النص المفهرس

صفحات 141-160

الموطأ
التمهید
والطبرىُّ : مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها، أو فاتَته بأىِّ سبب كان، فيُصَلِّها بعدَ
الصبحِ، وبعدَ العصرِ، وعندَ الطلوع، وعندَ الاستواءِ، وعندَ الغروبِ،
وفى كلِّ وقتٍ ذكّرها فيه. وهو قولُ أكثرِ التابعين بالحجازِ واليمنِ
والعراقٍ .
وذكَّر عبدُ الرزاقٍ (١) ، عن الثورىِّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ، قال: صلَّها
حينَ تذكُرُها ، وإن كان ذلك فى وقتٍ تُكرَّهُ فيه الصلاةُ .
وحجتُهم قولُهُ وَّهِ: (( من أدرَك ركعةً من العصرِ قبلَ أن تغرب الشمسُ فقد
أدرَك العصرَ، ومَن أدرَك ركعةٌ من الصبحِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك
الصبحَ)) . فهذا الحديثُ يُبيخ الصلاةَ فى حينِ الطلوعِ والغروبِ لمَن ذكّر صلاةً
بعدَ نسيانٍ أو غفلةٍ أو تفريطٍ. ويُؤْيِّدُ هذا الظاهرَ أيضًا قولُه وَله: (( مَن نام عن
صلاةٍ أو نسِيّها، فلْيُصلِّها إذا ذكرَها)) (١). ولم يخُصَّ وقتًا من وقتٍ ، فذلك على
كلِّ(٣) وقتٍ لمن نام أو نسِىَ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبى أسامةَ، قال: حدَّثنا رَوُ بنُ
عُبادةَ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُّ أبى عَرُوبَة، عن قتادةَ ، عن خِلَاسٍ، عن أبى رافعٍ،
عن أبى هريرةَ، أنَّ النبيَّ وَ لِّ قال: ((مَن صلَّى من الصبح ركعةٌ قبلَ أن تطلُعَ
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٢٤٨).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢٤، ٢٥).
(٣) بعده فى م: ((حال)).
١٤١

الموطأ
التمهید
الشمسُ وطَلَعت، فلْيُصلِّ إليها أخرى)) (١). وهذا نصٌّ فى إبطالٍ قولٍ أبى حنيفةً
ومَن تابعَه .
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنِ عبدِ المؤمن ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرِ بنِ
داسَةً ، قال : حدَّثنا أبو داودَ ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ کثیرٍ، قال: حدَّثنا همام،
عن قتادةَ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، أن النبيَّ وَّ قال: (مَن نسِىَ صلاةً فلْيُصلِّها إذا
ذكَرها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك))(١).
ولا وجهَ لقولٍ مَن ادَّعى النسخَ فى هذا البابِ ؛ لأن النسخَ إنما يكونُ فیما
يتعارَضُ ويتضادُ، ولو جاز لقائل أن يقولَ: إِنَّ نهيَه عن الصلاةِ فى تلك الأوقاتِ
ناسخٌ لقوله: ((مَن أدرَك ركعةٌ من الصبح قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك
الصبح، ومَن أدرَك ركعةٌ من العصرِ قبلَ أن تغرب الشمسُ فقد أدرَك العصرَ )).
وناسخٌ لقوله: «مَن نام عن صلاة أو نسِیھا ، فليُصلِّها إذا ذكرها )) . ولا يأتى على
ذلك بدليلٍ لا مُعارِضَ له - لجاز لقائل أن يقولَ: إن هذين الحديثينِ قد نَسَخا (١)
نهيَه عن الصلاةِ فى تلك الأوقاتِ . وهذا لا يجوزُ لأحدٍ أن يدَّعىَ النسخَ فيما
ثبت بالإجماع، وبدلیل لا معارض له، فلهذا صحَّ قولُ مَن قال: إن النھیَ إنما
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٢٤/١٦ (١٠٣٣٩)، والبيهقى ٣٧٩/١ من طريق روح به، وأخرجه أحمد
١٥٠/١٢، ٢٢٤/١٦، ٢٢٥ (٧٢١٦، ١٠٣٣٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٩٩/١ من
طريق سعيد به .
(٢) أبو داود (٤٤٢). وأخرجه أحمد ٣٣٨/٢١ (١٣٨٤٨)، والبخارى (٥٩٧)، ومسلم (٣١٤)
من طريق همام به .
(٣) فى س: ((نسخهما)).
١٤٢

الموطأ
التمهيد
ورَد فى النوافلِ دونَ الفرائضِ. ليصحَّ استعمالُ الآثارِ كلِّها ، ولا يُدفَعَ بعضُها
ببعض وقد أمكن استعمالُها. ألا ترَى أنه وَلَّه لو قال فى مجلسٍ واحدٍ: لا صلاةَ
بعدَ العصرِ، ولا بعدَ الصبحِ، ولا عندَ طلوع الشمسٍ وعند استوائها وغروبها ،
إلا من نسیَ صلاةً وجبت عليه، أو نام عنها ، ثم فزِع إليها . لم يكن فى هذا
الكلامِ تناقضٌ ولا تعارضٌ، وكذلك هو إذا ورَد هذا اللفظُ فى حديثين ، لا فرقَ
بینه وبین أن یردّ فی حدیثٍ واحدٍ ، ولا فرق أن یکون ذلك فی وقتٍ أو فی
وقتيٍ. فمَن حمَل قولَه وَله: ((مَن أَدرَك ركعةً من العصرِ أو الصبحِ قبلَ الطلوعِ
أو الغروبٍ، فقد أدرَك)). على الفرائضِ، ورَّبه على ذلك، وجعَل نَهيَه عن
الصلواتِ فى تلك الأوقاتِ مُرتَبًا على النوافلِ - فقد استعمَل جميعَ الآثارِ
والسننٍ، ولم يُنسَبْ إليه أنه ردَّ سنةً من سُننِ رسولِ اللهِ وَ له. وعلى هذا التأويلِ
فى هذه الآثارِ عامَّةُ علماءِ الحجازِ وفقهائِهم وجميعُ أهلِ الأثرِ . وهذا أصلٌ عظيمٌ
جسيمٌ فى ترتيبٍ السننِ والآثارِ ، فتدبَّرْه، وقِفْ عليه، ورُدَّ كلّ ما يرِدُ عليك من
بابه إليه .
ومن قبيحٍ غَطِهِم فى ادِعائِهم النسخَ فى هذا البابِ ، أنهم أجازوا لمن غفَل أو
نام عن عصرٍ يومِه أن يُصلِّيّها فى الوقتِ المنهىِّ عنه، فلم يقُودُوا(١) أصلَهم فى
النسخٍ ، ولا فرقَ بينَ عصرٍ يومِه وغيرِ يومِه فى نظرٍ ولا أثرٍ، ولو صحّ النسخُ دخَل
فيه عصرُ يومِه وغيرِ يومِه . وفى قولهم هذا إقرارٌ منهم بالخصوصِ فى أحاديثٍ
النهي، والخصوصُ أن يُقتصَرَ بها على التطوع دونَ ما عدَاه من الصلواتِ
القبس
(١) فى ك ١: ((يعودوا)).
١٤٣

