النص المفهرس

صفحات 381-400

الموطأ
التمهید
حتى أنقاهما. وفى بعضِها: ثم غسل رجليهِ. فقط، وكذلكَ فى بعضٍ
الرّواياتِ عن عُثمانَ: ثم مسح رأسَه ثلاثًا. وفى أكثرِها: ثم مسح رأسَه . فقط ،
وفى بعضِها: مسح رأسَه مرَّةً واحدةً. والوضوءُ كلُّه ثلاثًا ثلاثًا(١).
وأجمع العلماءُ أنَّ غسلةً واحدةً سابغةً فى الرّجلينِ وسائرِ الوُضوءِ تُجزئُّ.
وكان مالكٌ لا يَحُدُّ فى الوُضوءِ واحدةً ولا اثنتين ولا ثلاثًا ، وكانَ يقولُ: إَِّا
هو الغَسلُ، وما عمَّ من ذلك أجزَأ، والرّجلانٍ وسائرُ الأعضاءِ سواءٌ.
والقولُ عندَ العلماءِ على ما قدَّمنا فى أُصولِهم فى دُخولِ المرفقين فى
الذَّراعينِ ، كذلك القولُ عندَهم فى دُخولِ الكعبينِ فى غَسلِ الرِّجلين . وجملةُ
قول مالكِ وتحصيلُ مذهبِهِ، أنَّ المرفقينِ إن بقِى شىءٌ منهما مع القطعِ غُسلا .
قال : وأمَّا الكعبانِ فهما باقيانِ مع القطعِ، ولا بدَّ من غَسلِهما مع الرّجلينِ . هذا
هو المختار من المذهب.
والكعبانِ هما النَّاتئانِ فى أصلِ السَّاقِ. وعلى هذا مذهبُ الشافعىِّ ،
وأحمدَ بن حنبلٍ، وداودَ بنِ علىٍّ، فى الكعبينِ. وأمَّا الغُرقُوبُ، فهو مَجْمَعُ
مَفْصِلِ الساقِ والقدمِ .
وقال أبو جعفر النحاسُ(٢): كلُّ مَفْصِلٍ عندَ العربِ كعبٌ .
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٠٦ - ١١٦) من حديث عثمان وعلى.
(٢) أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو جعفر المصرى النحوى، له (إعراب القرآن))، و((الناسخ
والمنسوخ)»، وغيرهما، مات غريقا سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. طبقات النحويين واللغويين
ص ٢٢٠، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٠١.
٣٨١
.

الموطأ
التمهید
وقال أبو جعفرٍ الطحاوىُّ: للنَّاسِ فى الكعبينِ ثلاثةُ أقوالٍ ؛ فالذى يذهبُ
إليه محمدُ بنُّ الحسنِ أنَّ فى القدمِ كعبًا، وفى الشَّاقِ كعبًا، ففى كلٌّ رجل
كعبانٍ . قال: وغيرُه يقولُ: فى كلِّ قدم كعبٌ، وموضِعُه ظهرُ القدمِ مما يلى
السَّاقَ. قال: وآخرونَ يقولونَ: الكعبُ هو الدَّائرُ بمغرِزِ السَّاقِ، وهو مُجتمعُ
العُرُوقِ من ظهرِ القدمِ إلى العراقيبٍ. قال: والعربُ تقولُ: الكعبانِ هما
العرقوبانِ .
قال أبو عمرَ: قد ذكّرنا فى بابٍ بلاغاتٍ مالكٍ، عندَ قولِهِ وَ له: ((ويلٌ
للأعقابِ من النَّارِ )). أحكامَ غَسلِ الرّجلينِ، وإبطالَ قولٍ مَن قالَ بمسحِهما،
وذكّرنا الحجّةَ فى ذلك من جهةٍ الآثارِ والنَّظرِ، وذكرنا القولَ المختارَ عندَنا فى
الكعبين هناك(١) . والحمدُ للَّهِ.
واتَّفقَ مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم، أنَّ الرأسَ لا يُجزئُ
مسحُه إِلَّ بماءٍ جديدٍ يأْخُذُه المُتُوضِّئُ له، كما يأخُذُه لسائرِ الأعضاءِ، ومن مسح
رأسَه بماءٍ فضَّل من البللِ فى يدَيه عن غَسلٍ ذراعيه ، لم يُجزِتْه. وقال الأوزاعىّ
وجماعةٌ من التابعينَ : يُجْزِئُّ.
وقد مضى القول فى الوضوء بالماءِ المستعمل، فی بابٍ زید بن أسلم ، عن
عطاء بن يسارٍ ، عن الصُّنابحىِّ(٢) .
ولیسَ فی حدیثِ عبدِ اللهِ بنِ زید هذا ذِ کژ مسح الأُذُنین . وقد ثبت عن
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٤٠١ - ٤١٦.
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٥٩) من الموطأ.
٣٨٢

