النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ الهيكل الاقتصادي. مدخل كل مسلم يهمُّه أمر الإصلاح، وكلَّ يسعى بجهده وما أوتي من قدرات لتغيير ما لَحِق واقعه الفطري من تشويه وانحراف وبُعد عن المنهج القويم، وكل العاملين في حقل الإصلاح يتجهون نحو هدف واحد؛ وهو إقامة المجتمع الفاضل، وإيجاد أمة الوسطية والعدل. وللمحدثين الباع الطويل في ميادين الإصلاح، والذي يَهم في باب همّ المحدثين الإصلاحي في هذا المقام، هو المنهج الإصلاحي للإمام ابن أبي الدنيا. فهو حينما يُؤصل للضعف والوهن الطارئ على المجتمع، ويبين أسبابه، وذلك من خلال وجوده داخل المجتمع، فإنه يُعطي بذلك نظريات إصلاحية متكاملة، تتسم كل منها بالشمولية، فالحل في نظره ليس جزئياً، بل تمثل النظرية الإصلاحية عنده حلاً كلياً وجذرياً مع بيان الأسس الشرعية الواجب السير عليها وبیان بعض الأمراض، وسبل علاجها. فهو حين ينظر إلى الانحطاط الاقتصادي في عصره، وفتك الأمراض التي منشؤها اقتصادي كالفقر، فإنه يعطي نظرية اقتصادية متكاملة تحت مسمى (إصلاح المال)) مبنية أسسها على أصلين: الوحي الإلهي (الكتاب والسنة)، وتطبيق القرون الأولى. وكذلك عندما لمسَ التدني للمستوى التربوي للنشء، وأثر ذلك على المجتمع، خاصة أنه مربي، فإنه يُقدِّم نظرية تربوية متوازنة تحت مسمى ((العيال)) وهي مبنية أيضاً على الأصلين السابقين: الوحي الإلهي، وتطبيق القرون الأولى. ٣٠٢ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً وحينما يحتك بأفراد المجتمع ملاحظاً الأمراض الاجتماعية التي تنتابه كالغيبة والنميمة وقطيعة الإخوان وغيرها، فإنه يُقدِّم نظرية إصلاح اجتماعي وأخلاقي تحت مسميات عدة منها: ((الصمت وآداب اللسان)) و ((الإخوان)) و((مداراة الناس)) وغيرها، وهي مبنية على الأصلين السابقين أيضاً. ومن الطبيعي أن يحتاج كل نظام إلى من يحميه، ويقوم على تطبيقه، ويكفل استمراره، وتحول دون وقوع مخالفات، وهذا يتمثل بالهيئة الشرعية التي أصّل لها ابن أبي الدنيا من خلال مسمى ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) تلك المؤسسة التي قال الله عز وجل فيها: ﴿ وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُوَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فالفلاح واستمرار النجاح بوجود تلك المؤسسة وروافدها. ولابد من التنويه بخطورة الابتعاد عن المنهج الرباني في شؤون الحياة، هذا المنهج في خطه العام متمثلاً بالقرون الأولى، ومن المفيد أن يُعلم أن سنة الله الكونية في ذلك إيقاعُ العقوبات المترتبة على فساد نظم الحياة، وهذه سنة كونية لا تبديل لها، ويُقرر ابن أبي الدنيا هذه الحقيقة الهامة من خلال كتابه ((العقوبات)). وبالجملة فهذه الكلمات هي خلاصة النظرة الإصلاحية عند ابن أبي الدنيا، وسيتم في هذا الباب دراسة تفصيلية لتلك الخطوط العريضة. وبدأت بالاقتصاد لأن: - الاقتصاد عصب الحياة. ٣٠٣ الهيكل الاقتصادي. - ويؤثر في الأوضاع الاجتماعية والسياسية للأمم. - والاقتصاد عامل فعّال في استقرار الأمم وسيادتها(١). فعجلة الاقتصاد هي المحرك الأساسي لباقي مناشط الحياة المختلفة. : (١) اقتصادنا في ضوء القرآن والسنة، ص١٦ - ١٧. ٣٠٤ · ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً المطلب الأول مفهوم المال عند ابن أبي الدنيا ليس المراد بهذا المطلب بيان حدِّ المال، وشروط كونه مالاً ووصفه الفقهي، فإن محل هذا كتب الفقه المختصة