدثنا موسى بنُ إسماعيل قال : حدّثنا وهیبٌ قال: حدّثنا
عمُو بُ یحیی ، عن أبيه قال : شهدتُ عمِّی(٢) ابنَ أبی حسنٍ سأل عبدَ اللَّهِ بنَ زيد
يُتصورُ فى هذا لولا الغَفلةُ عِن وُجوهِ النَظَرِ. يبقَى وُضوءُ الفضيلةِ؛ قال سُحْنونٌ القبس
ومحمدُ بنُ عبدِ الحكم(١): لا يُصلِّى به، إن كان تبين أنه كان مُحدِثًا. وقال أشهبُ:
يُجزُه. وقد رُوِى ) الوجهانِ عن مالكِ رحمةُ اللهِ عليه ، والصحيح أنه لا يُجِئُه ؛ لأنه
لم يَنوِ الطهارةَ والإباحةَ، وإنما نوَى الكمالَ والفضيلَةَ.
وهم وَنبية وقَع فى ((الموطأً)): مالكُ بنُ أنس ، عن عمرو بنٍ يحيى المازنىّ، عن
أبيه ، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصمٍ؛ وهو جدُّعمرو بن يحيى. وهذا وهم قبیش مِن
يحيى بنٍ يحيى وغيرِهِ. وأعجَبُ منه أنه سُئِل عنه ابنُ وضَّاحٍ - وكان مِن الأئمةِ -
فقال: هو جدُّه لأمِّه . ورَحِم اللهُ مَن انتهى إلى ما سَمِع ووقَف دونَ ما لا يعلمُ ، و کیف
جاز هذا على ابنٍ وضَّاحِ. والصوابُ فى ((المدونةِ)) التى كان يُقرِتُها ويرويها عن
سُحنونٍ ، وهى بينَ يدَيه ينظُرُ فى كلِّ حينٍ فيها . وصوابُ الحديثِ : مالكٌ ، عن عمرٍو
ابنِ يحيى المازنىٌّ، عن أبيه، أن رجلًا قال لعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ، وهذا الرجلُ هو عمارةُ بنُ
(١) أخرجه البخارى (١٩٩)، ومسلم (٢٣٥) من طريق خالد بن مخلد به .
(٢) فى المصادر: ((عمرو)). وكلاهما واحد. ينظر تهذيب الكمال ٢٩٥/٢٢، وهدى السارى
ص ٢٥٤، وفتح البارى ١/ ٢٩١.
(٣) محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث أبو عبد الله المصرى الفقيه، عالم الديار
المصرية مع المزنى ، قال ابن خزيمة: كان أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك . له تصانيف
كثيرة، منها؛ كتاب ((أحكام القرآن))، و((أدب القضاة))، وغيرهما، توفى سنة ثمان وستين
ومائتين. سير أعلام النبلاء ٤٩٧/١٢، الديباج المذهب ١٦٧/٢.
(٤) فى د، ج: ((رویت) .
٣٥٧

الموطأ.
عن وضوءِ رسولِ اللهِ وَله. قال: فَدَعا بتَورِ من ماءٍ، فتوضَّأَ لهم وضوءَ رسولِ اللَّهِ وَلِ
التمهید
فأكفأ علی یدیه من التَّوْرِ فغسل یدیه ثلاثًا ، ثم أدخل يده فى الثّورِ ، فتمضمض
واستنثَر من ثلاثٍ غُرفاتٍ ، ثم أدخَل يدَه فغسَل وجهَه ثلاثَ مرَّاتٍ ، ثم أُدخَل يدَه
فغسل يديه مرّتينِ مرّتين إلى المرفقين. ثم ذكّر مثلَ حديثٍ مالك(١) .
ورواه ابنُّ عُيينةً، عن عمرو بنٍ يحيى (٢) ، فأخطَأُ فيه فى موضعين ؛ أحدُهما ،
القبس أبی حسن المازنىُ جدُّ عمرو بنِ یحیی .
