النص المفهرس

صفحات 61-80

الموطأ
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ،
قال: " حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ)، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى سَبْرةَ، عن المنذرِ بنِ عُبيدٍ ، قال: ولىَ عمرُ
ابنُ عبدِ العزيزِ بعدَ صلاةِ الجُمُعةِ، فأنكرتُ حالَه فى العَصرِ(١) .
التمهید
وفى هذا الحديثِ أيضًا ما كان عليه العُلماءُ من صُحبةِ الأمراءِ، والدُّخُولِ
عليهم، وإذا كان الأميرُ أو الخليفةُ يَستديمُ صُحبةَ العُلماءِ، فأجدرُ به أن يكونَ
عدلًا مأمونًا ، وكان عمرُ رحِمه اللَّهُ صحَبُ جماعةً من العُلماءِ؛ كابنٍ شهابٍ ،
وميمونِ بنِ مِهرانَ، ورجاءِ بنِ حيوةً (١) ، وكان قبلَ ذلكَ يصحّبُ عُبيدَ اللَّهِ بنّ
عبدِ اللهِ(٤)، وعُروةَ، وطبقَتَهما.
ذكَر الحسنُ بنُ علىّ الحلوانىُ، قال : حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وعارمُ بنُ
الفضلِ، قالا : حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ ، عن محمدِ بنِ الزُّبِيرِ، قال: دخلتُ على
القبس
(١ - ١) كذا فى النسخ، والصواب أن بينهما الحارث بن أبى أسامة، وهو راوى كتاب الطبقات
عن ابن سعد. ومحمد بن جرير الطبرى ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، وطلب العلم بعد الأربعين
ومائتين. ووفاة محمد بن سعد سنة ثلاثين ومائتين. وقد روى الطبرى فى تاريخه كثيرا عن الحارث
عن ابن سعد. ينظر تاريخ الطبرى ١٣٧/٢، ١٦٦، ٢٤٦، ٢٦٥، ٣١٦.
(٢) ابن سعد ٣٤١/٥.
(٣) رجاء بن حيوة، أبو نصر الكندى، الأزدى، ويقال: الفلسطينى، الوزير العادل، الفقيه ، من جلة
التابعين، كان كبير المنزلة عند سليمان بن عبد الملك وعند عمر بن عبد العزيز، وأجرى الله على يديه
الخيرات ، ثم إنه بعد ذلك أُخِّر فأقبل على شأنه ، توفى سنة اثنتى عشرة ومائة . سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٥٧.
(٤) سيترجم له المصنف فى شرح الحديث (٣٦٨) من الموطأ .
٦١

الموطأ
التمھید
عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فسألنى عن الحسنِ كما يسألُ الرّجلُ عن ولدِه، فقال:
كيفَ طُعْمُه؟ وهل يدخُلُ على عدىٍّ بنِ أرطاةً؟ وأين مجلسُه منه؟ وهل رأيتَه
يَطعَمُ عندَ عدىٍّ؟ قال: قلتُ : نعم.
وليسَ بنكيرِ أن يكونَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ خفِیَ عليه حديثُ نزولٍ جبريلَ
على النبيِّ وَّه بمواقيتِ الصَّلاةِ، وقد " خفِىَ ذلك عن المغيرةِ بنِ شُعبةً وله
صُحبةٌ . وأخبارُ الآحادِ عندَ العُلماءِ من عِلم الخاصَّةِ ، لا يُنكَرُّ على أحدٍ جهلُ
بعضِها، والإحاطةُ بها مُمتنعةٌ، وما أعلمُ أحدًا من أئمةِ الأمصارِ، مع بحثهم
وجمعِهم ، إلَّا وقد فاتَّه شىءٌ من السُّننِ الَرَويَّةِ من طريقِ الآحادِ ، وحسبُكَ بعمرَ
ابنِ الخطّابِ، فقد فاتَه من هذا الضَّربِ أحاديثُ فيها سُننَّ ذواتُ عددٍ ؛ من روايةٍ
مالكِ فى ((المُوطأُ)) ، ومن روايةٍ غيرِه أيضًا، وليس ذلك بضارِّ له، ولا ناقصٍ من
منزلتِه، وكذلك سائرُ الأَئِمَّةِ، لا يقدَحُ فى إمامَتِهم(١) ما فاتَهم من إحصَاءِ
الشُّننِ، إذ ذاكَ يسيرٌ فى جنبٍ كثيرٍ، ولو لم يَجُزْ للعالم أن يُفتىَ ولا أن يتكلَّمَ فى
العِلمِ حتى يُحيطَ بجميعِ السُّننِ، ما جازَ ذلك لأحدٍ أبدًا ، وإذا عَلِمَ العالم أعظمَ
السُّنِ، وكان ذا فهم ومعرفةٍ بالقرآنِ، واختلافٍ مَن قَبَلَه مِن العُلماءِ، جاز له
القولُ بالفتوى ، وباللَّهِ التوفيقُ .
فإن قال قائلٌ : إِنَّ جهْلَ مواقيتِ الصَّلاةِ لا يسعُ أحدًا، فكيف جاز ذلك
على عُمرَ؟ قيلَ له : ليس فى جَهلِه بالسّببِ الموجبِ لعلم المواقيتِ ما يدُلُّ على
جهلِهِ بالمواقيتٍ، وقد يكونُ ذلك عندَه عمَلًا واتِّفاقًا، وأخذًا عن عُلماءِ عصرِه،
القبس
(١ - ١) فى ق: ((جهل ذلك)).
(٢) فى الأصل، م: ((أمانتهم)).
٦٢

