النص المفهرس

صفحات 101-120

بالدينار والدرهم الذين بهما يستدل على الورع؟ قال : لا. قال: فرفيقك في السفر
الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه. ثم قال
للرجل : اثت بمن يعرفك))(٢٦) .
وترى صدى هذا المنهج في كلام التابعين وأتباعهم .
قال أبو الزناد: ((أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث،
يقال : ليس من أهله))(٢٧).
وقال مطرف: ((أشهد لسمعت مالكاً يقول: أدركت بهذه البلاد مشيخة من
أهل الصلاح والعبادة يحدثون ، ما سمعت من واحد منهم حديثاً قط، قيل : فلم يا أبا
عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون))(٢٨).
وقال مالك: ((لا تأخذ العلم من أربعة ، وخذ ممن سوى ذلك ، لا تأخذ من
سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس . ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث
الناس إذا جرب ذلك عليه ، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل
وعبادة، إذا كان لا يعرف ما يحدث))(٢٩).
وقال يحيى بن سعيد القطان: ((لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في
الحديث))(٣٠).
إذن ما كان النقاد من المحدثين يقبلون الرواية لمجرد أن يكون الراوي صادقاً ورعاً
بل مع صدقه وورعه وتدینه كانوا يختبرون أحاديثه ویزنونها ثم ينزلون كلًا منزلته .
قال الإِمام مسلم رحمه الله في الكلام على عطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد
وليث بن أبي سليم، ((إذا وازنت هؤلاء الثلاثة : بمنصور بن المعتمر وسليمان الأعمش
واسماعيل بن أبي خالد في إتقان الحديث والاستقامة فيه ، وجدتهم مباينين لهم، لا
يدانونهم ، لا شك عند أهل العلم بالحديث في ذلك للذي استفاض عندهم من
(٢٦) السنن الكبرى ١٢٥:١٠ - ١٢٦.
(٢٧) مقدمة صحيح مسلم ١٥ .
(٢٨) المجروحين ١٣ ب .
(٢٩) الكفاية ١١٦ .
(٣٠) مقدمة صحيح مسلم ١٧ .
- ١٠١ -
-

صحة حفظ منصور والأعمش واسماعيل ، وإتقانهم لحديثهم ، وإنهم لم يعرفوا مثل
ذلك من عطاء ويزيد وليث))(٢١).
هذا هو منهج المحدثين ، المبني على الصدق والعدالة والتدين والتعقل والتيقظ
والنزاهة .
خلافاً للمؤرخ لأن أقصى ما يرجوه أن يكون صاحب الوثيقة صادقاً وعادلا في
كتابة وثيقته، ثم لا يهمه إن كان يكذب في أمور أخرى، أم لا؟ إضافة إلى ذلك
قلما يجد المؤرخ المراجع التي تمكنه من معرفة مؤلف الوثيقة ومدى صدقه وعدالته
خلافاً لما هو موجود عند المحدثين فبالرغم من ضياع كثير من كتب التراجم، نحن
نستطيع حتى الآن الحكم على كافة الرواة تقريباً، كما أننا نعرف أسرهم وولادتهم
ووفياتهم وسلوكهم وشهادات العلماء فيهم . وهذا العنصر يكاد يكون مفقوداً بالتمام
والكمال عند المؤرخ .
هذه مقارنة موجزة بين أسلوب المحدثين والمؤرخين وهي تنبىُ عن دقة منهج
المحدثين وتثبت أن علم التاريخ لم ولن يصل إلى قوة علم الحديث في نقد النصوص ،
ولو استعمل ذلك المنهج على أي كتاب في الديانات الأخرى أو على أية وثيقة في عالم
التاريخ فيكون مصيره على الأغلب الرفض والإنكار. ومن هنا يتبين بجلاء قوة منهج
المحدثين .
وبعد ، فقد ألقينا نظرة سريعة على منهج المحدثين في نقدهم وما أثير حوله من
الاعتراضات، ورأينا أن ما قيل عن منهجهم مبني على عدم العلم به أو سذاجة
التفكير في حقيقته وقواعده .
وبعدما ألممنا بمناهج المحدثين يمكننا الآن أن ننظر إلى الانتقادات الموجهة إلى
مناهجهم . والذين طعنوا في مناهجهم بعضهم من المسلمين مثل طه حسين وأحمد
أمين وأبو رية وأمثالهم ، والبعض الآخر من المستشرقين . وسنتحدث في الباب القادم
عن انتقادات الفريق الأول وخاصة في قضية تعديل الصحابة ، ونؤخر الحديث عن
انتقادات المستشرقين إلى الباب الذي يليه .
(٣١) مقدمة صحيح مسلم ص ٦.
- ١٠٢ -