وإنما القصد الرؤية الصحيحة للمال من قبل المرء المسلم، وما هي الأسس الواجب توفرها في نظرته إلى المال، والدوافع القويمة لتملكه. ولأهمية المال في حياة الإنسان عقد ابن أبي الدنيا في كتابه ((إصلاح المال)) باباً بعنوان: ((فضل المال)»، بيَّن من خلاله: ١ - المال الصالح مطلب شرعي: وذلك من خلال قوله #: ((نعم المال الصالح للمرء الصالح)) (٢). ٢- بالمال النافع تتحقق إنسانية المرء: فعن عمر أنه قال: إن يكن لك دين فلك كرم، وإن يكن لك عقل فلك مروءة، وإن يكن لك مال فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء(٣). ٣- معالي الأمور بحاجة للمال: ومن أجل الطاعات وأعلى الأمور الدعوة إلى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، (١) ينظر على سبيل المثال في تعريف المال: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٧/ ١٤٧، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ٨٩/١١. (٢) كتاب إصلاح المال (٤٢). (٣) كتاب إصلاح المال (٤٧). ٣٠٥ الهيكل الاقتصادي. فمن أحرز قوته وقوت من يعول تفرغ لأمور الدعوة وهمومها، ولقد كان الحبيب المصطفى # يدخر قوت سنة(١). وقال سلمان: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت(٢). وكان من دعاء سعد بن عبادة(٣): اللهم هب لي حمداً، وهب لي مجداً، لا مجد إلا بفعال، لا فعال إلا بمال، اللهم لا تصلحني بالقليل، ولا أصلح عليه (٤). ٤- وجوب جمع المال من وجه حلال: والأصل في ذلك قوله : ((من يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله مثل الذي يأكل ولا يشبع)»(٥). وعن سعيد بن المسيب(٦) قال: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، یکف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويُعطي منه حقه(٧). (١) كتاب إصلاح المال (٨٨)، ورواه البخاري، رقم الحديث (٥٠٤٢). (٢) كتاب إصلاح المال (٨٩). ( ٣) هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء وسيد الخزرج وأحد الأجواد، مات بأرض الشام سنة خمس عشرة وقيل غير ذلك. ترجمته في: تقريب التهذیب، ص٢٣١. (٤) كتاب إصلاح المال (٥٢). (٥) كتاب إصلاح المال (٥٢)، ورواه البخاري، رقم (١٣٩٦). (٦) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، منه مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين. ترجمته في: تقريب التهذيب، ص٢٤١. (٧) كتاب إصلاح المال (٥٣). ٣٠٦ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ٥- في المال حفظ لماء الوجه من ذل السؤال: فعن سعيد بن المسيب قال: ينبغي للعاقل أن يجب حفظ المال في غير إمساك؛ فإنه من المروءة، یکف به وجهه ویکرم نفسه، ویصل منه رحمه(١). ٦ - المال ضرورة لحفظ الدين: فعن محمد بن المنكدر(٢) قال: نعم العون على الدين الغنى(٣). وقال سفيان: من كان معه شيء فقدر أن يجعله في قرن ثور فليفعل؛ فإن هذا زمان إذا احتاج الرجل فيه إلى الناس كان أول ما يبذل دينه(٤). واشترى مالك بن دينار سويقاً وتمراً كأنه أكثر، فقيل له: يا أبا يحيى ما هذا؟ قال: هذا صوم وصلاة(٥). ٧- الفرق بین حب المال وجمعه: من خلال تتبع الآثار الواردة عن القرون الأولى في هذا الباب يمكن القول بأنهم كانوا حريصين على أن تكون الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، وسيلةً لا غاية. فعن عبد الله بن الزبير قال: قال لي الزبير: اشترلي سرح بني فلان بالحيرة وإن بلغ عشرة آلاف. فقلت: عشرة؟! فقال: وإن بلغ عشرين ألفا. قلت: سبحان (١) كتاب إصلاح المال (٥٤). (٢) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين أو بعدها. ترجمته في: تقريب التهذيب، ص٥٠٨. (٣) كتاب إصلاح المال (٥٦). (٤) كتاب إصلاح المال (٦٩). (٥) كتاب إصلاح المال (٩١). ٣٠٧ الهيكل الاقتصادي. الله! قال: وإن بلغ ثلاثين ألفا فاشتره، إني والله لأن أعطى مالي أحب إلى من غصبة أغصبها. فقلت: ما هذا إلا تكاثر الناس وفخرهم، فقال: إنه والله ما بالدنيا بأس، ما تُدرك الآخرة إلا بالدنيا، فيها يوصل الرحم، ويفعل المعروف، وفيها يتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، فإياك أن تذهب أنت وأصحابك فتقعوا في معصية الله ثم تقولون: قبح الله الدنيا، ولا ذنب للدنيا(١). وعن الحسن قال: ليس من حبك الدنيا طلبك ما يصلحك فيها(٢). ووقع بين ابن عون(٣) وبين ابن عم له كلام، فقال له ابن عمه: إنك وإنك لتحب الدراهم، فقال له ابن عون: إنها لتنفعني(٤). وعن سفيان الثوري قال: كنا نكره المال للمؤمن، وأما اليوم فنعم الترس المال للمؤمن(٥). أما التحذير من حب المال؛ فعن أبي مسعود الأنصاري(٦) أنه ذكر الدنيا فقال: ألزقوها بأكبادكم، فوالله لا تصلون إلى الآخرة بدينار ولا درهم، تتركنهن (١) كتاب إصلاح المال (٩٨). (٢) كتاب إصلاح المال (٧٥). (٣) هو عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة مات سنة خمسين على الصحيح. ترجمته في: تقريب التهذيب ص ٣١٧. (٤) كتاب إصلاح المال (٨٢). (٥) كتاب إصلاح المال (٨٤). (٦) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري أبو مسعود البدري، صحابي جليل، مات قبل الأربعين وقیل بعدها. ترجمته في: تقریب التهذيب، ص٣٩٥. ٣٠٨ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً على ظهر الأرض وفى بطنها كما تركها من قبلكم، فتناحروا عليها تناحركم، وتذابحوا تذابحكم، ولتذهب دينكم ودنياكم(١). ٨- المال ضرورة اجتماعية: فالمال عصب اجتماعي مهم، فقوام حقوق الأخوة به؛ قال عباس بن مطرف الكلاعى(٢): لا حياة لمن لا إخوان له، ولا إخوان لمن لا مال له(٣). وهو البلسم زمن الملمات والحوائج؛ قال لبيد بن عطارد(٤): نعم العون على المروءة الجدة(٥). قال ذلك في حمالات تحملوها. ورحم الله القائل: وما لي من مال أصون به عرضي كفى حزنا أني أروح وأغتدي وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي (٦) وأكثر ما ألقى صديقاً بمرحباً (١) كتاب إصلاح المال (١٩). (٢) لم أقف له على ترجمة. (٣) كتاب إصلاح المال (١٠٢). (٤) هو لبيد بن عطارد بن حاجب التميمي واسمه زيد ويكنى أبا عكرشة، من وجوه أهل الكوفة وأشرافهم. ترجمته في: تاريخ مدينة دمشق [٢٩٠/٥٠]. (٥) كتاب إصلاح المال (١٠٧). (٦) كتاب إصلاح المال (١٠٣). ٣٠٩ الهيكل الاقتصادي. إن هذه النظرة الشمولية للمال من زاوية الأهمية وكيفية التعامل معه؛ تصب أولاً وآخراً في ميزان القرب من الله عز وجل، وذلك باتخاذ المال وسيلة لا غاية، وسيلة لحفظ الدين والنفس، وسيلة موصلة لعبادة الخالق. وعلى ذلك فمن تمثل هذه النظرة كان رجلاً صالحاً نافعاً لنفسه ومجتمعه، فالتقويم يكون في المفاهيم أولاً، فإذا ما قوِّمت المفاهيم أنتجت سلوكيات صحيحة مؤثرة، والعكس صحيح، والله أعلم. ٣١٠ ، ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً المطلب الثاني خصائص الاقتصاد وأسسه عند ابن أبي الدنيا إن النظام الاقتصادي الإسلامي نظام شامل؛ لأن دين الإسلام دين شامل ينظم علاقة العبد بربه وعلاقته