الموطأ
التمهيد
ولا يَعرفُ أصلَ ذلك كيفَ كان؛ أبنزولٍ (١) من جبريلَ بها على النبيِّ وَلِ؟ أم
بما سنَّه النبيُّ ◌ََّ لأمتِه(٢)؟ كما سنَّ غيرَ ما شىءٍ وفرضَه فى الصلاةِ والزّكاةِ
والحجّ ، ممّا لا يُمكنُ أن يقولَ كلَّ ذى علم: إنَّ جبريلَ نزَل بذلك كلِّه. والأمرُ فى
هذا واضح يُغنى عن الإ كثارِ .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ وقتَ الصَّلاةِ من فرائضِها، وأنَّها لا تُجزئُ
قبلَ وقتِها، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ، إِلَّ شيئًا رُوىَ عن أبى موسى
الأشعرىِّ وعن بعضِ التَّابعينَ أجمَع العُلماءُ على خِلافِهِ ، فلم أرَ لذِ كرِه وجهًا ؛
لأَنَّه لا يصحُ عنهم (١) ، وقد صحَّ عن أبى موسى خِلافُه ممّا يُوافِقُ الجماعَةَ ، فصارَ
اتّفاقًا صحيحًا (٤) .
وهذا حينَ آلَ بنا القولُ إلى ذكرٍ مواقيتِ الصلواتِ ، وما أجمَع عليه العُلماءُ
من ذلك وما اختلفوا فيه، فهو أولى المواضِع بذلك منّاً فى كتابنا هذا.
قال أبو عمرَ : أجمَع عُلماءُ المسلمينَ فى كلِّ عصرٍ وفى كلِّ مصرٍ بلغَنا عنهم
أنَّ أوَّلَ وقتِ الظُّهرِ زوالُ الشمسِ عن كبدِ السَّماءِ ووسطِ الفَلَكِ ، إذا استُوقنَ
ذلك فى الأرضِ بالتَّفقّدِ والتَأمُّلِ ، وذلك ابتداءُ زيادةِ الظُّلِّ بعد تناهِی نُقصانِه فى
القبس
(١) فى الأصل: ((بنزول))، وفى م: ((النزول)).
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) فى ق: «عندهم).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٣٦/٢، والأوسط لابن المنذر ٣٨٣/٢ - ٣٨٥، وفتح البارى لابن
رجب ١٨٩/٤ - ١٩١.
(٥) سقط من: م، وفى الأصل: ((ما)).
٦٣

الموطأ
التمهيد
الشِّتاءِ والصَّيفِ جميعًا، وإن كان الظُّلُّ مُخالفًا فى الصَّيفِ له فى الشِّتَاءِ. وهذا
إجماعٌ من العُلماءِ كلِّهم فى أوَّلٍ وَقتِ الظُّهرِ . فإذا تبيّنَ زوال الشمس بما ذكرنا
أو بغيرِهِ ، فقد حلَّ وقتُ الظّهرِ، وذلك ما لَا خِلافَ فيه، وذلك تفسيرٌ لقولِه
تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] . ودُلُوكُها ميلُها عندَ أكثرٍ
العلماءٍ(١) . ومنهم من قال: دُلُوكُها غروبُها. واللُّغةُ مُحتمِلةٌ للقولينِ، والأوَّلُ
أكثرُ. وكان مالكٌ يستحبُّ لمساجدِ الجماعاتِ أن يُؤْخِّروا بعدَ الزَّوالِ حتى
يكونَ الفىُ ذِراعًا، على ما كتَب به عمرُ بنُ الخَطَّابِ إلى عُمَّالِهِ(٢) .
واختلفوا فى وقتِ الجُمُعةِ ؛ فَرَوى ابنُ القاسم، عن مالكِ: وقتُ الجُمُعةِ
وقتُ الظُّهرِ، لا تجبُ إلَّ بعدَ الزَّوالِ، وتُصلَّى إلى غُروبِ الشمسِ. قال ابنُ
القاسم : إن صلَّى من الجُمُعةِ ركعَةً ، ثم غربتِ الشمسُ، صلَّى الَّكعةَ الأُخرى
بعدَ المغيبِ جُمُّعةٌ .
وقال أبو حنيفةً، والشافعىُّ، والحسنُ بنُ حَىّ (١) : وقتُ الجُمُعةِ وقتُ
الظُهرِ، فإن فات وقتُ الظُّهرِ بدُخُولٍ وقتِ العصرِ لم تُصلَّ الجُمُعةُ . قال أبو
حنيفةً وأصحابُه : إن دخَلَ وقتُ العصرِ وقد بقىَ من الجُمُعةِ سجدةٌ أو قعدةٌ ،
فسَدتِ الْجُمُعةُ، ويستقبلُ الظَّهرَ() . وقال الشافعىُّ: إذا خرجَ الوقتُ قبلَ أن
القبس
(١) فى ق: ((أهل العلم)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٥) ..
(٣) فى ق: ((حيى)). وهو الحسن بن صالح بن صالح بن حَىّ أبو عبد الله الهمدانى الثورى الكوفى،
كان فقيها ورعا، على تشيع فيه. وكان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وترك الجمعة خلفهم .
توفى سنة تسع وتسعين ومائة . سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٦١، وميزان الاعتدال ٤٩٦/١.
(٤) فى ق: ((العصر)).
٦٤

الموطأ
التمهيد
يُسلِّمَ أَتَّها ظُهرًا. وهو قولُ عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ. وكلُّ هؤلاءٍ يقولُ : لا
تجوزُ الجُمُعةُ قبلَ الزَّوالِ، ولا يُخطَبُ لها إلَّا بعدَ الزَّوالِ. وعلى هذا جُمهُورُ
الفُقهاءِ وَأئِمَّةُ الفتوَى، وقد كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: من صلَّها قبلَ الزَّوالِ
لم أعِبْه. وقال الأثرمُ(١): قلتُ له: يا أبا عبدِ اللَّهِ، ما ترى فى صلاةِ الجُمُعةِ قبلَ
زوالِ الشمسِ؟ فقال: فيها منَ الاختلافِ ما قد علمتَ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ،
حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ
يَزِيدَ(٢) الأنصارىُّ، عن عُقبةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ جابرٍ، عن جابرٍ، قال :
كنا نُصلِّى مع النبيِّ بَّهِ الجُمُعَةَ ثم نَرجِعُ فتَقيلُ(١).
وذكر أبو بَكرٍ الأثرمُ، عن أبى بكرٍ ، وعمرَ، رعُثمانَ، أَنَّهم كانُوا يُصلُّون
الجُمُعَةَ قبلَ الزّوالِ(٤) . وهو حديثٌ يُدُورُ على عبدِ اللهِ بنِ سِيدانَ، وعبدُ اللَّهِ بنُ
القبس
(١) أحمد بن محمد بن هانئ أبو بكر الإسكافى الأثرم الطائى، تلميذ الإمام أحمد، صنف
(السنن))، وله مصنف فى علل الحديث، توفى فى حدود الستين ومائتين قبلها أو بعدها. طبقات
الحنابلة ٦٦/١، وسير أعلام النبلاء ٦٢٣/١٢.
(٢) فى النسخ: ((زيد)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر التاريخ الكبير ٦/ ٥٠.
(٣) أخرجه أحمد ٤١١/٢٢، ٤١٢ (١٤٥٤١) عن يحيى بن آدم به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٥٢١٠)، وابن أبى شيبة ١٠٧/٢، وأحمد - كما فى المغنى ٣/ ٢٤٠ -
وابن المنذر فى الأوسط (٩٩٥) من طريق جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله بن
سيدان به .
=
٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٥/٢ )