البابُ السَّارِسُ
الطعن على منهج المحدثين في تعديلهم لكافة الصحابة
يقول طه حسين: ((ولا نرى في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يكونوا
يرون في أنفسهم ، فهم كانوا يرون أنهم بشر فيتعرضون لما يتعرض له غيرهم من
الخطايا والآثام، وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر
والفسوق . فقد روي أن عمار بن ياسر كان يكفر عثمان ويستحل دمه، ويسميه
نعثل، وروي أن ابن مسعود كان يستحل دم عثمان أيام كان في الكوفة ... ))(١) .
ويقول أحمد أمين: ((ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم
بعضاً موضع النقد، وينزلون بعضاً منزلة أسمى من بعض)) ثم قال، ((على كل حال
فالذي جرى عليه العمل من أكثر نقاد الحديث وخاصة المتأخرين أنهم عدلوا كل
صحابي ولم يرموا أحداً منهم بكذب ولا وضع إنما جرحوا ونقدوا من بعدهم))(٢).
ويقول أبو رية : أوجب العلماء البحث عن رواة الحديث لكنهم قد ((وقفوا دون
عتبة الصحابة فلم يتجاوزوها، إذ اعتبروهم جميعاً عدولا لا يجوز عليهم نقد، ولا
يتجه إليهم تجريح. ومن قولهم في ذلك: ((إن بساطهم قد طوي)). ومن العجيب
أنهم يقفون هذا الموقف على حين أن الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضاً وكفر
بعضهم بعضاً ... ))(").
(١) أضواء على السنة المحمدية ٣٦١ نقلاً عن طه حسين.
(٢) فجر الإسلام ٢١٦ - ٢١٧ .
(٣) أضواء على السنة المحمدية ٣٤٢ .
- ١٠٣ -

ولم يكتف أبو رية بقوله السابق ، بل قال متحدثاً عن موقف أهل السنة :
((ممن جعلوهم من الصحابة من لمز النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات ومنهم
من أذاه وقال (هو أُذُن) ومنهم من اتخذوا مسجداً ضراراً ... ومنهم الذين اعتذروا
في غزوة تبوك وكانوا بضعة وثمانين رجلاً وحلفوا للنبي فقبل منهم علانيتهم فنزل فيهم
قوله تعالى: ﴿ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتُعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم
إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاءً بما كانوا يكسبون﴾ ... وبحسبك أن تجد أن في
القرآن سورة تسمى سورة المنافقين))(٤) .
وقال مرة أخرى (( ومن شاء أن يقف على أسماء المنافقين من الخزرج والأوس
فليرجع إلى الجزء الأول من أنساب الأشراف يجد أسماءهم قد ملأت عشر صفحات
كاملة من صفحة ٢٧٤ إلى ٢٨٣))(٥).
وأضاف قائلاً: ((وإذا كان الجمهور على أن الصحابة كلهم عدول ولم يقبلوا
الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة واعتبروهم جميعاً معصومين من الخطأ
والسهو والنسيان فإن هناك كثيراً من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة (المطلقة ) لجميع
الصحابة وإنما قالوا كما قال العلامة المقبلي إنها (أغلبية ) لا عامة وإنه يجوز عليهم ما
يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو، بل والهوى ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة
إن هم إلا بشر يقع منهم كما يقع من غيرهم مما يرجع إلى الطبيعة البشرية ، وأن
سيدهم الذي اصطفاه الله صلوات الله عليه و﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ قد
قال : إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، ويعززون حكمهم بمن كان منهم في عهده صلوات
الله عليه من المنافقين والكاذبين، وبأن كثيراً منهم قد ارتدوا عن دينهم بعد أن انتقل
إلى الرفيق الأعلى ... ))(٦).
ثم أضاف إلى هذا عدة روايات منها ما روى مسلم: ((ليردن عليّ ناس من
أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا من دوني ، فأقول أصحابي فيقول : لا تدري ماذا
أحدثوا بعدك))(٧) .
(٤) هامش أضواء على السنة المحمدية ٣٥٣.
(٥) أضواء على السنة المحمدية ٣٥٩ .
(٦) أضواء على السنة المحمدية ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٧) أضواء على السنة المحمدية ٣٥٤ .
- ١٠٤ _

ويمكننا أن نلخص مذهبهم وحججهم في النقاط التالية :
أولا : الاعتقاد بعدالة كافة الصحابة هو قول الجمهور وليس بقول المحققين من
أمثال المقبلي وأحمد أمين وطه حسين وأبي رية .
ثانياً: الاعتقاد بعدالة الصحابة يصطدم بما ورد في القرآن من ((ذم الصحابة)).
لأن منهم المنافقين والكذابين والذين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت
في القرآن سورة باسم المنافقين .
ثالثاً : أن الصحابة أنفسهم ما كانوا يرون أنهم أسمى من النقد والتجريح ، فقد
كفّر بعضهم بعضاً وكذَّب بعضهم بعضاً، فكيف نرى فيهم ما لم يكونوا يرون في
أنفسهم .
رابعاً : تصطدم هذه العقيدة بالطبائع البشرية ، إن هم إلا بشر، يقع منهم ما
يقع من غيرهم مما يرجع إلى الطبيعة البشرية من الخطأ والنسيان والهوى وغير ذلك ،
علماً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بشراً، وقال: إنما أنا بشر أصيب
وأخطىء .
ولتقييم مذهبهم وقوة حججهم ، سنناقش هذه النقاط بالترتيب :
مناقشة النقطة الأولى :
القول بعدالة كافة الصحابة ليس بمذهب المحققين .
عدالة الصحابة والقائلون بها :
لا ريب أن الاعتقاد بعدالة الصحابة كافة هو قول الجمهور من أمثال الأثمة
الأربعة ، أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل والمحدثين كافة كالبخاري ومسلم وأبي
داود والنسائي والترمذي وابن معين وابن المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وابن حبان وابن
تيمية ، وعلى وجه الاختصار علماء أهل السنة والجماعة كافة ، وعليه سلف الأمة
وجماهير الخلف ، فإذا لم يكن هؤلاء من المحققين ، فمن يكون إذن؟
- ١٠٥ -

