النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
جوانب بناء الشخصية المسلمة.
قال ابن كثير: ((قال الفقهاء: وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمريناً له على
العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعاصي وترك المنكر،
والله الموفق))(١).
٤- حث الأبناء على العبادة:
عن الحسن قال: من كان له واعظ من نفسه كان له من الله حافظ، فرحم الله
من وعظ نفسه وأهله فقال: يا أهلي صلاتكم صلاتكم، زكاتكم زكاتكم، جيرانكم
جيرانكم، مساكينكم مساكينكم، لعل الله أن يرحمكم يوم القيامة فإن الله عز وجل
أثنى على عبد كان هذا عمله فقال: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوْةِ وَكَانَ عِنْدَ
رَيِّهِ، مَرْضِيًّا ( ٥)﴾ [مريم: ٥٥](٢).
فالالتزام بالعبادة من أهم عوامل الاستقامة والصلاح، والبعد عنها ضياع
وانتکاس، والتهاون فیھا نقص يجب إصلاحه.
(١) تفسير القرآن العظيم ٣٩٢/٤.
(٢) العيال (٣٣٠).
٣٦٢
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
المطلب الثالث
البناء الصحي والنفسي
لا يستطيع الإنسان القيام بالأعمال الموكلة إليه ما لم يتمتع بصحة جيدة،
ونفسية مستعدة لتنفيذ هذه الأعمال، من هنا كان الحرص على الجانب الصحي
والنفسي أمر مهم.
ولقد حرص الإسلام على العناية بهذين الجانبين وأولاهما العناية الخاصة في
بناء شخصية المسلم الصحية المتزنة المزاج.
أولاً: البناء الصحي:
ومما أورده الإمام ابن أبي الدنيا من أسس البناء الصحي مايلي:
١- الاهتمام بالعلاج:
فما انزل الله عز وجل من داء إلا وله دواء، والعلاج النبوي له صورتان:
أ- العلاج الدوائي: ومن صوره:
- عن أم قيس بنت محصن(١) قالت: دخلت بابن لي على رسول الله ◌ُ﴿ وقد
أعلقت عليه من العذرة، فقال: ((علام تدغرن(٢) أولادكن بهذا العلاق(٣)، عليكن
(١) هي أم قيس بنت محصن الأسدية أخت عكاشة يقال إن اسمها آمنة صحابية مشهورة لها أحاديث.
ترجمتها في: تقريب التهذیب ص٧٥٨.
(٢) الدغر: غمز الحلق بالأصبع، وذلك أن الصبي تأخذه العذرة وهي وجع يهيج في الحلق من الدم،
فتدخل المرأة فيه إصبعها فترفع بها ذلك الموضع وتكبسه. النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ١٢٣.
(٣) العلاق: معالجة عذرة الصبي. النهاية في غريب الحديث والأثر ٢٨٨/٣.
٣٦٣
جوانب بناء الشخصية المسلمة
بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب(١)، تسعط(٢) من العذرة
ويلد(٣) من ذات الجنب)) (٤).
ب- الرقية الشرعية: ومن صورها:
- عن ابن عباس قال: كان رسول الله # يعوذ الحسن والحسين وقال: ((كان
أبوكم إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان
وهامة ومن كل عين لامة))(٥).
٢ - الاهتمام بالقوة الجسدية:
- عن ابن ركانة(٦) وكان آية أهل زمانه قال: أراد يزيد بن معاوية أن يلقاني
في الشدة والصراع، فذكروا ذلك لمعاوية، فقال معاوية: ما أجدني أعرف وجهاً
وسأنظر، فرأى أن يوفد ليزيد وفداً فأنشأه وجعل فيه يزيد بن ركانة. قال: فلما
قدمت مع الناس طرح لي ذلك وأمرت بالتخلف مع خاصته، ثم أجرى معاوية
(١) ذات الجنب: هي الدبيلة والدمل الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل وقلما يسل دم
صاحبها. النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٠٣/١ - ٣٠٤.