الموطأ
التمهید
سِيدانَ شامىٌّ، أو جزرىٌّ، رَوى عنه ثابتُ بنُ الحجّاج، وميمُونُ بنُ مهرانَ،
وحدِيثُه هذا أَّا يرويه جَعفَرُ بنُ بُرقَانَ . واللَّهُ أعلمُ. وذكر أيضًا حديثَ محُميدٍ ،
عن أنسٍ: كنا نُبكَّرُ بالجُمُعةِ، ونَقيلُ بعدَها(١) . وحديثَ سهلٍ بنِ سعدٍ: كنا
◌ُبكِّرُ إلى الجُمُعةِ على عَهدِ رسولِ اللهِ وبِهِ، ثم نَرجِعُ فنتغدَّى وَقِيلُ(١). وهو
حديثٌ فى إسنادِه ضعفٌ(١) . وذكّر حديثَ شعبةً، عن عمرو بنٍ مُرَّةً " ، عن
عبدِ اللَّهِ بنِ سلمةَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ مسعُودٍ يُصلِّى بنا الجُمُعةَ ضُحَّى،
ويقولُ: إَّا عَجَّلْتُ بكم خشيَةَ الحرّ عليكم(٥) . وعن مجاهدٍ: أَما هى صلاةٌ
(٦)
عيدٍ(١).
قال أبو عمرَ: قد رَوى مالكٌ(٧) عن عمّه أبى سُهيلٍ، عن أبيه، أنَّ عُمرَ كان
يُصلِّى الجُمُعَةَ بعدَ الزَّوالِ بدليلِ غِشيانِ الظُّلِّ ◌ِنْفِسةَ عَقيلٍ. ومن جهةِ النَّظرِ؛ لمَّا
كانتِ الجُمُعةُ تمنعُ من الظُّهرِ دونَ غيرِها من الصَّلواتِ، دلَّ على أنَّ
وقتَها وقتُ الظُّهرِ، وقد أجمَعُوا على أنَّه من صلَّاها فى وقتِ الظُّهرِ فقد
صلَّاها فى وقتها، فدلَّ ذلك على أنَّها ليست كصلاة العيدِ؛ لأنَّ العيدَ
لا يُصلَّى بعد الزَّوالِ .
القبس
(١) أخرجه البخارى (٩٠٥، ٩٤٠) من طريق حميد به.
(٢) أخرجه البخارى (٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩)، ومسلم (٨٥٩)،
وفيه قصة .
(٣) لعل المصنف يعنى إسناد الأثرم، وإلا فالحديث فى الصحيحين كما تقدم.
(٤) فى النسخ: ((دينار)). والمثبت مما سيأتى ص ١٧٤.
(٥) سيأتى تخريجه ص ١٧٤ .
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠٧/٢ من طريق مجاهد بلفظ: ما كان للناس عيد إلا فى أول النهار.
(٧) سيأتى فى الموطأ (١٢).
٦٦

الموطأ
التمهيد
واختلَفُوا فى آخرِ وقتِ الظّهرِ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: آخرُ وقتِ الظُّهرِ إذا
صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، بعدَ القدرِ الذى زالت عليه الشمسُ، وهو أوَّلُ وقتٍ
العصرِ ، بلا فصلٍ . وبذلك قال ابنُ المباركِ وجماعةٌ . ويَستحبُ مالكٌ لمساجدٍ
الجماعاتِ أن يؤخّروا العصرَ بعدَ هذا المِقِدارِ قليلاً ما دامت الشمسُ بيضاءَ نقيّةً.
وحُجَّةُ من قال ذلك حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهِ فى إمامةِ جبريلَ ، وأَنَّه صلَّى بالنبىِّ
وَ لّ الظّهرَ فى اليومِ الثانى فى الوقتِ الذى صلَّى فيه العصرَ بالأمسِ(١) بلا فصلٍ.
وقال الشَّافعُّ، وأبو ثورٍ(٢) ، وداودُ(٣)، وأصحابُهم: آخرُ وقتِ الظُّهرِ إذا كان
ظلُّ كلِّ شىءٍ مِثلَه، وبينَ آخرِ وقتِ الظُّهرِ وأوَّلِ وقتِ العصرِ فاصلةٌ ؛ وهو أن يزيدَ
الظُّلُّ أدنى زِيادةٍ على المثِلِ.
وحُجَّةُ من قال بهذا القول حديثُ أبى قتادةَ، عن النبيِّ وَلَّ أنَّه قال: ((ليسَ
القبس
إِشكَالٌ وحَلُّه: إذا ثبت هذا فجاء فى لفظِ الحديثِ: (( وصلَّى بِىَ الظُّهْرَ فى اليَومِ
الثانى حينَ صار ظِلُ كلِّ شىءٍ مِثْلَه لوقتِ العصرِ بالأمسِ)). فاحتَمل أن يكونَ معنى
قوله: ((فصلَّى بى(٢)). بدَأ أو ختم، فأنشأ هذا بينَ العلماءِ اختلافً فى اشْتراكِ الظُّهرِ
(١) بعده فى م: ((من يومه ذلك)).
(٢) إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبى البغدادى الفقيه، المجتهد، مفتى العراق، قال ابن حبان : كان.
أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعًا وفضلًا، صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها. توفى فى
صفر سنة أربعين ومائتين. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٧٢.
(٣) داود بن على بن خلف أبو سليمان البغدادى المعروف بالأصبهانى، مولى أمير المؤمنين المهدى ،
ورئيس أهل الظاهر، ارتحل إلى إسحاق وسمع منه («المسند)) و((التفسير))، وناظر عنده، وجمع وصنف
الكتب، وتصدَّر، وتخرج به الأصحاب، له ((الإيضاح)، و(الإفصاح)) وغيرهما، مات فى شهر
رمضان سنة سبعين ومائتين. سير أعلام النبلاء ١٣ /٩٧.
(٤) سقط من : د.
٦٧