الموطأ
المنسيَّاتِ المكتوباتِ. هذا قولُ مالكِ وأصحابِهِ، وزاد الشافعىُّ وأصحابُه
المسئُوناتِ .
التمهيد
وأما قولُهم: إن رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَخَّر الفائتةَ حينَ انتبَه عندَ طلوعِ الشمسِ.
فليس كما ظنُّوا؛ لأنّا قد روَينا أنهم لم ينتَبِهُوا يومَئذٍ إلا بحرِّ الشمسِ، والشمسُ
لا تكونُ لها حرارةٌ إلا فى وقتٍ تحِلُّ فيه الصلاةُ إن شاء اللهُ .
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةُ ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا
حمادُ بن سلمةَ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن نافعٍ بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، أن
رسولَ اللهِ وَلَّ كان فى سفرٍ فقال: ((مَن يكلَؤُنا الليلةَ لا نرقُدُ عن صلاةٍ
الفجرِ؟)). فقال بلالٌ: أنا . فاستقبَل مطلِعَ الشمسِ، فضُرِب على آذانهم حتى
أيقظَهم حرّ الشمسِ، ثم قاموا، فقادُوا رِكابَهم فتوضَّئُوا، ثم أَذَّنَ بلالٌ، ثم
صلَّوا ركعتي الفجرِ، ثم صلَّوا الفجرَ(١).
وسنذكُرُ أحاديثَ النومِ عن الصلاةِ فى بابِ مُرسلٍ زيدِ بنِ
أسلمَ ، وبابِ ابنِ شهابٍ، عن ابنِ المُسيَّبِ() إن شاء اللهُ، ونذكر
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣١١/٢٧ (١٦٧٤٦)، وأبو يعلى (٧٤١٠) من طريق عفان به، وأخرجه أحمد
٣١١/٢٧ (١٦٧٤٦)، والنسائى (٦٢٣) من طريق حماد بن سلمة به .
(٢) سيأتى ص ٢٩٩ وما بعدها .
(٣) سيأتى ص ٢٣٤ وما بعدها .
١٤٤

الموطأ
٥ - [٢ظـ] حدّثنی عن مالكِ، عن نافعٍ مَوْلَى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أَنَّ
عمرَ بنَّ الخطّابِ كَتَبَ إلى عُمَّالِهِ: إِنَّ أهَمّ أمورٍ كم عندى الصلاةُ ، فمَن
حَفِظَها وحَافَظَ عليها حَفِظَ دينَه ، ومَن ضَيَّعَهَا فهو لما سِواها أضْيَغُ . ثم
كَتَب، أن صَلُّوا الظُّهْرَ إذا كانَ الفىءُ ذِرَاعًا إلى أن يكونَ ظِلُّ أحدِكُم
مثلَه، والعَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ، قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ
التمهيد
أحاديثَ النَّهى عن الصلاةِ عندَ طلوع الشمسِ وعندَ (١) غروبِها
"واستوائِها،َ فى بابٍ زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن
الصُّنابِحِىُِّ ، ونُبيِّنُ معناها عندَ العلماءِ. ونذكُرُ حديثَ نَهيِه عن الصلاةِ
بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ فى بابِ محمدِ بن يحيى بنِ حَبَّانَ(٤) . ونُوردُ فى كلِّ
بابٍ من هذه الأبوابِ ما للعلماءِ فى ذلك من المذاهبِ والتّازُعِ إن شاء اللهُ .
الاستذكار
مالك ، عن نافع مولی عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطابٍ کتب إلی
عُمَّالِهِ : إنَّ أهمّ أمورٍ كم عندى الصلاةُ ، فمَن حفِظها وحافظ عليها حفِظ دينه ،
ومَن ضيَّعها فهو لما سواها أضيغُ. ثم كتَب ، أن صلُّوا الظهرَ إذا كان الفَىْءُ ذِراعًا
القبس
تأصيلٌ : نبّه مالكٌ رحمةُ اللهِ عليه بحديثٍ عُمرَ رضِى اللهُ عنه على أصلٍ كبيرٍ مِن
أُصولِ الفقهِ؛ وهو سُكوتُ باقِى القومِ على قولِ بعضِهم فإنه يكونُ إجماعًا؛ لأنَّ عُمرَ
(١) فى ك ١: ((قبل)).
(٢ - ٢) سقط من : ك١، س.
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (٥١٤) من الموطأ .
(٤) سيأتى فى الموطأ (٥١٨).
١٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٠/٢)

