النص المفهرس

صفحات 241-260

الموطأ
نومَه عن الصلاةِ فى سفرِه كان فى حينٍ قُفولِه من خيبرَ، وقد اختُلِفَ عن مالكِ التمهيد
فى ذلك ؛ فرُوِى عنه فى هذا الحديثِ: حين قفَل من خيبرَ . والقُفولُ الرجومُ من
السفرِ، ولا يقالُ: قفَل . إذا سافَر مُبتدئًا. قال صاحبُ العَينِ: قفَل الجندُ قُفولًا
وقَفْلًا ، إذا رجعوا ، وقفَلتُهم أنا أيضًا - هكذا على وزنٍ: ضرَبتُهم - وهم القَفَلُ.
وفيه أيضًا خروجُ الإمامِ بنفسِه فى الغزواتِ ، وذلك سُنّةٌ . وكذلك إرسالُه
الشّرايا، كلُّ ذلك سنةٌ مسنونةٌ .
وأما قولُه: أَشْرَى. ففيه لغتانٍ: سرَى وأَشْرى، قال اللهُ عزَّ وجلَّ:
سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [الإسراء: ١]. فهذا
رباعىّ، وقال امرؤُ القيس(١) :
سرَيتُ بهم حتى تكِلَّ مطيُّهم وحتى الجيادُ ما يُقدنَ بأرسانٍ(٢)
وهذا ثلاثىٌّ، وقرِئ: ﴿أَنْ أَسْرٍ بِعِبَادِى﴾ [طه: ٧٧]. بالوصلِ والقطعِ،
على الثلاثىّ والرباعىّ جميعًا(١) . وقال النابغةُ (٤):
أَسْرَتْ عليه من الجوزاءِ(٥) ساريةٌ تُرْجِى الشَّمالُ عليه جامدَ البرَدِ
القبس
(١) ديوانه ص ٩٣ وفيه: ((مطوتُ بهم)) بدلًا من: ((سريت)). ولا شاهد فيه. والبيت فى اللسان
(غ ز ی) كرواية المصنف .
(٢) أرسان جمع رسن: الحبل، وما كان من زمام على أنف. القاموس المحيط (رس ن).
(٣) قرأ نافع وأبو جعفروابن كثير بوصل الألف وكسر النون وصلا ، ويبتدئون بكسر الهمزة ، وقرأ أبو عمرو
وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف بقطع الهمزة مفتوحة. النشر ٢١٨/٢.
(٤) ديوانه ص ٨ وفيه: ((سرت)). وينظر رواية المصنف فى التوضيح والبيان ص ٢٦.
(٥) الجوزاء: أحد بروج السماء، بين الثور والسرطان، وزمنه من ٢١ مايو إلى ٢١ يونية. الوسيط
(ج وز).
٢٤١
( موسوعة شروح الموطأ ١٦/٢ )

الموطأ
فجمعَ بين اللغتين .
التمهيد
والشُرى مشىُ الليلِ وسيرُه، وهى لفظةٌ مؤنثةٌ، قال الشاعرُ(١):
وقد جدًّ شوقٌ مُطمِئ فى وصالِكِ
وليل وصلنا بين قُطريه بالشّرى
.5
أُعَدنَ الطريقَ النَّهجَ وَعْرَ المَسالكِ
أربّتْ علینا من دُجاهُ خنادسٌ(٢)
(٣)
وقال غيره(٣):
وآخر یأتی رزقُه وهو نائمُ
يفوتُ الغِنَی مَن لا ینامُ عن الشری
ولا يقالُ لمشي النَّهارِ: سُرِّى. ومنه المثَلُ السَّائرُ: عندَ الصباحِ يَحمَدُ القومُ
(٤)
الشری(٤) .
فأما قولُه: حتى إذا كان من آخرِ الليلِ عرَّس. فالتعريسُ النزولُ فى آخرٍ
الليلِ، كما فى الحديثِ . ولا تسمّى العربُ نزولَ أولِ الليلِ تعریسًا، كذلك قال
أهلُ اللغة(٩) . و کذلك فی حدیث عطاءِ بنِ ابی رباحالذى ذكرناه : حتىإذا كان
آخرُ الليلِ نزَلوا للتعريسِ (١). فكلُّهم قال: آخرُ الليلِ. وهو المعروفُ عندَ العربِ.
القبس
(١) البيتان لبعض الشاميين المتأخرين. الدر الفريد ١٢٩/٥.
(٢) الحنادس : جمع الخنْدِس، وهو الليل المظلم. ينظر القاموس المحيط (حندس).
(٣) هو الناشئ الأخصِّئُ. الدر الفريد ٥١٠/٥.
(٤) أول من قال ذلك خالد بن الوليد، يضرب للرجل يحتمل المشقة، رجاء الراحة . مجمع الأمثال ٣١٨/٢.
(٥) قال النووى: هكذا قاله الخليل والجمهور، وقال أبو زيد: هو النزول أى وقت كان من ليل أو
نهار. وفى الحديث: معرسون فى نحر الظهيرة. صحيح مسلم بشرح النووى ١٨٢/٥. وينظر
النوادر لأبى زيد ص ٢١٢.
(٦) سيأتى تخريجه ص ٢٧١ .
٢٤٢