الموطأ
التمهید
التَّفريطُ فِى النَّومِ ، أَمَا التَّفريطُ فى اليقظَةِ على من لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يدخُلَ
وقتُ الأُخرى)). وهذا عندَهم فيما عدا صلاةَ الصُّبحِ؛ للإجماعِ فى
الصُّبح أنَّها تفوتُ ويخرُجُ وقتُها بطُلُوعِ الشمسِ. وحجّتُهم أيضًا حديثُ
عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى، عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال: ((وقتُ الظّهرِ ما لم
تحضُرٍ العصرُ)) ..
وأمَّا حديثُ أبى قتَادَة ، فَقَرأْتُه على سعيدِ بنِ نصرٍ ، أَنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ
حدَّثهم، قال : حدَّثنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ وضَّاح، قال : حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبی
شيبةَ ، قال: حدَّثنا شبَّابةُ، عن سُليمانَ بنِ الْمُغيرَةِ ، عن ثابتٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
رباحٍ، عن أبى قتَادَةً، قال: قال رسولُ اللّهِ وَهِ: ((ليس فى النَّومِ تفريطٌ، ولكنَّ
القبس
والعصرِ، وتاللهِ ما بينَهما اشتراكٌ، ولقد زهَقت فيه أقلامُ(٢) العلماءِ؛ لأنه إن(٣) لم يكُنْ
معنى قوله: ((وصَلَّى بىَ الظُّهرَ فى اليوم الثانى حينَ صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه لوقتٍ
العصرِ بالأمسِ)). فرَغ، لم يكُنْ بيانٌ(٤)، وإذا كان معناه : فرغ ضرورةً، لم يكُنِ
اشتراكٌ. وتبينَّ بهذا أن النبىَّ ◌َِّ فى اليومِ الأولِ بدَأ بالعصرِ حينَ صارَ ظلَّ كلِّ شيءٍ
مثلَه، وفرَغْ مِن الظّهرِ فى ذلك "اليوم فى ذلك الوقتِ، فصارَ الاشتراكُ" آخِرُ
الظُّهرِ أولُ العصرِ . واللهُ أعلمُ .
(١) سيأتى تخريجه ص ٧٦ .
(٢) فى د: ((أقدام)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى ج، م: ((بيانًا)).
(٥ - ٥) سقط من: ج.
(٦) سقط من: ج، وفى م: ((اشتراك)).
٦٨

الموطأ
التمهيد
التَّفريطَ على من لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتَّى تَجِىءَ الصَّلاةُ الأُخْرِى))(١).
وأخبرَنا خَلفُ بنُ القاسمِ وأصبغُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مسرةَ، قالا: حدّثنا
بُكيرُ بنُّ الحسنِ(٢) بنِ عبدِ اللهِ الرازىُّ(٢) بِمِصرَ، قال: حدّثنا أبو بكرَةً بكّارُ بنُ
قُتِبَةَ القاضِى ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسىُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ المغيرةِ،
عن ثابتٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رباحٍ، عن أبى قتادةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: (( ليسَ
فى النَّومِ تفريطٌ ، إِنَّا التَّفريطُ فى اليقظَةِ؛ أن يُؤخّرَ صلاةً إلى وقتٍ أُخرى))(٤).
وسنذكُرُ حديثَ عبدِ اللهِ بنِ عمرو من هذا البابِ فى مَوضِعِه إن شاء اللهُ .
وقال الثَّورىُّ(٥)، والحسنُ بنُ حىٍّ، وأبو يُوسفَ(٢)، ومحمدُ بنُ الحسنِ
الشَّيبانىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلِ، وإسحاقُ بنُ راهُويه(٢)، ومحمدُ بنُّ جريرٍ
القبس
(١) أخرجه مسلم (٦٨١)، والنسائى (٦١٥) من طريق سليمان بن المغيرة به، وأخرجه أحمد ٢٣٥/٣٧
(٢٢٥٤٦)، وأبو داود (٤٣٧)، والترمذى (١٧٧)، والنسائى (٦١٤)، وابن ماجه (٦٩٨) من طريق ثابت به.
(٢) فى الأصل: ((الحسين)).
(٣) فى النسخ: ((المرادى)). والمثبت مما سيأتى فى شرح الحديثين (٥٦، ١٨٩٧)، وينظر تاريخ
دمشق ٤٠٢/٥، ٣١٥/٩، ٣٩٣/٢٧، والتدوين ٢٦٦/١.
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٦٥/١ من طريق أبى بكرة به، وأخرجه أبو داود (٤٤١)
من طريق الطيالسى به .
(٥) سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثورى الكوفى، إمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين فى
زمانه، له كتاب ((الجامع)) وغيره، توفى سنة إحدى وستين ومائة. سير أعلام النبلاء ٢٢٩/٧.
(٦) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب أبو يوسف الكوفى، قاضى القضاة، كان الرشيد يبالغ فى
إجلاله، كان يحفظ التفسير، ويحفظ المغازى وأيام العرب، توفى سنة اثنتين وثمانين ومائة . سير
أعلام النبلاء ٨/ ٤٧٠.
(٧) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم أبو يعقوب الحنظلى، شيخ المشرق، كان مع حفظه
إماما فى التفسير، رأسا فى الفقه، من أئمة الاجتهاد ، توفى سنة ثمان وثلاثين ومائتين. طبقات
الحنابلة ١٠٨/١، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٣٥٨.
٦٩

الموطأ
التمهيد الطَّبرىُّ: آخر وقتِ الظُّهرِ إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثم يدخُلُ وقتُ العصرِ .
ولم يذكُرُوا فاصلةً ، إلَّا أنَّ قولَهم: ثم يدخُلُ وقتُ العصرِ. يدُلَّ على فاصلةٍ .
وقال أبو حنيفَةَ: آخرُ وقتِ الظُّهرِ إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه. فخالَف
الآثارَ والناسَ؛ لِقَولِه بالمثْلَينِ فى آخرِ وقتِ الظَّهرِ، وخالفَه أصحابُه. وذكَرَ
الطَّحاوىُّ (١) روايةً أُخرى عن أبى حَنِيفَةً، زعَم أَنَّه قال : آخرُ وقتِ الظّهرِ إذا كان
ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه. على قولِ الجماعةِ ، ولا يدخُلُ فى وقتِ العصرِ حتى يصيرَ
ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه. فترَك بينَ الظّهرِ والعصرِ وقتًا مفرَدًا لا يصلُحُ لأحدِهما.
وأمَّا أوَّلُ وقتِ العصرِ، فقد تَبْيَّنَ من قول مالكِ فيه ما ذكرنا، ومن قولٍ
الشَّافعىِّ ومن تابعَه ما وصَفنا ، ومن قولِ سائِرِ العُلماءِ أيضًا من مُراعاةِ المِثْلِ ما قد
بينًّا، وهو كلُّه أمرٌ مُتقاربٌ .
وقال أبو حنيفةً : أوَّلُ وقتِ العصرِ من حينٍ يَصيرُ الظُّلُّ مِثلينِ . وهذا خِلافُ
الآثارِ ، وخلافُ الجُمهُورِ .
واختلفوا فى آخرٍ وقتِ العَصرِ ؛ فقال مالك: آخرُ وقتِ العَصرِ أن يكونَ ظلُّ
كلِّ شيءٍ مثلَيه بعدَ المثلِ الذى زالت عليه الشمسُ . وهذا محمُولٌ عندنا من قَولِه
على وقتٍ الاختيارِ، وما دامتِ الشمسُ بيضَاءَ نقيَّةً، فهو وقتٌ مُختارٌ لصلاةٍ
العصرِ عندَه وعندَ سائرِ العُلماءِ. والحمدُ للهِ .
القبس
(١) أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الأزدى الحجرى المصرى الحنفى محدث الديار المصرية
وفقیھھا ، له ((اختلاف العلماء)) و((معانى الآثار)) وغيرهما، توفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . سير
أعلام النبلاء ٢٧/١٥.
٧٠

