النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ أنواع الأحادیث عند ابن أبي الدنيا المطلب الأول أنواع الحديث بحسب منتهاه (المرفوع والموقوف والمقطوع) لقد مضى في مطلب سبق أن الإمام ابن أبي الدنيا لم يقتصر- في كتبه على المرفوعات؛ ونظراً إلى منتهى الإسناد عنده يمكن تقسيم الأحاديث عند إلى: أولاً: المرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي ﴿ خاصة(١). وهذا النوع لم يُكثر منه ابن أبي الدنيا؛ حيث لم تتجاوز نسبته الربع من إجمالي الأخبار التي أوردها، وذلك تبعاً لاستقراء ما ورد في المطبوع من كتبه. ثانياً: الموقوف: وهو المروي عن الصحابة قولاً لهم أو فعلاً أو نحوه(٢). وبالنظر إلى موضوعات هذا النوع (الموقوف) يمكن قسمتها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مرويات التفسير: ومن ذلك: قول ابن عمر في قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: يقومون مائة سنة(٣). (١) مقدمة ابن الصلاح ص ٤٥، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ١/ ١٨٣. (٢) مقدمة ابن الصلاح، ص٤٦، وتديب الراوي في شرح تقريب النواوي ١/ ١٨٤. (٣) الأهوال (٩٢). ٢٠٢ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً القسم الثاني: مرويات الفقه: ومن ذلك: قول عبد الله بن عمر - وذكر الصلاة على الأطفال -: لأن أصلي على من لا ذنب له أحب إلي(١). القسم الثالث: مرويات الزهد (أقوال أحوال): ومن ذلك: قول عبد الله بن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم؛ فإن الرجل يخادن من يعجبه نحوه(٢). ثالثاً: المقطوع: وهو ما انتهى إلى التابعي، ومَن دون التابعي من أتباع التابعي، فمَن (٣) بعدهم(٣). وبالنظر إلى موضوعات هذا النوع (المقطوع) يمكن قسمتها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مرويات التفسير: ومن ذلك: قول سعيد بن جبير: ﴿ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] قال: الأرض(٤). القسم الثاني: مرويات الفقه: ومن ذلك: (١) العيال (٤١٨). (٢) الإخوان (٣٨). (٣) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ص ١٤٥، وفتح المغيث شرح ألفية الحديث، ١/ ١١١. (٤) الأهوال (٦٥). ٢٠٣ أنواع الأحاديث عند ابن أبي الدنيا .ـ قول إبراهيم: إذا استهل الصبي صلي عليه ووجب ميراثه، وقال إبراهيم: الاستهلال الصياح(١). القسم الثالث: مرويات الزهد (أقوال أحوال): ومن ذلك: قول الربيع بن أنس(٢): علامة الدين الإخلاص لله، وعلامة العلم خشية الله(٣). المطلب الثاني: الحديث المرسل: الحديث المرسل: هو ما سقط من آخره مَن بعد التابعي (٤). وباب المرسل من أجل الأبواب، أصَّل له أهل الحديث والفقه والأصول؛ لأن فيه أحكاماً محضة ويكثر استعماله بخلاف غيره من الأنواع المختلف في توصیفها وقبولها وردها. وستتم دراسة هذا المطلب من خلال المسائل التالية: (١) العيال (٤٢٢). (٢) هو الربيع بن أنس البكري أو الحنفي بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام ورمي بالتشيع، من الخامسة مات سنة أربعين أو قبلها. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٢٠٥. (٣) الإخلاص (٣). (٤) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ص ١٠٠. ٢٠٤ - ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً المسألة الأولى: نبذة عن مذاهب أهل العلم في الاحتجاج بالمرسل: للعلماء في قبول المرسل والاحتجاج به مذاهب(١)؛ ملخصها: ١ - القبول مطلقاً. ٢ - الرد مطلقاً. ٣- التفصيل. وبيان ذلك في عشرة مذاهب: ١ - حجة مطلقاً. ٢- لا يحتج به مطلقاً. ٣- يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة. ٤- يحتج به إن لم يرو إلا