(٢) السعوط: هو ما يجعل من الدواء في الأنف. النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٦٨/٢.
(٣) اللدود: هو بالفتح من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم، ولديدا الفم جانباه. النهاية في
غريب الحديث والأثر ٢٤٥/٤.
(٤) العيال (٦٥٠)، ورواه البخاري (٥٣٨٣).
(٥) العيال (٦٥٥)، ورواه البخاري (٣١٩١).
(٦) هو يزيد بن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، قال أبو عمر: له ولأبيه
صحبة ورواية. ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة ٦٥٥/٦.
٣٦٤
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
المسألة والكلام والمساءلة عن أهلنا، ثم ذكر الشدة فذكرت منها فأكرمني وكنت
أدخل خالياً حتى نكلم يزيد، فقال: إني لا أعيد في ذلك حظاً ثم جرى الكلام بما لا
يستنكر فيه الصراع فدعاني إلى ذلك فأبيت إجلالاً لأمير المؤمنين، فقال: لا عليك
واعتصبت بإزاري، وأتى يزيد بملحفة لينة معصفرة فشدها في حقوه حتى ما يقدر
يفرق بينها وبين بطنه، ثم لاقتني شيئاً ثم احتملته فذهبت أضعه في الأرض، فقال
معاوية: في حجري في حجري، فوضعته في حجره، فأقمت عنده ووصلني سراً
وأجازني مع أصحابه(١).
ويزيد بن ركانة قد أخذ فن المصارعة عن أبيه الذي اشتهر بقوته في الصراع،
ما يدل على اهتمام صحابة رسول الله /* بهذا الجانب المهم.
ثانياً: البناء النفسي:
إن ما وراء الجسد نفس مستترة بدوافعها ونوازعها، ولا يمكن معرفة ما
يجول فيها من أكار وهموم ومقاصد، فهي المحرك والمحرض للجوارح الظاهرة في
أن تُصلح أو تُفسد، لذلك كان حرص القرون الأولى على الاهتمام بنفسية الطفل
الناشئ وعاطفته وتكوينها تكويناً صحيحاً، وبناءها على أسس متوازنة التي من
شأنها أن تعطي المجتمع فرداً سوياً نافعاً لنفسه ومجتمعه، ومن الأسس التي أوردها
ابن أبي الدنيا في هذا الباب:
(١) العيال (١٥١).
٣٦٥
جوانب بناء الشخصية المسلمة.
١ - القُبلة: التي هي بريد العاطفة، وعنوان المحبة، وجسر- الوصل بين
الأجيال، والأساس الأول في تكوين النهج العاطفي لدى الإنسان، ومن لم يكن
لديه هذا الرسول - القبلة - فقد نزعت الرحمة من صدره، فقد أبصر- الأقرعُ بن
حابس النبي # وهو يقبل حسيناً فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا
منهم، فقال النبي ◌َّ: ((إنه من لا يرحم لا يرحم))(١).
ورأى أحدهم عمر بن الخطاب ﴾ يقبل ابنه فقال: تقبل ابنك وأنت خليفة،
لو كنت خليفة ما قبلت ابني، فقال: ما ذنبي إن كان الله تبارك وتعالى قد نزع منك
الرحمة، إنما يرحم الله عز وجل من عباده الرحماء(٢).
٢ - الرحمة:
- عن أنس بن مالك قال: ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله
* كان إبراهيم مسترضعاً له في عوالي المدينة، وكان ظئره قيناً فكان يأتيه وإن البيت
ليدخن فيأخذه فيقبله(٣).
- وعن أنس، أن النبي # سمع صوت صبي وهو في الصلاة، فظننا أنه
خفف الصلاة رحمة للصبي من أجل أن أمه كانت في الصلاة (٤).
(١) العيال (١٧٦)، ورواه البخاري (٥٦٥١).
