النص المفهرس

صفحات 261-280

الشيطانَ أَتَّى بلالاً وهو قائمٌ يُصَلِّى، فأضْجَعَه، فلم يَزَلْ يُهَدِّثُه كما يُهَدَّأُ.
الصَّبِىُّ حتى نَامَ)). ثم دَعَا رسولُ اللَّهِ فَلَّهِ بِلالًا، فَأُخْبَرَ بلالٌ رسولَ اللَّهِ
لِلِّ مثلَ الذى أُخْبَرَ رسولُ اللَّهِ وَهِ أبا بكرٍ، فقال أبو بكرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ
رسولُ اللَّهِ .
الموطأ
التمهيد
مثلَ الذى أخبَر رسولُ اللهِ وَلِّأبا بكرٍ، فقال أبو بكرٍ: أَشْهدُ أنَّك رسولُ اللهِ(١).
هكذارُوِى(٢) هذا الحديثُ فى ((المُوطَّتِ))، لم يُسنِدْه عن زيدِ أحدٌ مِن رواةٍ
(المُوطَّ)، وقد جاء معناه مُتَّصلًا مُسنَدًا مِن وجوهٍ صِحاح ثابتةٍ فى نومِه وَّل عن
صلاةٍ الصبحِ فى سفرِه، روَى ذلك جماعةٌ مِن الصحابةِ ، وأظنُّها قِصَّةً لم تَعرِضْ
له إلَّ مرّةً واحدةً فيما تدُلُّ عليه الآثارُ، واللهُ أعلمُ، إلَّ أنَّ بعضَها فيه:
مَرجِعَه من ◌ُنَيْنٍ. وبعضَها فيه: مَرْجِعَه" مِن خيبرَ. كذا قال ابنُ شهابٍ،
عن سعيد بنِ المُسیَّبِ فی حدیثِه هذا(4) ، وهو أقوى ما يُروَى فى ذلك، وهو
القبس
يُعِقِبُهم بعدَ ذلك عُقبى جميلةٌ، حتى يتمنَّى العدوُّ أنه لم يكُنْ ما أرادَ فيهم(٥).
تنبية على مَقْصِدٍ: قد بيّنا أن مالكًا رحِمه اللهُ قصَد فى هذا الكتابِ التبيينَ
الأصولِ الفقهِ وفروعِه، ومِن جُملتِها مسألةٌ ذكّرها فى مواضِعَ مِن ((مُوطَّئِه)) وهى أن
شَرْعَ مَن قبلَنا شَوْعُ لنا . لا خِلافَ عندَ مالكٍ فيه، وقد نصَّ عليه فى كتابِ الدِّيَاتِ،
على ما يأتى إن شاءَ اللهُ.
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (٩٨١) من طريق مالك به.
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) تقدم فى الموطأ (٢٤) .
(٥) سقط من : ج ، م .
٢٦١

الموطأ
التمهید
الصحيحُ إن شاء اللهُ. وقولُ زيدِ بنِ أسلم فى حديثِه هذا: بطريقٍ مكةً . ليس
بمخالفٍ ؛ لأنَّ طريقَ خيبرَ وطريقَ مكةً من المدينةِ يُشبِهُ أن يكونَ واحدًا ، وربما
جعَلَتْه القوافلُ واحدًا. وحديثُ زيدٍ بن أسلمَ هذا مرسلٌ، وليس مما يُعارضُ
حدیثَ ابنِ شِهاپٍ) .
وفى حديث ابنٍ مسعودٍ: ((مَن يُوقِظُنَا؟)) . فقلتُ: أنا أُوقِظُكم (٢) . وليس
فى ذلك دليلٌ على أنها غيرُ قصة بلالٍ ؛ لأنَّه لم يقُلْ له : أيقِظْنا . ويحتَمِلُ ألا
يُجِيبَه إلى ذلك ويَأْمُرَ بلالًا. وقال ابنُ مسعودٍ فى هذا الحديثِ: زمَنَ الحُديبِيةِ .
وهو زمنٌ واحدٌ، فى عامٍ واحدٍ ؛ لأَنَّه مُنصَرَفَه مِن الحُدَيْبيَّةِ مضَى إلى خيبرَ مِن
القبس
والنكتةُ المشارُ إليها فى هذا الحديثِ قولُ النبىِّ وَّهِ: «فإن الله عزَّ وجلَّ يقولُ:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)) [طه: ١٤]. فهذا خِطابٌ لموسى عليه السلامُ أعلَمنا
النبىُ وَلِّ أنه مُتوجّة إلينا كتوجهِه إلى موسى وأُمْتِه .
استدراكٌ: وَتَيْن٣َ باحتجاج النبيِّ وَلِّ بها فى مسألتنا هذه مسألةٌ لُغويةٌ ،
وهى إضافةُ المصدَرِ إلى المفعولِ ، المعنى: أَقِم الصلاةَ إذ أخلَفتُ" لك الذكر لها.
وغيرُ ذلك مِن التأويلاتِ طائح؛ لأن النبيَّ وَلِّ قد بينَّ المراد بها، اللهم إلا أن سائر
التأويلاتِ لا يُعطيها الاشتقاقَ ويَشهَدُ لها سائرُ الأدلّةِ (٥).
(١ - ١) سقط من: ص ٤.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٠١، ٣٠٢.
(٣ - ٣) فى ج، م: ((اشتراك وتبيين)).
(٤ - ٤) فى د: ((إذا خلقت))، وفى م: ((إذا اختلف)).
(٥) بعده فى د: ((تم المجلس الثانى بحمد الله وعونه)).
٢٦٢