الموطأ
فَرْسَخَيْنٍ أو ثَلاثةٌ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، والمَغْرِبَ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ،
والعِشَاءَ إذا غابَ الشَّفَقُ إلى ثُلُثِ الليلِ، فمَن نام فلا نَامَتْ عَيْنُه، فمَن
نام فلا نَامَتْ عَيْنُه، فمَن نام فلا نامَتْ عَيْتُه، والصُّبْحَ والنُّجُومُ بَادِيَةٌ
مُشْتَبِكَةٌ .
إلى أن يكونَ ظِلُّ أحدِ كم مثلَه، والعصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيةٌ، قدر ما یسیرُ
الاستذ کار
الراكبُ فَوْسَخَين أو ثلاثةً قبلَ غروبِ الشمسِ، والمغربَ إذا غربت الشمسُ،
والعِشاءَ إذا غابَ الشفقُ إلى ثُلُثِ الليلِ، فمَن نام فلا نامَت عينُه - ثلاثًا -
والصبحَ والنجومُ باديةٌ مُشْتَبِكةٌ(١).
رضِى اللهُ عنه كتَب بكتابِه إلى الأمصارِ فما اعترَضه أحدٌ .
القبس
توصيلٌ: ونّه به أيضًا على أصلٍ آخرَ مِن أصول الفقهِ؛ وهو اتِّصالُ عمَلِ الخلفاءِ
بحديثِ النبيِّ وَّهِ، فَتَقْوَى النّفْسُ به، أو يأخذُ أحاديثَه فيترجّحُ على غيرِهِ، فلم نجدْ
هلهنا فى هذا الباب لأبی بکر کلامًا، فأردفه كلام ◌ُمرَ رضِى اللهُ عنه، ووجد فی
الزكاةِ كلامَ أبى بكرٍ وعُمرَ رضِى اللهُ عنهما، فَأَرْدَف كلامَ النبيِّ وَلِّ بهما.
تقديرٌ(١) : ذكّر عمرُ بنُ الخطّابِ رضِى اللهُ عنه فى كتابه : أن صَلُّوا الظهرَ إذا كان
الفَىُ ذِراعًا. والمُصَلُّونَ على قِسْمين؛ واحدٌ ، وجماعةٌ؛ فأما الواحدُ فأوَّلُ الوقتِ له
أفضَلُ ، بلا خلافٍ بينَ المالكية والشافعيةِ. نعَم وقبلَ النفْلِ ، فإن أرادَ أن يتنفَّلَ فبعدَ أن
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٦). وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٨، ٢١٤٢)، والطحاوى فى شرح
المعانى ١٩٣/١، والبيهقى ٤٤٥/١ من طريق مالك به.
(٢) فى م: ((تقرير)).
١٤٦

الموطأ
الاستذكار
هكذا روَى مالكٌ، عن نافع، أنَّ عمَر بنَ الخطابِ كتَب إلى عُمَّالِه ، ورواه
عبيدُ اللهِ بنُّ عمرَ ، عن نافع، عن صَفيَّةَ بنتِ أبى عُبيدٍ ، أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كتَب
إلى عُمَّالِهِ. فذكَر مثلَه بمعناه. وفى حديثٍ غيرِ هذا: ما كان عليه من الاهتبالِ (١)
بأمورٍ المسلمين؛ إذْ ولَّه الله أمرَهم .
وإنما خاطَب العمَّالَ؛ لأنَّ الناسَ تَبَعْ لهم، كما جاء فى المثَلِ : النَّاسُ على
دينِ الملِكِ (١) . ورُوِىَ عن النبيِّ عليه السلام أنه قال: ((صِنفانٍ من أمّتى إذا صلَحا
صلَح الناسُ؛ هم الأمراءُ والعلماءُ))(١) . ومَن استَرعاه اللهُ رعيَّةً لزِمه أن يحوطَها
بالنصيحةِ ، ولا نصيحةَ تُقَدَّمُ على النصيحةِ فى الدينِ لمن لا صلاةً له، ولا دينَ
لمن لا صلاةً له. رُوِى عن النبيّ عليه السلام أنه قال: «مَن اسْتَرعاه اللهُ رَعِیةً فلم
يَخُطْها بالنصيحةٍ لم يَرَحْ رائحةَ الجنةِ)) (٤). وكان عمرُ لرعيَّتِه كالأب
الحَدِبِ(٥)؛ لأنه كان يَعْلمُ أن كلَّ راع مسئولٌ عن رَعيَتِه.
القبس
يُؤدِّىَ الفرضَ. وقد وَهِم فى ذلك بعضُ المالكيةِ، وبيَّنَاه فى مَوْضِعه . وأما الجماعةُ
فأوَّلُ الوقتِ أفضلُ لها بلا خلافٍ ، إلا أنَّه لما کان تألُّفُهم لا يُمكِنُ فی أوَّلِ الوقتِ ؛ لأنه
يأتى فى غَفْلَةٍ ، فإلى أن يتأهَّبَ له الناسُ تَضِى منه بُرْهَةٌ ، فقدَّره لهم عُمرُ بربُعِ القامةِ؛
(١) الاهتبال : أى الاشتغال بأمور المسلمين ومصالحهم، وعن ابن الأعرابى: اهْتَبِلْ هَبْلَك: أى
اشتغل بشأنك. ينظر اللسان (هـ ب ل).
(٢) مجمع الأمثال ٤١٧/٣، وينظر كشف الخفاء ٢/ ٣١١.
(٣) أخرجه تمام فى فوائده (٩٠١ - روض)، وأبو نعيم في الحلية ٩٦/٤، والمصنف فى جامع بيان
العلم (١١٠٩)، من حديث ابن عباس. وينظر السلسلة الضعيفة (١٦).
(٤) أخرجه البخارى (٧١٥٠، ٧١٥١)، ومسلم (١٤٢) من حديث معقل بن يسار.
(٥) الحَدِبُ : أى العطوف الشفوق الحنون. ينظر اللسان (ح د ب، ح ن ن).
١٤٧

الموطأ
الاستذكار
وأما قولُه : حفِظها. فحِفْظُها عِلْمُ ما لا تتمُّ إلا به؛ مِن وُضوئِها وسائرِ
أحكامها .
وأما قولُه: وحافظ عليها. فيَحتمِلُ المحافظةَ على أوقاتِها، والبِدارَ والمسابقةً
إليها . والمحافظةُ إنما تكونُ على ما أُمِرِ به العبدُ مِن أداءٍ فريضةٍ ، ولا تكونُ إلا فى
ذلك أو فى معناه ؛ مِن فعل ما أُمِر به العبدُ ، أو تَزْكِ ما نُهِى عنه. ومن هنا لا يَضْلُحُ
أن تكونَ المحافظةُ مِن صفاتِ البارِىُّ، ولا يجوزُ أن يقالَ: مُحافظٌ . ومن صفاتِهِ
حفيظٌ وحافظٌ ، جلَّ وتعالى علوًّا كبيرًا .
مَصْلَحةً لهم وحِرصًا منه(١) على اجتماعِهم على هذه الشَّعِيرةِ ) . وفى هذا إثباتُ
القبس
المقدَّراتِ بالقياسِ ردًّا على أهلِ العراقِ .
وبهذا يَتَبِيَّنُ أَنَّ فَضْلَ الجماعةِ أفضلُ مِن فضلٍ أوَّلِ الوقتِ ، والدليلُ عليه
الحاسِمُ للإِشْكالِ؛ أنه لو أن أهلَ بلدٍ أَنَّفَقوا على تَوْكِ الجماعةِ قُوتِلوا ، ولو اتَّفَقوا على
تَزْكٍ أوَّلِ الوقتِ لم يُلامُوا، ومِن الرَّفْقِ بهم أن قدَّر " لهم وقتَ العصرِ ببياضٍ
الشَّمسِ؛ لأن تقديرَه بظلِّ الشخصِ بمثله لا يُمكِنُ إلا لمن حَصَّلَه أوَّلَ الزوالِ، ولمّا
کان إهمالُه عند الخلق - لگثرة اشغالهم - أُکثر مِن تحصیلہ ، عدل بهم إلى البياضِ ؛
لأنه دَليلُه وأقرَبُ فى التحصيلِ منه، وحدَّدُ فى المغْربِ وقتًا واحدًا، وثبت عن
(١) سقط من: م، وفى د: ((بهذا منه)).
(٢) فى ج: ((الشريعة)).
(٣) فى ج: ((بين)).
(٤ - ٤) فى د: ((الله لهم)).
(٥) فى ج، م: ((حده)).
١٤٨
١

