النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ الهيكل الاقتصادي وكان أبو بكر ﴾ تاجر قريش(١). وعن عمر : من اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه فليتحول إلى غيره(٢). وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا لم يُرزق أحدكم في البلد، فليتجر إلى بلد غيره(٣). وفي هذا الأثر الأخير إرشاد إلى أهمية التجارة الخارجية، التي هي من أهم ركائز الاقتصاد الناجح. وقد عقد الإمام ابن أبي الدنيا باباً في كتابه ((إصلاح المال)) بعنوان بــاباب أفاضل التجارات)) يبين فيه أنواع التجارات الممدوحة، ثم أتبعه بـ(( باب المذموم من التجارة)) بين فيه ما لا يجوز تعاطيه من التجارة مما له الأثر السيئ في الاقتصاد والحياة العامة للمجتمع الإسلامي. ٥ - الربع العقاري: عقد الإمام ابن أبي الدنيا باباً في كتابه ((إصلاح المال)) بعنوان بـ«باب العقارات)). والعقارت لها ميزات تنفرد بها عن بقية الأنشطة الاقتصادية فهي لا تحتاج إلى کلفة حفظها، بالإضافة إلى أنه یمکن تمليك منفعتها دون عینها. (١) كتاب إصلاح المال (٢٠١). (٢) كتاب إصلاح المال (٢٢٤). (٣) كتاب إصلاح المال (٢٢٣). ٣٢٢ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ومما يدل على أهميتها ما تركه الزبير بعد موته، حيث كان حريصاً على شراء العقارات، فعن عبد الله بن الزبير قال: لم يدع الزبير ديناراً ولا درهماً إلا أرضين؛ منها الغابة، وإحدى عشر - داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة، وداراً بمصر(١). (١) كتاب إصلاح المال (٢٩٦). ٣٢٣ الهيكل الاقتصادي. المطلب الرابع عناصر الإنتاج عند ابن أبي الدنيا من خلال المطلب السابق يمكن حصر عناصر الإنتاج فيما يأتي: عناصر الإنتاج: ١- العناصر الطبيعة: وتشمل: أ- الأرض: سواء كانت زراعية، أو داراً. ب - الثروة الحيوانية: كالغنم وغيرها من الأنعام، والدجاج. ٢ - المال: ويشمل: أ- التجارة. ب- شراء العناصر الطبيعية، واستثمارها. ٣- العمل: ويشمل: الصنعة، والجهد العضلي. المبحث الثاني حماية الحياة الاقتصادية عند ابن أبي الدنيا وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مشكلة الفقر. المطلب الثاني: واجبات الدولة في المجال الاقتصادي. المطلب الثالث: تدخل الدولة في المجال الاقتصادي. المطلب الرابع: أجهزة حماية الاقتصاد الإسلامي. ٣٢٧ حماية الحياة الاقتصادية المطلب الأول مشكلة الفقر عند ابن أبي الدنيا يعترف الإسلام بوجود مشكلة اقتصادية، لكن المشكلة ليست مشكلة الطبيعة وقلة مواردها، ولا التناقض بين شكل الإنتاج والتوزيع، ولكن المشكلة هي الإنسان ذاته. وللإمام ابن أبي الدنيا كتابان في الفقر، لم يصلا إلى عالم المطبوع، ولم تذكر مصادر المخطوط أماكن وجودهما، وهما: ١ - ذم الفقر. ٢ - شرف الفقر. وهما عنوانان متضادان؛ فالأول يذم الفقر ويبتغي منه مهرباً، والثاني يجعل الفقر شرفاً ومطلباً. ولا يمكن التوفيق بين العنوانين إلا بالوقوف على مضمونيهما، ولكن عموماً الأحاديث الواردة في الزهد لا تعني مدح الفقر (١)، فلكل من الغنى والفقر فتنة تذم، ومحاسن تذكر، فالأصل في المال أن يكون في اليد لا في القلب، حتى لا يكون فتنة إذا كثر (غنى) وفتنة إذا قلَّ (فقر)؛ فلذلك كان # يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر))(٢). (١) مشكلة الفقر، مؤسسة الرسالة، ص ١٣. (٢) إصلاح المال (٤٢٩)، ورواه البخاري، برقم (٦٠٠٧). ٣٢٨ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً قال ابن حجر معلقاً على هذا الحديث: ((والتقييد في الغنى والفقر بالشر- لا بد منه، لأن