نعم قد خالف جمهور الأمة الإسلامية ظوائف من المعتزلة(٨) والخوارج(٩) وأهل
الرفض، وغير ذلك كما خالفها ((المغرضون)) أمثال المقبلي المعتزلي وطه حسين الذي
ينتحل آراء المستشرقين وينسبها إلى نفسه (١٠) وأحمد أمين الذي (أرشد)» الدكتور علي
حسن عبد القادر قائلاً ((خير طريقة لبثّ ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا
تنسبها إليهم بصراحة ولكن ادفعها إليهم على أنها بحث منك، وألبسها ثوباً رقيقاً
لا يزعجهم مسها كما فعلت أنا في فجر الإسلام وضحى الإِسلام))(١١). وأبي رية
الذي حاول هدم القصر الشامخ - للسنة - ثم ادعى أن عمله دفاع عنه (١٢)
يا للعجب ؟؟ على كل حال الذين خالفوا الجمهور ليست لهم حجة ثابتة ، وسيأتي
الرد على شبهاتهم .
أدلة عدالة الصحابة من الكتاب والسنة :
لقد مرت بنا من قبل نصوص من كتب اللغة والقرآن الكريم واستعمال الصحابة
والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين تدل على أن كلمة العدل - هنا - معناها
الرضى . والرضا أمر نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان .
والصحابة كلهم مرضيون عند الله سبحانه وتعالى .
مدح الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في القرآن الكريم :
١
قال الله تعالى :
﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف)) [ آل عمران ١١٠].
وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون
الرسول عليكم شهيداً)) [ البقرة ١٤٣].
(٨) انظر فرق الشيعة للنوبختي ١٣ .
(٩) انظر فرق الشيعة للنويختي ١٤.
(١٠) انظر تفصيل ذلك في كتاب تحت راية القرآن الرافعي.
(١١) انظر السنة ومكانتها للسباعي ٢١٤.
(١٢) انظر كتابه أضواء على السنة المحمدية .
- ١٠٦ -

الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم
واتقوا أجر عظيم﴾ [ آل عمران ١٧٢ ].
﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم
بآياتنا يؤمنون﴾ [الأعراف ١٥٦].
وقال تعالى: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم)
[ الواقعة ١٢].
وقال تعالى: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)
[ الأنفال ٦٤ ] .
وقال تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون
فضلاً من الله ورضواناً ، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون . والذين تبؤَّعوا
الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما
أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم
المفلحون﴾ [ الحشر ٩].
وقال تعالى : ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم
درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا، وكلاً وعد الله الحسنى، والله بما تعملون
خبير﴾ [ الحديد ١٠].
وقال تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في
قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ [الفتح ١٨].
وقال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم
بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [ التوبة ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في
ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف
رحيم، وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا، ﴾ الآية ... [التوبة ١١٧].
والآيات الأخيرة تشير إلى غزوة تبوك ، وهي من آخر غزوات رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولقد اشترك فيها المهاجرون والأنصار كافة ، ولم يتخلف عنها بالمدينة إلا
- ١٠٧ -

عاجز أو مأمور أو رجل معروف بنفاقه ، وبعض الذين تكاسلوا وقد ذكرهم القرآن
الكريم .
ومهما يكن من أمر فإن السواد الأعظم من أهل المدينة اشتركوا في هذه الغزوة ،
وقد تاب الله عليهم ورضي عنهم ، كما رضي عن أصحاب بدر وأصحاب بيعة
الرضوان . وهم كانوا كذلك مرضيين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى
قال: ((لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما
أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه))(١٣).
وهناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى، ولذلك قال الخطيب البغدادي :
((والأخبار في هذا المعنى تتسع، ولكنها مطابقة لما ورد في نصِّ القرآن، وجميع
ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم . فلا يحتاج أحد منهم ،
مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق لهم، فهم
على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية
والخروج من باب التأويل، فيُحكّم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك ،
ورفع أقدارهم عنه، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما
ذكرناه ، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج
والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين ، القطع على
عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون
من بعدهم أبد الآبدين)»(١٤) .
وفي الواقع لم تكن على هذه البسيطة أمة قامت مع رسولها فوقّت بحقوقها كما
وفّى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .
ولذلك قال ابن حبان مستدلا على تعديل الصحابة كافة وعدم جرحهم :
((فإن قال قائل فكيف جرحتَ مَنْ بعد الصحابة وأبيت ذلك في الصحابة ؟
والسهو والخطأ موجودان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وجد فيمن
بعدهم من المحدثين ، يقال له : إن الله تبارك وتعالى نزه أقدار أصحاب رسول الله
(١٣) م فضائل الصحابة ٢٢١ .
(١٤ ) الكفاية ٤٨ - ٤٩ .
- ١٠٨ -