الموطأ
الاستذكار
وأما قولُه : أن صلُّوا الظهرَ إذا كان الفَيْءُ ذراعًا. فإِنَّه أراد فىءَ الإنسانِ ، أَن
يكونَ ذراعًا زائدًا على القَدْرِ الذى تَزولُ عليه الشمسُ صيفًا وشتاءً، وذلك رُبُعُ
قامةٍ. ولو کان القائمُ ذِراعًا لکان مرادُ عمرَ مِن ذلك رُبُعَ ذِراعٍ ، ومعناه، على ما
قدَّمناه، لمساجدِ الجماعاتِ؛ لما يَلحَقُ الناسَ من الاشتغالِ، ولاختلافٍ
أحوالهم ؛ فمنهم الخفیفُ والثّقیلُ فی حر کاتِه . وقد مضی فی حدیثِ ابنِ شهاب
فى أولِ الكتابِ مِن معانى الأوقاتِ ما يُغْنِى عن القولِ هلهنا فى شىءٍ منها.
ودخولُ الشمسِ صُفْرةٌ مَعْلومةٌ فى الأرضِ تستغنى عن التفسيرِ .
٠
والفَرْسُ ثلاثةُ أميالٍ، واختُلف فى الميلِ، وأُصحُ ما قيل فيه: ثلاثةُ آلافٍ
القبس
النبيِّ وَِّ أَنَّهما) إلى مَغِيبِ الشَّفَقِ فى وَقْتٍ. وصارَت المغْرِبُ ما بينَ الشَّفَقِ
والغروبٍ(١) كالصَّبْحِ ما بينَ الفَجْرِ والطُّلُوعِ، إلا أنَّ المبادرةَ بها أفضَلُ، وتَزِيدُ على
سائرِ الصَلَواتِ فى ذلك بأن وقتَها يدخُلُ على ذِكْرَى مِن الخُلْقِ وفراغٍ مِن أعمالِهم،
فلا وَجْهَ لتأخيرِها ، وقد رُوِى عن مالكِ أن وقتها عندَ غروبِ الشَّمسِ واحدٌ .
ولا ینبغی ان يلتفت إليه؛ لأن ((الموطّا)) رواه عنه (+ خلق کثیڑ" ، و کتبه بيده،
وأقرَأَه عُمُرَه(٥) لِمن روَى عنه هذا الذى فيه مِن أنّ المغرِبَ لها وقتانٍ، ولِمن روَى
خِلافَه، فلا يصِحُ أن يُترَكَ هذا الخبرُ المتواتِرُ لذلك الخبرِ الواحدِ المظنونِ .
(١) تقدم ص ٦٣ وما بعدها .
(٢) فى م: ((أنها)). وينظر عارضة الأحوذى ٢٧٤/١، ٢٧٥، وشرح السنة للبغوى ١٨٦/٢.
(٣) فى ج، م: ((المغرب)).
(٤ - ٤) فى ج: ((الخلق)).
(٥) بعده فى ج: (( و)).
(٦) سقط من: ج.
١٤٩

٦ - حدّثنى عن مالك، عن عَمِّهِ أبى سُهَيْلٍ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ
الموطأ.
الخطابِ كَتَبَ إلى أبى موسى: أن صَلِّ الظَّهْرَ إِذا زَاغَتِ الشَّمْسُ، والعَصْرَ
ذراعٍ وخمشمائةٍ ذراع. وهذا كلُّه مِن عمرَ على التقريبٍ ، وليس فى شىءٍ مِن
الاستذكار
ذلك تحديدٌ، ولكنَّه يَدُلَّ على سَعةِ الوقتِ. و ما قدَّمنا فى الأوقاتِ يُغْنِى.
والحمدُ للهِ .
وأما قولُه: وأَخِرِ العِشاءَ ما لم تَنَمْ . فكلامٌ ليس على ظاهرِه، ومعناه النهىُ
عن النومٍ قبلَها؛ لأنه قد ثبت النهى عن النومِ قَبْلَها، واشتُهِر عندَ العلماءِ شُهْرةً
تُوجِبُ القطعَ أنَّ عمرَ لا يَجهلُ ذلك. ومَن تأوَّلَ على عمرَ إباحةَ النومِ قبلَ
العِشاءِ فقد جهِل ، ويدُلَّك على ذلك دعاؤُه على مَن نام قبلَ أن يُصَلِّىَ العشاء وألّ
تنامَ عينُه، فكّر ذلك ثلاثًا مُؤكِّدًا .
وأما الصبحُ فقدْ قدَّمنا أنه كان من مذهبِه ومذهبٍ أبى بكرٍ التغليسُ
بالصبحِ، ويَشهدُ لذلك قولُه : والنجومُ باديةٌ مُشتبِكةٌ . وهذا على إيضاحِ الفجرِ
لا على الشكُّ فيه؛ لإجماع المسلمين على أنَّ مَن صلَّى وهو شاكَّ فى الفجرِ فلا
صلاةً له .
وأما تأويلُ أصحابِنا فى حديثٍ عمرَ هذا إلى عمَّالِه أنه أراد مساجدَ
الجماعاتِ؛ فلحديثِ مالكِ، عن عمِّه أبى سُهَيلِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، أنَّ
عمرَ بنَ الخطابِ كتَب إلى أبى موسى الأشعرىِّ: أن صلِّ الظهرَ إذا
القبس
مزيدُ إيضاحٍ: لما كتب عمرُ بنُ الخطابِ إلى العمالِ فى إقامة الصلواتِ بالناسِ
جماعةً، قدَّر لهم رُبعَ القامةِ ، ولما كتَب إلى أبى مُوسَى الأشعرىِّ فى خاصَّتِه، قال له :
١٥٠