الموطأ
وأما قولُه: ((اكلأُ لنا الصبحَ)). فمعناه: ارقُبْ لنا الصبحَ، واحفَظْ علينا التمهيد
وقتَ صلاتِنا . وأصلُ الكِلَاءِ الحفظُ والرِّعايةُ والَنَعُ ، وهى كلمةٌ مهموزةٌ ، منها
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] .
ومنها قولُ ابنٍ هَرْمةً(١) :
إن سُليمى واللهُ يكلؤُها ضنَّت بشىءٍ ما كان يرزؤُها
وفى هذا الحديثِ أيضًا إباحةُ الاستخدامِ بالصاحبِ فى السفرِ وإن
كان مًُّا؛ لأن بلالًا كان فى ذلك الوقتِ حُدًّا؛ كان أبو بكرٍ اشتراه
بمكةَ فأعتقه، وله ولاؤُه، وذلك قبلَ الهجرةِ، وكانت خيبرُ فى سنةٍ
ستِّ من الهجرة (١) .
وفيه أن رسولَ اللهِ وَّله كان ينامُ أحيانًا نومًا يُشبِهُ نومَ الآدميِّين، وذلك إنما
كان منه غِبًّا، لمعنّى يُرِيدُ اللهُ إحداثَه، وليَسُنَّ لأَمتِه سنَّةٌ تبقى بعدَه، يدُلُّك على
ذلك قولُهُ وَّهِ: ((إنى لأنسَى، أو أُنشَى، لأَسْرَّ))(٣). وقولُه فى حديثِ العلاءِ
ابنِ خبَّابٍ، أن النبيَّ وَ لَه قال: ((لو شاء اللهُ لأيقَظنا، ولكنْ أراد أن تكونَ سنَّةً
لمن بعدَكم)) (٤). وأما طبعُه وجبلَّتُه وعادتُه المعروفةُ منه ومن الأنبياءِ قبلَه، فما
حكاه عن نفسِه وَله: ((إن عينىَّ تنامان، ولا ينامُ قلبى)) ) . فأطلق ذلك عن
القبس
(١) شعر إبراهيم بن هرمة ص ٥٥.
(٢) قال ابن كثير: الصحيح أن ذلك فى أول سنة سبع. البداية والنهاية ٢٤٩/٦.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٢٢٢).
(٤) علقه البيهقى فى الأسماء والصفات عقب الحديث (٢٩٠).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٢٦٣)، وفى ص ٢٦٦.
٢٤٣
:

الموطأ
التمهيد
نفسِهِ إِطلاقًا غيرَ مُقِيَّدٍ بوقتٍ. وفى حديثٍ آخرَ: ((إِنَّا معشرَ(١) الأنبياءِ تنامُ أعينُنا
ولا تنامُ قلوبُنا))(١). فأخبر أن كلَّ الأنبياءِ كذلك. ومما يُصحِّحُ ذلك قولُهُ وَلـ
لأصحابِه : ((تراصُّوا فى الصَّفِّ؛ فإنِّى أراكم من وراء ظهرى))(٢). فهذه جِبَّتُه
وخِلْقتُه وعادتُه وَّهِ، فأمَّا نومُه فى السفرِ عن الصلاةِ، فكانَ خَرْقَ عادتِه ليَسُنَّ
لِأُمَّتِه ، ويُعرِّفَهم بما يجِبُ على مَن نام منهم عن صلاتِه حتى يخرُجَ وقتُها ،
وكيف العملُ فى ذلك، وجعَل اللهُ نومَه سبًا لما جرَى له فى ذلك اليومِ() من
تعلیمِه أُمّتَه وتبصيرهم. وقد ذكرنا الآثار الواردة فى هذا المعنى ، فى بابٍ زيدِ بنِ
أسلمَ من هذا الكتابِ (٢) ، ولا سبيلَ إلى حملها على الائتلافِ والاتفاقِ إلَّا على
ما ذكرناه، وغيرُ جائزٍ حملُ أخبارِه، إذا صحَّت عنه، على التناقضِ عندَ أهلِ
الإسلام؛ لأنه لا يجوزُ فيها النَّسخُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا الحُسينىُ، قال: حدَّثنا الطَّحاوىُّ،
قال : حدَّثنا المُزنى، قال: سمِعتُ الشافعىَّ يقولُ: رؤيا الأنبياءِ وحىّ(٦). وقد
رُوِّينا عن ابنِ عباسٍ رضِى اللهُ عنه أنه قال: رؤيا الأنبياءِ وحىٍ (). وتلا: ﴿ إِنّ
القبس
(١) فى م: ((معاشر)).
(٢) أخرجه ابن سعد ١٧١/١ عن عطاء مرسلًا.
(٣) أخرجه البخارى (٧١٨، ٧٢٥)، ومسلم (٤٣٤)، والنسائى (٨١٣، ٨٤٤) من حديث
أنس .
(٤) فى م: ((النوم)).
(٥) ينظر ما سيأتى ص ٢٦٤ - ٢٦٦.
(٦) أخرجه البيهقى ١٥٤/٨ من طريق الربيع بن سليمان عن الشافعى .
(٧) أخرجه الطبرانى (١٢٣٠٢)، والحاكم ٤٣١/٢، ٣٩٦/٤.
٢٤٤

الموطأ
التمهید
أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىِّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾
[الصافات: ١٠٢]. وهذا يدلّ على أن قلوبهم لا تنام، ألا تری إلی حدیثِ ابنِ
عباسٍ أن رسولَ اللهِ نَّه نام حتى نفَخ، ثم صلَّى ولم يتوضَّأُ، ثم قال:
((إِن عينىَّ تنامان، ولا ينامُ قلبى))(١). والنومُ إنما يُحكَمُ له بحُكمِ الحدثِ
إذا خَمَر القلبَ وخامَره (٢)، وكان رسولُ اللهِ وَلَهَ لا يُخامِرُ النومُ قلبَه،
وقولُهُ وَّه: ((إنى لستُ كهيئتكم، إنى أبيتُ أُطِعَمُ وأُسْقَى))(٣). ومثلُ
هذا كثيرٌ.
:
فإن قال قائلٌ: إِن فى قولِهِ وَلِّ: ((مَن يَكْلَأُ لنا الصبح؟)). دليلًا على أن مِن
عادتِه النومَ . قيل له: لم تُنْعِم (٤) النظرَ، ولو أنعَمتَه(٥) لعلِمتَ أنَّ المعنى: مَن يرقُبُ
لنا انفجارَ الصبح فيُشعِرَنا به فى أولِ طلوعِه؟ لأَنَّ مَن نامت عيناه لم يرَ هذا فى
أولِه ، ونومُ العينِ يَمنَعُ من مثلِ هذا لا نومُ القلبِ ، وكان شأنُه التَّغليسَ بالصبحِ،
وكان بلالٌ من أعلم الناسٍ بذلك ، فلذلك أمَره بمراقبةِ الفجرِ ، لا أن عادتَه كانت
النومَ المعروفَ من سائرِ الناسِ . واللهُ أعلمُ .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً(٢)، عن محمدِ بنِ فُضيلٍ ، عن يزيدَ بنِ أُبی زیادٍ ، عن تميم
القبس
(١) أخرجه البخارى (٦٩٨)، ومسلم (١٨٤/٧٦٣)، وابن حبان (٢٦٢٦)، وعندهم إلى قوله :
(((ولم يتوضأ)).
(٢) خمر القلب وخامره: ستره. القاموس المحيط ( خ م ر ).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦٧٥، ٦٧٦).
(٤) فى م: ((تمعن)). وأنعم النظر فى الشىء، إذا أطال الفكرة فيه. ينظر اللسان (ن ع م).
(٥) فى م: ((أمعنته)).
(٦) ابن أبى شيبة ٨٢/٢.
٢٤٥