الموطأ
٣٢- وحدّثنى يحيى، عن مالكِ، عن أبى الزِّنادِ ، عن الأعرج ،
عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَّهِ قال: ((إذا تَوَضَّأْ أَحَدُكُم فلْيَجْعَلْ فى
أنْفِهِ ، ثم لْيَنْثُرْ، ومَن اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)).
النبيِّ وَلَّه من وُجوهٍ أَنَّه كانَ يمسَحُ أُذنيه فى وُضَوئِه. وقد مضَى القولُ فى مسح التمهيد
الأذنين وما فى ذلك من الحکم والاختیارِ لفقهاء الأمصار ، فی بابٍ زید بنِ
أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن الصُّنابحىِّ أيضًا من كتابِنا هذا، ومضَى هناكَ
أيضًا ذِكرُ المضمضةِ والاستئثارِ، والحمدُ للَّهِ كثيرًا لا شريكَ له .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّل
قال: ((إذا توضَّأ أحدُكم فليجعَلْ فى أنفِه، ثم ليَتُؤُ(١)، ومن استجمَّر
(٢)
فلْيُوتِزْ))(٢).
هكذا رواه يحيى: ((فلْيجعلْ فى أنفِه ثم لينثُ(١)). ولم يقلْ: ماءً. وهو
مفهومٌ من الخطابِ، وهكذا وجَدناه عندَ جماعةٍ شيوخِنا، إلَّا فيما حدَّثَناه
أحمدُ بنُّ محمدٍ ، عن أحمدَ بنِ مُطرّفٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ يحيى ، عن أبيه ، فإِنَّه
قال فيه: ((فلْيجعلْ فى أنفِه ماءً)) .
القبس
حديثٌ: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((من توضَّأُ فليستنثِرْ ومَن استجمَرَ
فليُوتِزْ)). عقَّب مالكٌ حديثَ عبدِ اللهِ بحديثٍ أبى هريرةَ ليبيِّنَ تأكيدَ المضمضَةِ
والاستنشاقِ، وأن النبيَّ وَالتّ كما فعلهما فِعلًا فكذلك أمَر بهما قولًا. وقد اختُلِف
(١) فى الأصل، ص ١٧، م: ((ليستنثر))، وفى ص: ((ليستنثره)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦)، وبرواية أبى مصعب (٤٤). وأخرجه أحمد ١٧١/١٣
(٧٧٤٦)، والبخارى (١٦٢) من طريق مالك به .
. (٣) فى ص ١٧، م: ((ليستنثر)).
٣٨٣

الموطأ
التمهید
وأمّا القعنبىُّ فلم يقلْ: ماءً. فى روايةٍ علىٍّ بنِ عبدِ العزيزِ، عن القعنبىِّ.
ورواه أبو داودَ (١)، عن القعنبيِّ فقال فيه: ((فلْيجعَلْ فى أنفِه ماءً)). وكذلك روایةُ
ابنِ بُكيرٍ، ومعنٍ(١)، وجماعةٍ، عن مالكِ: ((فلْيجعَلْ فى أنفِه ماءٌ)). وعندَ أكثرِ
الرواةِ هو هكذا: ((فلْيجعَلْ فى أنفِه ماءً))(٣).
وقال أبو خليفةً(٤) الفضلُ بنُ الحبابِ القاضى البصرىُّ، عن القعنبيِّ فى هذا
الحديثِ: ((فلْيجعَلْ فى أنفِه الماءَ)) (٥). وهذا كلُّه معنَى واحدٌ، والمرادُ مفهوم .
وروايةُ ورقاءً لهذا الحديثِ عن أبى الزِّنادِ كما روَى يحيى، عن مالكٍ، لم يقلْ :
ماءً.
قرأْتُ علی عبد الله بن محمدِ بنِ یوسف ، أُنَّ ◌ُبیدَ اللهِ بن محمدِ بنِ أبی غالبٍ
حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ بدرِ الباهلىُ، قال: حدَّثنا رزقُ اللهِ
ابنُ موسی ، قال : حدثنا شبابةُ ، قال: حدثنا ورقاءُ بنُ عمر () الیشکریُّ، عن
أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ قال: ((إذا أحدُكم
القبس عن النبيِّ وَله، فروى عنه أنه تمضمَضَ واستنشَقَ مِن غُرفةٍ واحدةٍ. وذلك كما بيناه
يختَلِفُ بحسب اختلافٍ كثرةِ الماءِ وقِلَتِه، وحاجةِ العضوِ إلى النظافةِ واستغنائِه ، لا أنَّ
التعديدَ فيهما سُنةٌ كما تَوهَّمه بعضُ الناسِ .
(١) أبو داود (١٤٠).
(٢) أخرجه النسائى (٨٦) من طريق معن به .
(٣) أخرجه ابن الجارود (٣٩)، وأبو عوانة (٦٧١)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٢٠/١ من طريق
روح بن عبادة وابن وهب وابن زیاد عن مالك به .
(٤) فى ص: (حنيفة)). وينظر سير أعلام النبلاء ٧/١٤.
(٥) أخرجه ابن حبان (١٤٣٩) عن أبى خليفة به .
(٦) فى ص: ((محمد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٣/٣٠.
٣٨٤
:

الموطأ
التمهيد
توضّأ، فلْيجَعلْ فى أنفِه ثم يستنثِرْ)) .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ الأمرُ بالاستنثارِ بالماءِ عندَ الوضوءِ، وذلك
دفعُ الماءِ بريحِ الأُنفِ بعدَ الاستنشاقِ ، والاستنشاقُ أخذُ الماءِ بريح الأنفِ من
الكفِّ، والاستئثارُ دفتُه، ومحالٌ أن يدفعَه مَن لم يأخُذْه، ففى الأمرِ بالاستنثارِ
أمرٌ بالاستنشاقِ، فافهَمْ. وعلى ما وصَفتُ لك فى الاستنشاقِ والاستئثارِ
جمهورُ العُلماءِ، وأصلُ هذه اللفظةِ فى اللغةِ القذفُ، يُقالُ: نَثَر واستنثَر. بمعنَّى
واحدٍ . وذلك إذا قذَف من أَنفِه ما استنشَق ، مثلَ الامتخاطِ . ويُقالُ: الجرادُ نثْرةُ
حوتٍ . أی : قذف به من أنفه. وقد روى ابنُ القاسمِ وابنُ وهب، عن مالكٍ
قال: الاستِثارُ أن يجعَلَ يدَه على أنفِه، ويستنثرَ. قيل لمالك: أيستثِرُ من غيرِ أن
يضَعَ يدَه على أنفِه؟ فأنكر ذلك، وقال: إنَّما يفعَلُ ذلك الحمارُ. وسُئلَ مالكٌ عن
المضمضة والاستئثارِ: أمّةً أم مرتينِ أم ثلاثًا؟ فقال: ما أبالى أَّ ذلك فعَلتُ .
وكلُّ ذلك ( واسعٌ و١جائزٌ عندَ مالكٍ وجميع أصحابِهِ ، أن يتمضمضَ ويستنثِرَ
من غُرفَةٍ واحدةٍ .
قال أبو عمرَ: أَمَّا لفظُ الاستنشاقِ، فلا يكادُ يوجدُ الأمرُ به إلَّا فى روايةٍ
همَّام، عن أبى هريرةً (١ ، وفى حديثٍ أبى رَزينِ العُقيلىِّ - واسمُه لَقيطُ بنُ
صيرةَ(١) - ويُوجدُ أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ تمضمض واستنشَق، من حديثٍ
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) سیأتی تخريجه ص ٣٨٨.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٣٨٦، ٣٨٧.
٣٨٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٥/٢ )