الموطأ
والشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قبلَ أنْ يَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ ، والمغرِبَ إذا غَرَبَتِ الشمسُ ،
وَأَخِرِ العشاءَ مَا لَمْ تَنَمْ . وصَلِّ الصُّبْعَ والنُُّجُومُ بَادِيَّةٌ مُشْتَبِكَةٌ . واقْرَأْ فِيهَا
بِشُورَتَيْن طَوِيَلْتَيْنِ مِنَ المُفَصَّلِ .
زاغتِ الشمسُ) . فهذا على المنفردِ لئلّا يَتَضادَّ خبره، أو يكونُ على الاستذكار
الإعلامِ بأولِ الوقتِ ليُعلِمَ بذلك رعيَّتَه.
وأهلُ العلم لا يَرَون النومَ قبلَ العِشاءِ ولا الحديثَ بعدَها، وقد رخّص فيه
قومٌ، وسيأتى هذا المعنى مجوَّدًا فى موضعِه إن شاء اللهُ .
القبس
صلِّ الظهرَ إذا زاغَتِ الشمسُ.
تنبية: لما رأَى مالكٌ رحِمه اللهُ أن حديثَ جبريلَ فى تقديرِ الأوقاتِ بالظلِّ لم
يَصِحَّ، أدخَل حديثَ أبى مسعودٍ(٢) المجملَ(٢) فى قولِه: فصَلَّى، فصَلَّى رسولُ
اللهِ وَلِّ. ثم أدخَلَ حديثَ أبى هريرةَ فى الظلِّ المفسّرِ؛ قال: أنا - لَعَمْرُ اللهِ -
أُخْبِرُكَ؛ صَلِّ الظهرَ إِذا كان ظِلُّكَ مِثلَكَ، والعضْرَ إِذا كان ظِلَّكَ مثلَيْكَ. وغاص"
ذلك الحَّرُ - وهو البخارىُّ - على هذه النَّكْتَةِ فقلبها) ، فصار يُترجمُ بما لم يَصِحّ
عندَه، ويُعقِبُه بتفسيرِ الصَّحيحِ .
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٧). وأخرجه محمد بن الحسن فى الحجة ٧/١، وعبد الرزاق
(٢٠٣٦)، والبيهقى ٣٧٠/١ من طريق مالك به.
(٢) فى ج: ((موسى))، وتقدم فى الموطأ (١).
(٣) سقط من: ج، وفى م: ((المحتمل)).
(٤) غاص على الأمر: علمه. التاج (غ وص).
(٥) فى ج: ((فقبلها)).
١٥١

الموطأ
الاستذكار
وقد ذكّر الساجى أبو يحيى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الشَّهِيدىُّ،
قال: حدثنا خفْصٌ، عن أشعث ، عن گُزدوس، قال : خرج ابنُ مسعودٍ وأبو
مسعودٍ وحذيفةُ وأبو موسى من عندِ الوليدِ وقد تحدَّثوا ليلًا طويلًا ، فجاءوا إلى
سُرَّةِ المسجدِ (١) فتحدَّثوا حتَّى طلَع الفجرُ.
قال أبو عمرَ: هذا معناه عندى أن تكونَ ضرورةٌ دَعَتْهم إلى هذا فى حين
شكوى أهلِ الكوفةِ بالوليدِ بنِ عقبةً، وابتداءِ طَعْنِهم على عثمانَ. وقد جاءَ فى
الحديثِ: ((لا سَعَرَ بعدَ العِشاءِ إلا ◌ُصَلِّ أو مسافرٍ أو دارسٍ علم)) (٢).
وما كان فى معنى هذه الثلاثةٍ ممّا لابدَّ منه فله حكمُها ، والأصلُ فى هذا
حديثُ أبى المنهالِ سيَّرِ بنِ سلامةً عن أبى بَرْزَةَ الأَسْلَميِّ، قال: كان رسولُ اللهِ
وَ لَّه يُؤْخِّرُ العِشاء التى تَدْعُونها العَتَمَةَ، ويَكْرَهُ النومَ قبلَها والحديثَ بعدَها .
رواه عن أبى المنهالِ شعبةُ وعوفٌ وغيرهما (٣).
ومِن هذا البابِ قولُ حذيفةً: جدَب(٤) لنا عمرُ السمَرَ بعدَ العَتَمَةِ. يعنى عابَه
القبس
(١) أى وسطه؛ مأخوذة من سرة الإنسان. ينظر النهاية ٢/ ٣٦٠.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٩٠، ٣٣/٧، ٢٧٧، ٤٢٥ (٣٦٠٣، ٣٩١٧، ٤٢٤٤، ٤٤١٩)، وأبو
يعلى (٥٣٧٨)، والطبرانى (١٠٥١٩) من حديث ابن مسعود، وليس عندهم: ((أو دارس
علم)) .
(٣) أخرجه البخارى (٥٤١)، ومسلم (٦٤٧) من طريق شعبة به، وأخرجه البخارى (٥٤٧) من
طريق عوف به، وأخرجه أحمد ٣٥/٣٣ (١٩٧٩٢) من طريق إبراهيم بن طهمان به، وأخرجه ابن
خزيمة (١٣٣٩) من طريق خالد الحذاء به .
(٤) فى ص: ((حدث)).
١٥٢