الموطأ
ابنِ سلمةَ، عن مسروقٍ قال: ما أُحبُّ أن لِيَ الدنيا وما فيها بصلاةِ رسولِ اللهِ
رَلر بعدَ طلوع الشمسِ.
التمهید
وذگره أيضًا عن عَبیدةً بنِ حُمیدٍ ، عن يزيد بنِ أُبی زیادٍ، عن تميم بنِ
سلمةً ، عن مسروق ، عن ابنِ عباسٍ ".
وهذا عندى ، واللهُ أعلمُ ، لأنه أَعلَمَ أمَّتَه أن مرادَ اللهِ تعالى من الصلاةِ أن
تُقضَى فى وقتٍ آخرَ، كما قال تعالى فى الصيامِ: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾
[البقرة: ١٨٤]. وليس كالحجّ وعرفةً والضحايا والجمارِ، وقد أوضحنا هذا المعنى
فى كتابٍ ((الاستذكارِ )) (١). وليس فى تخصيصٍ النائم والناسي بالذكرٍ فى
قضاءِ الصلاةِ ما يُسقِطُ قضاءَها عن العامدِ لتركِها حتى يخرُجَ وقتُها ، بل فيه
أوضحُ الدلائلِ على أن العامدَ المأثومَ أولى أن يُؤْمرَ بالقضاءِ من الناسى المتجاوَزِ
عنه، والنائم المعذورِ، وإنما ذُكِر النائمُ والناسى؛ لئلا يَتوهَّمَ مُتوهِّم أنهما
لمّ رُفِع عنهما الإثمُ، سقَط القضاءُ عنهما فيما وجَب عليهما، فأبان ◌َِه
أن ذلك غيرُ مُسقطٍ عنهما قضاءَ الصلاةِ، وأنها واجبةٌ عليهما متى ما
ذكراها، والعامدُ لا مَحَالَةً ذاكِرٌ لها، فوجَب عليه قضاؤُها، والاستغفارُ
من تأخيرِها؛ لعموم قولِهِ وَله: ((فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
لِذِكْرِىّ﴾)). وقد قضاها عليه السلام بعد خروج وقتها يوم الخندقِ من غيرِ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٨٢/٢، وسيأتى تخريجه ص ٣٠٣.
(٢) ينظر الاستذكار ٣٠٠/١ من النسخة المطبوعة.
٢٤٦

الموطأ
التمهيد
نسيانٍ ولا نوم، إلّا أنه شُغِل عنها(١). وأجاز لمَن أدرَك ركعةً من العصرِ أن يصلَّىَ
تمامَها بعد خروج وقتها. وقد زِدْنا هذا بيانًا وإيضاحًا فى كتابٍ
((الاستذكارِ))(١) . والحمدُ للهِ .
وفى فزَعِ رَسُولِ اللهِ وَ لَهَ دليلٌ على أن ذلك لم يكنْ من عادتِه
منذُ بُعِث. واللهُ أعلمُ .
ولا معنى لقولٍ مَن قال: إِن فزعَ رَسُولِ اللهِ وَ لو كان من أجلِ العدوِّ الذى
کان یتبعهم ؛ لأن رسولَ اللهِ ﴾آلے لم يتبعه عدوٌّ فی انصرافِه من خییر، ولا فی
انصرافهمن حنین ، ولا ذكر ذلك أحدٌ من أهلِ المغازى ، بل كان منصرفُه فى كلتا
الغزوتين غانمًا ظافرًا، قد هزَم عدوَّه، وظفِر به وقمَعه، والحمدُ للهِ. وأمَّا فزعُ
أصحابِهِ فى غيرِ هذا الحديثِ، فَلِمَا رأَوْا من فزعِه، وقد فزِعوا حينَ قدَّمُوا
عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ يُصلِّى لهم فى غزوةٍ تَبُوكَ، حينَ خرَج رسولُ اللهِ وَلتِ مع
المغيرةِ بنِ شعبةَ، فتوضَّأ ومسح على خُقَّيه، وانتظَرُوه، وخَشُوا فواتَ الوقتِ ،
فقدَّمُوا عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ يؤمُّهم، فجاء رسولُ اللهِ وَلِّ وقد صلَّى بهم
عبدُ الرحمنِ ركعةٌ، ففزِعَ الناسُ، فلمَّا فرَغ رسولُ اللهِ وَ لَه قال:
((أحسَنتم)) (١). يغبِطُهم أن صلَّؤًا الصلاةَ لوقتِها. هكذا نقَله جماعةٌ من
أصحابٍ ابنٍ شهابٍ. وقد قام رسولُ اللهِ وَ التر إلى صلاة الكسوفِ فِعًا يُرُّ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٤٤٥).
(٢) ينظر الاستذكار ٣٠٢/١ من النسخة المطبوعة .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٧٠).
٢٤٧

الموطأ
التمھید
ثوبَه(١) . ويَحتمِلُ أن يكونَ فزعُهم شفقةً وتأسُّفًا على ما فاتهم من وقتِ الصلاةِ،
ولعلَّهم حسِبوا أن الصلاةَ قد فاتتهم أصلًا، فلحِقهم الفزعُ والحزنُ لفؤْتِ الأُجرِ
والفضلِ، ولم يعرِفوا أن خروج الوقتِ لا يُسقِطُ فرضَ الصلاةِ ، حتى قال لهم
رسولُ اللهِ ێِ: (مَن نام عن صلاةٍ أو نسِیها، فليصلِّها إذا ذكرها ، كما كان
يُصلِّيها لوقتِها)) (٢). فأخبَرهم أنَّها غيرُ ساقطةٍ عنهم، وإذ(١) لم تسقُطْ عنهم
صلَّوْها، وإذا صلَّوْها أدرَ كوا أجرَها إن شاءَ اللهُ. وأعلَمهم وَلِّ فى حديثٍ أبى
قتادةَ أن الإثمَ عنهم فى ذلك ساقطٌ بقولِه: (( ليس التفريطُ فى النوم ، إنّما التفريطُ
فى اليقظةِ))(١). وفى بعضِ ألفاظِ حديثٍ أبى قتادةَ أنَّ رسولَ اللهِ وَِّقال: ((إنَّ
الصلاةَ لا تفوتُ النائمَ ، إنما تفوتُ اليقظانَ)). ثم توضّأ وصلَّى بهم(٥).
وفى هذا الحديثِ تخصيصٌ لقوله عليه السلامُ: ((رُفع القلمُ عن النائم حتى
يَستيقِظَ ))(١) . وبيانُ ذلك أنَّ رفعَ القلمِ عنه هاهنا من جهةٍ رفعِ المأثمِ ، لا من جهةٍ
رفع الفرض عنه ، وأن ذلك ليس من باب قوله: (( وعن الصيئِ حتى يحتلِمَ )) .
وإن كان ذلك جاء فى أثرٍ واحدٍ ، فقِفْ على هذا الأصلِ .
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٤٤٧) من الموطأ .
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٤، ٢٥).
(٣) فى م: ((إذا)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٦٩.
(٥) أخرجه أحمد ٢٦٦/٣٧ (٢٢٥٧٥).
(٦) أخرجه الطيالسى (١٤٨٥)، وأحمد ٢٢٤/٤١ (٢٤٦٩٤)، وأبو داود (٤٣٩٨) من حديث
عائشة .
٢٤٨