(٢) العيال (٢٥٢).
(٣) العيال (١٧٥)، ورواه مسلم (٢٣١٦).
(٤) العيال (١٨٧)، ورواه البخاري (٦٧٦).
٣٦٦
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
٣- المداعبة والممازحة:
عقد ابن أبي الدنيا فصلاً في ذلك بعنوان ((باب تنقيز الولدان ومداعبتهم))
أودعه أخباراً من القرون الأولى(١)، ومنها:
- كان أبو بكر # يحمل الحسن بن علي ويقول:
بأبي شبه النبي
ليس شبيها بعلي
وعلي معه یتبسم(٢).
- وكانت قريش تحب عثمان حتى إن المرأة كانت ترقص ابنها فتقول:
أحبك والرحمن
حب قريش عثمان(٣)
وهذا فيه ترسيخ لعقيدة حب الصحابة رضوان الله عليهم زيادة على الترفيه
وملاعبة الطفل.
- وكان عبد المطلب يقعد العباس على يده ويقول:
ظني بعباس بني إن كبر
أن يسقي الحاج إذا الحاج كثر
وينحر الكومى في اليوم الخضر-
(١) العيال (٢٥٩ - ٢٧٦).
(٢) العيال (٢٥٩).
(٣) العيال (٢٦٣).
٣٦٧
جوانب بناء الشخصية المسلمة
أكرم من عبد كلال وحجر
لو جمعا لم يبلغا منه العشر(١)
وهذه الكلمات فيها ترسيخ للأخلاق.
وعلى ذلك يجب أن تتضمن الكلمات المرافقة لتنقيز الأطفال معنى جميلاً في
ذاته وغايته؛ من حثّ على خلق حسن، أو ترسيخ مفهوم عقدي سلیم ونحو ذلك.
والله أعلم.
٤ - العدل بین لأبناء:
- والأصل في ذلك حديث النعمان بن بشير ، قال: نحلني أبي نحلاً فأتيت
النبي #: أشهده فقال: ((لا أشهد إني لا أشهد إلا على حق))(٢).
وعدم العدل بين الأولاد في العطية له نتائج وخيمة كقطع الرحم والعقوق
وزرع الشحناء بين الأبناء، و((قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون
محرماً والتفضيل مما يؤدي إليهما))(٣).
- بل كان الصحابة رضوان الله عليهم يستحبون أن يسووا بين أولادهم
حتى في القبل(٤).
ومن آثار القرون الأولى:
(١) العيال (٢٦٥).
(٢) العيال (٣٢)، رواه البخاري (٢٤٤٦) بنحوه.
(٣) فتح الباري ٢١٤/٥.
(٤) العيال (٣٥).
٣٦٨
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
- إن عمر بن عبد العزيز(١) ضم ابناً له وكان يحبه فقال: يا فلان والله إني
لأحبك وما أستطيع أن أوثرك على أخيك بلقمة(٢).
٥- السؤال عنهم:
وهذا السؤال تعزيز للثقة بالنفس، ذلك أن الرجل العاقل لا يسأل إلا عمن
له أهمية عنده فتنمو ثقة الطفل بنفسه، وتعود هذه الثقة إذا هذبت ووجهت بالنفع
الخاص والعام.
فعن أبي هريرة ﴾، أن النبي # خرج وخرجت معه حتى أتينا سوق بني
قينقاع ثم انصرف فأتى بيت عائشة ثم قال: أثم لكع؟ يعني حسيناً، وظننت أن أمه
حبسته تغسله أو تلبسه سخاباً، فلم يلبث أن جاء يشتد فعانق كل واحد منهما
صاحبه، ثم قال: ((اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه))(٣).
هذه بعض الأسس مما ذكره ابن أبي الدنيا آثراً عن القرون الأولى، وفيها -
مع ما يضم إليها من أخبارهم - غنية في باب البناء الصحي والنفسي السليمين.