٧ - حدثنى يحيى، عن مالكِ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ، أن الموطأ
عمرَ بنَ الخطابِ كَتَبَ إلى أبى موسى الأشعرىِّ: [٣و] أن صَلِّ العصرَ
والشمسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلَاثَةً فَرَاسِخَ ، وأَن صَلِّ العِشَاءِ ما
بَيْنَك ويَيْنَ ثُلُثِ الليلِ، فَإِنْ أَخَّرْتَ فإلى شَطْرِ الليلِ، ولا تَكَنْ مِنَ الغَافِلِينَ.
الاستذكار
علينا، كذلك شرَحه أبو عُبيدٍ (١) وغيرُه. وعن عمرَ أيضًا فيه حديثٌ آخرُ: أنه
كان يقولُ لهم إذا صلَّى العَتَمَةَ: انصرِفوا إلى بيوتِكم. ذكره أبو عُبيدٍ أيضًا(٣).
وسائرُ ما فى حديث أبى سهيلٍ هو فى حديثٍ نافعٍ، وحديثُ نافع أُمُّ ، وقد
مضَى فيه القولُ. وأمرُه لأبى موسى بأن يَقْرَأْ فى الصّبح سُورتَين طويلتين مِن
المفَصَّلِ، على الاختيارِ لا على الوجوبِ. ولا واجبٌ فى القراءةِ غيرُ فاتحةٍ
الكتابِ ، وغيرُ ذلك مسنونٌ مُستَحبٌّ .
وفى حديث هشامٍ بن ١ مُروةَ، عن أبيه، عن عمرَ فى ذلك قولُه: (أأن صلِّ
العِشاءَ ما بينك وبينَ ثُلُثِ الليلِ" ، فإن أخّرَتَ فإلى شَطْرِ الليلِ، ولا تكنْ مِن الغافلين(١).
وقد مضَى فى آخِر الوقتِ المختارِ من الأحاديثِ المسندةِ ثُلُثُ الليلِ ونصفُ
الليلِ، وعلى ذلك اختلافُ العلماءِ الذى ذكرنا. فمَن ذهَب إلى ثُلُثِ الليلِ تأوَّل
قولَه : ولا تكنْ من الغافلين، فتؤْخِّرَها إلى شَطْرِ الليلِ. ومَن ذهَب إلى أن آخرَ
القبس
(١) غريب الحديث ٣٠٨/٣.
(٢) المصدر السابق ٣٠٩/٣.
(٣) فى ص: ((عن)).
(٤ - ٤) فى ص: ((وصل العشاء ما بين ثلث الليل)). وينظر الموطأ .
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب (٨). وأخرجه البيهقى ٤٤٥/١ من طريق مالك به .
١٥٣

الموطأ ٨ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن یزیدَ بنِ زیادٍ ، عن عبدِاللهِ بنِ
رافعٍ مَوْلَى أُمّ سلمةَ زَوْجِ النبيِّ وَّهِ، أنه سألَ أبا هريرةَ عن وقتِ الصَّلاةِ
فقال أبو هريرةَ: أنا أُخِزَكَ؛ صَلِّ الظهرَ إذا كانَ ظِلُّكَ مِثْلَك، والعصرَ إِذا
كان ظِلُّكَ مِثْلَيك، والمغربَ إِذا غَرَبَتِ الشمسُ، والعشاءَ ما بينك وبينَ
ثُلُثِ الليلِ ، وصَلِّ الصُّبْحَ بِغَبَشِ. يعنِى الغَلَسَ.
الاستذ کار
وقتها المختارِ نصفُ الليلِ تأوَّل: ولا تكنْ من الغافلين، فتؤخِّرَها بعدَ شَطرِ الليل أو
إلى أن يخرُجَ وقتُها . ولعلَّه ذهَب إلى أن آخرَ وقتها الذى صلاها فيه رسولُ اللهِ
شَطُ الليلِ ، وأَنَّ ما بعدَ ذلك فَوْتٌ ؛ لقولِه عليه السلامُ: ((ما بينَ هذين وقتٌ)).
ولستُ أقولُ : إِنَّ مَن صلَّاها قبلَ الفجرِ صلَّاها قاضيًا بعدَ خروجٍ وقتها .
الدلائلَ ؛ منها حديثُ أبي قتادةَ (١): ((إنما التفريطُ على مَن لم يُصَلِّ الصلاةَ حتَّى
يَدخلَ وقتُ الأُخرى)) (٢). ولأنها لو فاتَت بانقضاءٍ شَطْرِ الليلِ ما لَزِمَت الحائضَ
تَظْهُرُ، والمُغَمَى عليه يُفِيقُ ، إذا أدرَكًا من وقتِها ركعةٌ قبلَ الفجرِ، كما لا تَلْزَمُهما
بعدَ الفجرِ ولا الصبحُ بعدَ طلوعِ الشمسِ .
التمهید
مالكٌ، عن يزيدَ بنِ زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رافع مولى أمِّ سلمةَ زوجٍ
النبيِّ وَِّ، أنه سأل أبا هريرةَ عن وقتِ الصلاةِ، فقال أبو هريرةَ: أنا أُخبرُك؛
صلِّ الظهرَ إِذا كان ظِلُّك مثلَك، والعصرَ إذا كان ظِلُّك مِثْلَيَك، والمغربَ إِذا
غرَبتِ الشمسُ، والعشاءَ ما بينك وبين ثلثِ الليلِ، فإن نمتَ إلى نصفِ الليلِ فلا
القبس
(١) فى ص: ((هريرة))، والمثبت مما تقدم فى ص ٦٨، ٦٩.
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٨، ٦٩ .
١٥٤

الموطأ
التمهيد
نامت عينُك، وصلِّ الصبحَ بِغَشٍ. يعنى الغَلَسَ (١).
هذا حديثٌ موقوفٌ فى ((الموطأُ)) عندَ جماعةِ رواتِه، والمواقيتُ لا تؤخذُ
بالرأي، ولا تدركُ إلا بالتوقيفٍ ، وقد رُوِى عن أبى هريرةَ حديثُ المواقيتِ
مرفوعًا بأنّمَّ من حديثٍ يزيدَ هذا؛ إلا أنَّه إنما اقتَصر فيه على ذكرٍ أواخرِ الأوقاتِ
المستحبةِ دونَ أوائلِها، وجعَل للمغربِ وقتًا واحدًا، وقد روى عن أبى هريرةَ
مرفوعًا كاملًا بذكرِ أوائلِ الأوقاتِ وأواخرِها .
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
شعيبٍ، أخبرنا الحسينُ بنُ حرَيْثٍ (أبو عمارٍ) ، أخبرنا الفضلُ بنُ موسى ، عن
محمدٍ بنٍ عمرٍو، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ إِ:
(( هذا جبريلُ جاءكم يعلِّمُكم دينكم)). فصلَّى الصبحَ حينَ طَلَع الفجرُ، وصلَّى
الظهرَ حينَ زاغتِ الشمسُ، ثم صلَّى العصرَ حينَ رأى الظلَّ مثلَه، ثم صلَّى
المغربَ حينَ غرَبتِ الشمسُ وحلَّ فطرُ الصائم، ثم صلَّى العشاءَ حينَ ذهَب
شفقُ الليلِ، ثم جاء الغداةَ ، فصلَّى الصبحَ حينَ أَسفَر قليلًا ، ثم صلَّى الظهرَ حينَ
كان الظلّ مثلَه، ثم صلَّى العصرَ حينَ كان الظلُّ مِثْلَيْه، ثم صلَّى المغربَ لوقتٍ
واحدٍ حينَ غَرَبتِ الشمسُ وحلَّ فطرُ الصائم، ثم صلَّى العشاءَ حينَ ذهَب ساعةٌ
من الليلِ، ثم قال: ((الصلاةُ ما بينَ صلاتِك أمسٍ وصلاتِك اليومَ))(١).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١)، وبرواية أبى مصعب (١٠). وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٤١)
عن مالك به .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، وفى م: ((عثمان)).
(٣) النسائى (٥٠١)، وفى الكبرى (١٤٩٣). وأخرجه الدارقطنى ٢٦١/١ من طريق الحسين بن
حريث به. وتقدم ص ٧٩، ٨٠ من طريق أخرى عن الفضل بن موسى به .
١٥٥