الموطأ
التمهيد
وأما قولُ بلالٍ : أَخَذ بنفسى الذى أخَذ بنفسكَ . يقولُ : إذا كنت أنتَ فى
منزلتِكَ مِن اللهِ قد غلَبتكَ عينُك، وقُبِضت نفسُك، فأنا أحرَى بذلك. وفى هذا
دليلٌ على طلبِ الحُجَجَةِ والإدلاءِ بها .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ ، عن الزُّهرىِّ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال :
دخَل رسولُ اللهِ وَّهِ على علىٍّ وفاطمةَ، وهما نائمان فقال: ((ألا تُصلُّوا؟))
فقال علىّ: يا رسولَ اللهِ ، إنما أنفسنا بيدِ اللهِ ، فإذا أراد أن يبعَثَها بعثها . فانصرف
عنهما وهو يقولُ: ((﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾)) [الكهف: ٥٤].
ورواه الليثُ ، عن عُقيلٍ ، عن الزُّهرىِّ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، أنَّ الحسينَ بنَ
علىَّ حدَّثه، عن عليّ بن أبى طالبٍ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ طِرَقه وفاطمةً. فذكر
الحديثَ. وفى آخرِه: فانصرَف رسولُ اللهِ وَّله حين قلتُ له ذلك، فسمِعتُه
وهو مدبرٌ يضرِبُ فخِذَه وهو يقولُ: ((﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ
(٢)
جَدَلاً﴾))(٢).
وأما قولُ بلالٍ فى هذا الحديثِ : أَخَذ بنفسى الذى أَخَذ بنفسِكَ . فمعناه :
قبض نفسى الذى قبَض نفسَك . والباءُ زائدةٌ ، أى: توفَّى نفْسى مُتوفِّى نفسِكَ.
والتَّوفِى هو القبضُ نفسُه، يعنى أن الله عزَّ وجلَّ قِبَض نفسَه. وهذا قولُ مَن جعَل
النفسَ الرُّوحَ، وجعَلهما شيئًا واحدًا؛ لأَنَّه قد قال فى غيرِ هذا الحديثِ: ((إن الله
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٢٤٤).
(٢) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٩٥٥)، ومسلم (٧٧٥)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد
المسند ١٧/٢ (٥٧٥) من طريق الليث به.
٢٤٩

الموطأ
التمهيد
قبض أرواحنا)). فنصَّ على أنَّ المقبوضَ هو الرُّوحُ، وفى القرآنِ: ﴿اَللَّهُ يَتَوَفَّى
اُلْأَنفُسَ حِينَ مَوْنِهَا وَالَِّ لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: ٤٢]. ومَن قال: إن
النفسَ غيرُ الرُّوحِ. تأوَّل قولَ بلالٍ: أخَذ بنفسى من النوم ما أخَذ بنفسِك منه .
وقد تقدّم القولُ فی النفس والُّوح مُستوعًا فى بابٍ زیدِ بنِ أسلم من كتابنا
هذا (١) ، فأغنى عن إعادته .
أما قولُه : « اقتادُوا شيئًا)) . فمعناه عند أهلِ المدينةِ ما ذكره زيدُ بنُّ أسلم فی
حديثِهِ، وهو قولُهُ مَِّهِ: ((إِنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ)).وقد تقدَّم القولُ فى هذا ، فى
بابٍ مُرسلٍ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا(٢) ، فأغنى عن إعادتِهِ . وقال أهلُ العراقِ :
معنى اقتيادِ النبيِّ وَله وأصحابِهِ رواحلَهم حتى خرجوا من الوادى، إنما كان
تأخيرًا للصلاةِ؛ لأنهم انتبهُوا فى وقتٍ لا تُجُوزُ فيه صلاةٌ، وذلك عندَ طلوع
الشمسِ. وزعَموا أن نهىَ رسولِ اللهِ نَّه عن الصلاةِ عندَ طلوعِ الشمسِ وعندَ
غُروبها يقتضِى الفريضةَ والنافلةَ وكلَّ صلاةٍ مفروضةٍ ومسنونةٍ . واحتُوا من
الآثارِ بنحوِ حديثٍ مالكٍ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَّةُ
كان يقولُ: ((إذا بدا حاجبُ الشمسِ فأخِّرُوا الصلاةَ حتى تبرُزَ، وإذا غابَ
حاجبُ الشَّمسِ فأخّرُوا الصلاةَ حتى تغِيبَ ))(١). وتأوَّلوا هذا على الفرائضِ
وغيرِها . وقد مضَى الرَّدُّ عليهم فى تأويلهم هذا فى غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا
القبس
سـ
(١) ينظر ما سيأتى ص ٢٩٢ - ٢٩٨.
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٢٦٨ - ٢٨٧.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٥١٥).
٢٥٠