الوضوءُ(١) يكونُ فى خمسةِ أعضاءٍ؛ العضوُ(٤) الأُولُ: الكفَّانِ، وليس غَسلُهما
مشروعًا لنفسِه، وإنما هو للتأهُّبِ للوضوءِ به، قال النبيُّ وَلِّ: ((إذا استيقظ أحدُكم
مِن نَومِه فلا يَغْمِسْ يدَه فى الإِناءِ حتى يَغْسِلَها ثلاثًا فإنَّ أُحدَكم لا يدَرِى أين باتَتْ
يدُه)). فأمرَ بغسلها استظهارًا وقد كُنا نقولُ كما قال أحمدُ وإسحاقُ: إِنَّ غَسلَهما (٥)
واجبٌ . إلا أن النبىَّ وَّهِ أَعقَب الأمرَ الأُولَ فى الحديثِ بقوله: ((فإنَّ أحدكم لا
يَدرى أينَ باتَتْ يدُه)) . فعلَّلَ بالشَّكِّ، والشَّكُّ لا يُوجبُ حكمًا فى الدِّينِ، بيدَ أنه لمّا
واظَب عليها النبىُّ نَِّ فى جميعٍ وُضوئِه، وبدَأ بها فى كُلِّ حالةٍ من أحوالِهِ، عدَّها
العلماءُ مِن مجملةِ الوُضوءِ وحسَبُوها مِن مجملةِ الأعضاءِ؛ اقتداءً بفعلِ النبيِِّ وَلّ فيها ،
ومُحافظةً عليها حتى قال علماؤنا: لو أن رجلاً غسَل يَدَيه ووجْهَه ثم طرَّأٌ عليه
(١) بعده فى ص ١٧: ((ورواه عن عمرو بن يحيى جماعة كما رواه مالك سواءً)).
والحديث أخرجه البخارى (١٨٦) من طريق موسى بن إسماعيل به، وأخرجه البخارى (١٩٢)،
ومسلم (٢٣٥)، وابن حبان (١٠٧٧)، والبيهقى ١/ ٥٠، ٨٠ من طريق وهيب به.
(٢) سیأتی تخريجه ص ٣٦٢.
(٣) فى ج، م: ((والوضوء)).
(٤) سقط من: م.
(٥) فى ج، م: ((غسلها)).
(٦) فى ج، م: ((عرض)).
٣٥٨

الموطأ
أنَّه قال فيه: عن عبدِ اللَّهِ بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه. وهذا خطأً، وأَّما هو عبدُ اللَّهِ بنُ زيدِ التمهيد
ابنِ عاصمٍ، وقد نَسَبْناهما فى كتابٍ ((الصَّحابةِ))(١)، وأوضَحنا أمرَهما. وأمّا
عبدُ اللَّهِ بنُ زيدِ بنِ عبدِربِّه، فهو الذى أَرِىَ الأذانَ فى النومِ ، وليس هو الذى يَروِى
عنه يحتَى بنُ عُمارةَ هذا الحديثَ فى الوُضوُءِ وغيرِهِ . وعبدُ اللَّهِ بنُ زيدِ بنِ عاصمٍ
الحدَثُ فى أثناءِ الوضوءِ، ويجب عليه أن يبتدئَّ الوضوءَ. واستحُّوا له أن يعودَ إلى القبس
غَسلِ يدَيه ؛ لأنهما مِن جملَتِه .
العضو الثانى: الوَجهُ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ . واختلفَ
العلماءُ هل يتناولُ هذا الأمرُ باطِنَ الفَم والأنفِ أم لا ؟ فذهَب أحمدُ بنُ حنبل وإسحاقُ
وغيرُهما إلى ومجوبٍ ذلك، وقال عامةُ الفقهاءِ: لا يجبُ ذلك. لأن الأمرَ إنما يتناولُ
الظاهرَ دونَ الباطنِ، والعرَبُّ لا تُسمّى وَجهًا إلا ما وقَعت به المواجهةُ، ولكن النبىّ
وَلّ واظَب عليهما(١) بالمَضْمَضَةِ والاستنشاقِ ، فكان ذلك مأخوذًا مِن فعله، وقد
قال النبيُّ نَلِّ للأعرابيّ: ((توضَّأْ كما أمَرَك اللهُ تعالى))(١). فأحالَه على القرآنِ.