الموطأ
٩ - حدَّثنى يحيى ، عن مالك ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبی
طلحةً، عن أنسٍ بنِ مالكِ ، أنه قال: كُنَّا نُصَلِّى العصرَ، ثم يَخْرُجُ
الإِنسانُ إلى بَنِى عمرو بنِ عَوْفٍ، فيجِدُهم يُصَلُّونَ العَصْرَ .
التمهید
هذا حديثٌ مسنَدٌ ثابتٌ صحيحٌ لا مطعنَ فيه لأحدٍ من أهلِ العلم
بالحديثِ، وفيه صلاةُ جبريلَ بالنبيِّ وَلَه لوقتَيْنْ كلَّ صلاةٍ، وأنه جعَل للوقتِ
أولًا وآخرًا إلا المغربَ. وقد ذكّرنا مذاهِبَ العلماءِ فى أوقات الصلوات، وذكرنا
اختلافَ الآثارِ فى ذلك، وأوضَحنا وجوهَها، ونزوعَ أهلِ العلم منها لما أوجبُوه
من ذلك وما استحُّوه ، ممهَّدًا مبسوطًا فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ ، من هذا
الكتاب(١) . والحمدُ للَّهِ.
مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبى طَلحةَ، عن أنسٍ بنِ مالكِ ، أنه قال:
كنا نُصلِّى العصرَ، ثم يَخرجُ الإنسانُ إلى بَنِى عَمرِو بنِ عَوْفٍ ، فَيَجِدُهم يُصَلُّونَ
(٢)
العصر
القبس
وأمّا حدیثُ أنس فى خروجهم بعد انقضاءِ الصلاةِ إلی بنی عمرو بن عوفٍ وقُباء
فيجِدونَهم (١) يُصلُّونَ العصرَ، فإنما قصَد به بيانَ تفاوتِ الناسِ فى تقديم الصلاةِ
وتأخيرِها على (٢) حسَبِ أعمالِهم وأشْغالهم ؛ لتوسعةِ البارِىُّ سبحانه فى ذلك عليهم.
(١) تقدم ص ٦٣ وما بعدها .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤)، وبرواية أبى مصعب (٩). وأخرجه البخارى (٥٤٨)،
ومسلم (١٩٤/٦٢١)، والنسائى (٥٠٥) من طريق مالك به.
(٣) فى د: ((فيجدهم).
(٤) سقط من: م.
١٥٦

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : هذا يدخلُ فى المسندِ ، وهو الأغلبُ مِن أمرِه، وكذلك رواه
جماعةُ الرواةِ لـ ((الموظّأُ)) عن مالكٍ. وقد رواه عبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ، عن مالك،
عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ، عن أنس قال: كنا نُصلِّى العصَر مع رسولِ اللَّهِ وَله .
فذكره مسندًا (١) .
وكذلكَ روَاه عَتيقُ بنُ يَعقوبَ الزَُّثْرِىُّ عن مالكِ كرواية ابنِ المُبارَكِ .
القبس
وقد اخْتَلَف الناسُ() فى الشُّغْلِ والصلاةِ إذا تعارَضا مع سَعَةِ الوقتِ ؛ فقال
أحبارُهم (١): مِن فِقْهِ الرجلِ أن يبدَأَ بِشُغْلِهِ قبلَ صلاِه حتى يُقيمَها بِقَلْبٍ فَارِغِ لها .
وإلى هذا وقَعتِ الإشارةُ بقولِهِ وَّرِ فى الحديثِ الصحيح: ((إذا حضَرَ العَشاءُ
والصلاةُ - زاد الدارقطنىُّ: وأحدُكم صائمٌ - فليَبدأ بالعَشاءِ))().
وهلهنا اختلف العلماءُ فيه(٥) قديمًا وحديثًا؛ إذا ترك الصلاةَ عن أولِ الوقتِ بعدَ
عِلْمِه بها ، هل يتركُها إلى بَدَلٍ أو يتركُها تَوْكًا مُطْلَقًا؟ فيِن العلماءِ مَن قال: إنه
يتركُها مُطلقًا . وليس بشىءٍ؛ لأن فى ذلك تسويةً بينَها وبينَ النَّفْلِ ، ومنهم مَن قال :
يتركُها إلى بَدَلٍ . وهو العَزْمُ على الفعلِ. فإن قيل: لو كان العزْمُ على الفعلِ بدَلًا
لأَسْقَطها إذا فُعِل، كسائرِ الأبدالِ إذا فُعِلت سقطتْ مُبدَلاتُها.
(١) سيأتى تخريجه ص ١٦٣.
(٢) سقط من : م .
(٣) هو أبو الدرداء، صرح به فى العارضة ١٤٩/٢، وقوله فى البخارى معلقا. فتح البارى
١٥٩/٢.
(٤) عزاه المصنف فى العارضة ١٤٩/٢ للدار قطنى فى الإلزامات، ولم نجده فيه.
(٥) سقط من: ج، م.
١٥٧