الموطأ
التمهید
عامِه ذلك، ففتَحها اللهُ عليه، وفى الحُديبيَّةِ نزَلَتْ: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ
كَثِيرَةٌ﴾ [الفتح: ٢٠]. يعنى خَيبرَ، وكذلك قسمها رسولُ اللهِ وَ لِّ على أهلِ
الحُديِيةِ . وروى خالدُ بنُّ سُميرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ، عن أبى قَتَادةً فى هذا
الحديثِ، أنَّه كان فى جيشِ الأمراءِ ) . وهذا وَهمّ عندَ الجميع؛ لأُنَّ جيشَ
الأَمراءِ كانَ فى غَزَاةٍ مُؤْتَّةً، وكانت سَرِيَّةً لم يَشهَدْها رسولُ اللهِ وَّةِ، كان
الأميرُ عليها زيدَ بنَ حارثةً، ثم جعفرَ بنَ أبى طالبٍ ، ثم عبدَ اللهِ بنَ رواحةً،
وفيها قُتِلوا رَحِمهم اللهُ .
وقد رَوَى هذا الحديثَ ثابتٌ البُنانئُ وسليمانُ التَّيمِىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ
المجلسُ الثالثُ
القبس
فائدةٌ: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((إِنَّ اللَّه قبض أرواحنا)). وقال: أَخَذ بنفْسى الذى
أخذ بنفسِك .
وقال عُلماؤُنا : هذا دليلٌ على أن النفْسَ والروحَ شىءٌ واحدٌ ، واسمعوا جعَلكم
اللهُ مَّن يَسْمَعُ: مسألةُ النفْسِ والروحِ ليس للشريعةِ فيها تَصْريحٌ، وإنما كلامُها
كلُّهُ(١) تلويح، حجَبها اللهُ عن الخلْقِ بالغيبِ . قال إمام الحرمين: وجعَل لهم فيها آيةً
فى الدَّلالةِ على التوحيدِ عظيمةً ، فإن بين جنبيك موجودًا ترَى أفعاله مشاهدةً ولا تقدرُ
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٨)، والبيهقى ٢١٦/٢، ٢١٧ من طريق خالد بن سمير به.
(٢) بعده فى ج، م: ((فيها)).
٢٦٣

الموطأ
رياحٍ (١)، على غيرِ ما رواه خالدُ بنُّ سُمَيرٍ، وما قالوه فهو عندَ العلماءِ الصوابُ،
التمهيد
دونَ ما قاله خالدُ بنُّ سُميرٍ. وقد قال عطاءُ بنُ يسارٍ : إنَّها كانت غزوةَ تَبُوكَ .
وهذا لا يَصِحُ، والآثارُ الصحاحُ على خلافٍ قولِهِ مُسنَدَةٌ ثابتةٌ ، وقولُه مرسلٌ .
ذكّره عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابنٍ جريج ، قال: أخبرنى سعدُ بنُ إبراهيمَ ، عن
عطاءِ بنِ يسارٍ، أَنَّها غزوةُ تَبُوكَ، وأنَّ النبيَّ ◌َهِ أَمَر بلالاً فَأَذَّنَ فى مَضجَعِه ذلك
بالأُولَی ، ثم مشوا قليلًا ، ثم أقام فصلُّوا الصبح. وسنذ گُ فى هذا الباب جميعَ
هذه الآثارِ إن شاءَ اللهُ .
ونومُه وَ ليه فى ذلك الوقتِ عن صلاةِ الصبح حتى طلَعتِ الشمسُ، أمرٌ
خارجٌ، واللهُ أعلمُ، عن عادَتِه وطباعِه وطباع الأنبياءِ قبلَه، وأظُنُّ الأنبياءَ
مخصُوصينَ بأنْ تنامَ أعينُهم ولا تنامَ قلوبُهم، على ما رُوى عنه ◌َّهِ، وأَما كانَ
نومُه ذلك ليكونَ سُنَّةً ، واللهُ أعلمُ، وليَعلمَ المؤمنُون كيف حُكمُ من نامَ عن الصلاةِ أو
نَسِيها حتى يخرجَ وقتُها، وهو من بابٍ قوله عليه السلامُ: ((إِنِّى لَأَنسَى - أو أُنْشَى -
لأسُنَّ))(٢). والذى كانت عليه جِبِلَّتُه وعادَتُه وَّهِ أَلا يُخامِرَ النومُ قلبَه، ولا
القبس أن تصِلَ إلى دَرْكِ حقيقتِه، ولا تحيطُ بكيفيةٍ صفتِه، فلا تَسْتنكِرنَّ وجود الإلهِ الذی
تُشاهِدُ أفعالَه ولا سبيل إلى الإحاطةِ به، ولا تَغْترَّنَّ بِمَن يقولُ: هى جسمٌ. أو: عرَضٌ،
فإن ذلك كلَّه ضَغْفٌ فى المعرفة ومرضٍ . وقد یئنافى كتابٍ (( المشکلین)) معنى الأخبارِ
الواردة فيها .
(١) تقدم تخريجه ص ٦٨، ٦٩ من طريق ثابت .
(٢) عبد الرزاق (٢٢٣٩) وسقط منه موضع الشاهد .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٢٢٢).
٢٦٤

الموطأ
التمهيد
يُخالِطَ نفسَه، وأَّما كانت تنائُ عينُه ( ولا ينام قلبُه)، وقد ثبت عنه وَّأَنَّه قال:
(إِنَّ عينىَّ تنامان، ولا ينام قلبى)). وهذا على العموم؛ لأَنَّه جاء عنه وَِّ: ((إِنَّا
معشرَ الأنبياءِ تنامُ أعينُنا، ولا تنام قلوبُنا)) (١) . ولا يجوزُ أنْ يكونَ مخصوصًا
القبس
تَلفيقٌ (١) : قال الأستاذُ أبو المظفَّرِ الإسفرائينىُّ: قال اللهُ عزَّ مِن قائل: ﴿اللَّهُ
يَتَوَنَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. فأخبر تعالى
أنه يتولَّاها(٥) فى الموضِعَيْن. وقال عزَّ وجلّ: ﴿قُلْ يَنْوَقَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُِّّلَ
[السجدة: ١١]. وقال تعالى فى موضع ثالثٍ: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ الْمَلَبِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]. والثلاثةُ الأحوالُ المتعدِّدةُ حالةٌ واحدةٌ فى
الحقيقةِ، ووَجْهُ الجمعِ بينَها أن الله تعالى هو الفاعلُ الأوَّلُ الكلِّىُّ، جعَل إلى مَلَكِ
الموتِ جزءًا مِن أفعالِه، وهو قبضُ الأرواح، قرّن به جنودًا مِن ملائكته وأوعَز إليهم أن
يتصَرَّفوا بأمرِهِ . فإِذا أمَر اللهُ الملَكَ فبادر إلى أمرِهِ أعوانُه وتولّوا حينئذٍ أَمْرَ ربِّهم، فإذا
نسبته إلى الأولِ الحقيقيّ قلتَ: إن الله قبض أرواحنا. وإذا نسبته إلى الواسطةِ المقدَّمِ
لذلك قلتَ: يَتوفَّهم مَلكُ الموتِ. وإذا نسبتَه إلى المباشِرينَ للفعلِ قلتَ: ﴿وَلَوْ تَرَىّ
لِذْ يَتَوََّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَبِكَةُ﴾. وانتظَمتْ بذلك الآياتُ الثلاثُ المختلفاتُ
فى الظاهرِ فى سِلْكِ الانتظامِ الواحدِ .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٤٤ .
(٣) فى م: ((تعليق)).
(٤) الإمام الأصولى الفقيه المفسر شاهفور بن طاهر بن محمد الإسفرائينى أبو المظفر ، الطوسى الشافعى ،
صاحب ((التفسير الكبير)). توفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء ٤٠١/١٨،
وطبقات الشافعية ١١/٥، وطبقات المفسرين ٢١٢/١.
(٥) فى م: ((يتوفاها)).
٢٦٥