الموطأ
التمهيد عثمانَ(١)، وعلىٍّ(٢)، وعائشةً(٣)، وغيرِهم، من وُجوهٍ .
وأمّا لفظُ الاستِثَارِ، فمحفوظٌ الأمرُ به من حديثِ ابنِ عباسٍ(4)، ومن طريقٍ
أبى هريرةَ، من روايةِ أبى إدريسَ الخولانيّ(١)، والأعرج، وعيسى بن طلحةً(٢،
وغیرِهم، عن أبى هريرةَ. وقد ذكرنا خبر أبی إدريس الخولاني فی باب ابنٍ
شهابٍ، من كتابِنا هذا، وذكرنا هناك الحُكمَ فى الاستجمارِ ، وما للعلماءِ فى
ذلك من الوجوه ) والاختيار، وذكرنا أقوالهم فىالاستئثار فى باب زید بنِ
أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن الصُّنابحيّ(١)، من كتابِنا هذا، ونزيدُ القولَ هلهنا
بیانًا فى ذلك إن شاءَ اللهُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال : حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعیب ، قال : أخبرنا قُتییةُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا یحیی بنُ سُلیم ، عن
إسماعيلَ بنِ كثيرٍ، عن عاصم بنِ لَقيطٍ ، عن أبيه، قال : قلتُ : يا رسولَّ اللهِ،
أُخبِرْنى عن الوضوءِ؟ قال: ((أسبغ الوضُوءَ، وبالغْ فى الاستنشاقِ إِلَّ أن تكُونَ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥٨).
(٢) تقدم فى ص ٣٨٠، ٣٨١.
(٣) أخرجه النسائى (٢٤٣) والبيهقى ١٧٤/١.
(٤) سيأتى تخريجه الصفحة القادمة .
(٥) سيأتى فى الموطأ (٣٣).
(٦) أخرجه أحمد ٢٧٠/١٤ (٨٦٢٢)، والبخارى (٣٢٩٥)، ومسلم (٢٣/٢٣٨) من طريق
عیسی بن طلحة به .
(٧) فى ص، ص١٦، ص١٧: ((الوجوب)). وينظر ما سيأتى ص ٣٩٠ - ٤٠١.
(٨) سيأتى فى شرح الحديث (٥٩) من الموطأ.
٣٨٦

الموطأ
(١)
صائمًا))(١).
التمهید
ورواه الثورىُّ، عن أبى هاشم، عن عاصمِ بإسنادِهِ مثلَه(١).
ورواه ابنُ جريجٍ، عن إسماعيلَ بنِ كثيرٍ بإسنادِهِ مثلَه(٣).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال: حدَّثنا أبو
إسماعيلَ التّرمذىُّ، قال: حدَّثْنا نُعيمُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ ، قال :
أخبرنا أَبْنُّ أبى ذئبٍ، عن قارظِ بنِ شيبةً، عن أبى غطّفانَ، قال: دخَلتُ على ابنِ
عباسٍ فوجَدُّه يتوضَّأْ، فمضمض واستنثَر، ثم قال: قال رسولُ اللَّهِ وَه:
((استنثِرُوا اثنتين بالغتين أو ثلاثًا))(٤).
وذگره أبو داود ) ، عن إبراهيم بنِ موسی ، عن و کیعٍ ، عن ابنِ أبی ذئبٍ ،
عن قارظٍ، عن أبى غطّفانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَتِ:
« استنٹژُوا مرتین بالغتين)) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهير٢١ ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُکین، قال : حدثنا سفيان الثورىُّ ،
القبس
(١) النسائى (٨٧). وأخرجه أبو داود (١٤٢، ٢٣٦٦) من طريق قتيبة به، وابن حبان (١٠٥٤،
١٠٨٧) من طريق يحيى بن سليم به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٦/٢٦ (١٦٣٨٠)، والنسائى (٨٧) من طريق الثورى به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٠٩/٢٦، ٣٨٨/٢٩ (١٦٣٨٤، ١٧٨٤٦)، وأبو داود (١٤٤) من طريق ابن
جریج به .
(٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩٧) من طريق ابن المبارك به .
(٥) أبو داود (١٤١).
(٦ - ٦) ليس فى : الأصل.
٣٨٧

الموطأ
التمهيد عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، عن سلمةَ بنٍ قيسٍ، قال: قال لى
رسولُ اللهِ مَّهِ: ((إذا استنشَقتَ فانتُرْ، وإذا استجمَرتَ فَأَوْتِرْ))(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ ، قال:
حدَّثْنا نُعيمٌ ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قالَ: أخبرنا معمرٌ، عن همامٍ بنِ مُنِّهِ ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ نَِّ قال: ((إذا توضَّأ أحدُكم فلْيستنشِقْ بمَنْخَرِه من
الماءِ ثم لیثُرْه))(٢).
قال أبو عمرَ: هذا أبينُ حديثٍ فى الاستِنْشَاقِ والاستِثْثَارِ، وأصحُها
إسنادًا، وأجمع المسلمون طُرًّا أن الاستِنْشاقَ والاستِثْثارَ من الوضوءِ، وكذلك
المضمضةُ ومسح الأذنين .
واختلفوا فيمَن ترك ذلك ناسيًا أو عامدًا؛ فكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يذهَبُ
إلى أن مَن ترَك الاستئثارَ فى الوُضوءِ ناسيًا أو عامدًا، أعادَ الوضوءَ والصَّلاةَ. وبه
قال أبو ثورٍ ، وأبو عُبيدٍ ، فى الاستئثارِ خاصَّةً . وهو قولُ داودَ فى الاستئثارِ خاصَّةً
أيضًا. وكان أبو حنيفةً، والثَّورىُّ، وأصحابُهما، يذهبون إلى إيجابِ المضمضةِ
والاستِنْشاقِ فى الجنابةِ دونَ الوضوءِ. وكانت طائفةٌ تُوجِئُهما فى الوضوءِ
والجنابةِ . وقد تقدَّم ذكرُهم فى بابِ زيدِ بنِ أسلمَ(١) .
القبس
(١) أخرجه الفسوى فى المعرفة ١/ ٣٤٤، وابن قانع ٢٧٦/١، والطبرانى (٦٣٠٧) من طريق الفضل
ابن د کین به، وأخرجه أحمد ١١٥/٣١ (١٨٨١٧)، وابن حبان (١٤٣٦) من طريق الثورى به.
(٢) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (٥٦١) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أحمد ٥١٧/١٣
(٨١٩٤)، ومسلم (٢١/٢٣٧) من طريق معمر به .
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (٥٩) من الموطأ.
٣٨٨

