النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
ذم الدنيا
٤١٣٤- (٤٧٦) حدثني المفضل بن غسان الغلابي قال: حدثنا روح بن
الزبرقان قال: قال أبو الدرداء: ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه،
وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة في مال ظل فرحاً مسروراً، والليل والنهار دائبان في
هدم عمره لا يحزنه ذلك، ضل ضلاله، ما ينفع مال یزید وعمره ينقص.
٤١٣٥ - (٤٧٧) وحدثني أبو محمد البزار قال: حدثنا المسيب بن واضح، عن
محمد بن الوليد قال: كان الحسن يقول: ابن آدم! اليوم ضيفك، فالضيف مرتحل
یحمدك أو يذمك، وكذلك ليلتك.
٤١٣٦- (٤٧٨) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا بدل بن المحبر اليربوعي
قال: حدثنا المنهال بن عيسى، عن غالب القطان، عن الحسن قال: ابن آدم! إنك
بين مطيتين يوضعانك، يوجعك الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل حتى يسلمانك
إلى الآخرة، فمن أعظم منك - يا ابن آدم - خطراً.
٤١٣٧- (٤٧٩) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني الحميدي، عن سفيان
قال: ذكروا عن بعض الحكماء أنه كان يقول: الأيام ثلاثة: فأمس حكيم مودع ترك
فیك عظة حكمته وأبقى فيك عبرته و عظته، ويومك صديق مودع كان عنك طويل
الغيبة أتاك ولم تأته وهو عنك سريع الطعن، وغدا لا تدري أتكون من أهله أم لا؟
٤١٣٨- (٤٨٠) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا شعيب بن محرز قال:
حدثنا سالم بن أبي مطير قال: قال محمد بن واسع: إن لنا من كر الليل والنهار ليوم
سوء، أو غير ذلك، ثم بکی.
٤١٣٩- (٤٨١) وحدثني محمد بن الحسين قال: حدثني مطير بن الربيع، قال:
كان مفضل بن يونس إذا جاء الليل قال: ذهب من عمري يوم كامل، وإذا أصبح

٥٦٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
قال: ذهبت ليلة كاملة من عمري، فلما احتضر بکی، وقال: قد كنت أعلم أن لي من
کرکما عليّ يوماً شديداً کربه، شديداً غصصه، شديداً غمه، شديداً عكره، فلا إله إلا
الذي خلق الموت على خلقه، وجعله عدلاً بين عباده. ثم جعل يقرأ: ﴿ الَّذِى خَلَقَ
اَلْمَوْتَ وَالْخَيَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ﴾ [الملك: ٢] الآية. ثم تنفس فمات رحمه الله.
٤١٤٠ - (٤٨٢) وحدثني محمد بن الحسين قال: حدثني مطير بن الربيع قال:
قال لي مفضل بن يونس: رأيت أخا بني الحارث محمد بن النضر - اليوم مكتئباً
حزينا، فقلت: ما شأنك؟ وما أمرك؟ قال: مضت الليلة من عمري ولم أكتسب فيها
لنفسي شيئا، ومضى اليوم أيضاً ولا أراني اكتسبت فيه شيئاً، فإنا لله وإنا إليه
راجعون.
٤١٤١ - (٤٨٣) حدثني القاسم بن بشر بن معروف قال: حدثنا سفيان بن
عيينة، عن مالك بن مغول قال: كان رجل إذا رأى الليل مقبلاً بكى، وقال: هذا
یمیتني.
٤١٤٢- (٤٨٤) حدثنا المفضل بن غسان، عن شيخ من بني عامر بن صعصعة
قال: قال لي رجل: قد اعتورك الليل والنهار، يدفعك الليل إلى النهار، ويدفعك
النهار إلى الليل، حتى يأتيك الموت.
٤١٤٣- (٤٨٥) حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني منصور بن بشير، عن
شعيب بن صفوان، عن عيسى، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى رجل: أما بعد،
فإني أوصيك بتقوى الله، والانشار بما استطعت من مالك وما رزقك الله إلى دار
قرارك، فإنك والله لكأنك قد ذقت الموت، وعاينت ما بعده بتصريف الليل
والنهار، فإنهما سريعان في طي الأجل ونقص العمر، مستعدان لمن بقي بمثل الذي