الموطأ
التمهيد بذلك؛ لأنَّها حَصلَةٌ لم يعُدَّها فى السّتِّ التى أَوتيها ولم يُؤْتَها أحدٌ قبلَه من
الأنبياءِ، فلما أرادَ اللهُ منه ما أرادَ ، لِيُبيِّن لأُمَّتِه ◌َلتر، قبض رُوحَه ورُوحَ مَن معه
فى نومهم ذلك، وصرَفها إليهم بعد طلوع الشمس ؛ لُنِّن لهم مراده على لسانٍ
رسولِهِ وَّله. وعلى هذا التأويل جماعةُ أهلِ الفقهِ والأثرِ، وهو واضحٌ، والمخالفُ
فيه مبتدعٌ، وللكلامِ عليه موضعٌ غيرُ هذا، وبالله تعالى التوفيقُ .
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُّ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخضرِ الأسيوطى،
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبِ النسائِئُ، قال: أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن
سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقَبُرىِّ، عن أبى سَلمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أَنَّه أخبره
أَنَّه سأل عائشةَ أمَّ المؤمنين: كيف كانت صلاةُ رسولِ اللهِ وَّ فى
رمضانَ؟ فذكر الحديثَ. وفيه: قالت عائشةُ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ،
أتنامُ قبلَ أنْ تُوترَ؟ فقال: ((يا عائشةُ، إِنَّ عينىَّ تنامانٍ، ولا ينَامُ
(١)
قلیی)»(١).
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: عرَّسَ رسولُ اللهِ وَێِ. فلا خلافَ علِمتُه بیَ
أهلِ اللغةِ أنَّ التَّعريسَ نزولُ المسافرينَ فى آخرِ الليلِ ، ولا يقالُ لمن نزَل أولَ الليلِ :
(٢)
عَّسَْ".
وأمَّا قولُه: ((يُهدِّثُه كمَا يُهدَّأُ الصَّبيُ)). فمعناه: يُسكِّئُه ويُعَلِّلُه حتى نامَ .
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (١٤٢١)، وسيأتى فى الموطأ (٢٦٣).
(٢) تقدم التعليق على قول المصنف هذا ص ٢٤٢.
٢٦٦

الموطأ
التمهيد
وروَى أهلُ الحديثِ هذه اللفظةَ بتركِ الهمزِ (١) ، وأصلُها الهمزُ عندَ أهلِ اللغةِ .
قال إبراهيمُ بنُ هَوْمَةً(٢) :
خَوْدّ(٢) تُعاطِيكَ بعدَ رَقدتِها إذا يُلاقى العيونَ مَهدؤُها
ومنه الحديثُ: ((إيَّاكم والسمرَ بعدَ هَذْأَةِ الرَّجلِ(٤) )).
وفى فزع أصحابٍ رسولِ اللهِ وَّهِ حينَ انتبهوا لما فاتهم مِن صلاتِهم،
أوضح الدلائل على ما كان القومُ عليه مِن الوَجلِ والإشفاقِ والخوفِ لربّھم ،
وأظنُّهم ، واللهُ أعلمُ ، لم يكونوا عَلِموا أنَّ القلم مرفوعٌ عن النائم ، وأنَّ الإثمَ عنه
ساقطٌ؛ لأنَّهم بُعثَ إليهم وهم لا يعلمون شيئًا، فعرّفَهم رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَنَّ الإثمَ
عن النائم والنَّاسى ساقطٌ ، وأنَّ الصلاةَ غيرُ ساقطةٍ ، وأنَّه يَلزمُه فعلُها متى ما انتبَه
وذكرها . وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أنَّ فزعهم كان لخوفٍ عدۇهم ، ولیس فی شیءٍ
مِن الآثارِ ما يدلُّ على ذلك، ولا يَعرفُ أهلُ السيرِ أنَّ مُنصَرَفَه مِن خيبرَ ، أو مِن
الحُدَيبِيَةِ ، كان انصرافَ خائفٍ . وفى هذا الحديثِ لمن تدبَّره، ما يَبينُ به تأوِيلُنا؛
القبس
(١) قال الزرقانى: قال فى المطالع: هو بالهمز، أى: يسكنه وينومه من: هدّأت الصبى. إذا وضعت
يدك عليه لينام، ورواه المهلب بلا همز على التسهيل، ويقال أيضا: يهدنه. بالنون، وروى:
يهدهده، من: هدهدت الأم ولدها لينام، أى: حركته. شرح الزرقانى ٥٦/١.
(٢) شعر إبراهيم بن هرمة ص ٥٧.
(٣) الخود: الفتاة الحسنة الخَلق الشابة. القاموس (خ ود).
(٤) هدأة الرّجل: الهدأة والهدوء: السكون عن الحركات، أى: بعد ما يسكن الناس عن المشى
والاختلاف فى الطرق . النهاية ٢٤٩/٥.
وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٩٣) من الموطأ .
٢٦٧