تلك الأسس التي من شأنها أن تُخرج إنساناً نافعاً لنفسه ومجتمعه، بعيداً عن
الانحراف بكل أشكاله، وبالتالي يكون الصلاح للمجتمع.
(١) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين، عد مع الخلفاء
الراشدين، من الرابعة مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان
ونصف. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٤١٥.
(٢) العيال (٣٨).
(٣) العيال (٢١١)، ورواه البخاري (٢٠١٦).
٣٦٩
جوانب بناء الشخصية المسلمة.
المطلب الرابع
البناء الاجتماعي والأخلاقي
إن الاهتمام بالجانبين الأخلاقي والاجتماعي مفيدٌ جداً عند خروج الإنسان
إلى المجتمع والاحتكاك مع أفراده بشتى ألوان الأنشطة الاجتماعية، حيث يلزم في
باب المعاملة مع الآخرين خلق رفيع، واجتماعية راقية، ليتمكن من العيش بهناء
وسعادة مسدياً لمجتمعه النفعَ، باذلاً الحب والعطاء، وهذا كله مما يكفل استمرارية
صلاح المجتمع.
أولاً: أسس البناء الاجتماعي:
وقد أورد الإمام ابن أبي الدنيا بعضاً من أسس البناء الاجتماعي من خلال
بعض أخبار القرون الأولى، ومن هذه الأسس:
١ - العدل بين الأبناء:
مر في المطلب السابق أثر العدل بين الأبناء في تكوين النفسية السوية عند
الأطفال، ويمكن القول في هذا المقام أن المفاضلة بين الأبناء في العطف والحنان
والأعطيات يؤدي إلى زرع الشحناء والبغضاء بين أفراد الأسرة الواحدة، وبالتالي
يتكون لدينا مجتمع متفكك اجتماعياً يحقد بعضه على بعض، وتربص الدوائر ونظم
المؤامرات بينهم شديد، ولا أدل على ذلك من قصة يوسف عليه السلام مع إخوته.
وساق ابن أبي الدنيا في هذا المقام قصة يحسن سردها:
۔
٣٧٠
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
عن عبد العزيز بن عمر (١) قال: كان عمر بن عبد العزيز له ابن من امرأة من
الحارث بن كعب وكان يحبه وينام معه. قال: فتعرضت له ذات ليلة فقال: أعبد
العزيز؟ قلت: نعم. قال: بني ما جاء بك؟ ادخل فدخلت فجلست، فصلى عمر
فانتفض كأنه قصبة من لدن ظفره إلى شعره فظننت أنه من نائبة ثم ركع، فأتاني
فقال: ما لك؟ فقلت: إنه ليس أحد أعلم بولد الرجل منه، وإنك تصنع بابن
الحارثية ما لم تصنع بنا، فلست آمن أن يقال: هذا من شيء يراه عنده ولا يراه
عندهم، فقال: آلله أعلمك هذا أحد؟ قلت: لا. قال: فأعاد علي فأعدت، فقال:
ارجع إلى مبيتك فرجعت، وكنت أبيت أنا وإبراهيم وعبد الله وعاصم جميعاً، فإذا
نحن بفراش يحمل ثم تبعه ابن الحارثية قلت: ما شأنك؟ قال: شأني ما صنعت
بي ... كأنه خشي أن يكون جوراً(٢).
٢- مبيت الطفل عند أقرباءه الصالحين:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة(٢)، فقام رسول
الله * يصلي من الليل، وكان من دعائه: ((اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري
نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن
(١) هو عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي أبو محمد المدني نزيل الكوفة صدوق
يخطئ، من السابعة مات في حدود الخمسين. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٣٥٨.
(٢) العيال (٣٩).
(٣) هي ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي { /، قيل وكان اسمها برة فسماها النبي 8# ميمونة،
وتزوجها بسرف سنة سبع وماتت بها ودفنت سنة إحدى وخمسين على الصحيح. ترجمتها في:
تقریب التهذیب ص٧٥٣.