الموطأ
التمهید
فأغنى عن إعادته. ومما يبيّنُ لك أن خروج النبيِّ ◌َآلټ وخروج أصحابِه من ذلك.
الوادى لم يكنْ لما(١) ذكره العراقيون، أنَّهم لم يستيقِظُوا حتى ضرَبهم حُّ
الشمس ، والشمسُ لا تكونُ لها حرارةٌ إلَّ وقد ارتفَعت وحلَّت الصلاةُ. وهذه
اللفظةُ محفوظةٌ فى حديثِ الزُّهرىِّ، وفى غيرِ ما حديثٍ من الأحاديثِ المرويةِ
فى نومِ النبيِّ وَل﴿ عن الصلاةِ، منها حديثُ جبيرِ بنِ مُطعِم، وحديثُ ابنِ
مسعودٍ ، وحدیثُ أُبی قتادةً، وقد ذكرناها فى بابٍ زيد بن أسلمَ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ سعيدٍ ، وحدَّثنا خلفُ
ابنُّ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال :
حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ،
عن ابنِ المسيَّبِ، قال: لمّا قفَل رسولُ اللهِ وَلِّ من خيبرَ، أُسرَى ليلةً حتى إذا
كان من آخرِ الليلِ عدَل عن الطريقِ، ثم عرَّس، وقال: ((مَن يحفَظُ علينا
الصبحَ؟)). فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ اللهِ. فجلَس يحفَظُ عليهم، فنام النبىُّ
وَه وأصحابُه، فبينا بلالٌ جالسٌ غلَبته عينُه، فما أيقظَهُم إلّ حرُّ الشمسِ
ففزِعُوا فقال النبيُّ وَله: ((أنمتَ يا بلالُ؟)). فقال: يا رسولَ اللهِ، أخَذ
نفسى الذى أخَذ أنفسكم. قال: فاقتادوا رواحلَهم وارتحلُوا عن المكانِ
الذى أصابتهم فيه الغفلةُ، ثم صلَّى بهم الصبحَ، فلمّا فرَغ قال: ((مَن نسِی
الصلاةَ فليُصلِّها إذا ذكرها؛ فإن الله عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ
القبس
(١) فى م: (( كما)).
٢٥١

الموطأ
التمهید
لِذِكْرِیّ﴾)). قال معمر: وكان الحسنُ يُحدِّثُ نحو هذا الحديث، ویذكُرُ
أنَّهم ركَثُوا ركعتي الفجرِ، ثم صلَّى بهم الصبحَ(١). ففى قوله: فما أيقظهم إلَّا
حرُّ الشمسِ. وقوله: ارتحلُوا عن المكانِ الذى أصابتهم فيه الغفلةُ. دليلٌ على
صحةٍ ما ذهب إليه أهلُ المدينةِ. ودليلٌ آخرُ، وهو قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ:
((مَن أدرَك ركعةً من الصبح قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبحَ)) (١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسَرَّةَ
ومحمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قالا: حدَّثنا أبو موسى الزَّمِنُ محمدُ بنُ المثنَّى، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُّ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ ، عن قتادةً ، عن خِلاسٍ ، عن أبى رافعٍ،
عن أبى هريرةَ، أن النبيَّ وَّلِهِ قال: ((إذا أدرَكتَ ركعةً من صلاةِ الفجرِ قبلَ أَن
تطلُعَ الشمسُ ، فصلِ إليها أُخرى))(٣) .
ومعلومٌ أن الأُخرى مع طلوعِ الشمسِ، فأىُّ شىءٍ أبيُ من هذا؟ ودليلٌ
آخر، وهو ما ذكره عطاءٌ، أن النبيَّ وَالت ركَع فى ذلك الوادى ركعتي الفجر ، ثم
سار ساعةً ، ثم صلَّى الصبحَ(٤). ومعلومٌ أنّ كلَّ وقتٍ تجوزُ فيه النافلةُ يجوزُ فيه
قضاء المنسيَّةِ المفروضةِ، وهذا ما لا خلافَ فيه . ودليلٌ آخرُ لا مدفعَ له، وهو قولُه
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٣٧) عن معمر به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٤).
(٣) أخرجه أحمد ١٥٠/١٢ (٧٢١٦) عن محمد بن أبى عدى به، وأخرجه أحمد ٢٢٤/١٦،
٢٢٥ (١٠٣٣٩)، والبيهقى ٣١٩/١ من طريق سعيد به .
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٧١ .
٢٥٢

الموطأ
التمهيد
وَّه فى آخرِ هذا الحديثِ: ((مَن نام عن الصلاةِ أو نسيَها، فلْيُصلِّها إذا
ذَكَرها)). فهذا إِطلاقٌ أن يُصلِّىَ المُنتبِهُ والذاكرُ فى كلِّ وقتٍ، على ظاهرٍ
الحدیثِ ، صلاته التی انتبه إليها وذكرها .
وقد اختلف العلماءُ فى هذا المعنى ، فيمَن ذكّر صلاةً فاتَّته وهو فى آخرِ وقتٍ
صلاةٍ، أو ذكّر صلاةً وهو فى صلاةٍ ، فجملةٌ مذهبٍ مالكِ أنّه مَن ذكَّر صلاةٌ
وقد حضَر وقتُ صلاةٍ أُخرى، بدَأ بالتى نسِىَ إذا كان ذلك خمسَ صلواتٍ
فأدنى ، وإن فات وقتُ هذه. وإن كان أكثرَ من ذلك، بدَأ بالتى حضَر وقتُها .
وعلى نحوِ هذا مذهبُ أبى حنيفةً ، والثورىِّ، والليثِ ، إلّا أن أبا حنيفةً وأصحابَه
قالوا : الترتيبُ عندَنا واجبٌ فى اليوم والليلةِ ، إذا كان فى الوقتِ سَعةٌ للفائتةِ
ولصلاة الوقت ، فإن خشِی فوات صلاة الوقت بدأ بها ، فإن زاد على صلاةٍ يومٍ
وليلةٍ ، لم يجِبِ الترتيبُ عندَهم، والنسيانُ عندَهم يُسقِطُ الترتيبَ . وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه : مَن ذكّر صلاةً فائتةً وهو فى صلاةٍ أُخرى من الصلواتِ
الخمسِ، فإن كان بينَهما أكثرُ من خمسٍ صلواتٍ مضَى فيما هو فيه، ثم قضَى
التى عليه، وإن كان أقلُّ من ذلك، قطَع ما هو فيه، وصلَّى التى ذكر، إِلَّ أن
يكونَ فى آخرِ وقتٍ التى دخَل فيها ، يخافُ فوتَها إن تشاغَل بغيرِها ، فإن كان
گذلك أنّها ثم قضی التی ذکر . وقال أبو حنيفةً ومحمد : إن ذکر الوترفی صلاةٍ
الصبح فَسَدَتْ علیه، وإن ذكر فيها ر کعتي الفجرِ، لم تفشُدْ علیه. وقال أبو
يوسفَ : لا تفسُدُ عليه بذكرِ الوَترٍ ، ولا بركعتي الفجرِ. وبه أخَذ الطَّحاوىُّ.
وقد رُوى عن الثورىِّ وجوبُ الترتيبِ ، ولم يُفرِّقْ بينَ القليلِ والكثيرِ. واختُلِف
القبس
٢٥٣

