النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
ذم الدنيا .
الغنى، ولأهل التقلل نفس هذا المعنى، حرمتم التفكه بما حوته أيديكم الفادح
التعب، وعوضتم فيه خوف نزول الفجائع به، وارتقاب وصول الآفات إليه،
خدعتم ومالت المقادير عن حظكم وأبت الدنيا أن تسوغكم حلاوة ما استدر لكم
من ضرعها حتى وكلتكم بطلب سواه، لتمتعكم مما حصل منها لكم، وتصدكم
عن التمتع به بإشغالكم بمستأنف تجهدون فيه أنفسكم مما يعز مطلبه عليكم،
وتبذلون فيه راحتكم، فإن وصلتم إليه لحق بالأول من المدخر، وأنشأت لكم وطراً
في غيره أخر، كذلك أنتم وهي ما صحبتموها بالرغبة منكم فيها.
٣٩٠١- (٢٤٣) حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثني يحيى بن أبي بكير
قال: حدثنا عبد الله بن الفضل التميمي قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز
أن صعد المنبر فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإن ما في أيديكم
أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يوم
وليلة تشيعون غادياً أو رائحاً إلى الله عز وجل، وتضعونه في صدع من الأرض، ثم
في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، وأسكن
التراب، وواجه الحساب، فقيراً إلى ما قدم أمامه، غنيا عما ترك بعده، أما والله إني
لأقول لكم هذا وما أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف من نفسي. قال: ثم
مال بطرف ثوبه على عينه فبکی، ثم نزل فما خرج حتى أخرج إلى حفرته.
٣٩٠٢- (٢٤٤) حدثني عمر بن أبي الحارث الهمداني قال: حدثنا محبوب بن
عبد الله النميري قال: حدثنا عبيد الله بن أبي المغيرة القرشي قال: كتب إليّ الفضل
ابن عيسى: أما بعد،! فإن الدار التي أصبحنا فيها دار بالبلاء محفوفة، وبالفناء
موصوفة، كل ما فيها إلى زوال ونفاد، بينا أهلها منها في رخاء وسرور، إذ صيرتهم

٥٠٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
في وعثاء ووعور، أحوالها مختلفة، وطبقاتها متصرفة، يضربون بيلائها، ويمتحنون
برخائها، العيش فيها مذموم، والسرور فيها لا يدوم، وكيف يدوم عيش تغيره
الآفات، وتنوبه الفجیعات، وتفجع فيه الرزايا، وتسوق أهله المنايا.
إنما هم بها أغراض مستهدفة، والحتوف لهم مستشرفة، ترميهم بسهامها،
وتغشاهم بحمامها، ولابد من الورود لمشارعه، والمعاينة لفظائعه، أمر سبق من الله
عز وجل في قضائه، وعزم عليه في إمضائه، فليس منه مذهب، ولا عنه مهرب، ألا
فأخبث بدار يقلص ظلها ويفنى أهلها، إنما هم بها سفر نازلون، وأهل ظعن
شاخصون، کان قد انقلبت بهم الحال، وتنادوا بالارتحال، فأصبحت منهم قفارا قد
انهارت دعائمها، وتنكرت معالمها، واستبدلوا بها القبور الموحشة التي استوطنت
بالخراب، وأسست بالتراب، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل موحشين
وذوي محلة متشاسعين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الإخوان،
ولا يتزاورون تزاور الجيران، قد اقتربوا في المنازل وتشاغلوا عن التواصل، فلم أر
مثلهم جيران محلة لا يتزاورون على ما بينهم من الجوار وتقارب الديار.
وأنی ذلك منهم وقد طحنهم بكلكله البلى، وأكلتهم الجنادل والثری، وصاروا
بعد الحیاة رفاتا، قد فجع بهم الأحباب، وارتهنوا فلیس لهم إياب، و کأن قد صرنا
إلى ما إليه صاروا، فنرتهن في ذلك المضجع، ويضمنا ذلك المستودع، نؤخذ بالقهر
والاعتسار، وليس ينفع منه شفق الحذار. والسلام. قال: قلت له: بأي شيء كتبت
إليه؟ قال: لم أقدر له على جواب.
٣٩٠٣- (٢٤٥) حدثني أبو عبد الله التيمي قال: حدثني شريح العابد ومحمد
ابن عبد الله الشيباني قالا: سمعنا حنتم بن جحشة العجلي أبا بكر العابد يقول:

٥٠٣
دم الدنيا
إن لها في كل يوم خليل
يا خاطب الدنيا على نفسها
تقتلهم قدما قبيلا قبيل
ما أقتل الدنيا لخطابها
في موضع آخر منه بديل
تستنكح البعل وقد وطنت
يعمل في جسمي قليلا قليل
إني لمغتر وإن البلى
نادى منادیه الرحيل الرحيل
تزودوا للموت دارا فقد
٣٩٠٤- (٢٤٦) حدثنا سعيد بن سليمان، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت
قال: لما بعث الله عز وجل النبي ﴾ قال إبليس لشياطينه: لقد حدث أمر فانظروا ما
هو، فانطلقوا ثم جاؤوه فقالوا: ما ندري. قال إبليس: أنا آتيكم بالخبر، فذهب.
قال: بعث محمد *. قال: فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي 8* فيجيئون
بصحفهم ليس فيها شيء، فقال: ما لكم؟ أما تصيبون منهم شيئاً؟ قالوا: ما صحبنا
قوما قط مثل هؤلاء، نصيب منهم ثم يقومون إلى صلاتهم فيمحى ذلك. قال
إبليس: رويدا لهم، عسى أن تفتح لهم الدنيا، هنالك تصيبون حاجتكم منهم.
٣٩٠٥- (٢٤٧) حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي وعبد الرحمن بن صالح الأزدي
قالا: حدثنا المحاربي، عن موسى الجهني قال: سمعت عون بن عبد الله بن عتبة
يقول: ويحي! كيف تشتد حاجتي في الدنيا وليست بداري؟ أم كيف أجمع لها وفي
غيرها قراري وخلدي؟ أم كيف تعظم رغبتي فيها والقليل منها يكفيني؟ أم كيف
آمن فيها ولا يدوم فيها حالي؟ أم كيف يشتد حرصي عليها ولا ينفعني ما تركت
منها بعدي؟ أم كيف أوثرها وقد ضرت من آثرها قبلي؟ أم كيف لا أبادر بعملي من
قبل أن تنصرم مدتي؟ أم كيف لا أفتك نفسي من قبل أن يغلق رهني؟ أم كيف
أعرض نفسي لما لا يقوى له هوائي، أم كيف يشتد عجبي بها وهي مزايلتي

٥٠٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
ومنقطعة عني؟.
٣٩٠٦- (٢٤٨) حدثنا الحسن بن حماد الضبي قال: حدثنا حسين الجعفي، عن
فضيل بن عياض، عن سفيان الثوري قال: كان من دعائهم: اللهم زهدنا في الدنيا
ووسع علينا منها، ولا تزو بها عنا وترغبنا فيها.
٣٩٠٧- (٢٤٩) حدثني محمد بن قدامة الجوهري قال: قال إبراهيم بن أدهم:
ألا حر کریم یغضب علی الدنیا!
٣٩٠٨- (٢٥٠) حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا المحاربي، عن مبارك
ابن فضالة، عن الحسن قال: إن أصحاب محمد ﴿ كانوا أكياساً؛ عملوا صالحاً
وأكلوا طيباً وقدموا فضلاً، لم ينافسوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم ينافسوهم في عزها،
ولم يجزعوا لذلها، أخذوا صفوها وتركوا كدرها، والله ما تعاظم في أنفسهم حسنة
عملوها ولا تصغر في أنفسهم سيئة.
٣٩٠٩- (٢٥١) حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا عبد الله بن إدريس،
عن حصین بن عبد الرحمن قال: قال إبراهيم التيمي: إن من كان قبلكم كانت الدنيا
مقبلة عليهم وهم يفرون منها ولهم من القدم ما لهم، وإنكم تطلبون الدنيا وهي
مدبرة عنكم ولكم من الإحداث ما لكم، فقيسوا أمركم وأمرهم.
٣٩١٠- (٢٥٢) حدثني حمزة بن العباس قال: أنبأنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان بن الحارث، عن عبد الرحمن ابن
يزيد، عن ابن مسعود ﴾ قال: أنتم أطول جهادا وأكثر صلاة من أصحاب رسول
الله ﴿، وكانوا خيرا منكم. قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة
منکم.

٥٠٥
ذم الدنيا.
٣٩١١- (٢٥٣) أخبرنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن مجالد بن
سعيد، عن الشعبي قال: قال شريح: تهون على الدنيا الملامة، إنه حريص على
استخلاصها من یلومها.
٣٩١٢- (٢٥٤) أنشدني أبو إسحاق القرشي التيمي:
وقد حذرتنا لعمري خطوبها
ننافس في الدنيا ونحن نعیبها
على أنها فينا سريعا دبيبها
وما نحسب الأيام تنقص مدة
إلى حفرة يحثى علي كثيبها
كأني برهط يحملون جنازتي
ونائحة يعلو علي نحيبها
وكم ثم من مسترجع متوجع
لفي غفلة من صوتها ما أجيبها
تحاذر نفسي منك ما سيصيبها
وباكية تبكي علي وإنني
أيا هادم اللذات ما منك مهرب
وزاد غير إسحاق:
وإني لممن يكره الموت والبلا
ويعجبه روح الحياة وطيبها
يدوم طلوع الشمس بي وغروبها
فحتی متی حتی متی وإلى متى
ونفسي سیأتي بعدهن نصيبها
رأيت المنايا قسمت بين أنفس
٣٩١٣- (٢٥٥) حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن بكر بن خنيس،
عن شعيب بن سليمان أو غيره قال: إن ذا القرنين لقي ملكا من الملائكة، فقال:
علمني علماً أزداد به إيماناً ويقيناً. فقال له: إنك لا تطيق ذلك. قال: لعل الله تعالى
أن يطوقني. قال: لا تغتم لغد، واعمل في اليوم لغد، وإن آتاك الله من الدنيا سلطانا
أو مالا فلا تفرح به، وإن صرف عنك فلا تأس عليه، وكن حسن الظن بالله عز
وجل، وضع يدك على قلبك فما أحببت أن تصنع بنفسك فاصنعه بأخيك، ولا