عن عدل. ٥- يحتج به إن أرسله سعيد فقط. ٦- يحتج به إن لم یکن في الباب سواه. ٧- يحتج به ندبا لا وجوبا. ٨- يحتج بمراسيل كبار التابعين. ٩ - يحتج بمراسيل أئمة النقل المرجوع إليهم في الجرح والتعديل. ١٠ - حجة إن اعتضد المرسل بغيره على تفصيل عند من قال بذلك. - (١) جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ٣٣/١-٤٩، وتدريب الراوي ٢٠٢/١. ٢٠٥ أنواع الأحاديث عند ابن أبي الدنيا. وجملة القول: أن مرسل التابعي مراتب: أعلاها المتقن كسعيد بن المسيب، ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد، ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن، وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة والزهري وحميد الطويل فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين فينظر فيها(١). والله أعلم. المسألة الثانية: احتجاج ابن أبي الدنيا بالحديث المرسل: سبق أن أحاديث الزهد والرقائق والفضائل والترغيب والترهيب ونحوها متسامح فيها عند الأئمة من حيث الشروط الموجبة للقبول، وهذا من حيث التأصيل، وأما من حيث التطبيق فخير مثال على ذلك ما أودعه ابن أبي الدنيا في كتبه من المراسيل، والتي لو جُمعت ودُرست لجاءت في مجلد لطيف، حيث بلغ إحصاؤها في المطبوع (٣٧٦) ثلاثمائة وست وسبعين حديثاً مرسلاً، عن (١٦٤) مائة وأربع وستين تابعياً. المسألة الثالثة: دراسة تأصيلية وتمثيلية لمراسيل الحسن البصري عند ابن أبي الدنیا: وقد وقع الاختيار على مراسیل الحسن في باب التمثیل لأمور: ١ - لأن ابن أبي الدنيا أكثر ما روى في باب المرسل عن الحسن البصري؛ حيث روى عنه (٧٢) اثنين وسبعين حديثاً مرسلاً(٢). (١) ينظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث ١٥٥/١. (٢) ينظر على سبيل المثال: الإخوان (٤٢)، واصطناع المعروف (٢٨). ٢٠٦ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ٢ - لأن الحسن البصري وُصف بكثرة الإرسال(١). ٣- لأن أكثر ما تروى المراسيل من أهل البصرة عن الحسن البصري(١). مذاهب أهل العلم في مراسيل الحسن: اختلف أهل العلم في قبول مراسيل الحسن البصري على أقوال: ١ - فمنهم من ردّها، وعدّها من أضعف المرسلات، وممن قال بذلك الإمام أحمد، والعراقي(٣). ٢- ومنهم مَن فتّش مرسلات الحسن البصري فوجد لها أصلاً خلا أحاديث قلة، وممن قال بذلك أبو زرعة، ويحيى بن سعيد القطان(٤). ٣- وقال ابن المديني: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها(٥). ٤ - وقد استحسن مرسلات الحسن البصري الإمامُ الشافعي(١)، وقال يحيى ابن معين: لا بأس بها(٧). (١) ينظر: تهذيب التهذيب ٢٣١/٢-٢٣٥. (٢) ينظر: تدريب الراوي ١/ ٢٠٣. (٣) ينظر: تدريب الراوي ١/ ٢٠٤. (٤) ينظر: تدريب الراوي ١/ ٢٠٤. (٥) ينظر: تدريب الراوي ٢٠٤/١. (٦) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه ٤٦٦/٣. (٧) ينظر: تاريخ ابن معين (رواية الدوري) ٢٥٨/٤. ٢٠٧ أنواع الأحاديث عند ابن أبي الدنيا. هذا مجمل أقوال أهل العلم في مراسيل الحسن البصري، وعليه: • فعلى القول الأول - مَن قال بردّها - ردّها من حيث إن في الإسناد سقطاً، وأن الحسن البصري يأخذ عن كل أحد، ولكن بالنظر إلى موضوع مرسلات الحسن البصري عند ابن أبي الدنيا - وهو باب الزهد والرقائق ونحوها - فهي مقبولة من هذه الحيثية، وقد سبق إجماع أهل العلم على قبول الضعيف في هذا الباب بشروطه. · وعلى القول الثاني، فلم يذكر أبو زرعة ويحيى القطان الأحاديث القلة - التي لم تتجاوز الأربعة أحاديث -، وبالتالي بقي جواب السؤال التالي في ذمة التاريخ، وهو: هل هذه الأحاديث القلة مما رواه ابن أبي الدنيا في كتبه؟! ويمكن الوصول إلى جواب هذا