٥٦٣
ذم الدنيا.
قد أصابا به من مضى، فنستغفر الله لسيء أعمالنا، ونعوذ به من مقته إيانا على ما نعظ
به مما نقصر عنه.
٤١٤٤ - (٤٨٦) حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثني جعفر بن عون قال: كنت
أسمع مسعرا يتمثل بهذا البيت:
لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ليل يكر عليهم ونهار
٤١٤٥ - (٤٨٧) وأخبرني محمد بن الحسين قال: سمعت أبا عبد الرحمن الطائي
يذكر عن بعض أشياخ الأنصار، عن أبي عدي العبلي قال: قال كعب بن مالك في
بعض أشعاره:
وملي العيش أبلاه الجدیدان
إن يسلم المرء من قتل ومن هرم
٤١٤٦- (٤٨٨) وحدثني محمد بن الحسين قال: سمعت أبا محمد علي بن
الحسن قال: قيل لابن يزيد الرقاشي: كان أبوك يتمثل من الشعر شيئاً؟ قال: كان
یتمثل:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضحى يدني من الأجل
٤١٤٧- (٤٨٩) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا محمد بن إشكاب الصفار
قال: حدثني رجل من أهله -يعني أهل داود الطائي -قال: قلت له يوما: يا أبا
سليمان! قد عرفت الرحم الذي بيننا فأوصني. قال: فدمعت عيناه، ثم قال: يا
أخي! إنما الليل والنهار مراحل ينزلهما الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك
إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في کل یوم مرحلة زادا لما بين يديها فافعل؛
فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك، واقض
ما أنت قاضي من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك، إني لأقول لك هذا وما أعلم
أحدا أشد تضييعا مني لذلك، ثم قام وتركني.

٥٦٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤١٤٨- (٤٩٠) حدثني هارون بن سفيان قال: أخبرني عبد الله بن صالح
العجلي قال: أخبرني ابن أبي غنية قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد، فقد
أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام
بین یدیه، وأن یکون آخر عهدك به، والسلام.
٤١٤٩- (٤٩١) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عبد الله بن محمد بن
حميد قال: سمعت زهير بن نعيم قال: كان الحسن يقول: ابن آدم! إنك بيومك
ولست في غدك، فکن في یومك، فإن یکن غد لك کنت فیه کما کنت في هذا اليوم،
وإن لا يكن غد لك لم تك تأسف على ما فرطت في جنب الله.
٤١٥٠- (٤٩٢) حدثني محمد قال: حدثنا معاذ أبو عون الضرير قال: كنت
أكون قريبا من الجبان، فكان رياح القيسي يمر بي بعد المغرب إذا خلت الطريق،
فكنت أسمعه ينشج بالبكاء، ويقول: إلى كم يا ليل ويا نهار تحطان من أجلي وأنا
غافل عما يراد بي؟! إنا لله، إنا لله، قال: وهو كذلك حتى يغيب عني وجهه.
٤١٥١- (٤٩٣) وبلغني عن حرملة بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن وهب
قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أخبرني قبطي من أهل نجران قال: هذا قول قس
نجران:
وطلوعها من حيث لا تمسي
منع البقاء تقلب الشمس
ومغيبها صفراء كالورس
وطلوعها حمراء إذ طلعت
اليوم ننظر ما يجيء به
ومضى بفضل قضائه أمس
٤١٥٢- (٤٩٤) وحدثني محمد بن سهل بن بسام الأزدي، عن هشام بن محمد
قال: قال الصلتان العبدي:

٥٦٥
ذم الدنیا.
ـر النهار وكر العشي
أشاب الصغير وأفنتى الكبيـ
أتى بعد ذلك يوم فتي
إذا ليلة هدمت يومها
وحاجة من عاش لا تنقضي
نروح ونغدو لحاجاتنا
وتبقى له حاجة ما بقي
تموت مع المرء حاجاته
٤١٥٣-(٤٩٥) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني المنهال بن يحيى البصري
قال: حدثني إياس بن حمزة - رجل من أهل البحرين - قال: قالت امرأة من قريش
يقال لها ماجدة، كانت تسكن البحرين: طوى أملي طلوع الشمس وغروبها، فما من
حركة تسمع، ولا من قدم توضع إلا ظننت أن الموت في أثرها.
٤١٥٤ - (٤٩٦) أنشدني أبو جعفر القرشي:
وصل التفكر في المعاد بحسكا
لا يخدعنك من تری عن نفسكا
أصبحت فیه کما عبثت بأمسكا
لا تعبثن بمر يومك ذا الذي
یفنیك بعدهم وتقلب شمسكا
أفنى الأولى درجوا تقلب شمسهم
٤١٥٥- (٤٩٧) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عون بن عمارة، عن أبي
محرز الطفاوي، أنه كان يقول: أما والله، لئن غفلتم إن لله عباداً لا يغفلون عن
طاعته في هذا الليل والنهار.
٤١٥٦- (٤٩٨) حدثني إبراهيم بن عبد الملك، عن شيخ من قريش قال: قال
بعض الحكماء: من كان الليل والنهار مطيتيه سارا به وإن لم يسر.
٤١٥٧-(٤٩٩)-وأنشدني محمود بن الحسن قوله:
يا أيها الشيخ المعلل نفسه والشيب شامل
اعلم بأنك نائم فوق الفراش وأنت راجل