٥٠٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب، ورد الغضب
بالكظم وسكنه بالتؤدة، وإياك والعجلة فإنك إذا عجلت أخطأت حظك، وكن
سهلاً ليناً للقريب والبعيد، ولا تكن جباراً عنيداً.
٣٩١٤- (٢٥٦) حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن عاصم الأحول،
عن الشعبي، عن مسروق في قول السائل: أين الزاهدون في الدنيا والراغبون في
الآخرة؟ قال مسروق: ما كنت لأعطي عليهما شيئاً.
٣٩١٥- (٢٥٧) حدثنا أبو كريب، عن المحاربي، عن عاصم الأحول قال:
بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟
فأراه قبر النبي # وأبي بكر وعمر، فقال: عن هؤلاء فسل.
٣٩١٦- (٢٥٨) حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا الحسين بن محمد قال:
حدثنا أبو سليمان النصيبي، عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله: ((الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع
من لا عقل له))(١).
٣٩١٧- (٢٥٩) حدثني حمزة بن العباس قال: حدثنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا عبد الرحمن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال:
قال عبد الله بن مسعود: لوددت أني من الدنيا فرد كالراكب الغادي الرائح.
(١) رواه أحمد (٦/ ٧١)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٧٥). قال المنذري في الترغيب والترهيب
(٨٦/٤): ((رواه أحمد والبيهقي وزاد: ومال من لا مال له، وإسنادهما جيد)). وقال الهيثمي في
المجمع (٢٨٨/١٠): ((رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة)).

٥٠٧
ذم الدنيا.
٣٩١٨- (٢٦٠) حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا
عبد الله قال: أخبرنا محمد بن سليم أبو هلال قال: قال الحسن: ما من مسلم رزق
رزقا يوما بيوم لا يعلم أنه قد خير له إلا عاجز. أو قال: غبي الرأي.
٣٩١٩- (٢٦١) حدثني حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال:
أخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: قال أبو الدرداء: الدنيا ملعونة،
ملعون ما فيها إلا ذكر الله عز وجل وما أدى إليه.
٣٩٢٠- (٢٦٢) حدثني حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال:
أخبرنا بعض أهل البصرة: أن مطرف بن الشخير ماتت امرأته، أو بعض أهله،
فقال أناس من إخوانه: انطلقوا بنا إلى أخيكم مطرف حتى لا يخلو به الشيطان
فيدرك بعض حاجته منه، فأتوه فخرج عليهم دهيناً في هيئة حسنة، فقالوا: خشينا
شيئاً، فنرجو أن يكون الله قد عصمك منه، وأخبروه بالذي قالوا، فقال مطرف: لو
کانت لي الدنيا كلها فسلبنیها بشربة يوم القيامة لافتدیت بها.
٣٩٢١- (٢٦٣) أنشدني أحمد بن موسى الثقفي:
دع الدنيا لمفتتن وإن أبدت محاسنها
وخذ منها بأيسرها وإن بسطت خزائنها
فإن الدار دار بلى ينال الموت آمنها
وقد قلبت لك الأيام ظاهرها وباطنها
وحسبك من صفات الواصفين بأن تعاينها
أليس جديدها يبقى ويفني الموت ساكنها
۔

٥٠٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
٣٩٢٢- (٢٦٤) أنشدني أبو نصر المديني:
عصبة بادوا وخلوها لنا
هذه الدار ملكها قبلنا
وسيملكها أناس بعدنا
فملكناها كما قد ملكوا
ليست الدنيا لحي وطنا
ثم تفنيهم وتفنى بعدهم
حسرة يا حسرة يا حزنا
عجباً للدار كم تخدعنا
٣٩٢٣-(٢٦٥) حدثني أبو سليمان القرشي قال: حدثني داود بن هلال -وكان
ينزل في بني زهران -قال: سمعت ميموناً المرئي قال: سمعت الحسن يتمثل:
وتورث قلبه حزنا وداء
هي الدنيا تعذب من هواها
فإن أبغضتها نجوت منها
وإن أحببتها تلقى البلاء
٣٩٢٤- (٢٦٦) حدثنا خلف بن هشام البزار قال: بلغنا أن سفيان الثوري كان
يتمثل:
على أنهم فيها عراة وجوع
أری أشقياء الناس لا يسأمونها
سحابة صيف عن قليل تقشع
أراها وإن كانت تحب كأنها
طريقهم بادي العلامة مهيع
کرکب قضوا حاجاتهم وترحلوا
٣٩٢٥- (٢٦٧) حدثني محمد بن إسحاق الثقفي قال: قال بعض الحكماء:
كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟!
كيف يفرح بالدنيا من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟!
٣٩٢٦- (٢٦٨) حدثني محمد بن إسحاق الثقفي قال: قال بعض الحكماء:
الأيام سهام والناس أغراض، والدهر يرميك كل يوم بسهامه ويتخرمك بلياليه
وأيامه حتى يستغرق جميع أجزائك، فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك وسرعة