٣٧١
جوانب بناء الشخصية المسلمة
تحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وأعظم لي نوراً)(١).
ومن خلال النظر في روايات هذا الحديث - مما يتعلق بهذه الفقرة - يُلاحظ
ما يلي:
أ - حرص الآباء على مبيت الأطفال عند الصالحين: ويدل على ذلك ما جاء
في رواية مسلم: قال ابن عباس: ((بعثني العباس إلى النبي ﴾ وهو في بيت خالتي
ميمونة فبت معه تلك الليلة ... )).
ب - حرص الأبناء ممن يبغي الخير على المبيت عند الصالحين للتعلم: ويدل
على ذلك ما جاء في رواية البخاري: قال ابن عباس: ((بت عند خالتي ميمونة
فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﴿))(٢).
ج - اتخاذ الأطفال التدابير اللازمة لتقصي الخير: ويدل على ذلك ما جاء في
رواية مسلم: أن ابن عباس قال لخالته ميمونة: ((إذا قام رسول الله ﴿ فأيقظيني)).
د - اختيار الوقت المناسب: ويدل على ذلك ما جاء في رواية ابن خزيمة:
قال ابن عباس: ((زرت خالتي ميمونة فوافقت ليلة النبي {))(٢).
(١) التهجد وقيام الليل (٣٨)، ورواه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣).
(٢) رواه البخاري (٤٥٧٠).
(٣) رواه ابن خزيمة في صحيحه (٤٥٧٠).
٣٧٢
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
٣- استقبالهم إذا ولدوا، والرأفة بهم إذا مرضوا:
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله 8# يؤتى بالصبيان فيدعو
لهم ويحنكهم(١).
ودخل أبو بكر إلى أهله فإذا عائشة مضطجعة وهي محمومة فأكب عليها
وقبل خدها وقال: كيف تجدينك يا بنية؟(٢).
٤ - حضورهم مجلس الكبار وتشجيعهم:
ومما يدل على ذلك دلالة صريحة، ما رواه أبو هريرة ، أن النبي ﴿ كان إذا
أتى الثمر أتي به فيقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي مدنا وفي صاعنا بركة مع
بركة)) ثم يعطيه أصغر من بحضرته من الولدان(٣).
ففي الحديث: تشجيع للصبيان على حضور مجالس الكبار والتعلم.
٥ - الاهتمام لهمومهم والسؤال عن شؤونهم، والانبساط لهم:
فعن أنس ﴾ قال: كان رسول الله # يأتي أبا طلحة(٤) كثيراً فجاء يوماً وقد
مات نغير لابنه فوجده حزيناً مكتوباً، فسألهم عنه فأخبروه، فقال له رسول الله صل:
(١) العيال (١٨١)، ورواه مسلم (٢٨٦).
(٢) العيال (٢٣٨).
(٣) العيال (١٩٦)، ورواه مسلم (١٣٧٣).
(٤) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري أبو طلحة مشهور بكنيته، من كبار
الصحابة شهد بدرا وما بعدها مات سنة أربع وثلاثين، وقال أبو زرعة الدمشقي: عاش بعد النبي
# أربعين سنة. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٢٢٣.
٣٧٣
جوانب بناء الشخصية المسلمة
((يا أبا عمير ما فعل النغير؟))(١).
وهذا من حسن المواساة حتى لما يراه الطفل مصيبة عظمى.
٦ - السؤال عنهم:
فعن أبي هريرة ، أن النبي # خرج وخرجت معه حتى أتينا سوق بني
قينقاع ثم انصرف فأتى بيت عائشة ثم قال: أثم لكع؟ يعني حسيناً، وظننت أن أمه
حبسته تغسله أو تلبسه سخاباً، فلم يلبث أن جاء يشتد فعانق كل واحد منهما
صاحبه، ثم قال: ((اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه))(٢).