الموطأ
التمهید
لأنَّ فيه: ثُمَّ انصرَف رسولُ اللهِ نَّه إليهم وقد رأَى مِن فزعِهم، فقال: ((يأيُّها
الناسُ، إِنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا)). الحديث. فآنسَهم رسولُ اللهِ وَِّ، وأخبرَهم
أُنَّ مَن نام عن الصلاة أو نسیھا ، قضاها إذا انته أو ذكر. وقال لهم عند ذلك فی
حديثٍ أبى قتادةَ: ((ليس التفريطُ فى النومِ ، إَما التفريطُ فى اليقظةِ لمن لم يُصلِّ
الصلاةَ حتى يدخُلَ وقتُ الأُخرى)(١). وقد قام رسولُ اللهِ وَلِّ حِينَ كسَفَتِ
الشَّمسُ إلى الصلاةِ فزِعًا يجُهُ ثَوبَه . رواه أبو بكرَةَ وغيرُه(١) . وذلك خوفٌ لرِّه،
وشفقةٌ مِن قيامِ الساعةِ .
وأما خروجه ◌َ لّ مِن ذلك الوادى وتركُه الصلاةَ فيه، فاختلف العلماءُ فى
ذلك ؛ فذهَب أكثرُ أهلِ الحجازِ، وجماعةٌ مِن أهلِ العراقِ ، إلى أنَّ العلةَ فيه ما بيَّنه
رسولُ اللهِ وَّه بقولِه: ((إِنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ)). ألا تَرى إلى قولِه عليه السَّلامُ:
((إنَّ الشيطانَ أتَى بلالاً فلم يزلْ يُهدُِّه كما يُهدَّأَ الصبىُ))؟ فأمرّهم رسولُ
اللهِ وَّ بالركوبِ والإسراعِ والخروجِ من ذلك الوادى؛ لأنَّه وادٍ به شيطانٌ ،
تشاؤُمًا بذلك الوادى، أو لِما شاءَ اللهُ مَّا هو أعلم به . وقد رُوی أنَّه قال فى هذا
الحديث: ((اخرجوا عن هذا الموضع الذى أصابتكم فيه الغفلةُ)». ذكره معمرٌ ،
عن الزهرىِّ فى حديثه (٢) . ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مِن بابٍ نهيه عن الصلاةِ فی مَعاطنٍ
الإبلِ، وقوله: ((إنَّها خُلِقَتْ مِن جنٍّ))(٤). واللهُ أعلمُ. ومِن هذا قولُ علىَّ:
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ص ٦٩.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٤٤٧) من الموطأ.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٣٦.
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (٤٠٥) من الموطأ .
٢٦٨

الموطأ
التمهيد
نهائى رسولُ اللهِ أَنْ أُصلِّيَ بأرضٍ بابِلَ، فإنَّها ملعونةٌ(١) . ومِن هذا الباب
أيضًا كراهيتُهم للصلاةِ فى موضع الخسفِ؛ لقولِهِ بَّهِ حينَ مرَّ بالحِجرِ مِن
ثمودَ: (( لا تدخلوا على هؤلاءِ المُعذّبين إلَّا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكينَ
فلا تَدخُلُوا عليهم، لا يُصِيبُكم ما أصابَهم)) (١). وقد رُوىَ أنَّ رسولَ اللهِ وَاللَّ
أتى وادِىَ ثمودَ أمَر الناسَ فَأُسرَعوا، وقال: ((هذا وادٍ ملعونٌ))(٢). ورُوِى عنه أَنَّه
أمَر بالعجينِ فطُرِح(٤) . فهذا كلُّه بابٌ واحدٌ لا تُدرَى عِلَّتُه حقيقةً، فوجَب أَنْ
يكونَ خُصوصًا مردودًا إلى الأُصولِ المُجُتَمَعِ عليها ، والدلائلِ الصحيحِ مجِيثُها .
وبالله تعالى التوفيق .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : العلةُ فى خروجِه مِن ذلك الوادى، أنَّه انتَبَه
والشمسُ طالعةٌ ، وذلك وقتٌ مِن سُنَتِهِ ألا تجوزَ الصلاةُ فيه، لا نافلةٌ ولا فريضةٌ
عندَهم؛ لنهي رسولِ اللهِ وَّر عن الصلاةِ عندَ طلوع الشمسِ وعندَ غروبِها ،
وذلك عندَهم على الفرضِ والنفلٍ، على حَسَبِ نهيِهِ عن صيامِ يومِ الفِطرِ
والأُضحَى ، فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يصومَ فيه فرضًا ولا نفلاً . واحتجوا بأشياءَ يطولُ
القبس
(١) سیأتی تخريجه ص ٢٧٨.
(٢) أخرجه البخارى (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠) من حديث ابن عمر.
(٣) أخرجه البزار (١٨٤٣ - کشف)، والطحاوى فى شرح المشکل ( ٣٧٤٦، ٣٧٤٧) من حديث
أُبی ذر.
(٤) أخرجه الطبرانى (٦٥٥٠ - ٦٥٥٢)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣٧٥٠ - ٣٧٥٢) من
حدیث سبرة بن معبد .
٢٦٩

الموطأ
التمهید
ذكرُها ؛ منها حديثُ مالكِ ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ، أنَّه قال : كان رسولُ
اللهِ وَِّ يقولُ: ((إذا بدا حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تَبرُزَ ، وإذا غاب
حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تَغيبَ)) (١). قالوا: وهذا على الفريضةِ
وغيرها . وقد ذگّزنا قولهم هذا، وذكرنا الحُبّةَ علیھم فیما ذهبوا إليه مِن ذلك
فيما تقدَّمَ مِن كتابِنا هذا.
وقد رُوِّينا عن النبيِّ ◌َلِّ أَنَّه لم ينتَبِه ذلك اليومَ إلَّ والشمسُ لها حرارةٌ ، ولا
يكونُ للشمسِ حرارةٌ ، إلَّا وقد ارتَفَعَتْ، وجازَتِ الصلاةُ عندَ الجميعِ، فبطَّل
تأويلُهم هذا إن شاءالله . وسنذ گرُ هذا الخبر وغیرَه مِن شکلِه فى هذا الباب بعونٍ
اللهِ. وتأوَّلوا فى قولِهِ وَلّهِ: ((مَن نام عن الصلاةِ أَو نَسِيها، فليُصلِّها إذا
ذكرها )) . أنَّ ذلك إعلامٌ منه بأنَّها غيرُ ساقطةٍ عن النائم والناسى ، لا أنَّها تُصلَّی
فى وقتِ الطلوعِ والغروبٍ. والحجةُ عليهم فيما ذهبوا إليه مِن هذا التأويلِ
قولُهُ وَالِهِ: ((مَن أدرَك ركعةً مِن الصبح قبلَ أنْ تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبح،
ومَن أَدرَك ركعةً مِن العصرِ قبلَ أنْ تغْرُبَ الشمسُ فقد أدرَك العصرَ))(١). ومعلوم
أنَّ ظاهِرَ هذا الحديثِ يُيُ الصلاةَ المفروضةَ عندَ طُلوعِ الشمسِ وعندَ غروبِها ،
وهذا نصّ یقطئُ الارتياب فى هذا الباب ، وقد تقدَّم مِن قولِنا فيه ما يُغْنی عن
إعادته هلهناً. وجاء عن عطاءِ بنِ أبى رباح، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ صلَّى فى
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥١٥).
(٢) تقدم فى الموطأ (٤) .
(٣) ينظر ما تقدم ص ١١٧ - ١٢٦.
٢٧٠