الموطأ
التمهيد
فى ذلك عن الأوزاعيّ . وقال الشافعىُّ: الاختيارُ أن يبدَأَ بالفائتةِ ما لم يخَفْ
فواتَ هذه ، فإن لم يفعَلْ وبدَأ بصلاةٍ الوقتِ أجزَاه. وذكَر الأثرمُ أن الترتيبَ عندَ
أحمدَ بنِ حنبلٍ واجبٌ فى صلاةٍ ستِّينَ سنةً وأكثرَ. وقال: لا ينبغِى لأحدٍ أن
يُصلِّىَ صلاةً وهو ذاكِرٌ لما قبلَها؛ لأنها تفسُدُ عليه .
قال أبو عمرَ: ثم نقَض هذا الأصلَ، فقال: أنا آخُذُ بقولٍ سعيدِ بنِ
المسيَّبِ، ويُعجِبُنى فى الذى يذْكُرُ صلاةً فى وقتٍ صلاةٍ، كرجلٍ ذكَر العشاءَ
فى آخرِ وقتِ الفجرِ، قال: يُصلِّى الفجرَ، ولا يُضيّعُ صلاتين. أو قال : يُضيِّعُ
مرتين) . وقال: إذا خاف طلوعَ الشمسِ فلا يُضيّعُ هذه؛ لقولِ سعيدِ بنِ
المُسيَّبِ : يُضيِّعُ مرتين. فهذا يُصلَّى الصبحَ وهو ذاكرّ للعشاءِ، وفى ذلك نقض
لأَصلِه . وقال داودُ والطبرىُّ: الترتيبُ غيرُ واجبٍ. وهو تحصيلُ مذهبٍ
الشافعىِّ .
ذكَر الأثرمُ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ
محمدٍ ، أنه سمِع ربيعةً يقولُ فى الذى ينسَى الظهر والعصرَ حتى لا يجدّ إلا
موضعَ سجدةٍ قبلَ الغروبِ ، قال: يُصلِّى العصرَ، ثم يُصلِّى الظهرَ إذا غابتٍ
الشمس .
قال : وحدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ ، قال : أنبأنا يونسُ
ومنصورٌ، عن الحسن أنه كان يقولُ فيمَن نام عن صلاةِ العشاءِ فاستيقظ عندَ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٥١)، وابن أبى شيبة ٢/ ٦٢.
٢٥٤

الموطأ
التمهيد
طلوع الشمسِ، قال: يُصلِّى الفجرَ، ثم يُصلِّى العشاءَ(١). قال: وسمِعتُ أحمدَ
ابنَ حنبلٍ يقولُ: أمَّا الحسنُ فيقولُ: يُصلِّى تلك وإن فاتَت هذه .
قال أبو عمرَ : وأمَّا الذى يذكُرُ صلاةً وهو وراءَ إمام ، فكُلِّ مَن قال بوجوبٍ
الترتيبٍ ومَن لم يقُلْ به، فيما علِمتُ ، يقولُ: يتمادَى مع الإمامِ حتى يُكْمِلَ
صلاتَه. ثم اختلفوا؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، وأحمدُ بنُ حنبلٍ: يُصلّى التى
ذكَر، ثم يعيدُ التى صلَّى مع الإمام، إلَّا أن يكُونَ بينَهما أكثر من خمسٍ
صلواتٍ. على ما قدَّمنا ذكره عن الكوفيّين . وهو مذهبُ جماعةٍ من أصحابٍ
مالكِ المدنيّين. وذكَر الخِرَقيُّ(١)، عن أحمد بن حنبلٍ، أنه قال: مَن ذكّر
صلاةً وهو فى أُخرى ، أتَمّها ، وقضَى المذكورةَ ، وأعاد الصلاةَ التى كان فيها ، إذا
كان الوقتُ مُبقّى ، فإن خشِى خروج الوقتِ ، اعتقد وهو فيها ألا يُعيدَها، وقد
أجزاته ، ویقضِی التی عليه .
قال الأثرم : قيل لأبى عبدِ اللهِ: إِنَّ بعضَ الناسِ يقولُ: إذا دخَلتَ فى صلاةٍ
فأحرَمتَ بها ، ثم ذكرتَ صلاةً نسِيتَها ، لم تقطَع التى دخَلت فيها ، ولكنَّكَ إِذا
فَرَغتَ منها ، قضَيتَ التى نسِيتَ ، وليس عليكَ إِعادةُ هذه . فأنگره، وقال : ما
أعلمُ أحدًا قال بهذا ، إنما أعرِفُ أن من الناسِ مَن قال : أنا أقطَعُ وإن كنتُ خلفَ
الإمام، وأَصلِّى التى ذكرتُ؛ لقولِ النبيِّ وَّهِ: ((فليصلِّها إذا ذكرها)). قال:
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٦٣/٢.
(٢) عمر بن الحسين بن عبد الله أبو القاسم البغدادى الخرقى الحنبلى، صاحب ((المختصر)) المشهور
فى مذهب الإمام أحمد، وهو الذى شرحه ابن قدامة فى كتابه القيم ((المغنى))، توفى سنة أربع
وثلاثين وثلاثمائة . سير أعلام النبلاء ٣٦٣/١٥.
٢٥٥