صلى الله عليه وسلم عن ثلب قادح ، وصان أقدارهم عن وقيعة منتقص وجعلهم
کالنجوم يقتدى بهم وقد قال الله تبارك وتعالى :
﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي
المؤمنين). ثم قال: ﴿ يوم لا يُخزي الله النبيَّ والذين آمنوا معه﴾ فمن أخبر الله
عز وجل. أنه لا يخزيه في القيامة ، وقد شهد له باتباع ملة إبراهيم حنيفاً، لا يجوز أن
يجرح بالكذب ، لأنه يستحيل أن يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي
والذين آمنوا معه ﴾ ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمداً فليتبوأ
مقعده من النار، فيطلق النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب النار لمن أخبر الله عز وجل
أنه لا يخزيه في القيامة ، بل الخطاب في الخبر وقع على من بعد الصحابة ، وأما من
شهد التنزيل وصحب الرسول صلى الله عليه وسلم فالثلب لهم غير حلال، والقدح
فيهم ضد الإِيمان ، والتنقص لأحدهم نفس النفاق ، لأنهم خير الناس قرناً بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
صلى الله عليه وسلم. وأن من تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيداعهم
ما ولاّه الله بيانه للناس ، لبالحري أن لا يُجرح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، إلا وهم عنده صادقون
جائزو الشهادة ، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه لأنه
لو كان كذلك لكان فيه قدح في الرسالة ، وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه
وسلم شرفاً، وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده
يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقاً أو مبتدعاً ضالا ينقص من الخبر أو يزيد فيه ليضل
به العالم من الناس ثمن أجله ما (١٥) فرقنا بينهم وبين الصحابة إذ صان الله عز وجل
أقدار الصحابة عن البدع والضلال))(١٦).
إذن فالصحابة كلهم مرضيون عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى
هذا يمكن إطلاق كلمة العدول عليهم بدون إشكال .
(١٥) كذا في الأصل وعليه علامة (كذا). ولعل الصواب: انا فرقنا.
(١٦) المجروحين من المحدثين لابن حبان ١١ ب - ١٢ - أ.
- ١٠٩ -

--
مناقشة النقطة الثانية :
الاعتقاد بعدالة الصحابة يصطدم بوجود المنافقين والكاذبين ومرتكبي الكبائر
كالذين اشتركوا في فرية الإفك ، وآخرين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
((ليردن علي ناس من أصحابي ... فأقول سحقاً سحقاً)). وقد نزلت في القرآن
سورة في ذمهم باسم (( المنافقون)).
ويقال في الرد عليهم: هناك سورة كذلك في القرآن باسم ((المؤمنون)) والآيات
الكثيرة الأخرى التي نزلت في مدحهم .
ومن ناحية ثانية فإن سورة ( المنافقون) أو الآيات الأخرى نزلت في ذم المنافقين ،
لا في ذم الصحابة ، ومن الذي يعد المنافقين من الصحابة؟ ومن الذي ذكر المنافقين
ممن ألف في الصحابة في كتابه بأنهم من الصحابة ، هل ذكرهم البخاري ، أو ابن
مندة أو ابن عبد البر أو ابن الأثير أو ابن حجر؟
ذكر أبو رية تعريف الصحابي فقال: ((قال البخاري من صحب النبي صلى الله
عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو صحابي)) (١٧) فهل يدخل فيه المنافقون أيضاً.
ويمكن لقائل أن يقول : إن هؤلاء المنافقين ، كانوا يتظاهرون بالإسلام ولذلك
كانوا يعتبرون مسلمين ، وبما أنهم عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخلوا في
طبقة الصحابة لأنهم أبطنوا نفاقهم ولم يعرفه إلا النبي صلى الله عليه وسلم .
الاعتراض على عدالة الصحابة بوجود المنافقين في المجتمع الإسلامي والرد على
المعترضين :
إن المنافقين كانوا معروفين للنبي صلى الله عليه وسلم كما كانوا معروفين لدى
الصحابة بأعيانهم أو بأوصافهم .
لأن آيات القرآن الكريم بينت كل حركاتهم وسكناتهم حتى خلجات قلوبهم .
وأبو رية نفسه يذكر بعض صفات المنافقين المذكورة في القرآن الكريم ، فقال :
(( وإليك بيان أمورهم في غزوة تبوك وحدها، وأعمالهم وآيات نفاقهم ... استئذانهم
(١٧) أضواء ٣٤١ نقلاً عن الفتح ٢:٣ .
- ١١٠ -

----- -- ------- -- m
في التخلف وهو لا يقع من مؤمن ... وأن منهم من استأذن النبي صلى الله عليه
وسلم في القعود معتذراً بأنه يخاف على نفسه الافتتان بجمال نساء الروم))(١٨).
لكن هذه الصفة والصفات الأخرى للمنافقين التي نقلها أبو رية من القرآن
الكريم حجة عليه ، لأن الذين كانوا متصفين بتلك الصفات القبيحة كانوا معروفين
في ذلك المجتمع الطاهر، لأن الصحابة كانوا يعرفون من تخلف عن غزوة تبوك ، ومن
اعتذر بحجة الخوف على نفسه من الافتتان بجمال نساء الروم وغير ذلك .
وفي الواقع إذا كنا نحن لا نستطيع الآن أن نعرف هؤلاء الأشخاص بأعيانهم ،
لأنهم ليسوا أمامنا بأعيانهم فقد كان يراهم الصحابة بأعينهم ويعرفونهم بأعيانهم بنور
من القرآن الكريم، ويوضح هذا المعنى حديث كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة
الذين خلفوا، حيث قال: ((فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى
الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق أو رجلاً
ممن عذر الله من الضعفاء))(١٩). إذن مما لا شك فيه أن المنافقين كانوا معروفين،
وكانوا قلة ذليلة ، تعيش في انعزال في جوها الخاص .
وقد يستشكل المرء هذا القول في ضوء ما ورد عن حذيفة رضي الله عنه، أنه
علّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء المنافقين ، حتى سأله عمر رضي الله عنه
عن نفسه وكان يتتبع حذيفة في الجنازة ، فإذا حضر حذيفة صلى عليها عمر وإلا فإنه
كان يمتنع .
وللرد على هذا يمكننا أن نقول : إن هذه كانت حساسية مرهفة لدى عمر تدل
على كمال إيمانه(٢١) إذ لا يمكن أن نقول أنه كان يشك في إيمان نفسه لأنه يعرف ذلك
حق اليقين ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة على لسان الصادق المعصوم صلى الله
عليه وسلم(٢١).
(١٨) أضواء على السنة ٣٥٦ - ٣٥٧.
(١٩) خ المغازي .٧٩ .
(٢٠) انظرم الإيمان ٢٠٩. قال أبو هريرة: ((جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في
أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال ذاك صريح الإيمان)).
(٢١) خ فضائل الصحابة ٥ .
- ١١١ -
---