الموطأ
التمهيد
موضعِه ذلك ركعتَي الفجرِ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أخبرنى ابنُ مُجريج، عن عطاءٍ، أنَّ النبيَّ
بينما هو فى بعضٍ أسفارِه، فساروا ليلتَهم، حتى إذا كانوا فى آخِرِ الليلِ نزَلوا
للتَّعريسِ، فقال النبيُّ بَّهِ: ((مَن يُوقِظُنا للصُّبح؟)). فقال بلالٌ: أنا. فتَوسَّد
بلالٌ ذراعَه(٢) ، فلم يستيقِظُوا حتى طَلَعتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ وَِّ فتوضَّأ
ورَكَع ركعتَينِ فى مُعَرَّسِه، ثم سارَ ساعةً ، ثم صلّى الصبحَ. قال ابنُ جريجٍ :
فقلتُ لعطاءٍ : أىُّ سَفٍ هو؟ قال: لا أدِى .
قال أبو عمرَ: فى قولٍ عطاءٍ هذا ما يدُلُّ على أنَّ النبيَّ وَ لّه لم يُؤْخِّرْ صلاةَ
الصبح يومئذٍ ، ولم يخرُجْ مِن ذلك الوادى لما زعم العراقُون مِن أنّه انتبه فى وقتٍ
لا تجوزُ فيه الصلاةُ، ألا ترَى أنَّه صلَّى ركعتى الفَجرِ ثم مشَى ساعَةً، ولا خِلافَ
أنَّ الوقتَ الذى تجوزُ فيه النافلةُ ، فالفريضةُ أَحَرَى أنْ تجوزَ فيه . واختلف القائلونَ
بالقولِ الأولِ ؛ فقال منهم قائلون : مَن نام عن الصلاةِ فى سفرِهِ ، ثم انتَه ، لَزْمِه
الزَّوالُ عن ذلك الموضعِ، وإنْ كان واديًا خرَج عنه؛ لقولِهِ وَلَّهِ: ((إِنَّ الشيطانَ
أتَى بلالاً)). وقوله: ((اركبوا واخرُجوا مِن هذا الوادى، فإنَّه وادٍ به شيطانٌ)) .
قالوا : فكلٌ موضع يُصيبُ المسافرين أو غيرهم فيه مثلُ ما أصاب أصحاب رسولٍ
اللهِ وَّ معه عليه السلامُ فى ذلك الموضعِ؛ مِن النومٍ عن الصلاة حتى يخرجُ
وقتُها، فواجبٌ الخروجُ عنه، وإقامةُ الصلاةِ فى غيرِهِ؛ لأَنَّه موضعُ شيطانٍ ،
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٢٣٨).
(٢) فى المصنف: ((ذراع ناقته)).
٢٧١

الموطأ
وموضعّ ملعونٌ. ونزَعوا بنحوِ ما قدَّمنا ذكرَه مِن العللِ.
التمهید
وقال منهم آخرون: أمَّا ذلك الوادى وحدَه ، إِنْ عُلِم وعرَض فيه مثلُ ذلك
العارضِ، فواجبٌ الخروج منه، على ما صنَع رسولُ اللهِ وَّټ يومئذٍ ، وأمّا سائرُ
المواضعِ فلا ، وذلك الموضعُ وحدَه مخصوصٌ بذلك؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]. وقال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن نامَ عن
صلاةٍ أو نسِيّها ، فليُصلِّها إذا ذكرها)). وهذا على عمومِه ، لم يَخُصَّ موضعًا مِن
موضعٍ، إلّا ما جاء فى ذلك الوادى خاصَّةً .
وقال آخرون : کلَّ مَن انتبه إلى صلاةٍ مِن نوم ، أو ذكّر بعدَ نسيانٍ ، فواجبٌ
علیه أن يُقیم صلاته بأعجل ما مُکِنُه، ويُصلِّها كما أُمِر فی کلِّ موضع ؛ واديًا
كان أو غيرَ وادٍ ، إذا كان الموضعُ طاهرًا ، وسواءٌ ذلك الوادى وغيرُه؛ لأُنَّ ذلك
كان خصوصًا له وَّ، وكان يَعلمُ من مُضورِ الشيطانِ فى الموضع ما لا يَعْلَمُ
غيرُه، وقد جاء عنه وَلِّ أنَّه قال: ((مُجُعِلت لِىَ الأرضُ كلُّها مسجدًا
وطهورًا)) (١). ولم يَخُصَّ ذلك الوادىَ مِن غيرِه.
حدَّثنا الحسينُ بنُ يعقوبَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ فحلُونَ، قال: حدَّثنا
يوسفُ بنُ يحيى ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ ، قال: سمِعتُ مُطرّفًا وابنَ
الماجِشُون يقولان : لا يلزَمُ الناسَ أنْ يقتادوا شيئًا إذا استيقظوا فى أسفارِهم وقد
طَلَعتِ الشمسُ؛ لأنَّهم لا يعلمون مِن ذلك ما عَلِم رسولُ اللهِ وَلِّ. قالا: ومَن
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٢٧٦ - ٢٧٨ .
٢٧٢