الموطأ
التمهيد
وقد أجمَع العُلماءُ أنَّ من صلَّى العصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيّةٌ لم تدخُلْها صُفرةٌ
فقد صلَّها فى وقتها المختارِ. وفى ذلك دليلٌ على أنَّ مُراعاةَ المثلينِ عندَهم
استحبابٌ . وقد ذكرنا فيما سَلَف من كتابِنا فى وقتِ العصرِ ، فى بابٍ إسحاقَ
ابنِ أبى طلحةً وغيرِه ما فيه كفايةٌ (١) ، فنذكُرُ ههُنَا أَقَاوِيلَهم فى آخرِ وقتِ العصرِ .
فقال الثَّورىُّ: إن صلَّها ولم تتغيَرِ الشمسُ فقد أجزَأَه، وأحبُّ إلىّ أن
يُصلِّها إذا كان ظلُّه مثلَه ، إلى أن يكُونَ ظلُّه مِثلَيه .
وقال الشَّافعىُ: أوَّلُ وقتِها فى الصَّيفِ إِذا جاوزَ ظلُّ كلِّ شىءٍ مثلَه بشىءٍ ما
كان، ومن أخّر العصرَ حتى يُجاوزَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيهِ فى الصَّيفِ ، أو قدرَ ذلكَ
فى الشِّتَاءِ، فقد فاتَه وقتُ الاختيارِ، ولا يجوزُ أن يُقالَ: فاتَّه وقتُ العصرِ
مُطلقًا . كما جازَ على الذى أَخَّرَ الظُّهرَ إلى أن جاوزَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه. قال:
وأَّما قلتُ ذلك؛ لحديثِ أبي هُريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ أَنَّه قال: ((من أدرَكَ رَكعةٌ
من العَصرِ قبلَ أن تغربَ الشَّمشُ فقد أدركَها)»(٢).
قال أبو عمرَ : إَّا جَعَلَ الشافعىُّ وقتَ الاختيارِ لحديثِ إمامةِ جبريلَ ،
وحديثِ العَلاءِ، عن أنسٍ: ((تلك صلاةُ المنافقينَ))(١). ونحوهما من الآثارِ ،
ولم یقطّغ بُروچ وقتها ، حديث أبى هريرةً الذى ذَكَر . ومذهب مالك نحۇُ
هذا . وقد كان يلزَمُ الشَّافعىَّ ألا يُشركَ بينَ الظّهرِ والعصرِ فى الوقتِ لأصحابِ
القبس
(١) سيأتى ص ١٥٨ - ١٦٢.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٤).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٥١٦).
٧١

الموطأ
التمهيد
الضَّروراتِ؛ لخروج وقتِ الظُّهرِ عندَه بكمالِ المثلِ ، ولكنَّ وقتَ الحضرِ عندَه
وقتُ رفاهيةٍ ومقام لا يُتَعدَّى ما جاءَ فيه، وأمَّا أصحابُ الضَّرُوراتِ، فأوقاتُهم
كأوقاتِ الْمُسافرِ، لعُذْرِ السَّفِرِ وضُورتِه ، والسّفرُ عنده تشتركُ فيه صلاتا النَّهارِ
وصلاتا اللَّيلِ، على ما نذكُرُه فى بابٍ أبى الزُّبير(١) إن شاءَ اللَّهُ. وأصحابُ
الضَّروراتِ؛ الحائِضُ تطهُرُ، والمُعْمَى عليه يُفيقُ، والكافرُ يُسلِمُ، والغُلامُ
یحتلمُ. وقد ذكرنا أحكامهم ، وما للعُلماءِ فی ذلك من المذاهب فى بابٍ زیدِ ابنِ
أسلم) . والحمدُ للهِ .
وأمَّا مالكٌ، فقد روى عنه ابنُ وهبٍ وغيرُه أنَّ الظُّهرَ والعصرَ آخرُ
وقتِهما غُروبُ الشمسِ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ وعكرِمةَ(٣) مُطلقًا. وروايةٌ
ابنِ وهبٍ عن مالكٍ لذلك محمولةٌ عندَ أصحابِه لأهلِ الضَّرُوراتِ؛
كالمغمَى عليه، ومَن أشبهَه، على ما قد أوضحنا فى بابِ زيدِ بنِ
أسلمَ(٢). والحمدُ للهِ.
وروَى ابنُ القاسم ، عن مالكِ: آخرُ وقتِ العصرِ اصفرارُ الشمسِ. وقال أبو
يُوسفَ، ومحمدٌ : وقتُ العصرِ إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ قامتَه، فيزيدُ على القامةِ
إلى أن تتغيَّر الشمسُ. وقال أبو ثورٍ : أوَّلُ وقتِها إذا كان ظلُّ كلِّ شىءٍ مثلَه بعدَ
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٣٢٨) من الموطأ .
(٢) سيأتى ص ١٢٧ - ١٣٨.
(٣) سيترجم له المصنف فى شرح الحديث (٦٣٩) من الموطأ .
وينظر قول عكرمة فى مصنف عبد الرزاق (٢٢٢٣) .
٧٢

