النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
النظرية الزهدية في الإصلاح.
المطلب الرابع
الزهد والحياة الاجتماعية
إن الباعث على كثير من أمراض المجتمع كالبغض والشحناء والتدابر
والتنافس الممقوت هو تفضيل الدنيا على الآخرة، وحب الدنيا وأسرها للقلب.
وبعبارة مختصرة هو عدم الزهد، أو الفهم الخاطئ لمصطلح الزهد.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز
شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوهة خلقها، فتشرف على الخلائق، فيقال: أتعرفون
هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه. فيقال: هذه الدنيا التي تناحرتم عليها،
بها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم يقذف بها في جهنم،
فتنادي: أي رب، أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله عز وجل: ألحقوا بها أتباعها
وأشياعها(١).
والفهم الخاطئ للزهد فيه ضياع للحقوق واستباحة للأموال والدماء؛ فعن
الحسن قال: طالبان يطلبان: فطالب الآخرة مدرك بما طلب لا فوت به عليه،
وطالب الدنيا عسى أن يصيب منها قليلاً وما يفوته منها أكثر، إن الدنيا لما فتحت
على أهلها كلبوا والله أشد الكلب حتى عدا بعضهم على بعض بالسيف، وحتى
استحل بعضهم حرمة بعض، فيا لهذا فسادا ما أكثره !! (٢).
(١) ذم الدنيا (٦٨).
(٢) ذم الدنيا (٥٧٦).

٤٨٢
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
وأما الزاهد الحقيقي فيسلم من تلك الأمراض الفتاكة، عن الحسن قال:
المؤمن في الدنيا كالغريب لا ينافس في عزها ولا يجزع من ذلها، للناس حال - أظنه
قال: وله حال-، وجهوا هذه الفضول حيث وجهها الله عز وجل(١).
وعنه قال: لا يكون الرجل زاهدا في الدنيا حتى لا يجزع من ذلها ولا ينافس
أهلها فيها(٢).
فالزاهد لا يزدري أحداً؛ فقد ذكروا عند الحسن الزهد فقال بعضهم:
اللباس، وقال بعضهم: المطعم، وقال بعضهم: كذا، فقال الحسن: لستم في شيء،
الزاهد: الذي إذا رأى أحدا قال: هو أفضل مني (٣).
والزاهد لا يبالي بمقاييس الناس؛ فعن الفضيل قال: عامة الزهد في الدنيا،
يعني إذا لم تحب ثناء الناس ولم تبالِ بذمهم(٤).
كما أن الزاهد ملك في زهده، لا يجبر زهده على أحد، ولا يضيع حقوق
الآخرين، عن أيوب قال: إن زهد رجل فلا يجعلن زهده عذاباً على الناس(٥).
والخلاصة: أن الزهد سبيل للإصلاح وقاية وعلاجاً، لكن بشرط أن يكون
زهداً حقيقياً على هدي الكتاب والسنة وتطبيق القرون الأولى المفضلة.
(١) ذم الدنيا (٨٤).
(٢) ذم الدنيا (٦٣٨).
(٣) ذم الدنيا (٣٢٣).
(٤) ذم الدنيا (٣٢٩).
(٥) ذم الدنيا (٦١١).

المبحث الثاني
نظرية العقوبات الإلهية
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم العقوبات الإلهية.
المطلب الثاني: العقوبات الإلهية والفساد
الاقتصادي.
المطلب الثالث: العقوبات الإلهية والفساد
التربوي.
المطلب الرابع: العقوبات الإلهية والفساد
الأخلاقي.

٤٨٥
نظرية العقوبات الإلهية
المطلب الأول
مفهوم العقوبات الإلهية
معنى العقوبات الإلهية: هو التلازم بين الفساد العام للنظام الإسلامي
واستحقاق العقوبة الإلهية.
والأصل في هذا التلازم حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت عاشر
عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله، فأقبل علينا رسول الله 98 بوجهه فقال:
((يا معشر المهاجرين، خمس خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في
قوم قط حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم
الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور
السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم
يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما
في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله عز وجل ويتخيروا في كتاب الله عز وجل
إلا جعل الله عز وجل بأسهم بينهم))(١).
وهذا التلازم متحققٌ حين يكون الفساد عاماً؛ لقوله ◌َ ات: ((إن الله عز وجل لا
يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تكون العامة تستطيع أن تغير على الخاصة، فإذا لم
تغير العامة على الخاصة عذب الله عز وجل العامة والخاصة))(٢).
(١) العقوبات (١١)، ورواه ابن ماجه (٤٠١٩).
(٢) العقوبات (٥٦)، ورواه أحمد في مسنده ١٩٢/٤، وقال الحافظ في فتح الباري ٤/١٣: ((أخرجه
أحمد بسند حسن)).