الموطأ
ابتُلىَ بمثلٍ ذلك فى ذلك الوادى أو غيرِه، صلَّى فيه ولم يخرُجْ منه .
التمهيد
قال أبو عمرَ : القولُ المختار عندنا فى هذا البابِ أَنَّ ذلك الوادى وغیرَه مِن
بقاع الأرضِ جائزٌ أنْ يُصلَّى فيها كلِّها، ما لم تكنْ فيها نجاسةٌ مُتَيقَّةٌ تمنَعُ مِن
ذلك، ولا معنى لاعتلالٍ مَن اعتلَّ بأنَّ موضع النوم عن الصلاةِ موضعُ شیطانٍ
وموضعٌ ملعونٌ لا يجبُ (١) أنْ تُقامَ فيه الصلاةُ؛ لأَنَّا لا نعرفُ الموضعَ الذى ينفكُ
عن١٢ الشياطين، ولا الموضعَ الذى تحضُرُه الشياطينُ. وكلَّ ما رُوِى فى هذا
المعنى ؛ مِن النهي عن الصلاةِ فى المقبرةٍ ، وبأرضٍ بابلَ ، وفى الحمّامِ ، وفى أعطانٍ
الإبلِ(٢)، والخروجِ مِن ذلك الوادِى، وغير ذلك مما فى هذا المعنى مما قد تقدَّم
ذِكرُنا له، كلُّ ذلك عندنا منسوخٌ ومدفوعٌ بعمومٍ قولِهِ وَله: ((نجعِلتْ لىَ
الأرضُ كلُّها مسجدًا وطهورًا)). وقولُه هذا وَِّ مُخبرٌ أنَّ ذلك مِن فضائِلِه وممّا
خُصَّ به ، وفضائلُه عندَ أهلِ العلمِ لا يجوزُ عليها النسخُ ولا التبديلُ ولا النقصُ،
قال ◌َّهِ: ((أَوتِيتُ خمسًا)). وقد رُوى: ((سِتُّ)). وقد رُوِى: ((ثلاثٌ)).
و: ((أربعٌ)). وهى تَنتَهى إلى أزيدَ مِن سبعٍ، قال فيهنَّ: ((لم يُؤْتَهنَّ أحدٌ قبلی ؛
يُعِثتُ إلى الأحمرِ والأسودِ ، ونُصِرتُ بالرعبِ مسيرةً شهرٍ، وُجُعِلتْ أمتى خيرَ
الأمم، وأُحِلَّتْ لىّ الغنائمُ ولم تُحَلَّ لأحدٍ قبلى، وجعِلتْ لىَ الأرضُ كلُّها
مسجدًا وطَهورًا، وأَوتيتُ الشفاعةَ، وبُعثتُ بجوامع الكلم، وبينما أنا
القبس
(١) فى م: ((يجوز)).
(٢) فى ص ٤: ((من)).
(٣) ينظر ما سيأتى ص ٢٧٨ - ٢٨٠.
٢٧٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٨/٢ )

الموطأ
التمهید
نائمٌ أَتِيتُ بمفاتح) كنوزِ الأرضِ فوُضِعتْ بين يدىَّ، وأُعطيتُ الكوثرَ، وهو
خيرٌ كثيرٌ وعدَنِيه ربِّى، وهو حوضٌ ترِدُ عليه أَمَّتى يومَ القيامةِ، آنِيَتُه عددُ
النجومِ، مَن شَرِب منه لم يَظمأُ(١) أبدًا، وخُتِم بِىَ النبيُّون)). وهذه المعانى رواها
جماعةٌ مِن الصحابةِ ، وبعضُهم يذكُرُ بعضَها، ويذكُرُ بعضُهم ما لم يذكُرْ
غيرُه(٢)، وهى صحاحٌ كلُّها، وإنْ لم تَتمِعْ بإسنادٍ واحدٍ، فهى فى أسانِيدَ
صَحيحَةٍ ثابتةٍ ، وجائزٌ على فضائِلِه الزيادةُ، وغيرُ جائزٍ فيها النقصانُ ، ألا ترى
أنَّه كان عبدًا قبلَ أنْ یکون نبيًّا ، ثم كان نبيًّا قبلَ أن يكون رسولاً ! و کذلكژُوِی
عنه وَِّ أنَّه قال: ((كنتُ عبدًا قبلَ أنْ أكونَ نبيًّا، ونبيًّا قبلَ أنْ أكونَ
رسولًاً))(4). وقال: ((ما أدرِى ما يُفعلُ بى ولا بكم)). ثم نزَلت: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾(١) [الفتح: ٢]. وسَمِع رجلًا يقولُ له: يا خيرَ البَرِيَّةِ.
فقال: ((ذاك (١) إبراهيمٌ)) (١). وقال: ((لا يقولَنَّ أحدُ كم: إنی خیرٌ مِن یونسَ بنِ
القبس
(١ - ١) فى م: ((أوتيت بمفاتيح)).
(٢) بعده فى ص ٤: ((بعدها)).
(٣) فى م: ((الآخرون)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٠٧٦) مختصرا. وقال الحافظ: رجاله ثقات إلا أنه مرسل. فتح البارى
٣١٥/٢.
(٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٢١/٢١ عن ابن عباس موقوفًا .
(٦) فى م، والترمذى: ((ذلك)).
(٧) أخرجه أحمد ٢١١/٢٠، ٢٥٤، ٢٥٥ (١٢٨٢٦، ١٢٩٠٧، ١٢٩٠٨)، ومسلم
(٢٣٦٩)، وأبو داود (٤٦٧٢)، والترمذى (٣٣٥٢)، والنسائی فی الکبری (١١٦٩٢) من حديث
أُنس .
٢٧٤

الموطأ
التمهيد
مثَّى)) (١) . وقال: ((السيدُ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ)). ثم قال
بعدَ ذلك كلِّه: ((أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ))(٢). ففضائلُه ◌َلِّ لم تَزَلْ تزدادُ إلى
أنْ قبضه اللهُ. فمِنْ هُنا قُلنا: إنَّه لا يجوزُ عليها النسخُ ، ولا الاستثناءُ، ولا
النقصانُ، وجائزٌ فيها الزيادةُ. وبقولِهِ نَّله: (( جُعلَتْ لِىَ الأرضُ كلُّها مسجدًا
وطهورًا)). أجّزنا الصلاةَ فى المقبرةِ والحمَّامِ وفى كلٌّ موضع مِن الأرضِ إذا كان
طاهرًا مِن الأنجاسِ ؛ لأَنَّه عمومُ فضيلةٍ لا يجوزُ عليها الخصوصُ. ولو صحَّ عنه
عليه السلامُ أَنَّه قال: ((الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلَّ المقبرةَ والحمّامَ)) (١). فكيف وفى
إسنادٍ هذا الخبرِ مِن الضعفِ ما يمنعُ الاحتجاجَ به؟ فلو صحَّ لكان معناه أنْ يكونَ
مُتقدِّمًا لقوله: (( جعلتْ لِيَ الأرضُ كلُّها مسجدًا وطهورًا)). ويكونَ هذا القولُ
مُتأخِّرًا عنه ، فيكونَ زیادةً فیما فضَّله اللهُ به عليه(٤) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ ، قال: حدّثنا
بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن أبى مالك
الأشجعىِّ، عن رِبعِىٌّ بنِ حِراشِ(٥)، عن حذيفةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ :
(( فُضِّلنا على الناسِ بثلاثٍ؛ جعلتِ الأرضُ كلُّها لنا مسجدًا، وجعلتْ تُربَتُها
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٣٥/٦ (٣٧٠٣، ٤١٩٦، ٤١٩٧)، والبخارى (٣٤٠٦، ٣٤١٢، ٤٨٠٤)
من حديث ابن مسعود .
(٢) أخرجه أحمد ٥٧٠/١٦ (١٠٩٧٢)، ومسلم (٢٢٧٨)، وأبو داود (٤٦٧٣) من حديث أبى
هريرة .
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٧٩ .
(٤) فى م: ((وَلِـ)).
(٥) فى م: ((خراش)). وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٥٤.
٢٧٥