كلا منهما فيه خير باعتبار، فالتقييد في الاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قل أم كثر)). ثم بين رحمه الله وجه ذلك فقال: ((فتنة الغني الحرص على جمع المال وحبه حتى يكسبه من غير حله، وبمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر يراد به الفقر المدقع الذي لا یصحبه خیر ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب ولا في أي حالة تورط))(١). فالفقر والغنى محنتان من الله يختبر بهما عباده في الشكر والصبر. ولا أدل على صحة سلوكية التعامل مع الفقر والغنى من قول عمر ع في دعائه: اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تقل لي منها فأنسى، فإنه ما قل وكفى خير مما كثر وألهى(٢). خطر الفقر: ١ - إن في اختلاف موازين التملك اختلال في موازين النظر والإنصاف عند أصحاب المفاهيم المبتورة؛ مما يسبب أمراضاً في المجتمع يجب علاجها، فما من خصلة من الخصال هي للغني مدح إلا وهي للفقير عيب، فإن كان الغني مقداماً يسمى شجاعاً، وإن كان الفقير مقداماً سمي أهوجاً، وإن كان الغني بليغاً سمي (١) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١١/ ١٧٧ . (٢) التهجد وقيام الليل (٤٠). ٣٢٩ حماية الحياة الاقتصادية. خطيباً، وإن كان الفقير بليغاً سمي مهذاراً، وإن كان الغني ركيناً سمي حليماً، وإن كان الفقير ركيناً سمي ثقيلاً، وإن كان الغني صموتاً سمي زميتاً، وإن كان الفقير صموتاً سمي غبياً، والموت خير من الحاجة المضطرة إلى الناس(١). ٢- قال بعض الحكماء: رأينا الفاقة والعدم داعية للمقت، مسلبة للعقل، مذهبة للعلم، مورداً على التهمة، ومن مسّه الفقر فقد عيا(٢). ٣- وقال سفيان الثوري: يعجبني أن يكون صاحب العلم في كفاية؛ لأن الآفات والعسر أسرع، وإذا احتاج ذل(٣). ٤ - وقال سفيان: لولا ضيعتنا هذه تلاعب بنا هؤلاء(٤). ٥ - وقال أكثم بن صيفي(٥): سوء حمل الفاقة يضع الشرف(٦). ٦ - واشترى مالك بن دينار سويقاً وتمراً - كأنه أكثر -، فقيل له: يا أبا يحيى ما هذا؟ قال: هذا صوم وصلاة(٧). (١) إصلاح المال (٤٤١). (٢) إصلاح المال (٤٧٤). (٣) الإشراف في منازل الأشراف (١٢٥). (٤) إصلاح المال (٤٨١). (٥) هو أكثم بن صيفي بن رباح بن الحارث التميمي الحكيم المشهور. ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة ٢٠٩/١ - ٢١١. (٦) الإشراف في منازل الأشراف (١٩٠). (٧) إصلاح المال (٩١). ٣٣٠ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ٧- عن حماد بن زيد(١) قال: سمعت أيوب(٢) يقول: لو أعلم أن عيالي يحتاجون إلى جُرزة بقل، ما قعدت معكم (٣). ٨- ولشدة خطورة الفقر سماه من مضى بالموت الأكبر؛ فعن عبد الله بن أبي أو فى (٤) قال: الفقر الموت الأكبر(٥). يتبين مما سبق من نصوص أن للفقر خطراً على العقيدة والعبادة والأخلاق والعلم، والفرد والأسرة .. وسائل وقائية: ويكون الترياق الوقائي عادة قبل المرض تحسباً لوقوعه، والأمر الوقائي هنا ذو جذور تربوية، بمعنى آخر الوقاية هنا هي إعداد المرء إعداداً صحيحاً متكاملاً بحيث يستطيع مواجهة الفقر مواجهة صحيحة؛ ومن هذه الوسائل: (١) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين وله إحدى وثمانون سنة. ترجمته في: تقريب التهذيب ص١٧٨ . (٢) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة مات سنة إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون. ترجمته في: تقريب التهذیب ص١١٧. (٣) إصلاح المال (٢١٦). (٤) هو عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، صحابي شهد الحديبية وعمر بعد النبي # دهراً، مات سنة