الموطأ
التمهيد
وأمَّا مالك، والشافعىُّ، والأوزاعى، وأكثر أهلِ العلمِ، فإنهم ذهبوا إلى أن
لا فرضَ فى الوضوءِ واجبٌّ إلَّ ما ذكَرَه اللهُ عزَّ وجلَّ فى القرآنِ ، وذلك غَسلُ
الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأسِ، وغَسلُ الرّجلين، وقد مضَى القولُ
فى أحكامِ المضمضةِ والاستِنْشاقِ، ومسح الأذنين، مُستوعَبًا ممهّدًا بعللِه ،
وأوضحنا وجوه الأقاويل فیه عندَ ذکر حدیثِ الصُّنَابِچی فی بابِ زیدِ بنِ
أسلمَ(١)، وذكرنا أحكامَ الاستجمارِ والاستنجاء بالأحجارِ فى بابِ ابنِ شهابٍ،
عن أبى إدريسَ، من كتابِنا هذا، والحمدُ للهِ . والذى يتحصَّلُ من مذهبٍ مالك
أنَّ الوترَ فى الاستجمارِ ليس بواجبٍ ، ولكنَّه منذُوبٌ إليه سنةٌ. وقد تابع مالكًا
علی هذا جماعةٌ قد ذكرناهم فى بابٍ ابنٍ شهابٍ، عن أبى إدريسَ، من هذا
الكتاب)، وذكرنا الحُجَّةَ من جهةِ الأثرِ والنظرِ لهم ولمَن خالَفهم هناك،
والحمدُ للهِ . وقد كان ابنُ عمرَ يستحبُّ الوترَ فى تجميرٍ ثيابِه(٢) ، وكان يستعمِلُ
العمومَ فى قولِه ◌َا له: ((ومَن استجمَر فليوترْ)). فكان يستجمِرُ بالأحجارٍ وترًا،
وكان يُجمِرُ ثيابَه وترًا؛ تأسيًّا بالنبيِّ وَّهِ. ومستعمِلًا عمومَ الخطابِ واللهُ الموفقُ
للصوابٍ. وقد جاءَ فى الأثرِ المرفُوعِ: ((إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يحبُّ الوترَ))(٤).
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٥٩) من الموطأ .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ص ١٦.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٥٦/٢، ومسند أحمد ١١٩/١٠ (٥٨٨٠).
(٤) أخرجه أحمد ٤٦٩/١٢ (٧٥٠٢)، والبخارى (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبى
هريرة .
٣٨٩

٣٣ - وحدثنى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن أبى إدريسَ الخَوْلَانِيِّ،
الموطأ
عن أبى هريرةَ، أن [٧ ] رسولَ اللَّهِ وَ لَه قال: «مَن تَوَضَّأُ فَلْيَسْتَنْثِرْ، ومَن
اسْتَجْمَرَ فلْيُوتِرْ )).
قال يحيى : سمِعتُ مالكًا يقولُ فى الرجلِ يَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْثِرُ مِن
غَرْفَةٍ واحِدَةٍ : إِنَّهُ لا بأسَ بذلك .
التمهيد
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن أبى إدريسَ الخولانيٌّ، عن أبى هريرةَ ، أن
رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((من توضَّأ فلْيستنثِرْ، ومن استجمرَ فلْيُوتز))(١).
قال أبو عمرَ: لا يصِحُ عن مالكِ ولا عن ابنٍ شهابٍ فى هذا الحديثِ غيرُ
هذا الإسنادٍ، وقد وهِم فيه عثمانُ الطَّرائِفىُّ عن مالكٍ.
أخبرنا محمدٌ، حدَّثنا علىُ بنُ عمرَ، حدَّثنا أبو محمدٍ الحسينُ بنُّ أحمدَ بنِ
صالحٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ناجيةً، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ
المفُضَّلِ ، حدّثنا عثمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبى
سلمةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّقال: ((من توضَّأْ فَلْيستنثر، ومن استجمَرَ
فليُوتِزْ)) .
القبس
وأما قولُه: ((مَن استَجمَرَ فلْيُوتِرْ)). فإنه يعنى بذلك أن يكونَ بحجرٍ واحدٍ أو
ثلاثةٍ أو خمسةٍ، ولا يكونَ بالشفعِ؛ فإِنَّ النبيَّ وَلِّ كان يُحبُّ الوِتَرَ فى أفعالِهِ كُلُّها .
وقد روَى مسلمٌ: ((الاستِجمارُ توٌّ والطَّافُ تؤٌ))(١). يعنى وِتْرًا. واختلَف الناسُ
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧)، وبرواية أبى مصعب (٤٦). وأخرجه أحمد ١٥٤/١٢،
١٦٢/١٣ (٧٢٢١، ٧٧٣٠)، ومسلم (٢٢/٢٣٧)، والنسائى (٨٨)، وابن ماجه (٤٠٩)، وابن
خزيمة (٧٥) من طريق مالك به .
(٢) مسلم (١٣٠٠).
٣٩٠