بإخوانه في المجتمع، وقد قدَّم النظام الاقتصادي الإسلامي القواعد لكل أنواع العلاقات والمعاملات الاقتصادية في مجالات الملكية والحرية، والعدالة والضمان الاجتماعي، وتوازن المصالح، ونظم شؤون الفرد والجماعة في مختلف النواحي الشخصية والاجتماعية والاقتصادية، وكل ذلك وفق قواعد ثابتة وأحوال مستقرة تخدم أغراضاً محددة وتحقق أهدافاً معروفة بتنظيم دقيق ومنطق راقٍ. من هنا فإن ما يَهدف إليه هذا المطلب هو جمع وتسليط الأضواء على أهم المبادئ والخصائص والأصول للنظام الاقتصادي في الإسلام، وذلك من خلال النصوص الأثرية التي أوردها الإمام ابن أبي الدنيا. ومن خصائص هذا النظام وأسسه(١): ١ - أنه نظام رباني: فكل شيء مقيد بالشرع: والأصل في حل الاكتساب قوله څ#1: «من بأخذ مالا بحقه یبارك له فیه، ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله مثل الذي يأكل ولا يشبع))(٢). (١) ينظر في هذه الخصائص،: اقتصادنا في ضوء القرآن والسنة، ص ١٣٧ - ١٤٥. (٢) كتاب إصلاح المال (١)، ورواه البخاري، رقم (١٣٩٦). ٣١١ الهيكل الاقتصادي. وعن ابن عمر أنه قال: إذا طاب الكسب زكت النفقة(١). ٢ - يجب المحافظة على رأس المال وتنميته: وهذا أصل اقتصادي هام في تنمية الأموال، فالأموال التي لا تنمّى تزول وتضمحل، ويعتبر ذلك من إضاعة المال، من جهة أن لدى صاحبه القدرة على تنميته، وفرّط في ذلك، وقد جاء التوجيه النبوي بالنهي عن إضاعة المال. فنهى النبي# عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال، وعن إضاعة المال(٢). وعن عمر ﴾ قال: عليكم بالجمال واستصلاح المال، وإياكم وقول أحدكم: ما أبالي (٣). وعنه أيضاً: يا معاشر العرب، أصلحوا هذا المال فإنه خضرة حلوة، وإن هذا المال يوشك أن يصير إلى الأمير الفاجر أو التاجر (٤). ولما كثر المال في زمن عمر ، وحدثت الأعطية، وكف الناس عن طلب المعيشة، قال: أيها الناس أصلحوا معايشكم فإن فيها صلاحا لكم وصلة لغيركم (٥). ورئي في يد سفيان الثوري دنانير، فقيل له في ذلك، قال: لولا هذه تمندل بنا (١) كتاب إصلاح المال (٨). (٢) كتاب إصلاح المال (١١٢)، ورواه البخاري، رقم (٢٢٧٧). (٣) كتاب إصلاح المال (٦٢). (٤) كتاب إصلاح المال (٥٩). (٥) كتاب إصلاح المال (٦١). ٣١٢ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً هؤلاء(١). والآثار عن القرون الأولى في هذا الباب كثيرة، وقد عقد ابن أبي الدنيا باباً في هذا الشأن في كتابه ((إصلاح المال)) وعنون له بـ((إصلاح المال)). ٣- أنه يراعي المصالح العامة: عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي ﴿ إذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، فأنظرُ ناساً من جيراني فأصبهم منها بمعروف(٢). فقوله #: ((إذا صنعت مرقة فأكثر ماءها)) فهذا العمل الذي فيه تحصيل منفعة سد سورة الجوع هو داخل في إطار الاقتصاد، ومع ذلك فأوصى النبي # أن يستحضر الصانع منفعة الغير ويراعي مصلحتهم في صنعته وإن كانت على نطاق الجوار فطردها في الحق العام من باب أولى، ذلك أن تحصيل الروابط على نطاق المجتمع ككل أولى من تحصيلها على نطاق الحي والله أعلم. ٤ - على الإنسان الانتفاع بما في الأرض من خيرات وثروات: فعن عاصم بن عمر(٢) قال: بعث إليَّ عمر عند الهجير أو عند صلاة الصبح، فأتيته فوجدته جالساً في المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني لم أكن أرى شيئاً من هذا المال يحل لي قبل أن نأتيه إلا بحقه، ثم كان أجرة