٤٨٦
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
وعلى هذا الفهم سار أهل القرون الأولى:
- فعن أنس بن مالك ، أنه دخل على عائشة رضي الله عنها ورجل معه،
فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين، حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا،
وشربوا الخمر، وضربوا بالمغاني، وغار الله عز وجل في سمائه فقال للأرض: تزلزلي
بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم. قال: قلت: يا أم المؤمنين، أعذاب لهم؟
قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين.
قال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول الله ﴿ أنا أشد فرحاً مني بهذا الحديث(١).
- وزلزلت المدينة على عهد عمر فقال: أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما
أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها(٢).
- وعن الحسن قال: إن الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل تحل
بالناس (٣).
- وعن عمر بن عبد العزيز قال: كان يقول: إن الله تبارك وتعالى لا يعذب
العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم (4).
- وعن مالك بن دينار قال: إن الله عز وجل عقوبات، فتعاهدوهن من
أنفسكم في القلوب والأبدان، وضنك في المعيشة، ووهن في العبادة، وسخط في
(١) العقوبات (١٧).
(٢) العقوبات (٢٠).
(٣) العقوبات (٢٥).
(٤) العقوبات (٥٥).

٤٨٧
نظرية العقوبات الإلهية
الرزق(١).
وأثر هذه النظرية - العقوبات الإلهية - في الإصلاح من جهة: أن المرء
المسلم إذا استحضر هذا التلازم بين فعل الفساد والعقوبة، فإنه يُحجم عن فعل
الفساد، ويسعى لفعل الأصلح، كما أنه يأخذ على يد المفسد دفعاً للعقوبة العامة.
وبذلك يكون الصلاح الفرد والمجتمع، والله أعلم.
(١) العقوبات (٩٣).

٤٨٨
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
المطلب الثاني
العقوبات الإلهية والفساد الاقتصادي
سبق أن هناك تلازم بين العقوبات الإلهية وفساد النظام العام، هذا من حيث
العموم، وعلى وجه الخصوص فهناك تلازم بين العقوبات الإلهية وفساد النظام
الاقتصادي؛ والأصل في هذا التلازم قوله #: (( ... ولا نقص قوم المكيال والميزان
إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا
القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا .... ))(١).
وقوله *: ((إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه))(٢).
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن
بهلاكها(٣).
فمن سبل الإصلاح الاقتصادي تجنب العقوبات الإلهية؛ وذلك بأن تكون
التصرفات المالية شرعية على منهج الكتاب والسنة، ويبتغى بها وجه المولى عز
وجل.
(١) سبق ص ٤٨٥.
(٢) العقوبات (٦٤)، ورواه ابن ماجه (٤٠٢٢)، قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤/ ١٨٧: ((هذا
إسناد حسن».
(٣) العقوبات (٩).

٤٨٩
نظرية العقوبات الإلهية
المطلب الثالث
العقوبات الإلهية والفساد التربوي
ومن التلازم بين العقوبات الإلهية والفساد على وجه الخصوص التلازم بين
العقوبات الإلهية وفساد النظام التربوي، ومن الآثار الواردة في ذلك:
- عن سفيان الثوري قال: بلغني أن الأدب يطفئ غضب الرب(١).
- وعن مالك بن دينار قال: بلغنا أن الله عز وجل يقول: إني أهم بعذاب
خلقي فأنظر إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإسلام فيسكن غضبي(٢).
- وعن الحسن قال: إذا رأيت في ولدك ما تكره فاعتب ربك ، فإنما هو شيء
يراد به أنت(٣).
ومن المعلوم أن التربية الصحيحة وسيلة وقائية تقلل من وقوع الخطأ
والزلل، وبالتالي تسير بالمجتمع نحو الصلاح والسعادة.
(١) العيال (٣١٢).
(٢) العيال (٣١٣).
(٣) العقوبات (٦٥).

٤٩٠
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
المطلب الرابع
العقوبات الإلهية والفساد الأخلاقي
ومن التلازم بين العقوبات الإلهية والفساد على وجه الخصوص التلازم بين
العقوبات الإلهية وفساد النظام الأخلاقي، والأصل في ذلك قوله {8#: (( ... ما
ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم
تكن في أسلافهم الذين مضوا))(١).
ومن آثار القرون الأولى:
- عن عبد الله بن مسعود قال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن
بهلاكها(٢).
- وعن أنس بن مالك، أنه دخل على عائشة ورجل معه، فقال لها الرجل: يا
أم المؤمنين، حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمر،
وضربوا بالمغاني، وغار الله عز وجل في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا
ونزعوا، وإلا هدمها عليهم. قال: قلت: يا أم المؤمنين، أعذاب لهم؟ قالت: بل
موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين. قال أنس:
ما سمعت حديثا بعد رسول الله ﴿ أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث(٣).
(١) سبق ص٤٨٥.
(٢) العقوبات (٩).
(٣) العقوبات (١٧).

٤٩١
نظرية العقوبات الإلهية
فالفساد الأخلاقي أحد أسباب الهلاك وحلول العقاب.
والخلاصة: أن استحضار المرء المسلم للتلازم بين العقوبات الإلهية وبين
الفساد العام يُعدُّ من أهم سبل الإصلاح؛ إذ يبعث هذا التلازم على العمل الصالح
واجتناب ما يضر بالفرد والمجتمع.