سبع وثمانين وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة ترجمته في: تقريب التهذيب ص٢٩٦. (٥) إصلاح المال (٤٣٢). ٣٣١ - حماية الحياة الاقتصادية ١ - الإعداد الإيماني: فعن يونس بن عبيد(١) قال: ينبغي مع الحاجة إيمان قوي وعقل شديد(٢). إن من وجِد منه الإيمان القوي يستطيع أن يرد الشهوات في زمن الفتن، فشهوة المال مجبولة عليها القلوب، ولكن الإيمان الصحيح يهذب هذه الشهوة ويوجهها توجيهاً فيه النفع الدنيوي والآخروي للفرد والمجتمع، فلا ينحرف الفرد فيجمع المال من حله وحرامه بل يتحرى الكسب الحلال يحدوه في ذلك إيمان وتقوى، وبالتالي يجنب نفسه ومجتمعه السخط والعذاب. ٢- الإعداد العقلي: فعن يونس بن عبيد قال: ينبغي مع الحاجة إيمان قوي وعقل شدید. ومن وجِد منه العقل الرشيد والفهم السديد في الجانب الاقتصادي، يستطيع أن يرد الشبهات في زمن المحن، فيسعى بما آتاه الله عز وجل من قدرات إلى استغلالها بما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، وذلك بإيجاد فرص العمل المناسبة لقدراته المرضية لربه عز وجل، فلا عجز ولا كسل، ولا تواني ولا خمول، وإنما جدّ واجتهاد. ٣- ترشيد الاستهلاك: ويضاف إلى ذلك أنه يجب استخدام هذا العقل السليم المضبوط بالكتاب (١) هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٦١٣. (٢) إصلاح المال (٤٥٠). ٣٣٢ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً والسنة في ترشيد الاستهلاك، الذي يُعدّ من أهم الوسائل الوقائية من الفقر؛ فعن معاوية (١) # قال: حسن التدبير مع الكفاف أحب إليّ من الكثير(٢). وكان يقال: الإفلاس: سوء التدبير، وكان يقال: تقدير المعاش من الكمال(٣). وعن يونس بن عبيد أنه قال لرجل: آمرك بثلاث: بالتودد إلى الناس فإنه نصف العقل، والاقتصاد في النفقة فإنه ثلث الكسب، وحسن المسألة فإنه نصف (٤) العلم(٤). وسائل علاجية(٥): ١- الوسيلة الأولى: وتختص هذه الوسيلة بالفقير نفسه؛ فيجب على الفقير التوجه الكلي إلى العمل بما أوتي من قدرات، فالعمل هو السلاح الأول والأنفع في مواجهة الفقر وخطره، وقد مرّ في مطلب أوجه النشاط الاقتصادي بعضاً من آثار القرون الأولى التي توجه إلى العمل وتحث عليه، فلا حاجة لإعادتها هنا. (١) هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٥٣٧. (٢) إصلاح المال (١٢١). (٣) إصلاح المال (١٥٦). (٤) الإشراف في منازل الأشراف (١٦٦). (٥) ينظر في هذه الوسائل: مشكلة الفقر ص٣٩ فما بعد. ٣٣٣ حماية الحياة الاقتصادية ٢ - الوسيلة الثانية: وتختص بالمجتمع، وهي مسألة التكافل الاجتماعي المرتكز على الاقتصاد الإسلامي، والتكافل العام هو ما يفرضه الإسلام من كفالة المسلمين بعضهم لبعض في حدود الوسع الطاقة، تربطهم في ذلك رابطة الدين والتي هي الأساس، فإذا انضمت إليها رابطة النسب قويت واكتنفتها دماء العطف، ويمكن التمثيل لا الحصر على هذه الظاهرة بذكر هذين الخبرين: الخبر الأول: دخل طلحة بن عبيد الله(١) على بعض أزواجه وهو حزين، فقالت له: ما الذي أحزنك؟ قال: اجتمع عندي مال. قالت: فأرسل إلى قومك فاقسمه بینهم، فأرسل إلى قومه فقسمه فيهم(٢). المثال الثاني: مشى قوم من أهل المدينة إلى عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله(٣)، فكلموه في رجل أفلس فقال: إن علينا حقوقا تعلُ فضول أموالنا، وما كل مَن أفلس عذر على جبره، وقال: صنيعة قربى أو صديق توامقه إذا المال لم يوجب فضول حقوقه ولم يفتلذك المال إلا لحقائقه(٤) منعت وبعض المنع حزم وقوة (١) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبو محمد المدني، أحد