ولو سلمنا جدلا أنه كان هناك بعض المنافقين غير ظاهرين وكان علمهم عند
حذيفة رضي الله عنه وحده ، فحتى في هذه الحالة يبين لنا القرآن الكريم والسنة
النبوية أوصاف المنافقين ، وبتطبيق تلك الصفات على الصحابة المعروفين بالرواية
نستطيع الحكم بكل سهولة ، إذ نقلت إلينا تراجم الصحابة وافية لهذا الغرض . ومن
هنا يتضح أن المنافقين لم يكونوا كثرة بخلاف ما يفهم من قول أبي رية حيث قال :
من شاء أن يقف على أسمائهم من الخزرج والأوس فليرجع إلى الجزء الأول من أنساب
الأشراف يجد أسمائهم قد ملأت عشرة صفحات كاملة من صفحة ٢٧٢ إلى
٢٨٣ (٢٢) .
وفي الواقع هذا القول تمويه محض ، لأنه يفهم من كلامه بأنه لا يكون هناك أقل
من خمسمائة اسم، إذ عشر صفحات من الكتاب المطبوع تشتمل على مائتين وخمسين
سطراً على وجه التقريب وإذا كان كل سطر يتضمن اسمين فقط فيكون المجموع حوالي
خمسمائة اسم في حين ما ذكره البلاذري هو في حدود الأربعين . فإذا كان في المدينة
أربعون أو خمسون أو مائة من المنافقين ، فهل كان يمكنهم أن يختفوا في ظل الصحابة
وخاصة بعدما كانت صفات المنافقين معروفة لديهم .
ومن ناحية ثانية يمكننا أن نطبق صفات المنافقين على أكثر الصحابة رواية من
أصحاب الألوف والمئين(٢٣) وهم :
٥٣٧٤ حديثاً .
أبوهريرة فقد روى
وابن عمر روی
٢٦٣٠ حديثاً .
٢٢٨٦ حديثاً
وأنس بن مالك روی
٢٢١٠ حديثاً
وعائشة روت
١٦٦٠ حديثاً .
وابن عباس روی
١٥٤٠ حديثاً .
وجابر بن عبد الله روی ۔
(٢٢) أضواء على السنة ٣٥٩.
(٢٣) يمكن البحث بكافة الرواة من الصحابة، لمعرفة مدى انطباق صفات النفاق عليهم، وحاشاهم، لكني اقتصرت
على المكثرين لئلا يطول البحث .
- ١١٢ -

وأبو سعيد اخدري روی
وابن مسعود روى
وعبد الله بن عمرو روی
وعمر بن الخطاب روی
وعلي بن أبي طالب روى
وأم سلمة روت
١١٧٠ حديثاً .
٨٤٨ حديثاً .
٧٠٠ حديثاً .
٥٣٧ حديثاً .
حديثاً .
٥٣٦
٣٧٨ حديثاً .
٣٦٠ حديثاً .
وأبو موسى الأشعري روی
والبراء بن عازب روی
٣٠٥ حديثاً .
وأبو ذر الغفاري روی
٢٨١ حديثاً(٢٤).
سيرة هؤلاء الصحابة مفصلة في كتب التراجم فمن شاء فليراجع ويطبق عليهم
صفات المنافقين فإنه يرجع خاسراً ، علماً بأن جلَّهم من المهاجرين ولم يوجد النفاق
إلا في شرذمة من أهل المدينة والأعراب . وما ارتدّ هؤلاء بعد النبي صلى الله عليه
وسلم ، ولا زاغوا عن طريقته حتى يستدل بحديث : لا تدري ماذا أحدثوا بعدك .
بعد هذا وذاك فإن الذين يتذرعون بوجود المنافقين وبهذه الحجة يريدون الطعن
في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، لمّ لا يقرأون سيرتهم في كتاب الله تعالى
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه . وقد ذكرنا من قبل الآيات القرآنية الصريحة
الواضحة في مدح الصحابة والثناء عليهم ورضا الله عنهم(٢٥).
وأزيد فأقول : إنه لا شك في أنه قد وجدت فئة من المنافقين في عهد النبي صلى
الله عليه وسلم وخاصة في العهد المدني منه ولنفرض أنه لا يمكن تمييز المنافقين عن
غيرهم ، لكن هؤلاء المنافقين يجري عليهم في الدنيا أحكام المؤمنين فيما لهم
وما عليهم ..
(٢٤) انظر جوامع السيرة لابن حزم ٢٧٥ - ٢٧٧، نقلًا عن بقي بن مخلد، وهذه الأعداد ليست للأحاديث، بل
الطرق والأسانيد، وإلا فعدد الأحاديث أقل منها بكثير.
( ٢٥) انظر ما قبله ص ١٠٦ - ١٠٧ .
- ١١٣ -