السؤال دون جزم وذلك بالبحث عن أصول مراسيل الحسن التي رواها ابن أبي الدنيا. • وقبول مراسيل الحسن البصري متوقف في القول الثالث على معرفة الراوي عن ابن أبي الدنيا. • وأما على القول الرابع فهي حسنة مقبولة. ٢٠٨ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً الترجيح: إن الحكم بالعموميات والتقرير الإجمالي من أضعف الأحكام وأوهن التقارير، وعليه لابد من الحكم على كل مُرسَل (خبر) من مرسلات الحسن البصري على حدة، وذلك وفق القواعد التالية: ١ - النظر إلى إسناد الخبر المُرسَل إلى الحسن هل هو ثابت أم لا؟ ٢ - النظر إلى موضوع الخبر المُرسَل، وهل هو في باب الأحكام أم الفضائل ونحوها؟ ٣- البحث عن أصل الخبر المُرسَل، وهل ورد مسنداً من وجه آخر؟ ٤ - البحث عن عاضد خارجي للخبر المُرسَل كمجيئه من وجه آخر مرسلاً، أو غير ذلك على ما هو مقرر في علوم الحديث. هذا والله أعلم وأحكم. ٢٠٩ أنواع الأحاديث عند ابن أبي الدنيا. المطلب الثالث المعلقات عند ابن أبي الدنيا الحديث المعلق: هو ما حذف من مبتدأ إسناده من تصرف مصنف واحد فأكثر ولو حذف جميع السند(١). والحديث المعلق ضعيف عند المحدثين، إلا ما جاء في الصحيحين فله أحكام تفصيلية خاصة. أما بالنسبة للإمام ابن أبي الدنيا فلم يستعمل هذا النوع من الحديث إلا مرة واحدة؛ حيث قال: ((وليس ينبغي لذي الفهم إن قصر به في هذه الخصال عن جمعها أن ينافس في بعضها ويتمسك بصالح ما وهب له منها، فقد قال النبي #: ((إذا أحب الله عبدا منحه منها خلقا))(٢). وقد سبق ذكره عند ابن أبي الدنيا في المصنَّف ذاته، بإسناد مرسل(٣). (١) التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر، ص ٤٤-٤٥. (٢) مكارم الأخلاق (٤٢). (٣) قال ابن أبي الدنيا في كتابه مكارم الأخلاق (٣٤): حدثني علي بن شعيب، حدثنا ابن أبي فديك، عن بعض أشياخه رفعه قال: إن محاسن الأخلاق مخزونة عند الله عز وجل؛ إذا أحب عبداً منحه خلقاً حسناً أو خلقاً صالحاً. وهو عند ابن وهب في الجامع في الحديث (٤٩١) مرسلاً من حديث العلاء ابن كثير، أن رسول الله عليه السلام قال: إن محاسن الأخلاق مخزونة عند الله؛ فإذا أحب الله عبدا منحه منها خلقاً حسناً أو خلقاً صالحاً. انظر: الجامع في الحديث لابن وهب ٢/ ٥٩١. ٢١٠ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً المطلب الرابع المسلسل عند ابن أبي الدنيا المسلسل: وهو تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه واحداً بعد واحداً على صفة أو حالة واحدة(١). وعند ابن أبي الدنيا من هذا النوع حديث واحد وهو: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا الجروي(٢)، حدثني عمرو بن أبي سلمة(٣)، حدثنا أبو عبيدة الحكم بن عبدة(4)، حدثنا حيوة بن شريح(٥)، عن عقبة بن مسلم (٦)، عن (١) مقدمة ابن الصلاح ص٢٧٥، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٧. (٢) الحسن بن عبد العزيز بن الوزير الجروي بفتح الجيم والراء أبو علي المصري نزيل بغداد، ثقة ثبت عابد فاضل من الحادية عشرة، مات سنة سبع وخمسين. ترجمته في: تقريب التهذيب، ص ١٦١. (٣) عمرو بن أبي سلمة التنيسي بمثناة ونون ثقيلة بعدها تحتانية ثم مهملة أبو حفص الدمشقي مولى بني هاشم، صدوق له أوهام من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة أو بعدها. ترجمته في: تقريب التھذیب، ص٤٢٢. (٤) الحكم بن عبدة الرعيني أو الشيباني بصري نزل مصر-، مستور من السابعة. ترجمته في: تقريب التهذیب، ص٧٥. (٥) حيوة بفتح أوله وسكون التحتانية وفتح الواو بن شريح بن صفوان التجيبي أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد من السابعة، مات سنة ثمان وقيل تسع وخمسين. ترجمته في: تقريب التهذیب، ص١٨٥ . (٦) عقبة بن مسلم التجيبي بضم المثناة وكسر-الجيم بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة أبو محمد المصري إمام الجامع ثقة من الرابعة مات قريباً من سنة عشرين. ترجمته في: تقريب التهذيب، ص٣٩٥. ٢١١ أنواع الأحاديث عند ابن أبي الدنيا .