الخاتمة

٤٩٥
الخاتمة
الخاتمة
وفي نهاية هذا البحث يمكن القول بأنه لا يمكن إيفاء حق هذا العالم
الجليل من خلال هذا الجهد المتواضع، الذي هو أشبه بخطوط عريضة وإشارات
دلالة لفوائد آثار هذا الإمام، والتي لو تناولها الباحثون بالسبر والتقسيم لكان من
هذا التراث الرسائل الكثيرة وفي مجالات مختلفة.
وإن من أهم النتائج التي توصل إليها الباحث:
أولاً: للإمام ابن أبي الدنيا منهج علمي متكامل؛ يتلخص فيما يأتي:
١ - إن لابن أبي الدنيا شخصية علمية متميزة أثرتها كثرة الشيوخ.
٢- غلبة الطابع الزهدي على مصنفات ابن أبي الدنيا.
٣- سار ابن أبي الدنيا في تصنيفه على خطى أهل الحديث من حيث
التساهل في الرواية في باب الرقائق والزهد.
٤- وظّف ابن أبي الدنيا الظاهرة الشعرية في عرض الفكرة المراد إيصالها.
٥- بالرغم من قلة أقوال ابن أبي الدنيا في باب الجرح والتعديل إلا أنه يُعدُّ
من المعتدلين في هذا الباب.
٦ - اعتمد ابن أبي الدنيا التصنيف الموضوعي، لما له من أهمية من حيث
الإحاطة والاختصاص.
٧- تنوع موارد ابن أبي الدنيا؛ من كتب الزهد والتفسير والأدب
والشعر .... إلخ.
٨ - تفنن ابن أبي الدنيا في التراجم، وإن كان غالبها ظاهرة لدلالة.

٤٩٦
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
٩ - تفنن ابن أبي الدنيا في صيغ الأداء الدالة على تمكنه ودقته في هذا العلم.
إلى غير ذلك من النتائج التي استخلصت أثناء البحث من خلال الباب
الأول.
ثانياً: للإمام ابن أبي الدنيا منهج إصلاحي متكامل؛ يتلخص فيما يأتي:
١ - لابن أبي الدنيا نظرية إصلاحية تبلورت من خلال احتكاكه بالمجتمع
ومراقبة ما يجري.
٢ - اعتمد ابن أبي الدنيا في نظريته الإصلاحية على تطبيقات القرون
الأولى.
٣- تتسم نظرية ابن أبي الدنيا الإصلاحية بالشمولية.
٤ - قدّم ابن أبي الدنيا نظرية تربوية متكاملة من خلال كتابه العيال.
٥- قدّم ابن أبي الدنيا نظرية اقتصادية متكاملة من خلال كتابه إصلاح
المال.
٦ - كما أنه قدّم نظريات إصلاحية في المجال الأخلاقي والاجتماعي.
٧- ركّز ابن أبي الدنيا على ضرورة حماية المجتمع من الفساد من خلال
مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٨- حاول ابن أبي الدنيا دعم نظرياته الإصلاحية من خلال توشيحها
بنظريتي: الزهد والعقوبات الإلهية.
إلى غير ذلك من النتائج التي استخلصت أثناء البحث من خلال الباب
الثاني.

٤٩٧
الخاتمة.
أما التوصيات:
فمن خلال العيش مع تراث ابن أبي الدنيا ما يقارب العشر سنوات قراءة
وتفكراً، وما يقارب السنتين بحثاً أكاديمياً، تبين أن التراث الذي تركه هذا الإمام
الجليل جدير بالتركيز على مضمونه، والنهل من معينه العلمي، وذلك وفق
التخصصات، فيمكن على سبيل المثل لا الحصر كتابة رسائل علمية بعنوان:
١ - تفسير ابن أبي الدنيا جمع ودراسة.
٢ - مشيخة ابن أبي الدنيا.
٣- زوائد رجال ابن أبي الدنيا على تقريب التهذيب.
٤ - المراسيل عند ابن أبي الدنيا جمع ودراسة.
٥- الظاهرة الشعرية عند ابن أبي الدنيا دراسة تحليلية.
٦ - النظرية الاقتصادية عند ابن أبي الدنيا.
٧ - نظرية الزهد عند ابن أبي الدنيا.
٨- نظرية الأخلاق عند ابن أبي الدنيا.
وغيرها كثير، مما يدل على أن موضوع ميراث هذا الإمام لا يزال بكراً،
وحسب الباحث أنه في هذه الورقات اليسيرة قد نبه على أهمية هذا التراث مع بيان
بعض الصفحات المشرقة له.
فلله الحمد أولاً وآخراً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً
كثيراً ..

الفهارس العامة
وتتضمن:
فهرس الآيات.
فهرس الأحاديث المرفوعة.
فهرس الآثار.
فهرس الأعلام.
فهرس الأشعار.
ثبت المصادر والمراجع.
الفهرس العام.