:
، ومما لا شك فيه أن المنافقين أسوأ من اليهود والنصارى، وفي الدرك الأسفل من
النار، بالرغم من ذلك لم يحرم عليهم المسلمات المؤمنات كما هي محرمة على اليهود
والنصارى والمشركين . وكان أولادهم المسلمين يتوارثون من آبائهم المنافقين ، مع قول
النبي صلى الله عليه وسلم لا يرث المسلم الكافر. ومن هنا يتبين أن هؤلاء ينزلون - في
الدنيا - منزلة المسلمين في الأحكام. وأود أن أضيف نقطتين أخريين :
٤
أولا - في سن القوانين وإيجاد الأنظمة لا تنظر إلى المشكلة إذا قربت من درجة
الصفر. فإذا وجد مجتمع تقل فيه الجرائم في غياب نظام الشرطة والمراقبة بحيث
لا توجد حالة السرقة في السنة إلا واحدة في مجتمع يكون قوامه خمسة ملايين نسمة ،
ففي هذه الحالة لا داعي لتوظيف آلاف من الشرطة لهذا الغرض .
في بلد مساحته ملايين الأميال المربعة . ويسكنه قليل من الناس وتوجد عدة
سيارات فقط في تلك المنطقة الشاسعة ، يكون من السخافة إيجاد نظام المرور مع
الإشارات الضوئية واللوحات المرورية .
في دولة شاسعة مترامية الأطراف لا توجد المصانع ، وقد فكِّرِ رجل ما في إنشاء
مصنع ، يكون من السخرية إذا طالبناه بتقيده بالنظام الأمريكي باستعمال الأجهزة
الخاصة غالية الثمن للحيلولة دون تلوث الهواء، علماً بأن هذا التقيد أمر ضروري
وحيوي بالنسبة للدول الصناعية المتقدمة لأنها بتلوث الهواء تهدد الحياة البشرية كلها .
هل معنى هذا، أن مصنعاً في أمريكا يلوث الهواء والمصنع نفسه لا يلوث الهواء
في القارة الأفريقية؟ لا . التلوث هنا وهناك واحد لكن في بلد يهدد الحياة بينما في بلد
آخر لا يكاد يرى له أثر، لذلك لا يلجأ إلى تلك الإجراءات الصارمة لأنها قد
تسبب المشكلة أكثر من أن تحلها .
وعلى هذا فرغم وجود المنافقين في أوساط الصحابة المؤمنين فقد كان عددهم
قليلاً جداً بالنسبة إلى غيرهم وهم عشرات الألوف بل مئة ألف أو يزيدون بحيث لم
يكن ثمة داع إلى مراعاة وجود المنافقين في سنّ القواعد والطعن والتشكيك في عدالة
الصحابة كافة في نقل الروايات .
والكلام نفسه يقال بالنسبة لبعض الهفوات أو الأخطاء الخاصة لأنها قليلة بحيث
- ١١٤ -

تكاد تصل إلى صفر بالمائة . فهذه الحوادث الشاذة - وقديماً قالوا : الشاذ كالمعدوم -
لا تحسب لها حساباً . لأن غلبة الظن على تقواهم وصلاحهم وصدق لهجتهم ثابتة .
٠
ويجب أن ننظر هنا إلى هذه المسألة بمنظار واقع الحياة .
ثانياً - الإِسلام ليس ديناً فلسفياً عقلياً يعيش في أوهام الخيال . بل هو دين
واقعي عملي يعايش الحياة بكل معنى الكلمة . ولذلك لا يتطلب اليقين الكامل إلا
في العقيدة مثل التوحيد والرسالة والإيمان بالآخرة وغيرها من الأمور العقدية بينما
الجوانب الأخرى من الحياة يكفيها الظن الغالب . وليس الإِسلام فقط يتعامل بالظن
الغالب بل الدنيا كلها قائمة على هذا الأساس. لأننا إذا أردنا أن نطلب اليقين
والتعامل باليقين في كل شيء لفقدنا الطمأنينة بل لفقدنا الحياة نفسها .
وللتوضيح أقول : الناس يُدعَون لآبائهم . والناس ينسبون الأولاد الذين يولدون
من أزواجهم إلى أنفسهم ، لكننا إذا نظرنا إلى هذه المسألة من الناحية العقلية المحضة
فأي دليل عقلي نملك أن فلاناً أباً لفلان أو أن فلاناً ابن فلان .
ألا يمكن أن تكون هناك بعض الخيانات من الزوجين ؟ ومن المشاهد وجودها
أحياناً .
ألا يمكن أن تخطىء الممرضة في مستشفى الولادة فتضع ولد هذه إلى تلك ، وقد
يحصل نادراً .
أبهذه الحوادث الشاذة هل يشك الناس في آبائهم وأمهاتهم وأولادهم ؟ وأية حياة
تكون إذا طبقنا الاحتمال العقلي المحض - بل نادرة الوجود أيضاً - في هذه المسائل ؟
ألا يمكن للمرء أن يشك في نظافة الطعام المقدم له؟ ألا يجوز أن يكون فيه التسم ؟
وإننا نقرأ في الجرائد حوادث التسم والموت بالتسم . ولأجل هذا ألا يجوز لنا أن نشك
في كل مأكل أو مشرب بأنه متسم - وليس لدينا يقين عن خلوه منه - وعلى ذلك
يجب أن نبتعد عنه نهائياً. وماذا يكون مآبنا بعد عدة أيام من امتناعنا عن الأكل
والشرب ؟
يتعامل التاجر مع المشتري في ضوء تجاربه الطويلة فيعطيه بالدَّيْن بدون الكتابة
والشهود لأنه صادق وأمين في نظره يدل على ذلك تعامله معه لعشرات السنين ولكنه
- ١١٥ -