الموطأ
التمھید
الزَّوالِ ، وزادَ على الظُّلِّ زيادةً تبينُ ، إلى أن تَصْفرَّ الشمسُ. وهو قولُ أحمدَ بنِ
حنبلٍ ؛ آخرُ وقتِ العصرِ ما لم تَصْفرَّ الشمسُ .
وحجّةُ من قال بهذا القولِ حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمٍو، عن النبيِّ أَنَّه قال:
((ووقتُ العصرِ ما لم تصفرّ الشَّمسُ)). رواه قتادةُ، عن أبى أَتُوبَ الأُزدىِّ،
عنه (١) . وقال إسحاقُ بنُ راهُويه: آخرُ وقتِ العصرِ أن يُدركَ المُصلِّى منها ركعةٌ
قبلَ الغُروبِ(٢) . وهو قولُ داودَ ، لكلِّ الناسِ؛ معذُورٍ وغيرِ معذُورٍ ، صاحبٍ
ضرُورَةٍ وصاحبٍ رَفاهيةٍ ، إلَّا أنَّ الأفضلَ عندَه وعندَ إِسحاقَ أيضًا أوَّلُ الوقتِ .
وقال الأوزاعىُّ : إن ركعَ ركعَةً قبلَ غُروِها ، ورَكعةٌ بعدَ غُروبِها ، فقد أدرَكَها .
وحُّتُهم حديثُ أبِى هُرِيرَةَ: ((من أدركَ رَكعةً من العصرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ
فقد أدرَك العصرَ، ومن أدرَكَ رَكعةٌ من الصُّبح قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ فقد أدرَك
(٣)
الصُبحَ))() .
واختلفوا فى آخرِ وقتِ المغرِبِ، بعدَ إجماعِهم على أنَّ أَوَّل وقتِها
غُروبُ الشمسِ؛ فالظَّاهرُ من قولِ مالكِ أنَّ وقتَها وقتٌ واحدٌ؛ عندَ
مغيبِ الشمسِ . وبهذا تواترتِ الرّواياتُ عنه، إلَّا أَنَّه قال فى ((المُوطَّأُ))(٤): فإذا
غابَ الشَّفقُ فقد خرجَ وقتُ المَغَربِ، ودخَلَ وقتُ العِشاءِ. وبهذا القولِ
قال أبو حنيفةً، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، والحسنُ بنُ حىٍّ، وأحمدُ،
القبس
(١) سیأتی تخريجه ص ٧٦ .
(٢) فى الأصل: ((غروب الشمس)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٤).
(٤) ينظر ما سيأتى فى الموطأ عقب الحديث (٢٢).
٧٣

الموطأ
التمهید
وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطَّبرىُّ.
وحُجَّةُ من قال بهذا القولِ وجعَلَ للمَغربِ وقتينِ كسائرِ الصَّلواتِ، ما
حدَّثنا به عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ زُهيرٍ ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم ، قال: حدَّثنا بدرُ بنُ عُثمانَ ، قال :
حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أَبِى مُوسى، عن أبيه، عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه أتاهُ سائِلٌ فسأله
عن مواقيتِ الصَّلاةِ ، فلم يرُدَّ عليه شيئًا ، فأمَرَ بلالًا ، فأقامَ بالفجرِ حينَ انشقَّ
الفجرُ، والناسُ لا يكادُ يَعرِفُ بعضُهم بعضًا، ثم أَمَرَه فأقامَ الظَّهرَ حينَ زالتٍ
الشمسُ، والقائلُ يقولُ: انتصَفَ النَّهارُ أو لم. فكان أعلمَ منهم ، ثم أمره ،
فأقامَ العصرَ والشمسُ مُرتفعَةٌ ، ثم أمَرَه فأقامَ المغربَ حينَ وقعتِ الشمسُ،
ثم أَمَره فأقامَ العِشاءَ حينَ غابَ الشَّفقُ، ثم أخَّرَ الفجرَ من الغدِ حتى انصرَفَ
منها والقائلُ يقولُ: طلَعتِ الشمسُ أو كادَت. ثم أخَّرَ الظَّهرَ حتى كان
قريبًا من العَصرِ، ثم أخَّ العصرَ حتى انصرفَ منها والقائلُ يقولُ: احمرَّتِ
الشمسُ. وأَخَّرَ المَغربَ حتى كان سُقوطُ الشَّفقِ، ثم أخَّرَ العشاءَ حتى كان
ثلثُ اللَّلِ، ثم أصبحَ فَدَعا بِالسَّائلِ، فقال: ((الوقتُ فيما بينَ هذينٍ))(١).
وروَى الثَّورِىُّ وغيرُه، عن علقَمَةَ بنِ مرثدٍ ، عن سُليمانَ بنِ بُريدةً ، عن أبيه،
عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه جاءَه رجلٌ فسألَه عن وقتِ الصلاةِ، فقال: ((أقِمْ معنا هذينٍ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٥٠٨/٣٢ (١٩٧٣٣) من طريق أبي نعيم به، وأخرجه مسلم (٦١٤)، وأبو داود
(٣٩٥)، والنسائى (٥٢٢) من طريق بدر بن عثمان به .
٧٤

الموطأ
الیومین)) . فأمر بلالًا ، فأقام عند الفجرِ . فذكر الحدیثَ بمعنی حدیث أبی مُوسی
سواءً، فى المغربِ وغيرِها وقتين .
التمهيد
حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ هشام، قال: حدّثنا مخلدُ بنُ یزیدَ ،
عن سفيان الثّورئِّ، عن علقمةً بن مرثدٍ ، عن سلیمانَ بنِ بُریدَةً ، عن أبيه ، عن
(١)
النبيِّ ◌َّ (١).
وحدَّثناه أحمدُ بنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بنُ إبراهيمَ، قال حدَّثنا إسحاقُ بنُ
يُوسفَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّورىُّ، عن علقمَةَ بنِ مَرثدٍ ، عن سُليمانَ بنِ
بريدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ وَ التِ. فذكره(٢) .
قالوا: وهذه الآثارُ أولَى من أخبارِ إمامَةٍ جبريلَ ؛ لأنَّها مُتَأخِّرةٌ بالمدينَةِ ،
وإِمَامةُ جبريلَ كانت بمكّةَ ، والمتَأْخِّرُ أولَى من فِعلِهِ) وأمرِهِ وَلِّ؛ لأنَّه ناسخْ لَمَا
قبلَه .
القبس
(١) النسائى (٥١٨)، وفى الكبرى (١٥١٥). وأخرجه ابن ماجه (٦٦٧)، وأبو عوانة (١١٠٨)،
والدارقطنی ٢٦٣/١ من طريق مخلد بن يزيد به .
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٣٢٣)، وابن حبان (١٤٩٢، ١٥٢٥)، والدارقطنى ٢٦٢/١ من طريق
یعقوب به، وأخرجه أحمد ٥٠/٣٨ (٢٢٩٥٥)، ومسلم (١٧٦/٦١٣)، والترمذى (١٥٢)، وابن
ماجه (٦٦٧) من طريق إسحاق بن يوسف به .
(٣ - ٣) فى ق: ((من فعله أولى)).
٧٥