ـ أبي عبد الرحمن الحبلي(١)، عن الصنابحي(٢)، عن معاذ(٣) قال: قال لي النبي ﴾: ((إني أحبك فقل اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». قال الصنابحي: قال لي معاذ: إني أحبك فقل هذا الدعاء. قال أبو عبد الرحمن: وأنا أحبك فقل. قال حيوة: قال لي عقبة: وأنا أحبك فقل. قال أبو عبيدة: قال لي حيوة: وأنا أحبك فقل. قال لي عمرو: قال لي أبو عبيدة: وأنا أحبك فقل. قال ابن أبي الدنيا: فقال لي حسن يعني الجروي: وأنا أحبك فقل (٤). (١) عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة، ثقة من الثالثة، مات سنة مائة بإفريقية. ترجمته في: تقريب التهذيب، ص٣٢٩. (٢) عبد الرحمن بن عسيلة بمهملتين مصغر المرادي أبو عبد الله الصنابحي، ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبي # بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. ترجمته في: تقريب التهذیب، ص٣٤٦،. (٣) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، مشهور من أعيان الصحابة شهد بدراً وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة ثماني عشرة. ترجمته في: تقريب التهذيب، ص٥٣٥. (٤) الشكر (١٠٩). ٢١٢ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً المطلب الخامس أنواع الحديث عند ابن أبي الدنيا باعتبارات أخرى أولاً: الإسناد العالي عند ابن أبي الدنيا: أعلى إسناد عند أصحاب الكتب الستة هو ما يسمى بالثلاثيات؛ أي يكون بين النبي # والمصنف ثلاثة رجال، وهي قليلة عندهم. أما الإمام ابن أبي الدنيا فأعلى الأسانيد عنده هي الثلاثيات أيضاً، وعدتها أربعة أحاديث(١). ثانياً: الزوائد عند ابن أبي الدنيا: ويقصد بالزوائد: الأحاديث التي رواها ابن أبي الدنيا، ولم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة، متناً أو مخرجاً. وهذه الأحاديث الزوائد لو جمعت ودرست جاءت في مجلد کبیر. (١) وهذه الأحاديث هي: ١ - قال ابن أبي الدنيا في كتاب اصطناع المعروف (٨٢): حدثني صالح بن عبد الله القرشي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله #: ((استتمام المعروف خير من ابتدائه)). ٢ - وقال في كتاب الجوع (١٨٣): حدثنا محمد بن عاصم قال: حدثنا كثير بن سليم الضبي، عن أنس بن مالك قال: ما رفع من بين يدي رسول الله # فضل شواء قط، ولا حملت معه طنفسة. ٣- وقال في كتاب قرى الضيف (٤٧): حدثني محمد بن عاصم، حدثنا كثير بن سليم، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﴾: ((للخير أسرع إلى البيت الذي يطعم فيه من الشفرة إلى سنام البعير)). ٤- وقال في كتاب صفة النار (٥): حدثنا إسماعيل بن خالد قال: حدثنا يعلى بن الأشدق قال: حدثني كليب بن حزن الجرمي، وكان قد أدرك النبي #، أن رسول الله # قال: ((إن النار لا ينام هاربها، وإن الجنة لا ينام طالبها، اطلبوا الجنة جهدكم، واهربوا من النار جهدكم)). ٠ المبحث الثاني الشواهد والمتابعات والأحاديث المكررة عند ابن أبي الدنيا وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المتابعات عند ابن أبي الدنيا. المطلب الثاني: الشواهد عند ابن أبي الدنيا. المطلب الثالث: الأحاديث المكررة عند ابن أبي الدنیا. المطلب الرابع: تجزئة الحديث عند ابن أبي الدنيا. ٢١٥ المتابعات والشواهد والتكرار. المطلب الأول المتابعات عند ابن أبي الدنيا قال ابن حجر