لي منه حين (١) كتاب إصلاح المال (٦٨). (٢) كتاب إصلاح المال (١٦٠)، ورواه مسلم، رقم (٢٦٢٥). (٣) هو عاصم بن عمر بن الخطاب، ولد في حياة النبي 8*، مات سنة سبعين وقيل بعدها. ترجمته في: تقریب التهذیب، ص٢٨٦. ٣١٣ الهيكل الاقتصادي. وليته فعاد أمانتي، وإن كنت أنفقت عليك من مال الله شهراً، فلست بزائدك عليه، وإن أعطیك تمري العام بالعالية، فبعہ لخدمتك، ثم ائت رجلاً من قومك، و کن إلى جنبه، فإذا ابتاع شيئاً فاستشركه، وأنفقه عليك وعلى أهلك. قال: فذهبت وفعلت(١). فعلى المرء المسلم استغلال ما يأتيه بتنميته، ولا يجلس متكلاً على ما عنده، فما عنده ينفد وما عند الله باقٍ، وقد أمر سبحانه وتعالى بالسعي لكسب الرزق. ٥- النشاط الاقتصادي وسيلة لمرضاة الله. كل ما في الكون لله عز وجل، وما سخر الله من شيء للإنسان إلا ليستخدمه في مرضاته والتقرب إليه، فالمال وسيلة لعبادة الله عز وجل وطاعته، قال #: ((أيما مال لم يطع الله فيه، ولم يعط حقه جعله الله شجاعاً له زبيبتان ينهسه من قبل القفا، فيقول: مالي ولك؟ فيقول: أنا الذي جمعتني لهذا اليوم، أنا الذي جمعتني لهذا اليوم حتى يضع يده في فيه فيقضمها))(٢). ٦- كسب المال ليس امتيازاً: ولا أدلَّ من ذلك من موازنة عمر بن الخطاب ظ بين عصر-ه مورده، وبين عصر من سبقه - الحبيب المصطفى 8 وأبي بكر ﴾- وموارده، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعاني عمر بن الخطاب فأتيته وبين يديه نطع عليه الذهب منثور حثا. قال: اذهب فاقسم هذا بين قومك، فالله أعلم حين حبس هذا (١) كتاب إصلاح المال (٢٠٨). (٢) كتاب إصلاح المال (٣٣)، ورى البخاري، برقم (١٣٣٨) نحوه. ٣١٤ ،ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً عن نبيه * وعن أبي بكر، بخير أعطاني أم بشر؟ قال: فأكببت أريد أقسمه. قال: فسمعت البكاء، فإذا صوت عمر يبكي يقول في بكائه: كلا، والذي نفسي بيده ما حبس الله هذا عن نبيه * وعن أبي بكر لشر لهما وأعطاه عمر إرادة الخير له (١). ٧- الإنسان مسؤول عن عمله: فالدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، قال رسول الله ﴾: ((لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من بين يدي ربه حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه))(٢). ٨- التوازن بين العمل الدنيوي والأخروي: وهذه من الخواص الهامة في بناء الشخصية الإسلامية بكافة نواحيها، وقد راعى النظام الإسلامي هذه المسألة فوَازَن بين الجانب الدنيوي والجانب الأخروي، وأولى قضية التكامل بينهما الأهمية القصوى وصولاً إلى سعادة المرء في الدارين، ومن هنا كانت التوجيهات النبوية فكان رسول الله 8# يقول في دعائه: ((اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي))(٣). وفهم ذلك الصحابة فأوصوا به؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً (٤). (١) كتاب إصلاح المال (١٨). (٢) کتاب إصلاح المال (٢٩)، ورواه الترمذي، برقم (٢٤١٧)، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). (٣) كتاب إصلاح المال (١١١)، ورواه مسلم، برقم (٢٧٢٠). (٤) كتاب إصلاح المال (٤٨). ٣١٥ الهيكل الاقتصادي وفهمه مَن بعدهم فاقتفوا الأثر؛ فعن خالد بن صفوان(١) قال: خصلتان إذا حفظتهما لا تبالي ما صنعت بعدهما: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك(٢). ٩- الأموال فيها حقوق يجب تأديتها: لا يقتصر النظام الاقتصادي على جمع المال وحيازته، بل لتملك المال