الموطأ
التمهيد
قالوا : وقد رَوَی سُليمانُ بنُ مُوسی ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ ، عن النبىِّ
فى المغرِبِ أيضًا مثلَ روايةٍ أبى مُوسى وبُرِيدَةً(١) . وروى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بنٍ
العاصى فى المغربِ مثلَ ذلك. وكلُّ هؤلاءٍ أَما صحِبَه بالمدِينَةِ ، والمَصيرُ إلى ما
رَوَوه أولَى مِنَ الَصيرِ إلى أحادِيثِ إمامةِ جبريلَ؛ لأنَّها مُتَقدِّمةٌ بمكّةَ .
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ
سُفيانَ ، قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رَوحٍ، قال :
حدَّثنا عُثمانُ بنُ عُمرَ، قال: أنبأنا شُعبةُ ، عن قتادةً ، عن أبى أُّوبَ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - قال شعبةُ: حدَّثنى به ثلاثَ مَّاتٍ ؛ مرّتين لم يَرفَعْه ،
ومرَّةً رفَعَه - قال: ((وقتُ الظُّهرِ ما لم تحضُرِ العصرُ، ووقتُ العصرِ ما لم
تصفرَّ الشَّمسُ، ووقتُ المغرِبِ ما لم يسقُطْ ثورُ(١) الشَّفقِ، ووقتُ العِشاءِ ما
لم ينتصِفِ اللَّلُ، ووقتُ الفجرِ ما لم تطلُعِ الشَّمسُ))(٣).
واحتجُوا أيضًا بقولِهِ وَّه: ((إذا حضَرَ العَشاءُ، وأُقيمتِ الصَّلاةُ، فابدَعوا
بالعَشَاءِ)). وبقوله: ((لا يُصلِّيَّ أحدُكم بحضرةِ الطّعامِ، ولا وهو يُدافِعُ
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٠٢/٢٣ (١٤٧٩٠)، والنسائى (٥٠٣)، وابن خزيمة (٣٥٣) من طريق
سلیمان بن موسی به .
(٢) فى الأصل، ق: ((نور)). قال النووى: ثور الشفق: ثورانه وانتشاره، وفى رواية أبى
داود: ((فور الشفق)). بالفاء، وهو بمعناه، والمراد بالشفق الأحمر. صحيح مسلم بشرح النووى
١١٢/٥.
(٣) أخرجه أحمد ٥٧٠/١١ (٦٩٩٣)، ومسلم (١٧٢/٦١٢)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائى
(٥٢١) من طريق شعبة به .
٧٦

الموطأ
الأُخبثَيْنِ)) (١). يعنى البَولَ والغائِطَ. وبأَنَّهُ وَّهِ قِرَأْ فِى الْمَغَربِ بـ: ((الطُّورِ))(١)،
وبـ: ((الصَّافَّاتِ))(١)، وقد رُوىَ بـ ((الأعرافِ))(٤). وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ وقتَ
المَغَربِ له سعةٌ ، وأوَّلٌ وَآخِرٌ. كلُّ هذا قد احتجَّ به مَن ذكّرنا قولَهم .
التمهيد
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ قِراءةً مِنِّى عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً ،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال : أخبرنا سُويدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا
عبدُ اللَّهِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِ: ((إذا
قُرَّبَ العَشَاءُ، ونُودِىَ بالصَّلاةِ، فابدءوا بالعَشَاءِ)) ().
وحدَّثنا محمدٌ ، حدّثنا أحمدُ بنُ شعیبٍ، حدثنا یحیی بنُ حبیبِ بنِ
عربيٍّ، حدَّثنا حمّادٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّهِ
وَلِّ: ((إذا قُرَّبَ العَشاءُ، وأَقيمتِ الصَّلاةُ، فابدءوا بالعَشاءِ)) (١).
وثمّا احتجوا به أيضًا حديثُ أبى بَصرةَ الغِفارىِّ، عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه لَّ صلَّى
العصرَ، فى حديثٍ ذَكَرَه، قال: ((لا صلاةَ بعدَها حتَّى يطلُعَ الشَّاهدُ)).
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٣٨١) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٦٩).
(٣) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٦٩) من الموطأ .
(٤) أخرجه أحمد ٥٠٤/٣٥، ٥٠٧ (٢١٦٤١، ٢١٦٤٦)، والبخارى (٧٦٤)، وأبو داود
(٨١٢)، والنسائى (٩٨٩) من حديث زيد بن ثابت .
(٥) ابن المبارك (٤٨٨)، ومن طريقه الطيرانى فى الأوسط (٤٩٦).
(٦) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (١٩٨٣) من طريق حماد بن زيد به، وأخرجه أحمد ١٤٦/٤٠،
٢٩١ (٢٤١٢٠، ٢٤٢٤٦)، والبخارى (٦٧١، ٥٤٦٥)، ومسلم (٥٦٨)، وابن ماجه (٩٣٥) من
طريق هشام به .
٧٧