الموطأ
التمهید
قال أبو الحسنِ علُّ بن عمر: هذا وهم، ولا یصُ فیه عن مالك ولا عن
الزهرىِّ غیرُ حديث أبي إدريس الخولاني ، وقد رواه اُسِیدُ بنُ عاصم ، عن بشرِ بنِ
عُمرَ، عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ،
عن النبيِّ وَِّ. وذلك أيضًا خطأ، والصوابُ ما فى ((الموطأ).
وقد مضَى القولُ فى الاستئثارِ وحُكمِه، وما للعلماءِ فى ذلك من الأقوالِ ،
فى بابٍ حديثٍ زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن الصُّنابحىّ ().
وأما الاستجمارُ فهو الاستطابةُ بالأحجارٍ، ومعناه إزالةُ الأُذى من المخرَجِ
بالأحجارِ . قال ابنُ الأنبارىِّ(١): معنى الاستجمارِ التَّمسُّحُ بالأحجارِ ، والجمارُ
عندَ العربِ الحجارةُ الصِّغارُ، وبه سُمِّيت جمارُ مكةً . قال : ومنه الحديثُ الذى
يُروى: ((إذا توضأتَ فانتُوْ، وإذا استجمرتَ فأَوتِزْ)).
القبس
فى التطيُّبٍ هل هو مِثلُه أم لا؟ فكان مالكٌ إذا أراد أن يتَجمَّرَ طِيبًا كسَر العودَ ثلاثَ
كِسَرٍ حتى يكونَ وِترًا. وروَى بعضُ أصحابِه أن أعرابًا قال له : إنا نُسمّى استعمالَ
الحجارةِ فى الغائطِ استجمارًا. فرجع إليه ، ومالكٌ كان أوسعَ حَوصلَةً من أن يكونَ
ذلك الأعرابي يلقِّئُه أنَّ استعمالَ الحجارةِ هناك يُسمَّى استجمارًا، وإنما أصغَى إليه
مالكٌ؛ لأَنَّه رآه يقتَصِرُ على ذلك الموضعِ ، ولم يفهَمْ حَملَه على العمومِ للَّفظةِ
المشترَكَةِ فى الطيبٍ والحجارةِ، وكلُّه نظافةٌ واستطابةٌ(٤).
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٥٩) من الموطأ.
(٢) محمد بن القاسم بن بشار أبو بكر بن الأنبارى، المقرئ اللغوى، له كتاب ((الوقف والابتداء))،
و((الأضداد))، و((المشكل)) وغيرها، توفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. تاريخ العلماء النحويين
ص ١٧٨، وسير أعلام النبلاء ٢٧٤/١٥.
(٣) فى ج، م: ((الوضع)).
(٤) بعده فى د: ((كمل الإملاء الرابع)).
٣٩١

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمر : هذا اللفظُ پرویه منصور ، عن هلال بنِپسافٍ ، عن سلمةَ بنِ
قيس الأشجعيِّ، عن النبيِّ ◌َ() .
قال ابنُ الأنبارىِّ: ومعنى الوترِ عندَهم أن يُوترَ من الجمارِ ، وهى الحجارةُ
الصِّغارُ، يقالُ: قد جمَّرَ الرَّجُلُ يُجمِّرُ تجميًا . إذا رمى جمارَ مكةً، قال عمرُ بنُ
.(٢)
أبى ربيعةً(٢) :
فلم أرَ كالتَّجميرِ منظَرَ ناظرٍ ولا كليالى الحجّ أقلَتنَ(٢) ذا هَوَى
أَقْلَتنَ، يعنى: أُهلَكنَ، والقلَتُ بفتح اللام: الهلاك ، ومنه قيل: المسافرُ على
قَلَتٍ إلا ما وقَى اللهُ منه (٤) .
قال أبو عمر : ويُروى: أَفْتَنَّ ذا هوَى(٥) و: يَفْتِنَّ ذا هوَى .
وهذا شعرٌ عَرَضت فيه قِصَّةٌ طريفةٌ لعُمرَ بن أبى ربيعةً مع سليمانَ بنِ عبدٍ
الملكِ(١) ، وهى حكايةٌ عجيبةٌ، حدَّثنيها عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یوسفَ ، قال :
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٨٨.
(٢) شرح ديوانه ص ٤٥٩.
(٣) فى ى، م، فى هذا الموضع والمواضع بعدها، ومصدر التخريج: ((أفلتن)). بالفاء. والمثبت من
غريب الحديث للخطابى ٨١/٣، وينظر اللسان (ق ل ت).
(٤) ينظر النهاية ٩٨/٤، وكشف الخفاء ٢٥٣/١.
(٥) الحيوان ٥/ ١٢٦.
(٦) سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموى الخليفة ، بويع له بعد أخيه الوليد سنة
ست وتسعين، وكان ديّنا فصيحا مفوها عادلًا محبًا للغزو، توفى سنة تسع وتسعين. سير أعلام
النبلاء ١١١/٥.
٣٩٢