٥٠٩
ذم الدنيا
الليالي في بدنك، لو كشف لك ما أحدثت الأيام فيك من النقص وما هي عليه من
هدم ما بقي منك لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات
بك، ولكن تدبير الله فوق الاعتبار، وبالسلو عن غوائل الدنيا وجد طعم لذتها،
وإنها لأمر من العلقم إذا عجنها الحكيم، وأقل من كل شيء يسمى بقليل، وقد
أغنت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به
الواعظ، نستوهب الله رشداً إلى الصواب.
٣٩٢٧- (٢٦٩) حدثني محمد بن إسحاق قال: قيل لبعض الحكماء: صف لنا
الدنيا ومدة البقاء. فقال: الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك لأن ما مضى
عنك فقد فاتك إدراكه، وما لم يأت فلا علم لك به، والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته
وتطويه ساعاته، وأحداثه تنتضل في الإنسان بالتغير والنقصان، والدهر موكل
بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل وتنقل الدول، والأمل طويل والعمر قصير،
وإلى الله عز وجل تصیر الأمور.
٣٩٢٨- (٢٧٠) أنشدني محمود الوراق قوله:
المرء دنيا نفسه فإذا انقضى فقد انقضت
تفتى له بفنائه ويعود فيمن حصلت
ما خير مرضعة بكأس الموت تفطم من غذت
بينا ترب صلاحه إذ أفسدت ما أصلحت
٣٩٢٩- (٢٧١) حدثني حمزة بن العباس، أخبرنا عبدان بن عثمان، أخبرنا عبد
الله بن المبارك، أخبرني معمر ويونس، عن الزهري، عن عروة بن الزبير أنه أخبره،
أن المسور بن مخرمة أخبره، أن عمرو بن عوف وهو حليف بني عامر بن لؤي وكان
.

٥١٠
- موسوعة ابن أبي الدنيا
شهد بدرا مع رسول الله ﴿، أخبره أن رسول الله # بعث أبا عبيدة بن الجراح،
فجاءه بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة بن الجراح، فوافوا
صلاة الفجر مع رسول الله*، فلما صلى رسول الله:﴿ انصرف، فتعرضوا له،
فتبسم رسول الله ﴿ حين رآهم، ثم قال: ((أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء))؟
قالوا: أجل يا رسول الله. قال: ((فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى
عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان
قبلکم، فتنافسوها کما تنافسوها، وتهلککم کما أهلكتهم)»(١).
٣٩٣٠-(٢٧٢) وحدثني حمزة بن العباس قال: حدثنا عبدان قال: حدثنا
عبد الله قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني يزيد بن أبي خبيب، أن أبا الخير حدثه،
أن عقبة بن عامر الجهني حدثهم، أن رسول الله /# صلی علی قتلى أحد بعد ثماني
سنين كالمودع الأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: ((إني بين أيديكم فرط وأنا
عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني
لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)).
قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﴿(٢).
٣٩٣١- (٢٧٣) وحدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن الزهري قال: أخبرني إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف أنه قدم وافداً على معاوية ﴾ في خلافته. قال: فدخلت
المقصورة فسلمت على مجلس من أهل الشام وجلست بين أظهرهم، فقال لي رجل
منهم: من أنت يا فتى؟ قلت: أنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قال: يرحم
(١) رواه البخاري (٤٠١٥)، ومسلم (٢٩٦١).
(٢) رواه البخاري (٤٠٤٢)، ومسلم (٢٢٩٦).