الموطأ
التمهيد والشَّاهدُ النَّجم(١).
وقال الشافعىُّ فى وقتِ المَغَربِ قولَين؛ أحدُهما، أنَّه ممدُودٌ إلى مغيبٍ
الشَّفقِ . والآخرُ، وهو المشهورُ عنه، أنَّ وقتَها وقتٌ واحدٌ ، لا وقتَ لها إلا
حينَ تجبُ(١) الشَّمسُ. قال: وذلك بيِّنٌّ فى إمامةِ جبريلَ. قال: ولو جازَ أن
تُقاسَ المواقيتُ ، قيل : لا تَفوتُ حتى يدخُلَ أوَّلُ وقتِ العِشاءِ قبلَ أن يُصَلَّى منها
ركعَةٌ، كما قيلَ فى العصرِ، ولكنَّ المَواقيتَ لا تُؤخذُ قياسًا .
وقال الثورىُّ: وقتُ المغربِ إِذا غَربتِ الشمسُ، فإن حبَسكَ عُذرٌ فأنّرتها
إلى أن يَغِيبَ الشَّفقُ فى السَّفرِ، فلا بأسَ، وكانوا يكرهونَ تأخيرَها .
قال أبو عمرَ : المشهورُ من مذهبٍ مالك ما ذهب إليه الشَّافعُ والثَّوریُ فی
وقتٍ المغرب، وقد ذكرنا ذلك. والحُجُُّ لهم كلُّ حديثٍ ذكرناه فى كتابنا هذا
فى إمامةٍ جبريلَ، على تواتُرِها ، لم تختلِفْ فى أنَّ للمغربِ وقتًا واحدًا، وقد
رُوِىَ مثلُ ذلك عن النبيِّ وَِّ من حديثٍ أبي هُريرةَ، وجابرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ،
وعبد الله بن عمرو بن العاصی ، و کلُّهم صحته بالمدينة ، وحگی عنه صَلاتَه بها
كذلك. على أنَّ مثلَ هذا يُؤخذُ عملًا؛ لأنه لا ينفَكُّ منه ، ولا يجوزُ جهلُه ولا
نسيانُه، وقد حكى أبو عبدِ اللَّهِ بنُ خُوَازِبَتْدادَ(٣) البصرىُّ فى كتابِه فى
((الخِلاف))؛ أنَّ الأمصارَ كلَّها بأسرِها لم يزلِ المسلمونَ فيها على تعجيلٍ المغربِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٠١/٤٥ (٢٧٢٢٥)، ومسلم (٨٣٠)، والنسائى (٥٢٠).
(٢) وجبت الشمس وَجْبًا ووجوبًا: غابت. القاموس المحيط (وج ب).
(٣) بياض فى: الأصل، وفى ق: ((خواز بنداذ).
٧٨

الموطأ
التمهيد
والمُبادرَةِ إليها فى حينِ غُروبِ الشمسِ . ولا نعلمُ أحدًا من المسلمين تأخَّ يإِقامَةٍ
المغرِبِ فى مسجدٍ جماعةٍ عن وقتٍ غُروبٍ الشمس، وفى هذا ما يكفى، مع
العملِ بالمدينةِ ، فى تعجيلها .
قال أبو عمرَ: لو كان وقتُها واسِعًا لَعمِلَ المسلمونَ فيها كعَملِهم فى العِشاءِ
الآخرةِ وسائرِ الصَّلواتِ؛ من أذانٍ واحدٍ من المؤذِّنِينَ بعدَ واحدٍ ، وغيرِ ذلك منَ
الأتْساع فى ذلك. وفى هذا كلِّه دليلٌ واضحٌ أنَّ النبيَّ وَّه لم يَزِلْ يُصلِيها وقتًا
واحدًا إلى أن ماتَ وَله، ولو وسَّع عليهم لتَوسَّعوا؛ لأنَّ شأنَ العُلماءِ الأخذُ
بالتَّوسعةِ ، إلّا أنَّ ضِيقَ وقتٍ المغربِ ليسَ كالشىء الذى لا يتجزّأُ ، بل ذلك على
قدرٍ عُرفِ الناسِ ؛ من إسباغِ الوُضوءِ، ولُبسِ الثَّوبِ، والأذانِ ، والإقامةِ ،
والمَشي إلى ما لا يَعُدُ من المسَاجدِ ، ونحو ذلك.
وأمَّا الأحاديثُ فى ذلك؛ فمنها ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
الحَجَّاجِ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ موسى، عن محمدِ بنِ عمرو بنٍ علقَمَةً
اللَّيثىِّ، عن أبى سلَمَةَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((هذا
جبريلُ جاءَكم يُعلِّمُكم دينكم)). فصلَّى له صلاةَ الصُّبحِ حينَ طلَعَ الفجرُ،
ثم صلَّى له الظُّهرَ حينَ زاغتِ الشمسُ، ثم صلَّى له العصرَ حينَ كان الظُّلُّ
مثلَه ، ثم صلَّى له المغربَ حينَ غابتٍ (١) الشمسُ وحلَّ فِطرُ الصَّائم، ثم صلَّى له
القبس
(١) فى م: ((غروب).
٧٩

الموطأ
التمهيد
العِشاءَ حينَ ذهَب شفقُ النَّهارِ، ثم صلَّى له من الغدِ، فصلَّى له الصُّبحَ حينَ أسفَرَ
قليلاً، ثم صلَّى له الظُّهرَ حينَ كان الظُّلُّ مثلَه، ثم صلَّى له العصرَ حينَ كان الظُّلُّ
مثلَيه، ثم صلَّى له المَغربَ لوقتٍ واحدٍ ، حينَ غربت الشمسُ وحلّ فِطُ الصَّائِمِ،
ثم صلَّى العِشاءَ حينَ ذهَب ساعةٌ من اللَّيلِ، ثم قال: ((الصَّلاةُ ما بينَ صلاتِكَ
أمسٍ وصلاتِكَ اليومَ))(١). فهذا من حديث أبى هريرةَ، وأَّما صحِبِهِ وَلِّ بعدَ عامِ
خيبر بالمدينة متأخرًا ، وفیه فى وقت صلاة المغربِ ما تَری مِن تَعجیله فی الیومینِ
جميعًا .
فإن قيل: إنَّ الأعمشَ روَى عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ(١) حديثَ
المواقيتِ، وفيه أنَّ أوَّلَ وقتِ الْمَغَربِ حينَ تغرُبُ الشمسُ، وآخرَها حينَ يغيبُ
الأُفُ(٣) .
قيل له : هذا الحديثُ عندَ جميع أهلِ الحديثِ حديثٌ منكرٍ، وهو خطأً ، لم
يروِه أحدٌ عن الأعمشِ بهذا الإسنادٍ إلَّا محمدُ بنُ فُضيلٍ، وقد أنكرُوه عليه(٤).
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٦١/١ من طريق أحمد بن الحجاج به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى
١٤٧/١، والحاكم ١٩٤/١، والبيهقى ٣٦٩/١ من طريق الفضل بن موسى به. وسيأتى فى
ص ١٥٥.
(٢) بعده فى م: ((عن النبى ◌َّر)).
(٣) فى م: ((الشفق))، وضبب عليها فى: ق .
والحديث أخرجه أحمد ٩٤/١٢ (٧١٧٢)، والترمذى (١٥١) من طريق محمد بن فضيل، عن
الأعمش به .
(٤) ينظر جامع الترمذى ٢٨٤/١، وعلى ابن أبى حاتم (٢٧٣)، وسنن الدارقطنى ٢٦٢/١.
١
٨٠