الموطأ
أنبأنا العائذىُّ (١) ، قال: أنبأنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ جعفرِ الفَرغَانيُّ، التمهيد
قال: حدَّثنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بكرِ بنِ عمَّارِ الثَّقفىُّ البغدادىُّ،
قال: حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ الكوفىُّ، عن مصعبِ الزُّبیریِّ، عن
الضحاكِ بنِ عثمانَ، أنَّ سليمانَ بنَ عبدِ الملكِ حجّ فى خلافِهِ، فأرسلَ إلى عُمرَ
ابنِ أبى ربيعةً، فأتاهُ فقال له : أنت القائلُ:
وكم من قتيلٍ لا يُباءُ به دمّ ومن غَلِقٍ رهنًا إذا ضمَّه مِنَى
إذا راح نحوَ الجمرةِ البِيضُ كالدُّمَی
ومِن مالئٍّ عينَيهِ من شىءٍ غيرِه
خدال(١) إذا ولَینَ اعجازُها رِوی
يُسَحِبن أذيالَ المُرُوطِ بأسؤقٍ
فيا طُولَ ما شوقٍ ویا حُسنَ مُجتلَی
أوانسُ يسلُبن الحليمَ فؤادَه
ولا كليالى الحجّ أقلتن ذا هَوی(٣)
فلم أرَ كالتَّجميرِ منظرَ ناظرٍ
قال : نَعم . قال : لا جرَمَ ، واللهِ لا تشهدُ الحجّ مع الناسِ العام . وأخرجه إلى
الطائف .
وذکر هذا الخبرَ محمدُ بنُ خلفٍ(4) و کیت، قال : حدثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ،
قال : حدَّثْنا مُصعبُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حجّ سليمانُ بنُ عبدِ الملكِ وهو خليفةٌ ،
فأرسَلَ إلى عمرَ بنِ أبى ربيعةً، فقال له : ألستَ القائلَ:
القبس
(١) فى النسخ: ((العاندى)). وهو يحيى بن مالك بن عائذ. ينظر جذوة المقتبس ص ٣٧٩، وبغية
الملتمس ص ٥٠٧.
(٢) فى م: ((خوال)). والخدال: الممتلئة الضخمة. ينظر القاموس المحيط (خ د ل).
(٣) تنظر هذه الأبيات فى شرح ديوان عمر بن أبى ربيعة ص ٤٥٩.
(٤) بعده فى النسخ: ((أنبأنا)). ومحمد بن خلف هو القاضى أبو بكر المعروف بوكيع. تاريخ بغداد ٢٣٦/٥.
٣٩٣

الموطأ
فكم من قتيلٍ لا يُباءُ به دمّ ومن غِلِقٍ رهنًا إذا ضمَّه مِنَى
التمهيد
فذكَر الأبياتَ والخبرَ سواءً، إلا أنه قال :
خِدالٍ وأعجازٍ مآكِمُها(١) روى
يُسحُبْن أذيالَ المروطِ بأسؤق
ولم يذكُّرِ الضحاكَ بنَ عثمانَ .
وعرَضت له فيه أيضًا مع عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ قصةٌ يليقُ بأهلِ الدِّينِ الوقوفُ
عليها .
ذکر الزُّبیُ بنُ بگّارِ قال : حدّثنی محمدُ بنُ كُناسةً ، عن أبى بكر بن عياشٍ،
أن عُمرَ بنَ أبى ربيعةً قال هذا الشِّعرَ فى أمّ عمرَ بنتِ مزوانَ فى خبرٍ ذكره .
قال الزُّبِيرُ: وحدَّثنى مصعبُ بنُ عثمانَ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيز لمّاً ولِىَ
الخلافةَ لم يكنْ له همّ إلَّا عمرَ بنَ أبى ربيعةَ والأحوصَ، فكتبَ إلى عاملِه
بالمدينةِ: إِنِّى قد عرفتُ عمرَ والأحوصَ بالحُبُثِ والشّرّ، فإذا أتاك كتابى هذا
فاشدُدهما واحمِلْهما إلىّ. فلما أتاه الكتابُ حمَلهما إليه ، فأقبَل على عمرَ ، ثم
قال : هيه !
ولا كليالى الحجّ أَقْلَتنَ ذا هوَى
فلم أر كالتَّجميرِ منظرَ ناظرٍ
إذا راح نحو الجمرة البیضُ کالدُّمی
ومن مالىٌّ عينَيهِ من شىءٍ غيرِهِ
القبس
(١) المآكم، جمع المأكم، والمأكِمَّة بفتح الكاف وكسرها: لحمة على رأس الورك، وهما اثنتان ، أو
لحمتان وصلتا بين العجز والمَتْنين. القاموس المحيط (أ ك م).
:
٣٩٤

الموطأ
التمهيد
أما واللهِ لو اهتمَمتَ بحجّكِ لم تنظُرْ إلى شىءٍ غيرِك ، فإذا لم يفلتِ الناسُ
منك فى هذه الأيام ، فمتى يفلِتُون . ثم أمرَ بنفيه ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أَوَ خيرٌ
من ذلك ؟ قال: ما هو ؟ قال: أُعاهدُ اللهَ عزَّ وجلَّ على ألَّ أعودَ لمثلِ هذا الشِّعرِ،
ولا أذكُرَ النساءَ فى شعرٍ أبدًا، وأُجدِّدُ توبةً على يدَيكَ. قال: أوَ تفعلُ؟ قال :
نعم. فعاهَد الله على توبتهِ وخَلَّاه، ثم دعا بالأحوصِ فقال: هيه!
اللهُ بینی وبینَ قِيُّمِها
يهرُبُ مِنِّى بها وأتَّبعُ(١)
بلِ اللهُ بينَ قيِّمها وبينك . ثم أمرَ بنفيه ، فكلّمه فيه رجالٌ من الأنصارِ فأتى ،
وقال: واللهِ لا أَرُدُّه ما دامَ لى سلطانٌ، فإنه فاسقٌ مجاهرٌ(١).
والتَّجميرُ أيضًا فى لسانِ العربِ أن يُرمَى بالجُندِ فى ثَغرٍ من ثغورٍ المسلمين،
ثم لا يُؤذنَ لهم فى الرجوعِ ، قال محُميدٌ الأرقطُ(٢):
فاليومَ لا ظُلمٌ ولا تجمیؤُ(٤) ولا لغازٍ إن غزا تجمیرُ
وقال بعضُ الغُزاةِ المُجمّرين(٥) :
إلينا وإمَّا أن نَقُوبَ مُعاوِيا
مُعاوىَ إِمَّا أن تُجمِّرَ(٦) أهلَنا
القبس
(١) شعر الأحوص الأنصارى ص ١٤٤.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ١٤٩/١٣، ١٥٠.
(٣) الحيوان ١٢٦/٥.
(٤) فى مصدر التخريج: (تتبير)).
(٥) الحيوان ١٢٦/٥، واللسان (ج م ر).
(٦) فى الحيوان: ((تجهز)).
٣٩٥