٥١١
ذم الدنيا.
الله أباك! أخبرني فلان -رجل قد سماه - أنه قال: والله لألحقن بأصحاب
رسول الله ﴾ ولأحدثن بهم عهدا ولأكلمنهم، فقدمت المدينة في خلافة عثمان
فلقیتهم إلا عبد الرحمن بن عوف أخبرت أنه بأرض له بالجرف، فركبت إلیه حتى
جئته فإذا هو واضع رداءه يحول الماء بمسحاة في يده، فلما رآني استحيا مني وألقى
المسحاة وأخذ رداءه، فسلمت عليه، فقلت له: قد جئت لأمر، وقد رأيت أعجب
منه، هل جاءكم إلا ما جاءنا؟ أو هل علمتم إلا ما قد علمنا؟ قال عبد الرحمن بن
عوف: لم يأتنا إلا ما قد جاءكم، ولم نعلم إلا ما قد علمتم. قال: فقلت: ما لنا نزهد
في الدنيا وترغبون، ونخف في الجهاد وتثاقلون، وأنتم سلفنا وخيارنا وأصحاب
نبينا ﴿؟ فقال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما قد جاءكم، ولم نعلم إلا ما قد علمتم، لكنا
بلينا بالضراء مع رسول الله فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر.
٣٩٣٢- (٢٧٤) حدثني حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال:
أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهري قال: بلغنا أن عبد الله بن السعدي كان يحدث
وهو رجل من بني عامر بن لؤي، وكان من أصحاب رسول الله لم﴿5. قال: بينا أنا
نائم أوفيت على جبل، فبينا أنا عليه طلعت علي ثلة من هذه الأمة قد سدت الأفق
حتى إذا دنوا مني رفعت عليهم الشعاب بكل زهرة من الدنيا فمروا ولم يلتفت
إليها منهم راكب، فلما جاوزوها قلصت الشعاب بما فيها، فلبثت ما شاء الله أن
ألبث، ثم طلعت على ثلة مثلها حتى إذا بلغوا مبلغ الثلة الأولى رفعت عليهم
الشعاب بكل زهرة من الدنيا فالآخذ والتارك وهم على ظهر، حتى إذا جاوزوها
قلصت الشعاب بما فيها، فلبثت ما شاء الله، ثم طلعت الثالثة حتى إذا بلغوا مبلغ
الثلتين رفعت لهم الشعاب بكل زهرة من الدنيا، فأناخ أول راكب منهم فلم يجاوزه

٥١٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
راكب، فنزلوا يهتالون من الدنيا، فعهدي بالقوم وهم يهتالون وقد ذهبت الركاب.
٣٩٣٣-(٢٧٥) حدثني القاسم بن هاشم، حدثنا عبد العزيز القرشي، حدثنا
علي بن الحزوّر، عن أبي مريم قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: قال رسول الله ﴾.
((ما عبد الله بشيء أفضل من الزهد في الدنيا))(١).
٣٩٣٤- (٢٧٦) حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سليمان بن الحكم بن
عوانة قال: حدثنا عتبة بن حميد، عمن حدثه، عن قبيصة بن جابر قال: قال علي بن
أبي طالب ﴾: من زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى
الخيرات.
٣٩٣٥- (٢٧٧) حدثني محمد بن إسحاق الثقفي قال: قال رجل من عبد
القيس: أين تذهبون؟ بل أين يراد بكم وحادي الموت في أثير الأنفاس حثيث
موضع، وعلى اجتياح الأرواح من منزل الفناء إلى دار البقاء مجمع، وفي خراب
الأجساد المتفكهة بالنعيم مسرع.
٣٩٣٦- (٢٧٨) حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا عمار بن عثمان الحلبي قال:
حدثنا زياد بن الربيع اليحمدي قال: حدثنا عبد العزيز أبو مرحوم قال: دخلنا مع
الحسن على مريض نعوده، فلما جلس عنده قال: كيف تجدك؟ قال: أجدني أشتهي
الطعام فلا أقدر أن أسيغه، وأشتهي الشراب فلا أقدر على أن أتجرعه. قال: فبكى
الحسن وقال: على الأسقام والأمراض أسست هذه الدار، فهبك تصح من الأسقام
وتبرأ من الأمراض، هل تقدر على أن تنجو من الموت؟ قال: فارتج البيت بالبكاء.
٣٩٣٧- (٢٧٩) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن سهل قال:
(١) في إسناده علي بن الحزور، وعبدالعزيز بن أبان القرشي متروكان. كما في التقريب.

٥١٣
ذم الدنيا.
حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: رأيت شيخا بعسقلان وقد اجتمع عليه الناس وهو
يقول: عجبت من الناس أنهم ينظرون إلى الموتى في كل يوم ينقلون، وهم في الدنيا
في غفلة يلعبون! ثم غشي عليه.
٣٩٣٨- (٢٨٠) حدثنا الحسن بن محبوب وغيره قالوا: حدثنا إسحاق بن
سليمان الرازي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: قال رسول الله ﴾.
((كفى بذكر الموت مزهداً في الدنيا ومرغباً في الآخرة)) (١).
٣٩٣٩- (٢٨١) قال بعض حكماء الشعراء:
لم يبق فيه مع المنية ساكن
یا ساکن الدنیا أتعمر مسکنا
حق وأنت بذكره متهاون
الموت شيء أنت تعلم أنه
في نفسه يوما ولا تستأذن
إن المنية لا تؤامر من أتت
أصبحت تجمعه لغيرك خازن
واعلم بأنك لا أبا لك في الذي
٣٩٤٠- (٢٨٢) حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال: حدثني الحسين الجعفي
قال: ذكر زائدة، عن شيخ من أهل البصرة، عن أمية بن قسيم، عن حذيفة څ، عن
النبي # قال: «إن الله تعالى يحمي عبده المؤمن من الدنيا، كما يحمي الراعي الشفيق
غنمه عن مراتع الهلكة))(٢).
٣٩٤١- (٢٨٣) حدثني إبراهيم بن عبد الملك قال: حدثنا هاشم بن الموكل
الإسكندراني قال: حدثنا أبو عباد الزاهد، عن الحسن البصري قال: مسكين ابن
آدم، رضي بدار حلالها حساب، وحرامها عذاب، إن أخذه من حقه حوسب
(١) مرسل.
(٢) رواه البيهقي في الشعب (٣٢١/٧) من طريق المصنف.