٥٦٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
والليل تطوي - لا يفتر - والنهار بك المنازل
تتعاقبان بك الردى لا تغفلان وأنت غافل
٤١٥٨- (٥٠٠) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني محمد بن سعيد
الأصبهاني قال: سمعت بكراً العابد يقول: كان يقال: جز دهرك بيومك.
٤١٥٩- (٥٠١) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني محمد بن سنان الباهلي
قال: كان منصور الظفاري عابدا متقللا، فحدثني عنه بعض جيرانه: أنه شكا إليه
شدة الزمان، فقال: اجعل غداً كيومك، واجعل يومك كما غبر من عمرك، وسل
الله الخيرة في جميع أمرك، فهو المعطي وهو المانع.
٤١٦٠- (٥٠٢) حدثنا أحمد بن إبراهيم، عن قران بن تمام، عن أبي بشر، عن
بكر بن عبد الله المزني قال: ما من يوم أخرجه الله لأهل الدنيا إلا نادى: ابن آدم!
اغتنمني، لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم! اغتنمني، لعله لا ليلة
لك بعدي.
٤١٦١ - (٥٠٣) أنشدني عمر بن شبة لحارثة بن بدر:
وما الدهر إلا منجنون تقلب
وجربت ماذا العيش إلا تعلة
ومثل غد الجائي وكل سيذهب
ومااليوم إلا مثل أمسي الذي مضى
٤١٦٢- (٥٠٤) أنشدني أبو جعفر القرشي قال: أنشدني عيسى الأحمر:
كل اجتماع من الدنيا إلى بين
يا للمنايا ويا للبين والحين
وإنما نحن منها بين يومين
حتی متی نحن في الأيام نحسبها
لعله أجلب الأشياء للحين
يوم تولى ويوم نحن نأمله
حتى كأن لم يكونا قط إلفين
يا رب إلفين شت الدهر بينهما
لا تأمنن يد الدنيا على اثنين
إني رأيت يد الدنيا مفرقة

٥٦٧
ذم الدنيا
٤١٦٣- (٥٠٥) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عبد الرحمن بن هانئ
قال: حدثنا عمر بن ذر قال: قرأت في كتاب سعيد بن جبير إلى أبي عمر: كل يوم
بعيشة المؤمن غنيمة.
٤١٦٤ - (٥٠٦) حدثني الحسين بن عبد الرحمن وأبو محمد البزاز، عن أبي عبد
الله اليماني، عن أبيه، أن الحسن كتب إلى مكحول - وكان يعنى به ويحبه -فكان في
كتابه إليه: واعلم يا أخي -رحمنا الله وإياك - أبا عبد الله! أنك اليوم أقرب إلى الموت
يوم نعيت، ولم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريب الآجال،
هيهات هيهات! قد صحبا نوحاً وعاداً وثموداً، وقرونا بين ذلك كثيراً، فأصبحوا
وقد قدموا على ربهم، ووردوا على أعمالهم، وأصبح الليل والنهار غضین جدیدین،
لم يبلهما ما مرا به، مستعدين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى، وأنت نظير
إخوانك وأقرانك وأشباهك، مثلك كمثل جسد نزعت قوته، فلم يبق إلا حشاشة
نفسه ينتظر الداعي، فنعوذ بالله من مقته إیانا فيما نعظ به مما نقصر عنه.
٤١٦٥- (٥٠٧) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن
حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال: حدثني عمار بن عمر
البجلي قال: سمعت عمر بن ذر يقول: اعملوا لأنفسكم -رحمكم الله - في هذا
الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خير هما،
إنما جعلا سبيلا للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم،
فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنها تحيا القلوب بذكر الله، كم من قائم لله في هذا الليل
قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه
عندما يرى من كرامة الله تعالى للعابدين غدا، فاغتنموا ممر الساعات والليالي
والأيام، رحمكم الله.