الموطأ
ومنَّيتنا حتى ملِلنا الأمانيا
أجمرتنا إجمارَ كِسرَى جُنُودَه
التمهید
واختلف العلماءُ فى إزالة الأذى من المخرج بالماءِ أو بالأحجارِ، هل هو فرضٌ
واجبٌ أم سنَّةٌ مسنونةٌ ؟ فذهَب مالكٌ وأبو حنيفةً وأصحابُهما إلى أنَّ ذلك لیس
بواجبٍ فرضًا، وأنَّه سنةٌ لا ينبغى تركُها، وتاركُها عمدًا مُسىءٌ، فإن صلَّى
كذلك فلا إعادةً علیه ، إلا أن مالگا يستحبُّ له الإعادةَ فی الوقتِ ، وعلى ذلك
أصحابُه . والإعادةُ فى الوقتِ ليست بواجبةٍ عندَه ، ولا عندَ كلٌّ من قال كقولِه،
وإنما هو استدراكٌ لما فاته من الشُنَّةِ فى الوقتِ ، ولو وجب فى السُّننِ أن تُعادَ بعدَ
الوقتٍ لکانت کالفرائضِ فی وجوبها .
وقال الشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبو ثورٍ ، والطبرىُّ: الاستنجاءُ واجبٌ ،
لا تجزئُ صلاةُ من صلَّى دونَ أن يستنجىَ بالأحجارِ أو بالماءِ .
وموضعُ المخرجِ مخصوصٌ عندَ الجميعِ بالأحجارِ ، وأمَّا سائرُ البدنِ والقِّيابُ
فلا مدخلَ للأحجارِ فيها .
ويجوزُ عندَ مالكِ، وأبى حنيفةً وأصحابِهِ ، الاستنجاءُ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ
إذا ذهب النَّجسُ؛ لأنَّ الوترَ يقَعُ على الواحدِ فما فوقَه ( من الوترِ)). والوترُ
عندَهم مستحبٌّ وليس بواجبٍ . وإذا كان الاستنجاءُ عندَهم ليس بواجبٍ ،
فالوتر فيه أحرَى بألا يكونَ واجبًا، وقد رُوى عن النبيِّ وَّه فى ذلك: ((من فَعَل
فقد أحسَنَ، ومَن لا فلا حَرَجَ)).
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
٣٩٦

الموطأ
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ، حدَّثنا التمهيد
إبراهيمُ بنُّ موسى، حدَّثنا عيسى بنُ يُونسَ، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن الحُصينِ
الحُبُرانىُّ(١)، عن أبى سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((من
استجمّر فلْيوتِرْ، مَن فَعَل فقد أحسَن، ومَن لا فلا حَرَجَ)). الحديث(١).
وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ أن يُقْتَصَرَ على أقلّ من ثلاثةِ أحجارٍ . وهو قولُ
أحمدَ بن حنبلٍ. وإلى هذا ذهب أبو الفرجِ المالكىُّ .
ومن الحجّةِ لهذا القول ما حدَّثناه محمدُ بنُّ إبراهيم، حدَّثنا محمدُ بنُّ
معاويةً ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال : أنبأنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال :
حدَّثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ یزیدٌ ، عن
سلمانَ قال: قال له رجلٌ : إِنَّ صاحتکم لیُعلِّمُگم حتى الخراءَةَ . قال : أجلْ؛
نهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أو بولٍ، أو نستنجى بأيمانِنا، أو (٢) نكتفىَ بأقلَّ من
ثلاثةِ أحجارٍ(٤).
قال : وأخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن محمدٍ
القبس
(١) فى ى: ((الحرانى))، وفى م: ((الحرابى)). والمثبت من مصدر التخريج، ويقال فيه أيضا:
الحميرى. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٥٥٠.
(٢) أبو داود (٣٥). وأخرجه أحمد ٤٣٢/١٤ (٨٨٣٨) من طريق عيسى بن يونس به، وأخرجه
الدارمى (٦٨٩) وابن ماجه (٣٣٧) من طريق ثور بن يزيد به .
(٣) فى م: ((و)).
(٤) النسائى (٤١) وفى الكبرى (٤٠). وأخرجه أحمد ١٢٤/٣٩ (٢٣٧١٩)، ومسلم (٢٦٢)،
وأبو داود (٧)، والترمذى (١٦) من طريق أبى معاوية به .
٣٩٧

الموطأ
التمهید
ابن عجلانَ ، قال: أخبرنا القعقائُ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، عن
النبيِّ وَ لَّقال: «أنا لكم مثلُ الوالدِ أَعلِّمُكُم، فإذا ذهب أحدُكم إلى الخلاءِ فلا
يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبرها، ولا يستنجى" بيمينهِ)). وكان يأمرُ بثلاثةٍ
أحجارٍ ، وينهى عن الرَّوْثِ والرّمَّةِ(٢) .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهم: كلِّ ما قام مَقامَ الأحجارِ
من سائرِ الأشياءِ الطاهرةِ فجائزٌ أن يُستنجَى به ما لم يكنْ مأكولًا. وقال الطَّبرىُّ:
كلُّ طاهٍ وكلُّ نجسٍ أزال النَّجسَ أجزاً(٢) . وقال داودُ وأهلُ الظاهرِ: لا يجوزُ
الاستنجاءُ بغيرِ الأحجارِ الطاهرةِ .
والأحجارُ عندَهم مخصوصةٌ بتطهيرِ المخرج، كما أنَّ المخرجَ مخصوصٌ بأن
يُطَهَّرَ بالأحجارِ، فَتُجْزِئُ فيه عن(٤) الماءِ دونَ ما عداه . وقال مالكٌ، وأبو حنيفةً،
وأصحابُهما: إن استنجَّى بعظم أجزأه، وبئسَ ما صنَع. وقال الشافعىُّ: لا
يُجزئُ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّهِنَهى عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، ونهَى أَن يُستنجى بعظم،
والرَّمَّةُ العِظامُ، فلما طابقَ النَّهِىَ لم يَجُزْ.
القبس
(١) هكذا ياثبات الياء، وينظر إعراب الحديث النبوى ص ١٠١.
(٢) النسائى (٤٠). وأخرجه أحمد ٣٧٢/١٢ (٧٤٠٩) وابن خزيمة (٨٠)، وابن حبان (١٤٤٠)
من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه أحمد ٣٢٦/١٢ (٧٣٦٨)، وأبو داود (٨)، وابن ماجه
(٣١٢، ٣١٣) من طريق ابن عجلان به.
(٣) فى ى: ((أجزأه)).
(٤) فى ی: ((من)).
٣٩٨