رحمه الله تعالى: ((والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو المتابع، والمتابعة مختصة بکونها من رواية ذلك الصحابي، وإن وجد متن یروی من حديث صحابي آخر يشبهه فهو الشاهد))(١). والاعتبار - الذي هو إيراد الشواهد والمتابعات - لا يكاد يخلو منه مصنف إسنادي، وعليه فمصنفات الإمام ابن أبي الدنيا لها حظٍّ من هذا الفن، ويمكن دراسة هذه الشواهد والمتابعات من خلال التقسيم التالي: أولاً: المتابعات باعتبار التقوية: ١ - متابعة ترتقي بالحديث: وذلك بأن يكون إسناد الحديث ضعيفاً ضعفاً يسيراً يقبل الاعتبار؛ بحيث لو تُوبِع الراوي الذي مدار الكلام عليه براوٍ آخر لا ينحط عن رتبته انجبر هذا الضعف اليسير مرتقياً بالحديث إلى درجة القبول. ومثاله: ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله عز وجل: من طريق أبي الزبير(٢)، عن جابر بن عبد الله(٢) رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله مل* (١) نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص٧٨-٧٩ بتصرف. (٢) محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي، صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة مات سنة ست وعشرين. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٥٠٦. (٣) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بمهملة وراء الأنصاري ثم السلمي بفتحتين صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين. ترجمته في: تقریب التهذیب ص١٣٦ . ٢١٦ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً يقول قبل موته بثلاث: ((لا یموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل))(١). ثم أورد متابعة أبي سفيان(٢) (طلحة بن نافع)، لأبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. فأبو الزبير مدلس وقد عنعن فلا يقبل تدليسه، ولكن تابعه أبو سفيان، فالحديث صحيح، والله أعلم. ٢ - متابعة لا ترتقي بالحديث إلى درجة القبول: وذلك بأن يكون إسناد الحديث ضعيفاً ضعفاً شديداً لا يقبل الاعتبار؛ بحيث لو تُوبع أحد الرواة لم ينجبر هذا الضعف، فیبقی الحديث في حيز الرد. ومثاله: ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان: من طريق إسماعيل بن زكريا (٣)، عن ليث بن أبي سليم(٤)، عن عمرو بن مُرة(٥)، عن معاوية بن سويد بن (١) كتاب حسن الظن بالله عز وجل (١). (٢) طلحة بن نافع الواسطي أبو سفيان الإسكاف نزل مكة، صدوق من الرابعة. ترجمته في: تقريب التهذیب ص ٢٨٣. (٣) إسماعيل بن زكريا بن مرة الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف أبو زياد الكوفي لقبه شقوصا بفتح المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالمهملة، صدوق يخطئ قليلاً، من الثامنة مات سنة أربع وتسعين وقيل قبلها. ترجمته في: تقريب التهذيب ص ١٠٧. (٤) الليث بن أبي سليم بن زنيم بالزاي والنون مصغر واسم أبيه أيمن وقيل أنس وقيل غير ذلك، صدوق اختلط جداً ولم يتميز حديثه فترك، من السادسة مات سنة ثمان وأربعين. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٤٦٤. (٥) عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي بفتح الجيم والميم المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء، من الخامسة مات سنة ثماني عشرة ومائة وقيل قبلها. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٤٢٦. ٢١٧ المتابعات والشواهد والتكرار - مقرّن(١)، عن البراء بن عازب قال: كنت جالساً عند النبي :8 فقال: «أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟)). قلنا: الصلاة. قال: ((إن الصلاة حسن، وما هي بها))، فذكروا شرائع الإسلام، فلما رآهم لا يصيبون قال: ((أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله))(٢). وأورد متابعة جرير(٢) لإسماعيل بن زكريا، عن ليث ابن أبي سليم. ومدار الإسناد على ليث بن أبي سليم، وهو صدوق اختلط جداً، ولم يتميز حديثه فترك. وعلى ذلك فالطريقان لا يشدّ بعضهما البعض، ولا يرتقيان بمجموعهما إلى درجة القبول، ويبقى هذا الحديث في حيز الرد حتى ترِد له طرقٌ صالحة للنهوض به. (١) معاوية بن سويد بن مقرن المزني أبو سويد الكوفي، ثقة، من الثالثة لم يصب من زعم أن له صحبة. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٥٣٨. (٢) كتاب الإخوان (١). (٣) جرير بن عبد الحميد بن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة الضبي الكوفي نزيل الري وقاضیھا، ثقة صحیح الكتاب، قیل کان في آخر عمره یہم من حفظه، مات سنة ثمان وثمانين وله إحدى وسبعون سنة. ترجمته في: تقريب التهذيب ص١٣٩. ٢١٨ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً ثانياً: المتابعات باعتبار الكم: ١ - متابعة واحدة: أي أن يورد الإمام بعد الإسناد الأول للحديث متابعاً واحداً لأحد الرواة، بحيث يصبح مجموع الطرق طريقين. مثاله: وكل من المثالين السابقين يصلُح للتمثيل. ٢ - أكثر من متابعة: أي أن يورد الإمام بعد الإسناد الأول للحديث أكثر من متابع، بحيث يصبح مجموع الطرق ثلاثة فأكثر. ومثاله: حديث الغار؛ فقد رواه ابن أبي الدنيا في كتاب مجابو الدعوة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (١)، ثم فصّل في المتابعات، ويمكن توضيح هذه المتابعات من خلال شجرة الإسناد التالية: (١) مجابو الدعوة (٢). ٢١٩ المتابعات والشواهد والتكرار. عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نافع مولى ابن عمر سالم بن عبد الله صالح بن کیسان أيوب عبيد الله بن عمر موسى بن عقبة عمر بن حمزة الزهري إبراهيم بن سعد حماد بن زيد علي بن مسهر داود العطار أبو معاوية شعیب بن أبي حمزة سفيان بن عيينة ابن أبي منيع الرصافي يعقوب بن إبراهيم داود بن مهران أبو اليمان إبراهيم بن سعيد محمد بن عباد المكي إسماعيل بن عبد الله أبو خيثمة خالد بن خداش (موقوف) سوید بن سعيد حجاج بن أبي منيع ٢٢٠ ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً المطلب الثاني الشواهد عند ابن أبي الدنيا أولاً: أنواع الشواهد باعتبار التقوية: ١ - شاهد یرتقي بالحدیث: وذلك بأن تكون الطريق الأولى ضعيفةً ضعفاً يسيراً تقبل الاعتبار؛ بحيث لو جاء الحديث من طريق أخرى لا تنحط عن رتبة الطريق الأولى انجبر هذا الضعف اليسير مرتقياً بالحديث إلى درجة القبول. ومثاله: ما رواه ابن أبي الدنيا في کتاب الإخوان قال: حدثنا يحيى بن قطن الأيلي(١)، حدثنا عبد الله بن صالح(٢) كاتب الليث قال: حدثنا الليث بن سعد(٣)، عن يحيى بن سعيد(٤)، عن عمرة(٥)، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي # قال: ((الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر (١) لم أقف له على ترجمة. (٢) عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة، من العاشرة مات سنة اثنتين وعشرين وله خمس وثمانون سنة. ترجمته في: تقریب التهذيب ص٣٠٨. (٣) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من ٠ السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين. ترجمته في: تقريب التهذيب ص ٤٦٤. (٤) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها. ترجمته في: تقريب التهذيب ص٥٩١. (٥) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت عن عائشة، ثقة من الثالثة، ماتت قبل المائة ويقال بعدها. ترجمتها في: تقريب التهذيب ص ٧٥٠.