الموطأ
طهورًا))(١). وذكر الحديثَ .
التمهيد
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ قراءةً عليه وأنا أسمعُ ، أنَّ سعيدَ بنَ عثمانَ
حدَّثُهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ
البُخارىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: حدَّثنَا هُشيمٌ، قال: حدّثنا
سيَّارٌ، هو أبو الحكم، قال: حدَّثنا يزيدُ الفقيرُ، قال: حدَّثنا جابرُ بنُ عبدِ اللهِ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهُنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قبلى؛
نُصرتُ بالرعبِ مسيرةَ شهرٍ ، وجعلتْ لىَ الأرضُ طهورًا ومسجدًا ، فأيُّما رجلٍ
مِن أمَّتى أدركته الصلاةُ فليُصلِّ، وأُحلَّت لىَ الغنائمُ ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومِه
خاصةً ، وبُعثتُ إلى الناسِ كافةً، وأُعطيتُ الشفاعةَ))(٢).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةً، قال :
حدَّثنا يزيدُ بنُّ هارونَ، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((جعلتْ لىَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا))(" ..
القبس
(١) أخرجه ابن حبان (١٦٩٧) من طريق مسدد به، وأخرجه الطيالسى (٤١٨)، والبزار
(٢٨٣٦)، وأبو عوانة (٨٧٤)، والبيهقى ٢١٣/١ من طريق أبى عوانة به.
(٢) أخرجه البغوى فى شرح السنة (٣٦١٦) من طريق محمد بن يوسف به، وهو عند البخارى
(٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢) وأخرجه أحمد ١٦٥/٢٢ (١٤٢٦٤)، ومسلم (٥٢١)، والنسائى
(٤٣٠، ٧٣٥) من طريق هشيم به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٠٧/١٦، ٣٠٨ (١٠٥١٧)، وابن الجارود (١٢٣)، والبغوى فى شرح السنة
(٣٦١٨) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٣٣/١١ عن على بن مسهر، عن
محمد بن عمرو به .
٢٧٦

الموطأ
قال: وحدثنا یزیدُ بنُ هارون ، قال : أخبرنا سلیمانُ الثَّمئُ ، عن سيَّارِ ، عن
أبى أمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((فُضِّلتُ بأربع؛ مجعلتْ لىَ الأرضُ
مسجدًا وطهورًا)). وذكّر الحديثَ(١).
التمهید
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدّثنا
سفيانُ ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيم الثَّیمیِّ ، سمِع أباه، سمِع أبا ذرِّ
قال: قال لى رسولُ اللهِ وَّهِ: ((حيثُما أدرَكَتكَ الصلاةُ فصلٌ؛ فإنَّ الأرضَ
كلَّها مسجدٌ)). مختصرًا(٢).
وعن الأعمشِ أيضًا ، عن مجاهدٍ ، عن عُبیدِ بنِ عُمیرٍ ، عن أبى ذرٍّ، عن
النبيِّ وَِّ مثلَه(٣) .
ورُوى عن النبيِّ ◌َّ أَنَّه قال: ((جُعِلتْ لى الأرضُ مسجدًا وطهورًا)). فى تعديد
فضائِله ◌َ ل ﴿ مِن وجوه كثيرةٍ؛ مِن حديث علىٍّ بن أبى طالبٍ ، وابنٍ عباسٍ،
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٨٠٠٢) من طريق أبى بكر بن أبى شيبة به، وأخرجه أحمد ٥٤٣/٣٦
(٢٢٢٠٩)، والطبرانى (٨٠٠٢)، والبيهقى ٢١٢/١، ٤٣٣/٢ من طريق يزيد بن هارون به.
(٢) الحميدى (١٣٤). وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٢/٢، والبخارى (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠) من
طريق الأعمش به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٤/٣٥، ٢٤٢ (٢١٢٩٩، ٢١٣١٤)، وأبو داود (٤٨٩) من طريق الأعمش به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٣٤/١١، وأحمد ١٥٦/٢، ٤٦٠، ٤٦١ (٧٦٣، ١٣٦١).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٢/٢، ٤٣٢/١١، ٤٣٣، وأحمد ١١٩/٤، ٤٧١، ٤٧٢
(٢٢٥٦، ٢٧٤٢).
٢٧٧

الموطأ
التمهید
وجابرٍ، وأبى هريرةَ، وأبى موسى(١)، وحذيفةَ. وهى آثارٌ كلُّها صحاح ثابتةٌ ،
كرِهتُ(١) ذكرها بأسانيدِها خشيةَ الإطالةِ. وقد ذكرها كلَّها أو أكثرَها أبو بكرٍ
ابنُ أبى شيبةَ، فى أولِ كتابِ الفَضائِلِ مِن ((مُصنَّقِه))(٢).
وأمَّا حديثُ المقبرةِ ، فرواه ابنُ وهبٍ، عن ابنٍ لَهِيعةً ويحيى بنِ أزهَرَ ؛ فمرةً
قال: عن عَمارِ بنِ سعدٍ المرادىِّ، عن أبى صالحِ الغِفارىِّ، عن علىٍّ بن أبى
طالبٍ . ومرةً قال : عن ابنٍ لَهِيعَةً ويحيى بنِ أَزهرَ ، عن الحجّاج بنِ شدَّادٍ ، عن
أبى صالح الغفارىِّ، عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ، قال: نهائى حِّى(6)،وَلِ أَنْ أُصلِّىَ
فى المقبرة، ونهانى أنْ أَصلِّىَ فى أرضٍ بابلَ؛ فإِنَّها ملعونةٌ(١) . وهذا إسنادٌ
ضعيفٌ، مجتمَعٌ على ضعفِه، وهو مع هذا منقطعٌ غيرُ مُتَّصلٍ بعلىٍّ رضِى اللهُ
عنه . وعمَّارٌ، والحجّاجُ، ويحيى، مجهولون لا يُعرفون بغيرِ هذا، وابنُ لَهِيعَةً
ضعيفٌ() . وأبو صالح هذا هو سعیدُ بنُ عبد الرحمنِ الغِفارىُّ ، مصرىٌّ ، لیس
بمشهورٍ أيضًا، ولا يَصحُ له سماعٌ مِن علىِّ.
وفى هذا الباب عن علىٍ مِن قوله غیرَ مرفوعٍ ، حديثٌ حسنُ الإسنادِ ، رواه
أبو نُعیم الفضلُ بنُ دُکینٍ، قال حدثنا المُغیرةُ بنُ ابی اُر الکِندِىُّ ، قال :حدَّثنی
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٣٣/١١، وأحمد ٥١٢/٣٢، ٥١٣ (١٩٧٣٥).
(٢) فى ص ٤: ((تركت)).
(٣) المصنف ٤٣٠/١١ وما بعدها .
(٤) فى ص ٤، م: (حبيبى).
(٥) أخرجه أبو داود ( ٤٩٠، ٤٩١) - ومن طريقه البيهقى ٤٥١/٢ - من طريق ابن وهب به.
(٦) فى م: ((ويحيى بن أزهر ضعيفان لا يحتج بهما ولا بمثلهما)).
٢٧٨