الموطأ
وذكر أبو داودَ (١)، عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثنا روحُ بنُ عُبادةَ ، قال :
حدَّثنازكريا بنُ إسحاقَ ، حدَّثنا أبو الزبيرِ، أَنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ : نھَی
رسولُ اللهِ وَرِأن يُتمسَّحَ بعظم أو بعرٍ .
التمهيد
ولا فرقَ عندَ مالكٍ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهما، فى مخرج البول والغائط
بينَ المعتاداتِ وغيرِ المعتاداتِ ، أنَّ الحجارةَ تُجزئُ فيها فى السَّبيلينِ جميعًا . وهو
المشهورُ من قولِ الشافعىِّ. وقد رُوِىَ عن الشافعىِّ أنَّه لا يُجزئُّ فيما عدا الغائطَ
والبولَ إِلَّ الماءُ. قال: وكذلك ما عدا المخرج وما حولَه مما يُمكنُ التَّحفظُ منه، فإنه
لا يُجزئُ فيه الأحجارُ، ولا يُجزئُّ فيه إلا الماءُ.
وسيأتى القولُ فى المذي وحكمٍ غَسلِ الذَّكرِ منه فى بابِ أبى النَّضرِ() إن
شاء اللهُ .
وعندَ أصحابٍ مالكِ أنَّ ما حولَ المخرج مما لا بُدَّ منه فى الأغلبِ والعادةِ لا
يُجزئُ فيه إلا الماءُ. وهكذا حكى ابنُ خُوازِبَتْدادَ عنهم . وقد قالت طائفةٌ : إنَّ
الأحجارَ تُجزئُ فى مثل ذلك؛ لأنَّ ما لا يُمكنُ التَّحقُّظُ منه من الشرج حكمُه
حكمُ المخرج. قال: واختلَف أصحابُ الشافعىِّ؛ فقالوا مرَّةً: يُجزئُ فيه
الأحجارُ. ومرَّةً مثلَ قولِنا . وأما أبو حنيفةً وأصحابُه، فعلى أصلِهم أنَّ النجاسةَ
إذا لم تكنْ رَطبةً تزولُ بكلٌ ما أزال عينَها وأذهبها غيرِ الماءِ . وقدرُ الدِّرهمِ معقُوٌ
عنه أصلاً عندَ جميع العراقيينَ. وقال داودُ: النجاسةُ لا يُزِيلُها غيرُ الماءِ، وإذا
القبس
(١) أبو داود (٣٨).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٨٣) من الموطأ.
٣٩٩

الموطأ
زالت بأىِّ وجهٍ زالت أجزاً. ولا يحُدُّ(١) قدرَ الدرهم. قال مالكٌ: تجوزُ الصلاةُ
بالاستنجاءِ بالأحجارِ . والماءُ أحبُّ إليه، ويغسِلُ ما هنالك فيما يَستقبِلُ.
التمهيد
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: یستنجی بثلاثة أحجارٍ ، فإن لم تُنقِ زاد حتى
يُنْقِىَ، وإن أنقاه حجرٌ واحدٌ أجزأه، وكذلك غسلُه بالماءِ ، إن أنقاه بغسلةٍ
واحدةٍ، وذلك فى المخرجِ، وما عدا المخرجَ فإنما يُغسلُ بالماءِ . وهذا كلُّه قولُ مالك
وأصحابِهِ . وقال الأوزاعىُّ: تجوزُ ثلاثةُ أحجارٍ، والماءُ أطهرُ. وقال الشافعىُّ:
يجوزُ بالأحجارِ ما لم يعدُ المخرجَ، فإن عدا المخرجَ لم يجُزْ إلا الماءُ، والمهاجرونَ
كانوا لا يستنجونَ بالماءِ. وهو قولُ سعيدِ بن المُسَّبِ . ورُوِىَ عن حذيفةَ أنَّه سُئلَ
عن الاستنجاءِ بالماءِ فقال: إذن لا تزالُ يدى فى نتْنٍ(٢). وأما الأنصارُ فكانوا
يُتْبِعُونَ الأحجارَ بالماءِ ، وأثنى اللهُ عزَّ وجلَّ بذلك على أهلِ قُباءٍ .
والماءُ عندَ فقهاءِ الأمصارِ (١) أطهرُ وأطيبُ، والأحجارُ رخصةٌ تُجزئُ ، ومن
العلماءِ من جعل الاستنجاء واجبًا ، وسائر العلماءِ یستحبُّون الوتر . وقد روى ثورُ
ابنُّ يزيدَ الشَّامئُ، عن الحُصينِ الحُبُرانىّ(٤)، عن أبى سعيدٍ (*) ، عن أبى هريرةَ،
عن النبيِّ وَ ل﴿ قال: ((من اكتحَل فلْيُوتِرْ، مَن فَعَل فقد أحْسَنَ، ومَن لا فلا
حرج، ومن استجمر فلْيُوتِز، ومَن فَعَل فقد اخْسَنَ ، ومَن لا فلا حرج)). وذكر
القبس
(١) فى ى: ((نحد)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤١٧ .
(٣) فى م: ((الأنصار)).
(٤) فى النسخ: ((الجوانى)). وينظر ما تقدم ص ٣٩٧.
(٥) فى النسخ: ((معبد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٣/٣٣.
٤٠٠