٥٦٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤١٦٦- (٥٠٨) حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن رجل من قريش قال:
كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فإني أحدثك عن نفسي بما لا أرضاه منها، وعن قلبي
بما أخاف سوء عاقبته، إن لي نفسا تحب الدعة، وقلبا يألف اللذات، وهمة تستثقل
الطاعة، وقد رهبت نفسي الآفات، وحذرت قلبي الموت، وزجرت همتي عن
التقصير، ولم أرض ما رجع منهن، فاهد لي ما أستعين به على بعض ما شكوت
إليك، فقد خفت الموت قبل الاستعداد له، والسلام. فكتبت إليه: أما بعد، فقد كثر
تعجبي من قلب يألف الدنيا، ويطمع في البقاء، والساعات تنقلنا، والأيام تطوي
أعمارنا، فكيف نألف ما لا ثبات له، وكيف تنعم عين لا ندري لعلها لا تطرف بعد
رقدتها إلا بين يدي الله للسؤال، والسلام.
٤١٦٧- (٥٠٩) وحدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن رجل من قريش قال:
كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فأحسن ضيافة يومك الذي أنت فيه، وزوده منك
براً قبل شخوصه عنك، وأشفق من طلوع التنغيص عليك من بعض ساعاته،
والسلام.
٤١٦٨ - (٥١٠) أنشدنا الحسين بن عبد الرحمن للمغيرة بن حبناء:
هما أفنيا عمري وكل فتى بال
يطاوحني يوم جديد وليلة
کفی مبلیا سلخي الشهور وإهلال
إذا ماسلخت الشهر أهدمت مثله
٤١٦٩- (٥١١) حدثني محمد بن قدامة الجوهري قال: حدثنا سعيد بن محمد
الثقفي قال: سمعت القاسم بن غزوان يذكره قال: كان عمر بن عبد العزيز
رحمه الله يتمثل بهذه الأبيات:
أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم
وكيف يطيق النوم حيران هائم

٥٦٩
ذم الدنيا.
مدامع عينيك الدموع السواجم
فلو كنت يقظان الغداة لحرقت
إليك أمور مفظعات عظائم
بل أصبحت في النوم الطویل وقد دنت
وليلك نوم والردى لك لازم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة
كما غر باللذات في النوم حالم
يغرك ما يفنى وتشغل بالمنى
وتشغل فيها سوف تكره غبه
كذلك في الدنيا يعيش البهائم
٤١٧٠- (٥١٢) حدثني أبو عبد الله العجلي قال: حدثنا عمرو بن محمد
العنقزي قال: حدثنا إسرائيل، عن سلمة بن ناجية، عن الحسن قال: الدنيا ثلاثة
أيام؛ أما أمس فقد ذهب بما فيه، وأما غدا فلعلك لا تدركه، واليوم فاعمل فيه.
٤١٧١ - (٥١٣) حدثنا محمود بن خداش قال: حدثنا أشعث بن عبد الرحمن
ابن زبيد قال: حدثنا حماد، شيخ من أهل الكوفة، عن الحسن البصري، سمعته
يقول: إنما الدنيا ثلاثة أيام؛ مضى أمس بما فيه، وغدا لعلك لا تدركه، فانظر ما أنت
عامل في يومك.
٤١٧٢- (٥١٤) حدثنا محمود بن خداش قال: حدثنا أشعث بن عبد الرحمن
قال: حدثنا رجل يقال له عبد الملك، عن الحسن قال: ابن آدم! لا تحمل هم سنة
على يوم، كفى يومك بما فيه، فإن تكن السنة من عمرك يأتك الله فيها برزقك، وإلا
تكن من عمرك فأراك تطلب ما ليس لك.
٤١٧٣- (٥١٥) حدثني عمر بن محمد بن الحسين قال: حدثني سعيد بن مسلم
الحنفي قال: حدثني أبي مسلم بن سعيد قال: كنا جلوساً في مجلس من مجالس بني
حنيفة، فمر بنا أعرابي كهيئة المهموم، فسقم وانطلق، ثم أقبل علينا، فقال: معشر-
العرب! قد سئمت لتكرار الليالي والأيام ودورها علي، هل من شيء يدفع عني

٥٧٠
-موسوعة ابن أبي الدنيا
سآمة ذلك، أو يسل عني بعض ما أجد من ذلك؟ ثم ولى غير بعيد ثم أقبل علينا،
فقال: واها لقلوب نقية من الآثام! واها لجوارح مسارعة إلى طاعة الرحمن! أولئك
الذين لم يملوا الدنيا لتوسلهم فيها بالطاعة إلى ربهم، وما يكرهوا الموت إذا نزل
بهم، يجرون من البركة في لقاء سيدهم فكلا الحالتين لهم حال حسنة، إن قدموا على
الآخرة قدموا على ما قدموا من القربة، وإن تطاولت بهم المدة قدموا الزاد ليوم
الرحلة. قال: فما سمعت موعظة أشد استكنانا في القلوب منها، ما ذكرتها إلا هانت
علي الدنيا وما فيها.
٤١٧٤-(٥١٦) قال سليمان بن یزید العدوي:
وكم من جديد قد أبادا وبددا
ويحدو الجدیدان الجدید إلى البلى
وعمر طويل أفنياه وأبعدا
وكم أبليا من جدة وبشاشة
وكم فجعا إلفاً بإلف وأفردا
وكم كدرا من لذة وغضارة
بكي مكاو حرها لن يبددا
ومن ذي شباب صيراه مفندا
تعاوره العصران حتى تبلدا
ولاقى خراب الدهر ما كان شيدا
وأمر عجيب غيباه وأشهدا
وساقا إلى حوض المنايا فأوردا
وزايل ملكا لا يرام وسؤددا
وأمر عجيب قرباه وأبعدا
وما نفعا إلا الرشيد المسددا
وكل موقى زاده ما تزودا
وكم أحدثا من عبرة بعد حبرة
وكم من جديد صيراه إلى البلى
وكم من عظيم الملك أشوس باذخ
وكم عامر لم يبق فيهن ساكنا
وكم صدع العصران من شعب معشر
وكم قصما من مترف ذا مهابة
فأمسى ذليلاً خده متعفرا
وكم آمن قد روعاه بفجعة
يكران تترى بالمواعظ فيهما
وكل امرئ يوما سيجزى بفعله