٧- الاهتمام بمجتمع الصبيان:
فعن أنس بن مالك ، أنه مر على صبيان فسلم عليهم ثم حدث أن
رسول الله # مر على صبية فسلم عليهم وهو معه(٣).
(١) العيال (٢٣٢)، ورواه البخاري (٥٧٧٨).
(٢) العيال (٢١١)، ورواه البخاري (٢٠١٦).
(٣) العيال (٢٧٧)، ورواه البخاري (٥٨٩٣).
٣٧٤
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
ثانياً: أسس البناء الأخلاقي:
وقد أورد الإمام ابن أبي الدنيا بعضاً من أسس البناء الأخلاقي من خلال
بعض أخبار القرون الأولى، ومن هذه الأسس:
١ - الحث على الأدب، والالتزام بالآداب الإسلامية:
عن أنس بن مالك ، أنه مر على صبيان فسلم عليهم ثم حدث أن
رسول الله #مر على صبية فسلم عليهم وهو معه(١).
ومن الآثار في الحث على تعلم آداب الشريعة:
- عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من رزقه الله ولدا فليحسن اسمه
وتأديبه، فإذا بلغ فليزوجه(٢).
- وقال ابن عمر رضي الله عنهما لرجل: يا هذا أحسن أدب ابنك فإنك
مسؤول عنه وهو مسؤول عن برك (٣).
ومن أهم هذه الآداب:
أدب السلام: وذلك لأنه يتكرر كثيراً حين اللقاء وحين الوداع، فهو يتكرر
بتكرار رؤیة الآخرین.
وسبق في الحديث المذكور آنفاً فعل القدوة الحسنة : ﴿ وإلقاءه السلام على
الصبيان.
(١) العيال (٢٧٧)، ورواه البخاري (٥٨٩٣).
(٢) العيال (١٧١).
(٣) العيال (٣٢٦).
٣٧٥
جوانب بناء الشخصية المسلمة.
وذكر ابن أبي الدنيا ممن كان يسلم على الصبيان اقتداءً بالحبيب المصطفى {9:
ابن عمر(١)، وأنس بن مالك(٢)، وأبو هريرة (٣) رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن حجر: ((قال ابن بطال: في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب
الشريعة)) (٤).
٢ - تدريبهم على مكارم الأخلاق:
فعن أنس ﴾ أنه كان يقول لبنيه: تباذلوا فيما بينكم فإنه أود لكم(٥).
٣- أصول الأخلاق عند ابن أبي الدنيا:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث،
وصدق البأس في طاعة الله، وإعطاء السائل، ومكافأة الصنيع، وصلة الرحم، وأداء
الأمانة، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء(٦).
ثم ذكر ابن أبي الدنيا أصول كتاب مكارم الأخلاق وغايته فقال: ((ونحن
ذاكرون في كتابنا هذا في كل خصلة من الخصال التي ذكرت أم المؤمنين رضوان الله
عليها بعض ما انتهى إلينا عن النبي 8 وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين،
(١) العيال (٢٨٢).
(٢) العيال (٢٨٣).
(٣) العيال (٢٨٤).
(٤) فتح الباري ١١/ ٣٣.
(٥) الإشراف في منازل الأشراف (١٦٢).
(٦) مكارم الأخلاق (٣٦).
٣٧٦
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، وأهل الفضل والذكر من العلماء ليزداد ذو
البصيرة في بصيرته، وينتبه المقصر عن ذلك من طول غفلته، فيرغب في الأخلاق
الكريمة، وينافس في الأفعال الجميلة التي جعلها الله عز وجل حلية لدينه وزينة
لأوليائه، وقد كان يقال: ليس من خلق كريم، ولا فعل جميل إلا وقد وصله الله
بالدين)). أ.هـ.