جائز عقلاً أن يكذب المشتري - مثلاً - بعد صدق التعامل بعشرات السنين، وهل
لهذا الاحتمال العقلي ــ بل الاحتمال العادي نادر الوقوع - نشك في الناس كلهم ولا
نتعامل معهم إلا في حدود القيود والشهود؟ لا أعتقد أن هذا مما يوافق عليه عقلاء
الناس فضلاً عن علمائهم .
ومن هنا يتضح أننا نتعامل ونتصرف في ضوء حصول الظن الغالب سلباً
وإيجاباً . بالرغم من وجود الاحتمال العقلي على جواز خلاف ما تورثه غلبة الظن .
فإذا ثبت لدينا قطعياً أن الراوي أخطأ - وهو الصادق المتقن - في رواية حديث
ما ، لا يستدعي هذا الشك في بقية رواياته فضلاً عن مرويات كل الرواة الثقات ،
لأن رفضنا الكلي يخالف سنن الحياة . وإذا قلنا كما أن الشك تطرق إلى بعض الرواة
ومروياتهم كذلك يتطرق إلى كافة الرواة ومروياتهم ، وعلى هذا لا نستطيع أن نثق
بالروايات ، فما لا شك فيه أن هذا احتمال عقلي، ونتيجة عقلية محضة لكنها لا تمت
إلى دنيا الواقع بسبب ولا نسب .
وعلى هذا فإنفراد صحابي ما برواية حديث ما لا يسبب إشكالا ولا يدعو إلى
الريبة - فضلاً عن الطعن - بحجة أنه من الممكن كونه أخطأ في فهم قصد النبي
صلى الله عليه وسلم أو جانب الصواب في حفظ الرواية .
لا، بل نعتبر الأصل هو الصواب في الرواية فإذا تبين الخطأ في حديث ما يترك
ذلك الحديث بدون أن نسمح بسببه بالطعن في الصحابي نفسه .
وقد بينت من قبل أن الظروف والتربية والدوافع والوازع الديني الذي وجد عند
الصحابة وفوق هذا وذاك تعديل الله - جل وعلا خالق البشر واللطيف الخبير -
للصحابة ، وتعديل النبي صلى الله عليه وسلم لهم تعديلاً قولياً وعملياً، يضعهم في
منزلة أعلى من منزلة بقية الرواة ولا يقاس بقية الرواة عليهم. بل بقية الرواة - وهم
مَنْ عدا الصحابة - في حاجة إلى البحث والتنقيب ، فإذا ثبتت عدالتهم وتأكد
ضبطهم قبلت رواياتهم . إذ مدار قبول الرواية هو العدالة والضبط. وليس على
البراءة الأصلية وهي الإِسلام وعدم الفسق فحسب ، لأن الناقل لا بد أن يكون عدلا
ضابطاً .
- ١١٦ -

قال ابن حجر: (( وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا
شاذ هو الصحيح لذاته)) (٢٦) ((فإن خفّ الضبط فالحسن لذاته))(٢٧).
وعلى هذا لا بد من تحقق هذين الشرطين الايجابيين في الرواة - وهما متحققان
في الصحابة بحمد الله ـ ولا بد من إثباتها في كل راوٍ يُراد قبول روايته ممن يوجد بعد
عصر الصحابة أو من غيرهم من الرواة .
الاعتراض على عدالة الصحابة بارتكاب بعضهم الكبائر والرد عليه :
لقد قال قائل : كيف تدعي بعدالة الصحابة ومنهم من قذف أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها، والقاذف فاسق بنص القرآن إن لم يأت بأربعة شهداء . إذن
من قذف منهم أصبح فاسقاً، وانتفت عدالته ، وعلى هذا لا يمكن القول بعدالة
الصحابة كافة .
وللرد عليه نقول :
قال الله تعالى عن القاذفين :
﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا
تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا
فإن الله غفور رحيم﴾ [النور ٤ - ٥].
أوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام :
١ - أن يجلد ثمانين جلدة
٢ - أن ترد شهادته أبداً
٣ - أن يكون فاسقاً ليس بعدل عند الله ولا عند الناس
ثم قال تعالى: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا .
اختلف العلماء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة
الفسق فقط ويبقى مردود الشهادة دائماً وإن تاب أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة ؟
(٢٦) نزهة النظر ٢٩ .
(٢٧) نزهة النظر ٣٤.
- ١١٧ -