٥١٤
· موسوعة ابن أبي الدنيا
بنعيمه، وإن أخذه من حرام عذب به، ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله،
ويفرح بمصيبته في دينه، ويجزع من مصيبته في دنياه.
٣٩٤٢- (٢٨٤) حدثنا ابن أبي مريم، عن محمد بن الحسين، عن حكيم بن
جعفر قال: حدثني عبد الله بن أبي نوح قال: سمعت رجلا من العباد يقول: ما
تكاملت المروءة في امرىء قط إلا لذي المعروف، وهانت علیه الدنیا.
٣٩٤٣-(٢٨٥) حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي وغيره، عن سعيد
ابن عامر، عن عون بن معمر قال: كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: سلام
عليك أما بعد: فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات. فأجابه عمر: سلام
عليك أما بعد: فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.
٣٩٤٤- (٢٨٦) حدثنا محمد بن علي بن الحسن المروزي قال: حدثنا أبو
إسحاق إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل بن عياض قال: سمعته يقول: قال عيسى
ابن مريم عليه السلام: إنكم لن تدركوا ما تريدون إلا بترككم ما تشتهون، ولا
تنالون ما تأملون إلا بصبركم على ما تكرهون، ويل لصاحب الدنيا كيف يموت
ويتركها، ويأمنها وتخونه، ويثق بها وتخدعه،. ويل للمغترين بالدنيا كيف أزفهم
فيها ما يكرهون، وفارقهم ما يشتهون، وجاءهم ما يوعدون، ويل لمن الدنيا همه،
والخطايا عمله كيف يفتضح غداً.
٣٩٤٥- (٢٨٧) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
حدثنا الفضيل - يعني ابن عياض -، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال
عيسى بن مريم عليه السلام: اتقوا فضول الدنيا، فإنها رجس عند الله عز وجل.
٣٩٤٦- (٢٨٨) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:

٥١٥
ذم الدنيا -
سمعت ابن عيينة يقول: قال عيسى عليه السلام: كانت الدنيا ولم أكن فيها، وتكون
ولا أكون فيها، وإنما لي فيها أيامي التي أنا فيها فإن شقيت فيها فأنا شقي.
٣٩٤٧- (٢٨٩) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
سمعت الفضيل بن عياض يقول: إن رجلا من الحواريين قام إلى عيسى عليه
السلام فقال: يا روح الله! حدثني عن النفر الزهاد الذين لقيهم يونس بن متى عليه
السلام لعل ذلك ينبه أبناء الدنيا من رقدة الغفلة ويخرجهم من ظلمة الجهل، فرب
كلمة قد أحيت سامعها بعد الموت، ورفعته بعد الضعة، ونعشته بعد الصرعة،
وأغنته بعد الفقر، وجبرته بعد الكسر، ويقظته بعد الوسنة، فنقبت عن قلبه
ففجرت فيه ينابيع الحياة فسالت فيه أودية الحكمة، وأنبتت فيه غراس الرحمة إذا
وافق ذلك القضاء من الله تعالى.
٣٩٤٨- (٢٩٠) أنشدني محمود الوراق قوله:
جدا وما أفضح الدنيا لأهليها
ما أفضح الموت للدنيا وزينتها
فعذرها لك باد في مساويها
لا ترجعن على الدنيا بلائمة
إلا وقد بينته في معانيها
لم يبق من عيبها شيء لصاحبها
وتستلين إلى من لا يعاديها
تفني البنين وتفني الأهل دائبة
ولا العداوة إلا رغبة فيها
فما يزيدهم قتل الذي قتلت
٣٩٤٩- (٢٩١) حدثني يعقوب بن عبيد قال: حدثني يعقوب بن إسحاق
الحضرمي قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن ربيعة،
أن رسول الله # كان في منزله فإذا شاة ميتة، فقال رسول الله م48: «أترون هذه هينة