٥٧١
ذم الدنيا.
٤١٧٥ - (٥١٧) حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا محاضر قال: حدثنا الأعمش،
عن مجاهد قال: ما من يوم يخرج من الدنيا إلا قال: الحمد لله الذي أخرجني منها،
ثم لا یردني إليها.
٤١٧٦- (٥١٨) وقال محمود بن الحسين الوراق:
على ثقة أن البقاء فناء
يحب الفتى طول البقاء وإنه
وليس على نقص الحياة نماء
زيادته في الجسم نقص حياته
ويطويه إن جن المساء مساء.
إذا ماطوی يوما طوی اليوم بعضه
ولا لهما بعد الجميع بقاء
جدیدان لا یبقی الجميع علیھما
٤١٧٧ - (٥١٩) أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: أنشده رجل من قریش:
عمر قصير موفر الأمل
يختلف الليل والنهار على
حطا وما طاولاه لم يطل
ما جددا أبليا وما رفعا
٤١٧٨-(٥٢٠) حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن عیاض
القرشي قال: حدثنا عبد الوهاب بن همام قال: حدثنا عبد الصمد بن معقل، عن
وهب قال: قرأت في كتاب شعيا عليه السلام، أنه قال ليونس بن متى عليه السلام:
يا يونس! إذا أحب العالم الدنيا نزعت لذة مناجاتي من قلبه.
٤١٧٩- (٥٢١) حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا علي بن ميسرة الرازي
قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان ختن عثمان بن أبي زائدة، عن عمران القصير
أنه قال: ألا صابر كريم لأيام قلائل؟ حرام على قلوبكم أن تجد طعم الإيمان حتى
تزهدوا في الدنیا.

٥٧٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
٤١٨٠- (٥٢٢) حدثني محمد بن إدريس قال: سمعت العباس الخلال يقول:
قال سابق البربري رحمه الله:
كما البهائم في الدنيا لكم جزر
أصبحتم جزرا للموت يأخذكم
والبهم يزجرها الراعي فتنزجر
ولیس یز جركم ما توعظون به
جهلا وإن نقصت دنياهم شعروا
ما يشعرون بما في دينهم نقصوا
تبقى فروع لأصل حين ينقعر
أبعد آدم ترجون الخلود وهل
لا ينفع الذكر قلبا قاسيا أبدا
والحبل في الحجر القاسي له أثر
٤١٨١- (٥٢٣) حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا زهير بن عباد الرواسي، عن
داود بن هلال النصيبي قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: ويلكم علماء السوء!
من أجل دنيا دنية، وشهوة ردية، تفرطون في ملك جنة علية، وتنسون هول يوم
القيامة.
٤١٨٢- (٥٢٤) حدثني سلمة بن شبيب، عن عبد الوهاب بن نجدة، عن بقية
ابن الوليد، عن ضبارة بن عبد الله الألهاني، عن دويد بن نافع قال: قال عيسى بن
مريم عليه السلام: تعملون لدنيا صغيرة، وتتركون الآخرة الكبيرة، وعلى كلكم
يمر الموت.
٤١٨٣- (٥٢٥) وحدثني سلمة، عن آدم بن أبي إياس، عن المبارك بن فضالة،
عن الحسن قال: والله، ما أصبح في الدنيا ما يغر ذا قلب، وكلكم ذو قلب، ولكن ما
يغر ذا قلب حي.
٤١٨٤- (٥٢٦) وحدثني سلمة، أنه حدث عن عبد الله بن وهب، عن عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم قال: الخاسر من عمر دنياه بخراب آخرته، والخاسر