وأما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصرَّ ولا حكم له بعد ذلك بلا
خلاف . فذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته وارتفع
عنه حكم الفسق ، ونص عليه سعيد بن المسيب وجماعة من السلف أيضاً .
وقال الإِمام أبو حنيفة : إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط فيرتفع الفسق
بالتوبة ويبقى مردود الشهادة أبداً، وذهب إليه شريح، وإبراهيم النخعي وابن جبير،
ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر .
وقال الشعبي والضحاك : لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه
قد قال البهتان فحينئذ تقبل الشهادة والله أعلم(٢٨) .
إذن فقد اتفق جُل فقهاء الأمة على قبول شهادة القاذف بعد توبته وتصرفات
المحدثين تدل على أنهم يذهبون إلى قبول شهادة القاذف بعد التوبة إذ إنهم قبلوا رواية
حسان بن ثابت(٢٩) وحمنة بنت جحش(٢) وضمنوها في كتبهم.
بل أكثر من ذلك : على صحة هذا الرأي يدل تصرف سيدنا عمر رضي الله عنه
لأنه عندما اعترض على حسان بن ثابت رضي الله عنه بإنشاده الشعر في المسجد .
قال حسان: ((قد كنت أنشد ، وفيه من هو خير منك))(٣١) وسكت عمر رضي
الله عنه .
ويمكن لغبي أن يتساءل من أين لك أن تثبت أن هؤلاء قد تابوا .
وللرد عليه نقول إنه إذا لم يتب أيّ ممن اشتركوا في فرية الإفك فقد خرج من
الإِسلام، لأن براءة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما جاءت من الله عز وجل
العليم الخبير، فمن توهم خلاف ذلك فقد شك في القرآن الكريم ، وحاشا أن يكون
ذلك منهم .
(٢٨) تفسير ابن كثير ٥: ٥٥ - ٥٦ .
(٢٩) ((حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري .. شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم / خ م د س ق،
التقريب ١٦١:١ .
(٣٠) حمنة بنت جحش الأسدية، أخت زينب، كانت تحت مصعب بن عمير .. / بخ د ت ق. التقريب ٢: ٥٩٥
(٣١) م فضائل الصحابة ١٥١ .
- ١١٨ -

الاعتراض على عدالة الصحابة بحديث الحوض في الآخرة وطرد بعض الناس
عنه وبيان مفهومه :
(( ... عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنَّا
كنا فاعلين﴾ ، فأول من یکسی إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين
وذات الشمال ، فأقول : أصحابي ، فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ
فارقتهم ، فأقول : كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: ﴿وكنتُ عليهم شهيداً،
ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنتَ أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ، إن
تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم، فإنك أنت العزيز الحكيم﴾.
قال محمد بن يوسف الفربري ، ذكر عن أبي عبد الله عن قبيصة ، قال : هم
المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه))(٣٢).
(( ... وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَيردَن عليّ ناس من
أصيحابي الحوض ، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول أصحابي ، فيقول : لا
تدري ما أحدثوا بعدك))(٣٣).
(( ... عن أبي هريرة ... أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا ليُذادن
رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، أناديهم ، ألا هلم، فيقال : إنهم قد بدّلوا
بعدك، فأقول سحقاً سحقاً))(٢٤).
(( ... عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
يردُ عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض، فأقول : يا رب
أصحابي ، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم
القهقرى))(٣٥) .
(٣٢) خ ٤ : ١٤٢ - ١٤٣، الأنبياء ٤٨ :
(٣٣) خ الرقاق ٥٣ .
(٣٤) م الطهارة ٣٩ .
(٣٥) خ الرقاق ٥٣ .
- ١١٩ -

ومما لا شك فيه أن الحديث متواتر، ولكن طرد بعض الناس من الحوض
المقصود بهم من ارتد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه قد
جاء التصريح بذلك في عدد من الروايات وقد نقلت بعضها ، وهذا ما فهمه علماء
الأمة ، كما نقلت عن الفربري من قبل .
وقد عرّف علماء المصطلح الصحابي ، ولم يعتبر أحدهم المرتدين عن الإِسلام من
الصحابة. قال ابن حجر في تعريف الصحابي: ((وهو من لقي النبي صلى الله عليه
وسلم مؤمناً ومات على الإِسلام ولو تخللت ردة في الأصح)) واستدل بارتداد الأشعث
ابن قيس وعودته إلى الإسلام في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فقد قبل منه
أبو بكر وزوجه أخته (٣٦) .
إذن فالوعيد المذكور لمن مات مرتداً وكان قد أسلم في حياة رسول الله صلى الله
عليه وسلم وتشرف بصحبته . وعلى هذا لا يجوز الطعن على عدالة الصحابة الذين
ماتوا على الإِسلام والتشكيك في دينهم وعدالتهم وصحبتهم . ومن أين للمرء أن
يتأكد من إسلامه ، إذا شكك في إسلام الصحابة الذين قدموا كل رخيص وغال في
سبیل دینهم ؟
هذا، ومن ناحية أخرى الحكم في الإسلام على الظاهر، وهذا رسول الله صلى
الله عليه وسلم مع التحذير والوعيد يصفهم بقوله: ((رهط من أصحابي))؛ أو
((برجال من أصحابي)) أو ((ناس من أصيحابي))، فسماهم الصحابة، وحكم
بالظاهر، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بالظاهر ولا يبني حكمه على
الباطن ، فلمَ يُنتقد المحدثون في تعديلهم الصحابة كافة ، وهم في هذا يتأسَّون بسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(٣٦) انظر نزهة النظر ٥٧ - ٥٨ .
- ١٢٠ -