٥١٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
على أهلها))؟ قالوا: نعم. قال: ((الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها))(١).
٣٩٥٠- (٢٩٢) قال بعض الحكماء -وذكر الدنيا -، فقال: كم من يوم لي أغر
كثير الأهلة قد صحت سماؤه، وامتد عليّ ظله تمدني ساعاته بالمنى، وتضحك لي عن
كل ما أهوى في رفاهة ناضرة، وحال تدفق بالغبطة، أرتع في سؤل قريب محياه،
تستبق إلي فيه الموافقة، وتلاحظني تباشير الأحبة، تحوز معاني الوصف وينحسر عنه
الطرف، حتى إذا اتصلت أسباب سروره فيّ تعست الدنيا به علي، فسعت بالتشتت
إلى ألفته، وبالتقصير إلى مدته، وكست بهجته كسوفا، وأرهقت نظرتها وحشة
الفراق، وقطعتنا فرقا في الآفاق، بعد إذ كنا كالأعضاء المؤتلفة، والأغصان الندية
المنعطفة، فأصبح ربعنا المألوف قد محا أعلامه الزمان، وأبلت أسباب العهد به
الأيام، فلقلبي وجوب عند ذكرهم، يكاد يتفطر جزعا مما يعاين من فقدهم،
ويقاسي من بعدهم، ونظراتي تطرد في الجفون من حرارات الكمد وأوجاع كلوم لا
تندمل، فما لي وللمقام في مراتع الأشجان، ومرابض المنايا، وأوعية الرزايا.
٣٩٥١- (٢٩٣) وحدثني أبو الحسن الخزاعي قال: حدثني رجل من ولد
شبيب بن شيبة قال: غاب شبيب بن شيبة عن البصرة عشرين سنة، ثم قدمها فأتى
مجلسه فلم ير أحدا من جلسائه، فقال:
يا مجلس القوم الذين بهم تفرقت المنازل
أصبحت بعد عمارة قفراً تخرقك الشمائل
فلئن رأيتك موحشاً لبما أراك وأنت آهل
(١) رواه أحمد (٣٣٦/٤)، والنسائي (٦٦٥). قال الهيثمي في المجمع (١٠ /٢٨٧): "رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح".

٥١٧
ذم الدنيا.
٣٩٥٢-(٢٩٤) وحدثني أبو محمد التميمي البصري قال: قال سفيان بن
عيينة: كان ابن شبرمة غاب عن الكوفة ثم قدمها، وقد كان يخرج مع أصحابه إلى
ظل جبل بها يتمتعون بظله ويتحدثون في فیئه، فلما قدمها رأى الظل باقياً، وفقد من
کان یؤنسه، فقال متمثلاً:
ونادی بأعلى صوته ودعاني
وأجهشت للتوباذ حين رأيته
بجزعك في عيش وحسن زمان
فقلت له: أين الذين عهدتهم
ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
فقال:مضوا و استودعوني بلادهم
٣٩٥٣-(٢٩٥) أنشدني سعید بن محمد العامري قوله:
لها أنها محفوفة بالمصائب
لقد نغص الدنیا علی حب أهلها
محبتها في حالة ذو تجارب
ولو لم تكن فيها المصائب ماارتضى
وتصرعھم آفاتها بالعجائب
ألم ترها تغذو بنيها بدرها
ولا الشر إلا كالبروق الكواذب
وما الخير فيها حين يسعف أهله
وبؤس كمازالت صدور الكواكب
يزولان عمن كان فيها بنعمة
٣٩٥٤- (٢٩٦) حدثنا العباس بن هشام بن محمد، عن أبيه قال: قال روح بن
حاتم: بينا أنا واقف على باب بعض ولاة البصرة إذ أقبل خالد بن صفوان يسير على
بغلة له، فقال لي: يا ابن أخي! ما هجرت ولا أظهرت على باب أحد من الولاة إلا
وأنا أراك عليه، أكل هذا حباً للدنيا وحرصاً عليها؟ قال: فأجللته أن أجيبه، ثم
قلت: إنما هذا مثل العم ولعله أراد الجواب مني، فقلت: والله ياعم، بحسبك
رؤيتك إياي عليها طلباً منك لها، فضحك ثم قال: لئن قلت ذاك يا ابن أخي، لقد
ذهب رونق الوجه، وذمار القلب، وحسام الصلب، وسناء البصر، ومد الصوت،