وبعد فهذه نتف من الفرائد في مقام البناء الاجتماعي والأخلاقي، وسيأتي
تفصيل الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي في الفصل الآتي، إن شاء الله عز وجل.
٣٧٧
جوانب بناء الشخصية المسلمة.
المطلب الخامس
البناء العلمي
عقد ابن أبي الدنيا أبواباً في كتابه ((العيال)) تدخل في مضمون هذا المطلب،
وهي:
١ - باب تعليم الصبيان الصلاة: أورد فيه ثلاثة عشر خبراً (١).
٢ - باب تعليم الأصاغر القرآن: أورد فيه ثلاثة عشر خبراً(٢).
٣- باب تعليم الرجل أهله وتعليم ولده وتأديبهم: أورد فيه تسعة وثلاثين
خبراً(٣).
٤- باب في تعليم العلم للأصاغر: أورد فيه ستة أخبار (٤).
وإن دلَّ هذا الصنيع على شيء فيدل على أهمية العلم والتعلم في مرحلة
الطفولة، وإمكانية التحصيل في هذه المرحلة لحضور الذهن وقلة العوائق.
ومن أهم الأسس في مجال البناء العلمي كما وردت عند ابن أبي الدنيا:
(١) العيال (٢٩١ - ٣٠٣)).
(٢) العيال (٣٠٤ - ٣١٦).
(٣) العيال (٣١٧ - ٣٥٥).
(٤ ) العيال (٥٩٣-٥٩٨).
٣٧٨
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
١ - الاهتمام بتعليم الصغار:
روى ابن أبي الدنيا جملة من الأخبار تتعلق بهذه الفقرة، منها:
- عن يزيد بن معمر (١) قال: العلم في الصغر كالنقش في الحجر (٢).
- وعن عروة بن الزبير أنه كان يقول لبنيه: أي بني هلموا فتعلموا فإنكم
توشكوا أن تكونوا كبار قوم، وإني كنت صغيرا لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن
ما أدركت جعل الناس يسألوني، وما أشد على امرئ أن يسأل عن شيء من أمر دينه
فيجهله(٣).
- ومر قوم على الأعمش وحوله فتيان فقالوا: انظروا إلى الأعمش قد جمع
حوله الصبيان فقال: ردوهم إن هؤلاء يحفظون عليكم دينكم(٤).
- ومر قوم على حماد بن سلمة(6) وحوله فتيان فقالوا: انظروا إلى حماد قد جمع
حوله الصبيان فقال: ردوهم فلما أتوه قال: إني رأيت البارحة كأني أسقي فسيلاً
فأولت هؤلاء الصبيان(٦).
(١) انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٩/ ٢٩٠.
(٢) العيال (٥٩٣).
(٣) العيال (٥٩٥).
(٤ ) العيال (٥٩٦).
(٥) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخرة،
من كبار الثامنة مات سنة سبع وستين. ترجمته في: تقريب التهذيب ص١٧٨ .
(٦) العيال (٥٩٧).
٣٧٩
جوانب بناء الشخصية المسلمة.
٢- التوصية بهم:
روی ابن أبي الدنيا:
- أن معاوية غ كان يخرج إلى الكتاب ويقول للمعلم: يا معلم أحسن أدب
أبناء المهاجرين(١).
٣- تقدير معلم الابن:
حيث كان المهاجرون يعرفون حق معلمي أبنائهم(٢).
٤ - تشجيعهم وتقویمهم:
فلقد كان ابن عمر رضي اله عنهما إذا لقي ابنه سالماً قبَّله ويقول: شيخ يقبل
شيخاً(٣).
وكان رضي الله عنه يضرب بنيه على اللحن (٤).
وسيأتي في مطلب مستقل الكلام حول الثواب والعقاب في العملية
التعليمية.
(١) العيال (٢٩٠).
(٢) العيال (٣١٦).
(٣) العيال (١٤٤).
(٤) العيال (٣٣٢).