الموطأ
وهذا شيئ أن يقطع وهو خلف الإمام . قيل له : فما تقول أنتَ ؟ قال : يتمادی
التمهید
مع الإمامِ، وإن كان وحدَه قطَع .
وذكَر الأثرمُ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مِقْلٌ، قال:
حدّثنا الأوزاعُ ، قال : سمعتُ الزهرىَّ یقولُ فی الذی ینسی الظهر ولا یذكُرُها
حتى يدخُلَ فى العصرِ، قال: يَضِى فى صلاةِ الإمامِ ، فإذا انصرَف ، استقبَل
الظهرَ فصلًاها، ثم يُصلّى العصرَ(١).
قال أبو عمرَ : هذا ابنُّ شهابٍ يُفْتِى بقولِ ابنِ عمرَ، وهو الذى يروِی قولَ
رسولِ اللهِ وَلّ: ((مَن نام عن صلاةٍ أو نسِيّها، فليُصلُّها إذا ذكرها؛ فإن الله
يقولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)). وقد رأى تماديَه مع الإمام، ثم رأَى
إعادتها . لا أدرى إن كان استحبابًا أو إيجابًا . وقد يحتمِلُ هذا الحدیثُ إيجابَ
الترتيبٍ . ويحتمِلُ أن يكونَ معناه الإعلامَ بأنها غيرُ ساقطةٍ بالنومِ والنسيانِ . وقد
أجمعوا على أن الترتيب فیما کثُر غیرُ واجبٍ ، فدلَّ ذلك على أنه مُستحبٌّ فى
القليلِ ، واللهُ أعلم . ويدُلَّك على أن ذلك عندَهم استحبابٌ؛ لأنهم يأمُرونه إذا
ذكرها وهو وحدَه فى صلاةٍ أن يقطعها، وإن ذكرها وراءَ إِمامِ تمادَى مع الإمامِ .
والأصلُ فی التمادی مع الإمامِ عندَ أ کثرهم اتبامُ ابنِ عمرَ، وحديثُه فى ذلك ما
رواه مالكٌ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: من نسِىَ صلاةً فلم
يذكُرْها إلا وهو مع الإمام، فإذا سلَّم الإمامُ، فليُصلِّ الصلاةَ التى نسِىَ ، ثم
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٦٧/٢، والأوسط لابن المنذر ٤١٦/٢.
٢٥٦

الموطأ
لْيُصلِّ بعدَها الصَّلاةَ الأخرى (١) . ولا مُخالفَ له فى هذه المسألةِ من الصحابةِ،
مع دَلالةِ قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((فليصلِّها إذا ذكرها)).
التمهيد
٠
وقد رُوِى من حديثٍ أبى مُجُمُعَةَ - واسمُه حبيبُ بنُ(١) سِباع، وله صحبةٌ -
قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ المغربَ يومَ الأحزابِ، فلما سلَّم، قال: ((هل علِم
أحدٌ منكم أنى صلَّيتُ العصرَ؟)). قالوا: لا يا رسولَ اللهِ . قال: فصلَّى العصرَ،
ثم أعاد المغربَ(٢) . وهذا حديثٌ منكرٌ، يروِيه ابنُ لَهيعةً عن مجهولين .
وقال الشافعُ ، والطبریُ، وداودُ : يتمادی مع الإمام ، ثم يُصلِّی التی ذکر ،
ولا يُعيدُ هذه. وليس الترتيبُ عندَ هؤلاء بواجبٍ، فيما قلُّ ولا فيما كثُر. ومن
حَجَّتِهم أن الترتيبَ إنما يجِبُّ فى اليومِ وأوقاتِه، فإذا خرَج الوقتُ، سقط
الترتيبُ ، استدلالاً بالإجماع على أن شهرَ رمضانَ تجِبُ الرتبةُ فيه والنَّسَقُ لوقتِه،
فإذا انقَضى ، سقطتِ الرتبةُ عمَّن كان عليه منه شىءٌ بسفرٍ أو علَّةٍ ، وجاز(٤) أن
يأتىَ به على غيرِ نسَقٍ ولا رتبةٍ مُتفرّقًا ، فكذلك الصلواتُ المذكوراتُ الفوائتُ.
واللهُ أعلمُ .
واحتجَّ داودُ وأصحابُه بأن رسولَ اللهِ وَ لَّهِصلَّى ركعتي الفجرِ ذاكرّا للصبحِ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٤٠٩).
(٢) بعده فى ص ٤: ((أبى)). وينظر الاستيعاب ٤/ ١٦٢٠.
(٣) أخرجه ابن سعد ٧٢/٢، وأحمد ١٨٠/٢٨ (١٦٩٧٥)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى
(٢١٣٧)، والطيرانى (٣٥٤٢)، والبيهقى ٢٢٠/٢ من طريق ابن لهيعة به.
(٤) فى م: ((جائز)).
٢٥٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٧/٢ )

الموطأ
التمهيد
فى حينِ نومِه فى سفرِهِ. قالوا: فقد صلَّى رسولُ اللهِ وَلَه وهو ذاكرٌ صلاةٌ واجبةً
عليه ، ركعتي الفجرِ، وهما غيرُ واجبتين عليه . وهذا عندى لا حَّةَ فيه ، لأنه لم
يذكُرْ فى ركعتي الفجرِ صلاةٌ قبلَها، وإنما المراعاةُ أن يذكُرَ فى الصلاةِ ما قبلَها .
ولكلِّ واحدٍ منهم حججٌ من جهةِ النظرِ فى أكثرِها تشعيبٌ وتطويلٌ، وفيما
ذكّرتُ لكَ من أقاویلهم ما تقِفُ به على المراد من معنی حدیث هذا البابِ إِن
شاء اللهُ .
وأما قولُه فى حديثٍ مالكِ: ثم أمَر بلالاً فأقام الصلاةَ. يَحتمِلُ أن يكونَ أقام
ولم يؤذِّنْ. ويَحتمِلُ أن يكونَ أقام الصلاةَ بما تُقام به من الأذانِ والإقامةِ
والطهارة. وقد رُوِى عن النبيِّ وَلّ من وجوهٍ أنه أمر بلالاً فأذَّن وأقام فى حينَ نام
عن الصلاة فی السفر. وقد ذكرناها . وقد روى أبانٌ العطار، عن معمر ، عن
الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ هذا الحديثَ، وذكر فيه أن النبيَّ وَلِّ صلَّى
الركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ، ثم أمر بلالاً فأقام، فصلَّى الفجرَ (). وهذا ليس
بمحفوظ فى حديثِ الزهرىِّ إلا من روايةٍ أبانِ العطَّارِ، عن معمرٍ . وأبانٌ لیس
بحجةٍ ، ولا تُقبَلُ زيادتُه على عبد الرزاقِ ؛ لأن عبدَ الرزاقِ أثبتُ الناسِ فى معمرٍ
عندَهم . وقد ذكّرنا اختلافَ العُلماءِ فى الأذانِ لِمَا فات مِنَ الصلواتِ ، والحجةً
لكُلِّ فريقٍ منهم ، فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا(٢) . وذكر أبو قُرةً، عن
مالك، فیمَن نام عن صلاة الصبح حتى طلعتِ الشمسُ ، أنه لا یركُّ ركعتي
الفجرِ، ولا يبدَأَ بشىءٍ قبلَ الفريضةِ. قال مالكٌ: لم يبلُغْنا أن النبيَّ وَلِّصلَّى
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣٦ .
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٢٨٧ - ٢٩٠.
٢٥٨