٥٧٣
ذم الدنيا.
من استصلح معاشه بفساد دينه، والمغبون حظا من رضي بالدنيا على الآخرة،
وقرأ فإنه قال لقوم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِاَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ
بِهَا﴾ [يونس: ٧].
٤١٨٥- (٥٢٧) حدثني سلمة قال: حدثنا سهل بن عاصم قال: قال
الأصمعي: كان يقال: خبر الدنيا أشد من مختبرها، ومختبر الآخرة أشد من خبرها.
٤١٨٦- (٥٢٨) حدثني سلمة قال: حدثنا سهل بن عاصم قال: حدثنا عبدة
ابن سليمان قال: قال خالد بن يزيد بن معاوية: ابن آدم! لا یلهك أهل إنما أنت
فيهم ضيف عند أهل لا تزايلهم، ولا يلهينك مساكن إنما أنت فيها عمرى عن
مساكن أنت مخلد فيها أبدا، ابن آدم! إنك إنما تسكن يوم القيامة فیما بنيت اليوم،
وتنزل يومئذ على ما نقلت في حياتك من متاعك.
٤١٨٧- (٥٢٩) حدثني سلمة بن شبيب، عن أحمد بن أبي الحواري قال: قال
لي أبو عبد الله النباجي: تدري أي شيء قلت البارحة يا أحمد؟ قلت: اللهم إنه قبيح
بعبد ضعيف مثلي يعلم عظيماً مثلك منه ما يعلم، اللهم إنك تعلم أني لو جعلت لي
الدنيا كلها من أولها إلى آخرها حلالاً لقذرتها ولم أردها.
٤١٨٨- (٥٣٠) حدثني سلمة بن شبيب، عن زهير بن عباد، عن داود بن
هلال قال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: ما لقلوب أحبائي، وما للغم
بالدنيا؟! إن الغم بها يمص حلاوة مناجاتي من قلوبهم مصا. يا داود! لا تجعل بيني
وبينك عالما قد أسكرته الدنيا فيحجبك بسكره عن محبتي، أولئك قطاع طريق
عبادي المریدین.

٥٧٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤١٨٩- (٥٣١) حدثني سلمة بن شبيب، عن عبد الله بن عمر الواسطي، عن
أبي الربيع الأعرج، عن شريك، عن جابر قال: قال محمد بن علي: يا جابر! إني
لمحزون وإني لمشتغل القلب. قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟ قال: يا جابر! إنه من
دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه، يا جابر! ما الدنيا؟ وما عسى أن
تكون؟ هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها؟
يا جابر! إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة، لم
يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله عز وجل
ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأبرار، إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا
مؤونة، وأكثرهم لك معونة إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوامين بحق
الله، قوامين بأمر الله سبحانه، قطعوا محبتهم لمحبة ربهم، ونظروا إلى الله وإلى محبيه
بقلوبهم، وأوحشوا من الدنيا لطاعة مليكهم، وعلموا أن ذلك منظور إليه من
شأنهم، فأنزل الدنیا بمنزلة منزل نزلت به وارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك
فاستيقظت وليس معك منه شيء، واحفظ الله عز وجل ما استرعاك من دينه
وحکمته.
٤١٩٠- (٥٣٢) حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن الحسين بن زياد
المروزي قال: قال معدان: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة على
قدر مکثك فیھا.
٤١٩١- (٥٣٣) حدثني علي بن أبي مريم، عن شيخ له، عن يوسف بن أسباط
قال: قال لي زرعة: من كان صغير الدنيا في عينه أعظم من كبير الآخرة كيف يرجو
أن يصنع له في دنياه وآخرته.

٥٧٥
ذم الدنیا
٤١٩٢- (٥٣٤) حدثني روح بن عبد الرحمن قال: حدثنا صالح بن عبد
الكريم قال: قال بعض الحكماء: إنما تسلم من الدنيا من أخذ منها لها ثم خرج منه
وحوسب عليه، ومن أخذ منها لغيرها قدم علي، وأقام فيه.
٤١٩٣- (٥٣٥) حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن بعض أشياخه قال: قال
الحسن: إنما الدنيا غموم وهموم، فإذا رأى أحدكم منها سروراً فهو ربح.
٤١٩٤- (٥٣٦) أنشدني أحمد بن موسى البصري قوله:
تبغي هلاكي ولا آلو أنجیها
أشكو إلى الله نفساً ما تلائمني
فيها الهلاك وإني لا أواتيها
ما إن تزال تناجيني بمعصية
وربما غلبتني ثم أثنيها
أعيت وأعييتها تأبى موافقتي
ولیس ینفك یلھیها ترجيها
أخيفها بوعيد الله مجتهدا
کأنه خالد فیھا یعانیھا
أم هل سمعت بحي خالد فيها
أنسيت عدتها والله يحصيها
فبت تظهرها والله يخفيها
مناً من الله تحذيرا وتنبيها
من كل ناحية نفسا فيحويها
وقام في الحي ناعيها وباكيها
بعد النضارة ثم الله يحيها
بين الأقارب تحويه أدانيها
واستغفر الله ما أسلفته فيها
بل قل لموطن دار لا يقربها
أهل رأيت سليماً من بوائقها
أما تخاف ذنوبا جمة سلفت
یا رب سیئة باشرت منکرها
وأنت في كل يوم مبصر عبرا
أما ترى الموت ما ينفك مختطفا
قد نغصت أملاً كانت تؤمله
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم
وصار ما جمعوا منها وما ادخروا
فامهد لنفسك في أيام مدتها