العضؤُ الثالثُ : الیدان، وقد ذكرهما اللهُ تعالى فى كتابه وحدَّهما بتحديدِه
فقال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. واختلفَ الناسُ فى دُخولِ المَرافقِ فى التَّحديدِ وأطالُوا فى
ذلك الكلامَ، وما فهِم أحدٌ مقطَعَ المسألة إلا القاضى أبو محمدٍ عبدُ الوهابِ() فإنه
قال: إن قولَه تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. حدٍّ للمتروكِ مِن اليدينِ لا للمغسولِ منهما.
(١) الاستيعاب ٣/ ٩١٢، ٩١٣.
(٢) فى ج: ((عليها)).
(٣) أخرجه أبو داود (٨٥٧، ٨٥٨)، والنسائى (١١٣٥)، وابن ماجه (٤٦٠) من حديث رفاعة بن رافع.
(٤) عبد الوهاب بن على بن نصر أبو محمد البغدادى، القاضى شيخ المالكية صنف فى المذهب
كتاب ((التلقين))، وشرح ((المدونة))، وغيرها، توفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء
٤٢٩/١٧، والديباج ٢٦/٢.
٣٥٩

الموطأ
التمهید
هو عم عبَّادِ بنِ تميم، وهو أكثرُ روايةً عن النبيِّ وَِّ من عبدِ اللَّهِ بنِ زيدِ بنِ عبدِ
ربّه. وقد كان أحمدُ بنُ زُهيرٍ (١) يزعُمُ أنَّ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ وهِمَ فيهما
فجعَلهما واحدًا ، فيما حكَى قاسمُ بنُ أصبغَ عنه ، والغلطُ لا يسلمُ منه أحدٌ ، وإذا
القبس وبذلك تدخُلُ المرافِقُ فى الغَسلِ .
العضوُ الرابعُ: الرأسُ، وهو رأسٌ فى مسائلِ الوضوء . اختلف العلماءُ فى تقديرٍ
مَسجِه على أحدَ عشَر قولًا؛ ثلاثةٌ لأبى حنيفةَ، وقولانٍ للشافعيِّ، وسنّةُ أقوالٍ
لعلمائِنا، والصحيحُ منها واحدٌ، وهو وجوبُ تَعميمِه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ كما(٢) قال:
﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. فوجَب غَسلُ الجميعِ بظاهرِ القرآنِ بذلكُ - قال:
﴿ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ فوجَب مسح جميعِ الرأسِ بظاهرِ القرآنِ أيضًا . فإن قيل:
فما فائدةُ دُخولِ الباءِ ههنا ؟
فعن ذلك جوابانٍ ؛ أحدُهما ، أنَّ نقولُ: فائدتُها هلهنا فائدتُها فى قولِه فى
التيهُمِ: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. فلو كان مُقتضاها
التبعيضُ لأفادَته فى ذلك الموضع ، وهذا قاطعٌ لهم فى كُلِّ جوابٍ يُحاوِلُونه .
الثانى ، أن أحدًا مِن المحقّقين لم يَخطُر بباله أن الباء للتبعيضِ ، لكن أفادت هلهنا فائدةً
بديعةً ، وهى أن الغَسلَ لغةً يقتَضِى مغسولًا به، والمسح لغةً لا يقتضى ممسوحًا به. فلو
قال : امسَحُوا رُءوسَكم. لم يُفِدْ ذلك ممسوحًا به، ولأجزا مسح اليد على الرأسِ
كذلك مطلقًا . فدخلت الباءُ لتُفيدَ معنىٌ متعلِّقًا به، وهو الممسوحُ به وهو الماءُ، فيكونُ
:
(١) أحمد بن زهير أبى خيثمة صاحب ((التاريخ الكبير)) الكثير الفائدة، كان ثقة عالما متفننا حافظا
بصيرا بأيام الناس، راوية للأدب، توفى سنة تسع وسبعين ومائتين. تاريخ بغداد ٤/ ١٦٢، وسير
أعلام النبلاء ٤٩٢/١١.
(٢) فى ج، م: ((ما)).
(٣) فى م: ((لذلك))، ومطموس فى ج.
(٤) فى ج، م: ((الموقع)).
٣٦٠