الموطأ
التمهيد
أبو العَنبَسِ مُجرُ بنُ عنبسٍٍ ، قال: خرجنا مع علىٍّ إلى الحُرُورِيَّةِ، فلما جاوزنا
سُورًا(١) وقَع بأرضٍ بابلَ ، قُلنا: يا أميرَ المؤمنين، أَمسيتَ ، الصلاةَ الصلاةَ . فأَبِى
أنْ يُكلِّمَ أحدًا ، قالُوا: يا أميرَ المؤمنينَ ، أليسَ قد أَمسيتَ؟ قال: بلى، ولكنِّى لا
أُصلِّى فى أرضٍ خَسَف اللهُ بها(٢) . والمُغيرةُ بنُ أبى الحُرُ كوفىٌ ثقةٌ . قاله ابنُ معينٍ
وغيرُهُ(١) ، وحُجُ بنُ عنبسٍ مِن كبارٍ أصحابٍ علىٍّ رضِىَ اللهُ عنه . وفى النھي
عن الصلاة فى المقبرة حديث آخر أيضًا ، رواه عبدُ الواحدِ بنُ زیادٍ ، عن عمرو بنِ
يحيى المازِنيّ، عن أبيه، عن أبى سعيد الخُدرىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال:
((الأرضُ كلُّها مسجدٌ إِلَّ المقبرةَ والحمّامَ)) (٤) . وهذا الحديثُ رواه ابنُ عُيينةً، عن
عمرٍو بنٍ يحيى ، عن أبيه مُؤْسلًاً®) . فسقَط الاحتجاج به عندَ مَن لا يَرَى المرسلَ
حُجَّةٌ ، ولو ثبَت كان الوجهُ فيه ما ذكرنا . ولسنا نقولُ كما قال بعضُ المنتجِلينَ
المذهبِ المدنيّينَ: إِنَّ المقبرةَ المذكورةَ فى هذا الحديثِ وغيرِهِ أُرِيدَ بها مقبرةٌ
المشركينَ خاصةً . وهذا قولٌ لا دليلَ عليه مِن كتابٍ ولا سنةٍ ، ولا خبرٍ صحيحٍ،
القبس
(١) فى ص ٤، وتفسير القرطبى ٥٠/١٠: (سوريا)). وسورا: موضع بالعراق من أرض بابل.
معجم البلدان ١٨٤/٣، ١٨٥.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٧/٢ من طريق المغيرة بن أبى الحر الكندى به .
(٣) الجرح والتعديل ٢٢١/٨.
(٤) أخرجه أحمد ٤١١/١٨ (١١٩١٩)، وأبو داود (٤٩٢)، وابن خزيمة (٧٩١) من طريق
عبد الواحد بن زياد به .
(٥) أخرجه الشافعى ٩٢/١ عن ابن عيينة به .
(٦) بعده فى م: ((وليس مثله مما يحتج به)). وينظر تفسير القرطبى ٥١/١٠.
٢٧٩

الموطأ
التمهيد ولا له مدخلٌ فی القیاس ولا فى المعقول، ولا دلَّ علیه فحوی الخطاب ، ولا
خرَج عليه الخبرُ. واحتجَّ قائلُ هذا القولِ بما رواه ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى
يحيى بنُّ أَيُّوبَ، عن زيدِ بنِ جَبِيرَةَ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((لا يُصلَّى فى سبع مواطنَ؛ فى المزبلةِ،
والمجزرةِ ، والمقبرةٍ، ومحَّةِ الطريقِ، والحمَّامِ، ومعاطنِ الإبلِ، وفوقَ بيتٍ
اللهِ عزَّ وجلَّ))(١) . وهذا حديث انفرد به زيدُ بنُ جَبیرَةَ، وأنگروه عليه، ولا
يُعرفُ هذا الحديثُ مُسندًا إلَّا مِن رواية يحيى بنٍ أَيُّوبَ ، عن زيدِ بنِ جَبيرً،
وقد كتب اللَّيثُ بنُّ سعدٍ إلى عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ مولى ابنِ عمرَ يسألُّه عن هذا
الحديثِ ، فكتب إليه عبدُ اللهِ بنُ نافعٍ: لا أعلمُ مَن حدَّث بهذا عن نافع إلَّا
قد قال عليه الباطلَ. ذكَره الحُلُوانىُ، عن سعيدِ بنِ أبى مريمَ، عن اللَّيثِ.
فصحّ بهذا وشِبهِه أنَّ الحديثَ منكرّ لا يجوزُ أنْ يُحتَّ عندَ أهلِ العلمِ بمثلِهِ ،
على أنَّه ليس فيه تخصيصُ مَقبَرةِ المُشرِكِينَ مِن غيرِها . وأمَّا حديثُ أبى سعيدٍ
الخُدرىِّ ففيه مِن العلةِ ما وصَفنا، وليس فيه إلّ المقبرةَ والحمَّامَ، بالألفِ
واللَّمِ، فغيرُ جائٍ أنْ يُردَّ ذلك إلى مقبرةٍ دونَ مقبرةٍ، أو حمَّامٍ دونَ حمَّامٍ،
بغيرِ توقيفٍ عليه. ولا يخلو تخصيصُ مَن خصَّصِ مقبرةَ المشركين مِن أُحدٍ
وجهين؛ إِمَّا أنْ يكونَ مِن أجلِ اختلافٍ الكفارِ إليها بأقدامِهم، فلا معنى
لخصوصِ المقبرةِ بالذكرٍ ؛ لأنَّ كلَّ موضعِ هم فيه بأجسامِهم وأقدامِهم فهو
القبس
.
(١) موطأ ابن وهب (٤٤٥) - ومن طريقه البيهقى ٣٢٩/٢.
٢٨٠