٥٧٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤١٩٥- (٥٣٧) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثني شعيب بن راشد،
عن أبي روح الأنصاري قال: كان من دعاء الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله
عنهما: اللهم ارزقني الرغبة في الآخرة حتى أعرف صدق ذلك في قلبي بالزهادة
مني في دنياي، اللهم ارزقني بصراً في أمر الآخرة حتى أطلب الحسنات شوقاً، وأفر
من السيئات خوفاً.
٤١٩٦- (٥٣٨) حدثني أبو العباس الأزدي عبيد الله بن جرير قال: حدثنا
محمد بن أبي بكر قال: قال ابن السماك: كان يقال: كل شيء فاتك من الدنيا غنيمة.
٤١٩٧- (٥٣٩) قال: وذكر سعيد بن أبي الحسن الدنيا، فقال الحسن: يا سعيد
سهوت حتی ذکرت الدنیا.
٤١٩٨- (٥٤٠) قال: وقال الحسن: لو لم يكن لنا ذنوب إلا حبنا الدنيا خشينا
أن يعذبنا الله.
٤١٩٩- (٥٤١) قال: وقال رجل لإخوانه: تعالوا حتى نستغفر الله من شيء لا
یستغفر الناس منه؛ حبنا للدنيا.
٤٢٠٠- (٥٤٢) قال: وكان يقال: إنما ساء العمل من طول الأمل.
٤٢٠١ - (٥٤٣) حدثني عبيد الله الأزدي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال:
حدثنا بشر بن عباد، عن الأسود بن شيبان قال: حدثنا خالد بن سمير قال: مر ابن
عمر بمكة، وإذا نجدة وابن الزبير متصافين بالبطحاء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا
نجدة وابن الزبير. قال: لقد أعظم هؤلاء الدنيا.
٤٢٠٢- (٥٤٤) حدثني أبو إسحاق الأزدي قال: حدثنا زيد بن عوف قال:
حدثنا شيخ يقال له الفضل بن داود، عن عمران شيخ كان ينزل مصر قال: أوحى

٥٧٧
ذم الدنیا.
الله تعالى إلى داود عليه السلام: لا تجعل بيني وبينك عالما قد سكن قلبه حب الدنيا،
إن أهون ما أعاقبهم به أن أنزع حب مناجاتي من قلوبهم.
٤٢٠٣ - (٥٤٥) حدثنا أبو الفضل العباس الدوري مولى بني هاشم قال:
حدثنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن الربيع بن
صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ه قال: قال رسول الله لح#: ((من
كانت الدنيا همه جعل الله فقره في قلبه، وشتت عليه أمره، ولم يأته منها إلا ما كتبه،
ومن كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي
راغمة))(١).
٤٢٠٤ - (٥٤٦) وحدثني أبو الفضل قال: حدثنا محمد بن الطفيل قال:
سمعت فضيل بن عياض يقول: حزن الدنيا للدنيا يذهب بهم الآخرة، وفرح الدنيا
للدنيا يذهب بحلاوة العبادة.
٤٢٠٥- (٥٤٧) حدثنا الحارث بن محمد العمي قال: حدثنا سعيد بن عامر
قال: حدثنا هشام صاحب الدستوائي قال: قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام
عيسى بن مريم عليه السلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير العمل، ولا
تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويلكم علماء السوء الأجر
تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن
تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم
بالصيام والصلاة، کیف یکون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزله، وقد
(١) سبق برقم (٤٠٢٨).

٥٧٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى
له، فليس يرضى شيئا أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من
آخرته، وهو مقبل في دنياه أفضل رغبة؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى
آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل
العلم من يطلب الكلام ليخبر به الناس، ولا يطلب الكلام ليعمل به؟!
٤٢٠٦-(٥٤٨) أنشدني شیخ لنا:
وعن خلق نعمن فصرن طينا
سل الأحداث عن صور بلینا
و کان یظن أن سیعیش حينا
وعن ملك تعزز بالأماني
و کان بوجدها أبدا ضنينا
فجاد بنفسه للموت لما أتاه
بلا حرك المقلب لليمينا
فصار على اليمين إلى التنادي
لقد أبت القبور على شفيق
أتاها أن تفك له رهينا
وإن ألف القرين به القرينا
هي الدنيا تفرق كل جمع
٤٢٠٧ - (٥٤٩) حدثني محمد بن حاتم قال: سمعت قبيصة قال: سمعت
الثوري يقول: خير الدنيا لكم ما لم تبتلوا به منها، فإذا ابتليتم بها فخيرها لكم ما
خرج عن أيديكم منها.
٤٢٠٨- (٥٥٠) حدثني صالح بن مالك قال: حدثني أبو عبيدة الناجي، عن
الحسن قال: إنكم أصبحتم في دار مذمومة لأهلها، خلقت فتنة، وضرب لها أجل
إذا انتهت إليه تنفد فهي دار قلعة ومنزل بلغة، أخرج نباتها ويث فيها من كل دابة،
ثم أخبرهم خبر الذي هم إليه صائرون، وأمر فيه عباده فيما أخرج لهم من ذلك
بطاعته، وأمرهم وبين لهم سبيلها، ووعدهم الخير عليه فهم في قبضته، فليس منهم