الموطأ
التمهيد
ومعنى هذا الحديثِ السَّعةُ فى وقتِ العصرِ ، وأنَّ الناسَ فى ذلك الوقتِ ،
وهم أصحابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه (١)، لم تكنْ صلاتُهم فى فَوْرٍ واحدٍ؛
العِلمِهم بما أَبِيحَ لهم مِن سَعةِ الوقتِ . والآثارُ كلُّها ، أو أكثرُها ، على أنَّ وقتَ
العصرِ ممدودّ منذُ يزيدُ الظُّلُّ على قامةٍ مِن الحَدِّ الذى زالتْ عليه الشمسُ، ما
كانَتِ الشمسُ بيضاءَ نقيَّةً، ويُروى: ما دامتِ الشمسُ حَيَّةً. وحياتُها
حرارتُها، (وقيل: نقاءُ لونِها وما٢ لم تَدخُلْها صُفرةٌ. فإِذا اصْفَرَّتِ الشمسُ
القبس
الجوابُ(١) : أن سائِرَ المبدلاتِ إِنما سقطت بأبدالِها؛ لأنها فُعِلَتِ () بدَلًا عن أصْلِ
الفعلِ، وفى مسألتنا جعَل العزمَ بدَلًا عن تأخيرِ الفعلِ. وقد أدخَل الدارقطنىُ هذا
الحديثَ فى أوهامِ مالكٍ؛ لمخالفةِ الجماعةِ له فيه، وانفرادِه به دونَهم، واللهُ
(٥)(٦)
أُعلَمُ ("(١) .
(١) هكذا بدون ((وسلم)) وهى طريقة لبعض الأقدمين، يكتفون بالصلاة فقط دون التسليم، ترى
ذلك فى أسلوب الشافعی ، والحربی ، وابن سلام ، والخطابی ، والهروی ، وابن جرير، والخطيب البغدادى،
ويقع هذا أيضا فى سند الحديث، لكن الإمام النووى قال: وقد نص العلماء رضى الله عنهم على
كراهة الاقتصار على الصلاة عليه 18 من غير تسليم. صحيح مسلم بشرح النووى ١/ ٤٤. ينظر
أعمار الأعيان لابن الجوزى ص ٦ حاشية (٢).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) فى م: (( والجواب)).
(٤) فى ج، م: ((جعلت)).
(٥) ينظر الأحاديث التى خولف فيها مالك للدارقطنى ص ٦٣، والإلزامات والتتبع ص ٤٠٢ -
٤٠٤.
(٦) بعده فى د: ((تم المجلس الأول)).
١٥٨

الموطأ
التمهيد
ودنتْ للغروبٍ ، خرَج الوقتُ المحمودُ المُستحَبُّ المختارُ، وَقَ مُؤْخِّرَها مِن غيرِ
عُذْرٍ إِلى ذلكَ الوقتِ الذمُّ ؛ لحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أنَسٍ ، عن النبيِّ
عليه السلامُ: ((تلك صلاةُ المنافقينَ، يُهِلُ أحدُهم حتى إذا اصفَّتِ الشمسُ ،
قام فنقَرها أربعًا لا يذكرُ اللَّهَ فيها إلا قليلاً))(١). يَعِيُهم بذلك وَلَه . ومع هذا فإنا
لا نُبعِدُ أنْ يكونَ مَن أدركَ منها ركعةٌ قبلَ غُرِوبِ الشمسِ، أنْ يكونَ مُدرِكًا
لوقتِها؛ لحديث أبى هريرةَ عن النبيِّ وَلِّ بذلك. وحديثُ أبى هريرةَ أَصَحُ
إسنادًا ، وأقوى عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ ، مِن حديثِ العلاءِ، وحديثُ العلاءِ لا
بأس به .
وقد ذكرنا أقاويلَ الفقهاءِ فى آخرِ وقتِ العصرِ ، فى بابٍ زيدِ بنِ أَسْلَمَ ، عندَ
قولٍ رسول اللّهِ بِّهِ: ((مَنْ أدركَ ركعةً مِن العصرِ قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ، فقد
أَدْرِكَ العصرَ))(٢). وذكَّرنا مذاهبَ العلماءِ فى تأويلِ هذا الحديثِ هناك، والحمدُ
للَّهِ ، وذكرنا كثيرًا مِن آثارِ هذا البابِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن أَنَسِ(٢) ، وكلُّها
تَدُلُّ على السّعةِ فى الوقتِ ، ما دامتِ الشمسُ لم تَصفَرّ .
وأخبرنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: أخبرَنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال :.
حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حدّثنا إبراهيمُ بنُ مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا
أبو عاصم، عن عبد الرحمنِ بنٍ وَرْدانَ قال: دخَلنا على أنَسٍ بنِ مالك
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥١٦).
(٢) تقدم فى الموطأ (٤) .
(٣) ينظر ما سيأتى ص ١٦٣ - ١٦٨.
١٥٩

الموطأ
التمهيد
فى رَهْطِ مِن أهلِ المدينةِ ، فقال: صلَّيتُم العصرَ؟ قلنا: نعم. قالوا : يا أبا
حمزةَ، متى كان رسولُ اللَّهِ وَلَهِ يُصلِّى هذه الصلاةَ؟ قال: والشمسُ
۔(١)
بيضاءُ نقيَّةٌ(١).
أُخْبَرَنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قالَ : حدّثنا
محمدُ بنُ وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: حدّثنا جريرُ بنُ
عبد الحميدِ ، عن منصورٍ ، عن رِبْعِىٌّ بنِ حِرَاشٍ، عن أبى الأبيضِ، عن أنسٍ
قال: كان رسولُ اللهِ ،وَهِ يُصَلِّى العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ مُحَلِّقَةٌ، ثم آتِی
عَشيرَتى فى جانبِ المدينةِ لم يُصلُّوا، فأقولُ لهم: ما يُجلسكم؟ صلُّوا، فقد
صلَّى رسولُ اللَّهِ ◌ِ(٢).
وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثَنَا قاسِمُ بنُّ أَصْبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُّ تَزِيدَ المُعَلِّمُ، قال: (حدَّثنا يزيدُ بنُ محمدٍ، قال): حدَّثَنَا فُضَيْلُ بنُ
عِيَاضٍ، عن مَنْصُورٍ، عن رِئْعِىِّ بنِ حِراشٍ، عن أبى الأَنْيَضِ، عن أنَسٍ
ابنِ مالكِ قال: كان النبيُّ نَّهِ يُصلِّى العصرَ والشمسُ مُرتَفعَةٌ بيضاءُ
مُحَلِّقَةٌ، فَآتى عشيرتى، فَأَجِدُهم جُلُوسًا، فأقولُ: قوموا فصَلُّوا، فقد
صلَّى رسولُ اللَّهِ مَ(٤).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤١٢/٢٠ (١٣١٨١) عن أبى عاصم به.
(٢) ابن أبى شيبة ٣٢٦/١ . وأخرجه النسائى (٥٠٧)، والبزار (٣٧٣ - كشف) من طريق جرير به .
(٣ - ٣) ليس فى : الأصل.
(٤) أخرجه أبو يعلى (٤٣١٨) من طريق فضيل به .
١٦٠