تبعات، وتتعلق به حقوق للعباد، وحقوق لرب العباد. عن أبي الدرداء قال: إن كسب المال من سبل الحلال قليل، فمن أصاب مالاً من غير حله، فأثرى شر من ذلك إلا سلب اليتيم وكسو الأرملة، ومن أصاب مالاً من حله فأنفقه في حله، فذلك يغسل الخطايا كما يغسل ماء السماء التراب عن الصفا، ومن أصاب مالاً من غير حله، فأنفقه في غير حله، فذلك الملك العضال(٣). وقال عبد الرحمن بن عوف(٤): يا حبذا المال، أصلُ منه رحمي، وأتقربُ إلى (٥) . ربي (١) هو خالد بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم أبو صفوان التميمي المنقري البصري، أحد فصحاء العرب. ترجمته في: تاريخ مدينة دمشق [١٦ /٩٤]. (٢) كتاب إصلاح المال (٦٧). (٣) كتاب إصلاح المال (٢٠). (٤) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أحد العشرة أسلم قديماً ومناقبه شهيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك. ترجمته في: تقریب التهذيب، ص٣٤٨. (٥) كتاب إصلاح المال (٩٥). ٣١٦ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً وقال الزبير(١): إن المال فيه صنائع المعروف، وصلة الرحم، والنفقة في سبيل الله، وعون على حسن الخلق، وفيه مع ذلك شرف الدنيا ولذتها(٢). وعن سعيد بن المسيب، أنه ترك دنانير كثيرة، فلما حضرته الوفاة قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها ديني، وأصل بها رحمي، وأكف بها وجهي، وأقضي بها ديني، لا خير فيمن لا يجمع المال ليكف به وجهه، ويصل به رحمه، ويقضي به دينه، ویصون به دِینه(٣). ورحم الله القائل: صنيعة قربى أو صديق توامقه إذا المال لم يوجب فضول حقوقه ولم يفتلذك المال إلا حقائقه (٤) منعت وبعض المنع حزم وقوة فالخروج عن هذه الأصول الاقتصادية هو خروج عن النظام العام للإسلام، وبالتالي ففيه انحراف وبُعد عن الجادة، والصلاح والفلاح بالرجوع إلى تلك الأصول، وبذلك يكون سلوك الجادة، والله أعلم. (١) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي-بن كلاب، أبو عبد الله القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قتل سنة ست وثلاثين بعد منصرفه من وقعة الجمل. ترجمته في: تقریب التهذيب، ص٢١٤. (٢) كتاب إصلاح المال (٩٧). (٣) كتاب إصلاح المال (٦٦). (٤) كتاب إصلاح المال (٧١). ٣١٧ الهيكل الاقتصادي. المطلب الثالث أوجه النشاط الاقتصادي عند ابن أبي الدنيا إن التنوع في النشاط الاقتصادي دليل على الاقتصاد الناجح، وذلك باستغلال جميع المقدرات والقدرات التي منحها الباري عز وجل. وقد تنبه الإمام ابن أبي الدنيا إلى أهمية التنوع في النشاط الاقتصادي في النهوض بالاقتصاد العام فعقد باباً في كتابه: ((إصلاح المال)) عنون له بـ«باب الاحتراف))، مشيراً إلى أن هذا التنوع هو أحد ركائز الإصلاح الاقتصادي، فيتم من خلاله: ١ - استغلال الموارد الطبيعية بكافة أشكالها مما يزيد في الإنتاج العام للمجتمع. ٢ - استغلال المواهب والقدرات البشرية كافة، مما يؤدي للقضاء على البطالة. ومن خلال النصوص الأثرية التي أوردها ابن أبي الدنيا يمكن إجمال أوجه النشاط الاقتصادي فيما يلي: ٣١٨ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ١ - الزراعة: فقد ربط الحبيب المصطفى # العمل الزراعي بالثواب والأجر الأخروي فقال : ((ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان أو سبع أو طائر إلا كان له صدقة))(١). وأوصى الصحابة بالحرث ورغبوا فيه؛ فقال عمر بن الخطاب له: يا معشر- القراء، ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق، فاشتغلوا الحراث، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين(٢). وأرشد أحدهم وأمره فقال: اتخذ سابياء لعدل الحرث، أو صنيعة(٣). وعن عروة قال: عليك بالزراعة، فإنه كان يتمثل فيها ببيت في الجاهلية: لعلك يوماً أن تجاب وترزقا (٤) تتبع خبايا الأرض وادع مليكها بل كان بعض الخلفاء(٥) يهتم بأمر الزراعة، ويكتب إلى عماله بتوجيهاته الزراعية: - ومن ذلك: أنه كتب إلى عامله: انظر إلى أرض علا فيها الماء فاغرس فيها النخل، وحضرها بالبقل، وألصق بالكراث بقولاً، اجعل الكراث أكثره، فإنه أبقى (١) كتاب إصلاح المال (٢٩٢)، ورواه مسلم، برقم (١٥٥٢). (٢) كتاب إصلاح المال (٢٠٩). (٣) كتاب إصلاح المال (٦٤). (٤) كتاب إصلاح المال (٢٩٥). (٥) هو هشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى. ٣١٩ الهيكل الاقتصادي للبقل، وابن لي فيها بناء من بناء أهل الدنيا، وضع الدرهم على الدرهم فإن ذلك یکون مالاً(١). - ومن ذلك أيضاً: إرشاده إلى كيفية جني الزيتون فقال: التقطوه لقطاً، ولا تنفظوه نفظاً؛ فتفقأ عيونه، وتكسر غصونه(٢). ٢- الثروة الحيوانية: ويتبين حرص القرون الأولى على الثروة الحيوانية والاستفادة من الأنعام بأكبر قدر، فعلى سبيل المثال أن ذات الحليب لا تذبح، وقد أوصى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب * صاحب أنعام بقوله: إياك وذبح كثرة الحلابة (٣). وقال : لا تأكلوا البيض يأكل أحدكم البيضة أكلة واحدة، فإن حضنها - (٤) خرجت منها دجاجة فهذه الإرشادات الراشدة أسس للحفاظ على الثروة الحيوانية، وطريق للنهوض بالاقتصاد. ٣- الصناعة وعمل الید: لأهمية الصنعة وأثرها الظاهر في باب الإصلاح الاقتصادي عقد لها الإمام ابن أبي الدنيا باباً في كتابه: ((إصلاح المال)) عنون له بـ((باب عمل اليد)). (١) كتاب إصلاح المال (١٣٠). (٢) كتاب إصلاح المال (١٣١). (٣) كتاب إصلاح المال (١٥٤). (٤) كتاب إصلاح المال (٣٥٩). ٣٢٠ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً والأصل في ذلك التوجيه النبوي: ((ما أكل أحدكم طعاما أحب إلى الله من عمل يده))(١). بل وجه النبي # وأرشد إلى مهنة لا تحتاج إلى وقت طويل إلى تعلمها، ولا إلى أدوات كثيرة لمعالجتها، ولا إلى رأس مال لإقامتها، وبالمقابل يحتاجها المجتمع، وهي جمع الحطب، فقال النبي #: ((لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يأتي الجبل، ثم يجيء بحزمة من حطب، فيبعها فيستغني بثمنها خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه))(٢). وما زال الصحابة على الخط العام والمنهج القويم، فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﴾ أنه قال: تعلموا المهنة؛ فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنته(٣). واقتفى الأثر مَن بعدهم فكان سعيد بن المسيب يقول: من لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف في السؤال(٤). ٤ - التجارة: أما التوجيه النبوي، فعن النبي ## أنه قال: ((التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة))(٥). (١) كتاب إصلاح المال (٢٩٨) ورواه البخاري، برقم (١٩٦٦). (٢) كتاب إصلاح المال (٣٠٣)، ورواه البخاري، برقم (١٤٠٢). (٣) كتاب إصلاح المال (٣٠٥). (٤) كتاب إصلاح المال (٢١٨). (٥) كتاب إصلاح المال (٢٠٥)، رواه الترمذي، برقم (١٢٠٩)، وقال: ((هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه)).