الموطأ
٢٥ - وحدّثنى يحيى، عن مالك، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، أَنَّه قال:
عرّسَ رسولُ اللّهِ وَّلَلَئِلَةٌ بطريقٍ مكةَ، ووَكَّلَ بِلالًا أن يُوقِظَهم للصلاةِ،
فَرَقَدَ بلالٌ وَرَقَدُوا، [٥ظ] حتى اسْتَثْقَظُوا وقد طَلَعَتْ عليهم الشمسُ،
فاسْتَيْقَظَ القومُ وقد فَزِعُوا، فأمَرهم رسولُ اللَّهِ وَلَّ أَن يَوْكَبُوا حتى
يَخْرُجُوا مِن ذلك الوادِى، وقال: ((إِنَّ هذا وَادٍ به شيطانٌ)). فرَكِبُوا
التمهيد
ركعتي الفجرِ حينَ نام عن الصبحِ حتى طلَعتِ الشمسُ.
قال أبو عمرَ: ليس فى حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أن
رسولَ اللهِ پ ر گی ر کعتي الفجر فی ذلك الیوم من وجهٍ یصِ﴾. وقد ژُِی
ذلك من وجوه کثیرة صحیحةٍ . وقد تقدَّم ذکژُنا لها ولجمیع معانی هذا البابِ
مُستوعَبةً مبسوطةً، فى باب مُرسلٍ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا ، فلذلك
اختصَرناها فى هذا البابِ . واللهُ الموفقُ للصوابِ .
مالكٌ، عن زيدٍ بنِ أسلَمَ أَنَّه قال: عرَّس رسولُ اللهِ وَ لِّ ليلةً بطريقٍ مكةً ،
ووكّل بلالًا أن يُوقِظَهم للصلاةِ، فرقَد بلالٌ ورَقَدوا ، حتى استيقظوا وقد طلعَتْ
عليهم الشمسُ، فاستيقظَ القومُ وقد فَزِعوا، فأمَرهم رسولُ اللهِ وَلِ أَنْ تَركَبوا
حتى يَخرُجوا مِن ذلك الوَادِى، وقال: ((إِنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ)) . فرَکِبوا حتى
خَرَجوا مِن ذلك الوادِى، ثم أمَرهم رسولُ اللهِ وَلِّ أَنْ يَنْزِلُوا وَأنْ يتَوضَّئوا ، وأمَر
بِلالًا أنْ يُنادِىَ بالصلاةِ أو يُقيمَ، فصلَّى رسولُ اللهِ وَِّ بالناسِ، ثم انصرَف
القبس
تَكَمِلَةٌ: قولُ النبيِّ ◌َّةِ: ((إنَّ(١) هذا وادٍ به شَيْطَانٌ)). نَصَّ فى وجودٍ
(١) ينظر ما سيأتى ص ٢٩١، ٢٩٢.
(٢) ليس فى : د.
٢٥٩

الموطأ حتى خَرَجُوا مِن ذلك الوادِى، ثم أَمَرهم رسولُ اللّهِ وَ جْهِ أَن يَنْزِلُوا وأن
يَتَوضَّقُوا، وأَمَر بلالًا أن ينادِىَ بالصلاةِ أو يُقيمَ، فصلَّى رسولُ اللَّهِ وَه
بِالنَّاسِ ، ثم انْصَرَفَ إليهم وقد رَأَى مِن فَزَعِهم، فقال: (( يأيُّها الناسُ ،
إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرواحنا، ولو شاء لرَدَّها إلينا فى حينٍ غيرِ هذا، فإِذا رقَد
أحدُكم عن الصلاةِ أو نَسِيهَا ، ثم فَرِعَ إليها، فلْيُصَلُّهَا كما كان يُصَلِّيهَا
فى وقْتِها)). ثم التَفَتَ رسولُ اللَّهِ وَله إلى أبى بكرٍ، فقال: ((إِنَّ
التمهید
إليهم وقد رأَى مِن فزعِهم، فقال: ((يأيُّها الناسُ، إِنَّ اللهَ قبَض أرواحنا، ولو شاءَ
لردَّها إلينا فى حينٍ غيرِ هذا، فإذا رقَد أحدُكم عن الصلاةِ أو نَسِيَها ، فلْيُصلِّها
كما كان يُصلِيها فى وقتِها)). ثم التَفَت رسولُ اللهِ وَلّه إلى أبى بكرٍ، فقال:
((إِنَّ الشيطانَ أَتَى بلالاً وهو قائمٌ يُصلِّى، فأُضجَعه، فلم يزَلْ يُهدُِّه كما يُهدَّأُ
الصبىُّ حتى نامَ)). ثم دعا رسولُ اللهِ وَهِ بلالاً، فأخبَرَ بلالٌ رسولَ اللهِ وَّل
الشياطين، ولا خلافَ فيه بينَ أهلِ السُّنةِ. وهم نوعٌ مِن الخلقِ خلَقهم اللهُ تعالى ويَسّر
القبس
لهم التَبدُّلَ فى الصورِ باختيارِهم، كما يَسَّر لنا التصَرُّفَ فى الحركاتِ، وسلَّطَه(١)
على الخلقِ تسليطًا ، سبق به الوعدُ الحقُّ؛ ليتميَّزَ فى الوجودِ المطيعُ مِن العاصى بفتنتِهِ ،
كما تميَّرِ عندَ اللهِ، فى علمِه وكلمته، فتسلَّط على بلالٍ حتى أضجَعَه وشغَلَه عن
الصلاةِ وفوَّتها، وفاتَت لرسولِ اللهِ وَ له وللُمَّةٍ، وظنّ الشيطانُ أنه قد حصل
على صَفْقةٍ ، فهيَّ اللهُ لنا فيها سُنَّةً لكلِّ مَن نام عن صلاةٍ أَو نَسِيَها، وكمَّل لنا فيها
المثوبةَ، وهكذا يفعَلُ اللَّهُ بالأولياءِ إذا طالَبَهم الأعداءُ، قد يُنفِذُ مرادَه فيهم، ولكن
(١) فى ج، م: ((سلطهم)).
(٢ - ٢) سقط من: ج، م.
٢٦٠