٥٧٩
ذم الدنيا
معجز له، وليس من أعمالهم شيء يخفى عليه، فهم يعملون أعمالا مختلفة، سعيهم
فيها شتى؛ بين عاصي ومطيع، ولكل جزاء من الله بما عمل، ونصيب غير منقوص،
ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده، وأنزل عليهم من كتابه، رغب في الدنيا أحداً
من خلقه، ولا رضي لهم بالطمأنينة فيها ولا الركون إليها، بل صرف الله فيها
الآيات، وضرب لها الأمثال في العيب لها، والنهي عنها، والرغبة في غيرها.
وقد تبين للصالحين من عباد الله أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم
الشأن، هائل المطلع، عسير ... والله بما هم فيه، لا يشبه ثوابهم ولا عقابهم، ولكنها
دار الخلود يدين الله العباد بأعمالهم، وينزلهم منازلهم، ثم لا يتغير بؤس عن أهله ولا
نعيم، وأن الدنيا دار عمل، من صحبها بالبغض لها والزهادة فيها والهضم لها سعد
بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها بالرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحفت لحظه
من الله، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه، ولا طاقة له به من عذاب الله وسخطه،
فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله ولي ميراثها، وأهلها
متحولون (١) عنها إلى منازل لا تبقى، ولا يغيرها طول العمر فيها بفناء فيموتون،
ولا وإن طال الثواء فيها يخرجون.
فاحذروا ذلك الموطن، وأكثروا ذكر المنقلب، ولذلك فاعدد، ومن شره
فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني، واقطع ابن آدم من الدنيا أكبر همك وبادر
أجلك ولا تقل غدا غدا؛ فإنك لا تدري متى إلى الله تصير، ولا تكن يا ابن آدم
مغترا ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك
لم تخلص منهن حتى الآن، ولابد من ذلك المسلك، وحضور تلك الأمور كلها،
فإما بعافية من شرها ونجاة من هولها، وإما بهلكة فليس بعدها خير ولا انتعاش.
(١) آخر النسخة الظاهرية.

٥٨٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤٢٠٩- (٥٥١) حدثني صالح بن مالك، حدثنا أبو عبيدة الناجي، عن الحسن
قال: ابن آدم! لا تعلق قلبك بالدنيا فتعلقه بشر معلق، قطع حبالها وغلق أبوابها،
حسبك أيها المرء ما بلغك المحل، حمقا تباهي بمالك، وحمقا تباهي بولدك، وأنت في
غم الساعة، هيهات هيهات! ذهبت الدنيا لحال وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني
آدم.
٤٢١٠- (٥٥٢) قال بعض حكماء الشعراء:
كفاك بها ترجو وتأمله خرقا
أبالمنزل الفاني تؤمل أن تبقى
ويدعو إليه صفو لذاتها الرنقا
رأیت قوی الدنیا یزید انتقاصها
تری خطبها خطباً جليلاً وإن دقا
وفي کل یوم محدث لك فرقة
بها أحد يبقى فتطمع أن تبقى
لعمرك ما الدنيا بباقية ولا
٤٢١١ - (٥٥٣) وقال حكيم من الشعراء:
وعلا العارضين منه مشيب
بان منه الشباب فهو كئيب
ـيا ولم يبق لي عليها حبيب
ليت شعري ماذا ارجي من الدن
حسرتي ما تريد مني الخطوب
أفردتني الخطوب من أهل ودي
أي عيشي مع الفراق يطيب
كل يوم من خليل فراق
٤٢١٢- (٥٥٤) حدثني أبو محمد التميمي قال: قال ابن السماك: كأن المعمور
من هذه الدنيا قد ارتحل، وكأن المغفول من الآخرة قد أناخ بأهله فثم فضع الهموم.
٤٢١٣-(٥٥٥) حدثني الحسن بن عبد العزيز، حدثنا أبو مسهر، حدثنا سعيد
ابن عبد العزيز: أن عيسى عليه السلام نظر إلى إبليس، فقال: هذا أركون الدنيا
إليها خرج وإياها سأل، لا أشركه في شيء منها ولا حجر أضعه تحت رأسي، ولا
أکثر فيها ضاحكاً حتى أخرج منها.