العشرة مشهور، استشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثلاث وستين. ترجمته في: تقریب التهذیب ص٢٨٢. (٢) إصلاح المال (٩٣). (٣) هو عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي الذي يقال له عمران بن أبى الصعبة، يروى عن أبيه، عداده في أهل الكوفة. ترجمته في: الثقات لابن حبان ٢٤٢/٧-٢٤٣. (٤) إصلاح المال (٧١). ٣٣٤ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ٣- الوسيلة الثالثة: وتختص بالدولة، وهي مسؤولية الدولة عن كل فرد من أفراد المجتمع، فمن واجبها كفالة الفقراء والضعفاء وجميع الفئات الضعيفة اقتصادياً، بحيث توفر لها الحد الأدنى من الكفاية الاقتصادية. وقد حفظ ابن أبي الدنيا بعضاً من تلك الآثار الدالة على هذا الحق ومشروعيته، وتطبيقاته، ومن ذلك: - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعاني عمر بن الخطاب ﴾ فأتيته وبين يديه نطع عليه الذهب منثور حثا قال: اذهب فاقسم هذا بين قومك(١). - وبينما عمر بن الخطاب ه ذات يوم يمشي مع أصحابه إذا صبية في السوق يطرحها لوجهها من ضعفها، فقال عمر: من يعرف هذه؟ فقال له عبد الله بن عمر: أو ما تعرفها؟ هذه إحدى بناتك. قال: أي بناتي؟! قال: ابنة عبد الله بن عمر. قال: فما بلغ بها ما أرى من الضيعة؟! قال: إمساكك ما عندك. قال: إمساكي ما عندي عنها، يمنعك أن تطلب لبناتك ما يطلب الأقوام؟(٢). وبالجملة: فإن أفراد المجتمع ليسوا مجرد عناصر اقتصادية لا تجمعهم سوى رابطة الإنتاج والمنفعة الاقتصادية، بل هم أسرة مترابطة تجمعها عقيدة التوحيد، متكافلون متضامنون، مسؤولون عن بعضهم البعض، جاع ذاك أو عري، ورحم الله ابن عمر إذا جاءه ابن له فقال: اكسني إزاراً، وكان إزاره قد دلى، فقال: اذهب (١) إصلاح المال (١٨). (٢) إصلاح المال (٧١). ٣٣٥ حماية الحياة الاقتصادية فاقطعه ثم صله فإنه سيكفيك، أما والله إني أرى ستجعلون ما رزقكم الله في بطونكم وعلى جلودكم، وتتركون أراملكم ومساكينكم ويتاماكم(١). (١) الجوع (٥١). ٣٣٦ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً المطلب الثاني واجبات الدولة في المجال الاقتصادي عند ابن أبي الدنيا إن الاقتصاد الإسلامي ليس مسألة فردية أو قضية شخصية، بل هو قضية مجتمع ودولة، ويُعد الركيزة الأساسية في المجتمع والدولة، بل هو المؤشر على قوة الدولة واستقلالها وحريتها، لذلك حرصاً من الدولة على هذا الأمر الهام كان في ذمتها بعض من الواجبات الوقائية تفادياً للأمراض التي قد تصيب المجتمع من جرّاء الخلل الاقتصادي، ومن هذه الواجبات: ١ - الربط بين الاقتصاد والأخلاق: فالعملية الاقتصادية في النظام الإسلامي ليست عملية مادية بحتة في إطار الربح والخسارة المادية، بل تسمو لتحقق إنسانية البشر وتربطه بالأخلاق العالية؛ فعن عمر بن الخطاب قال: مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس(١). وعن أبي مسعود الأنصاري(٢) أنه ذكر الدنيا فقال: ألزقوها بأكبادكم، فو الله لا تصلون إلى الآخرة بدينار ولا درهم، تتركوهن على ظهر الأرض وفى بطنها كما تركها من قبلكم، فتناحروا عليها تناحركم، وتذابحوا تذابحكم، ولتذهب دينكم ودنیاکم(٣). ١ ١ (١) إصلاح المال (٣١١). (٢) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري أبو مسعود البدري، صحابي جليل مات قبل الأربعين وقيل بعدها. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٣٩٥. (٣) إصلاح المال (١٩). ٠ ٣٣٧ حماية الحياة الاقتصادية. ٢ - تشجيع الناس على طرق الكسب المشروعة: والأصل في ذلك قوله ﴿: ((ما أكل أحدكم طعاما أحب إلى الله من عمل يده)»(١). وعن عمر بن الخطاب ه قال: أيها الناس، أصلحوا أموالكم التي رزقكم الله؛ فإن إقلالا في رفق خیر من إكثار في خرق(٢). وعن معاوية ه قال: إصلاح مال في يديك أفضل من طلب الفضل من أيدي الناس، وحسن التدبير مع الكفاف أحب إليّ من الكثير(٣). ٣- نشر العدل ومنع لظلم. ولا يذكر العدل مطلقاً أو مقيداً إلا ذُكر الفاروق؛ فعن ابن عمر قال: استأذنت عمر في الجهاد، فقال: إنك قد جاهدت مع رسول الله 8* قال: ثم استأذنته، فقال لي مثل ذلك، فاستأذنته الثالثة، فقال لي: إني أخاف والله أن يصیب المسلمون غنيمة، فيقولون: هذا عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، ادفعوا إليه أمثل جارية في المغنم، فيدفعوا إليك، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فيها حق، فتقع عليها فتكون زانياً (٤). (١) إصلاح المال (٢٩٨)، ورواه البخاري، برقم (١٩٦٦). (٢) إصلاح المال (١٢٢). (٣) إصلاح المال (١٢١). (٤) إصلاح المال (١١). ٣٣٨ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ٤- تنظيم الحياة والأنشطة الاقتصادية: ومن الآثار في ذلك: - عن عمر قال: عليكم بالجمال واستصلاح المال، وإياكم وقول أحدكم: ما أبالي(١). - وعنه أنه مر على غلام له يبيع الرطب فقال: انفشها فإنه أحسن لها، وأتى على غلام يبيع الحلل، فقال: إذا كان الثوب عاجزاً فانشره وأنت جالس، وإن كان واسعاً فانشره وأنت قائم. فقلت: الله الله إلى عمر !!. فقال: إنما هي السوق(٢). - وعنه أنه قال: إذا أراد أحدٌ أن يشتري بعيراً فلينظر إلى العظيم الطويل فليضربه بعصاه، فإذا وجده حدید الفؤاد فلیشتره، فإنه يخلفه فيه خيراً، لا يخلفه فيه ثمن(٣). فهذه توجيهات راشدية تنظّم بعضاً من الأنشطة الاقتصادية. ٥- تأمين المعيشة: لقد كان بعض الخلفاء يدرس حال أفراد المجتمع وكفاية كل بيت فيهم؛ طلباً لسداد موضع الحاجة، فعن عمر بن الخطاب ﴾ قال: يكفي أهل بيت كل شهر ثلاثة دراهم لحم(٤). (١) إصلاح المال (٦٢). (٢) إصلاح المال (٢٦٣). (٣) إصلاح المال (٢٦٤). (٤) إصلاح المال (٣٢٥). ٣٣٩ حماية الحياة الاقتصادية. وعن أنس بن مالك ه قال: كنت عند عمر بن الخطاب ه فجاءته امرأة من الأنصار، فقالت: اكسني يا أمير المؤمنين. فقال: ما هذا؟ فإني كسوتكن! فقالت: والله ما علي ثوب يواريني. قال: فدخل خزانته، ثم أخرج درعاً أبيض قد خيط وجيب، فألقاه عليها فقال: ها .. فالبسي- هذا، وانظري خَلِقَكِ وارقعيه وخيطيه والبسيه على بُرمتيك وعملك، فإنه لا جديد لمن لا خَلِقٍ له(١). وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ه يقرُّ بحقهم في العطاء الذي يوفر لهم المعيشة ويسد الحاجة، فقد قيل له: يا أمير المؤمنين، فرضت للعرب في العطاء فأهلكتهم، يتكلون على العطاء، ويدعون التجارة، ويلهيهم. فقال: من يحرمهم العطاء!(٢). ٦ - إرشاد الرعية للأصلح في المجال الاقتصادي: فعن عمر بن الخطاب أن كان يُعد للناس خيوطاً وخرقاً، فإذا أعطى الرجل عطاءه في يده، أعطاه خرقة وخيطاً، وقال: اربط درهمك، وأصلح مويلك؛ فإنك لا تدري کم يدوم لك هذا، فأدخل عليه رجل يُقاد، فأعطاه فكأنه استقله، فقال عمر لقائده: اخرج به، فخرج ففرشها ثم دعاه فقال: خذها كلها، فجمعها وخرج فرحاً(٣). (١) إصلاح المال (١٥٣). (٢) إصلاح المال (٦٣). (٣) إصلاح المال (١٤٠). ٣٤٠ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ٧- تدخل الدولة في حالات الانحراف في المجال الاقتصادي: وهذا ما سيبحث في المطلب التالي. وهذه الواجبات هي بمثابة الوسائل الوقائية التي تُتَخذ مخافة الفساد الاقتصادي، وعلى هذا فهي وسائل إصلاحية.