٥١٨
·موسوعة ابن أبي الدنيا
وماء الشباب، واقترب عهاد العلل، والله ما أتت علينا ساعة من أعمارنا إلا نحن
نؤثر الدنيا على ما سواها ثم لا تزداد لنا إلا تخلياً، وعنا إلا تولياً، ثم ضرب دابته
وذهب.
٣٩٥٥- (٢٩٧) حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني صالح بن مالك
قال: كتبت أم إبراهيم الصائغ إلى إبراهيم وكان يومئذ مجاورا بمكة تسأله القدوم
علیها، فکتب إليها بکتاب فيه: إن مرو التي يعجبك ملاقاتي إياك فيها ليست بدار
دوام، ولكن مرو منزل أسفار وأبناء سبيل، المقام فيها ببر الأمهات والأولاد يسير
حتى يصيروا منها إلى دارين إحداهما: فرقة لا تواصل فيها، والأخرى صلة لا
تفرق فيها، فإن كنت في شك من ذلك فأين الملوك الذين نزلوها؟ وأين الجموع
الذين كانوا فيها؟ وأين الأمم الذين تشاحت عليها؟ وأين البناؤون الذين ضربوا
اللبن في تحصينها؟ إن تدعهم لا يسمعوا، بذلوا بالحياة موتاً، كأن لم يعمروها ولم
يسكنوها، فهل ينفع مع هذا الهم حبيب حبيباً، وخليل خليلاً؟ إنه ليس من أحد
لأحد إلا ما كان له في الآخرة، فأما أهل الدنيا فمتحولون منها عن قريب.
والسلام.
٣٩٥٦- (٢٩٨) حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثنا محمد بن عمر المزني،
عن عمار بن سعيد قال: مر المسيح عليه السلام بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية
والطرق، فقال لهم: يا معشر الحواريين! إن هؤلاء ماتوا عن سخطة، ولو ماتوا عن
غير ذلك لتدافنوا. قالوا: يا روح الله! وددنا أنا علمنا خبرهم. فسأل ربه عز وجل،
فأوحى الله تعالى إليه: إذا كان الليل فنادهم يجيبوك، فلما كان الليل أشرف على نشز
ثم نادى: يا أهل القرية! فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله، فقال: ما حالكم؟ وما

٥١٩
ذم الدنیا
قصتكم؟ قالوا: أمسينا في عافية، وأصبحنا في الهاوية. قال: وكيف ذلك؟ قال: لحبنا
الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي. قال: وكيف كان حبكم للدنيا؟ قال: حب الصبي
لأمه، إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا وبكينا. قال: فما بال أصحابك لم يجيبوني؟
قال: لأنهم ملجمون بلجم من نار، بأيدي ملائكة غلاظ شداد. قال: فكيف
أجبتني أنت من بينهم؟ قال: لأني كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل بهم العذاب
أصابني معهم، فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أنجو منها أم أكبكب فيها؟!
فقال المسيح للحواربين: لأكل خبز الشعير بالملح الجريش، ولبس المسوح، والنوم
على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
٣٩٥٧-(٢٩٩) أنشدني صاحب لنا:
نور المشيب وواعظ الإسلام
منع الهوى من كاعب ومدام
ولقد أراني والحوادث جمة
فاليوم أقصر باطلي وأرحت من
وعرفت أني لا محالة شارب
أين الملوك الناعمون وأين من
أین الأولى اقتادوا الجیاد على الوحا
منشورة خرق الدرفس تظلهم
وتميل في يوم المقام عليهم
فأديلت الأيام من سرواتهم
دول تولچ في الو کور سهامها
ولرب سبروت أفادته غنى
فعزاء ذي لب عن الدار التي
لا تستفيق جهالتي وغرامي
سعي الوشاة وألسن اللوام
عجلت أو أخرت كأس حمامي
مثل الرجال له على الأقدام؟!
لحق البطون كأنهم دوامي؟!
في كل مشتجر الوشيج لهام
كأس المدام مناضف الخدام
من ذا يقوم لدولة الأيام
وعلى ابن ماء اللجة العوام
وأخي عنى صبحته بالإعدام
ليست لذي لب بدار مقام

٥٢٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
٣٩٥٨- (٣٠٠) بلغني عن أبي سليمان الداراني قال: لا يصبر عن شهوات
الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله من الآخرة.
٣٩٥٩- (٣٠١) بلغني عن بعض الحكماء قال: من زهد في الدنيا ملكها، ومن
رغب في الدنيا خدمها.
٣٩٦٠- (٣٠٢) حدثني سلمة بن شبيب، عن عبد الوهاب بن نجدة، عن بقية
ابن الوليد، عن ضبارة بن عبد الله الألهاني، عن دوید بن نافع قال: قال عيسى بن
مريم عليه السلام: تعملون لدنيا صغيرة، وتتركون الآخرة الكبيرة، وعلى كلكم
يمر الموت.
٣٩٦١- (٣٠٣) حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا سهل بن عاصم قال:
سمعت فرج بن سعيد قال: سمعت يوسف بن أسباط قال: قال لي زرعة: من كان
صغير الدنيا أعظم في عينه من كبير الآخرة، کیف یرجو أن يصنع له في دنياه
وآخرته.
٣٩٦٢- (٣٠٤) حدثنا محمد بن عثمان بن علي العجلي قال: حدثنا حسين
الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: خرج عمر #ه في يوم حارٍ واضعاً
رداءه على رأسه. قال: فمر به غلام على حمار، فقال: يا غلام! احملني معك. قال:
فوثب الغلام عن الحمار، فقال: اركب يا أمير المؤمنين. قال: لا أركب، وأركب أنا
خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن وتركب على المكان الوطيء، ولكن
اركب أنت وأكون أنا خلفك. قال: فدخل المدينة وهو خلفه، والناس ينظرون إليه.
٣٩٦٣- (٣٠٥) حدثنا محمد بن علي بن الحسن قال: حدثنا إبراهيم بن
الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يذكر عن النبي 8# قال: ((الزهد في الدنيا