النص المفهرس

صفحات 41-60

ومما لا شك فيه أن العبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته لكنه هناك أموراً
نفسية قد تسبب له الخطأ في النقل بدون القصد(١٠).
ولتوضيح ذلك أذكر دراسات حديثة أجريت في علم النفس .
يقول الأستاذ مالك البدري :
((لقد أصبح الآن من الثابت علمياً أن إدراك الفرد يتأثر كثيراً بالعوامل
الانفعالية والوجدانية والفكرية التي تهيمن على سلوكه . فالدراسات التجريبية التي
أجريت على المتعصبين لمذاهب متطرفة أو أولئك الذين تحجرت اتجاهاتهم على
احتقار أجناس وطوائف معينة من البشر، أظهرت هذه الدراسات بأن هؤلاء
الأشخاص يدركون المواقف التي لها صلة باتجاهاتهم المتحاملة هذه ادراكاً انتقائياً
Selective Perception . لا يتذكرون فيما يسمعون أو يشاهدون إلا الجوانب التي
تؤيد اتجاهاتهم . أما النواحي التي تتعارض مع اعتقاداتهم فهم إما يفشلون عن
ملاحظتها أصلاً أو ينسونها بسرعة أو يشوهونها بطريقة أو أخرى حتى تتسق مع
أفكارهم .
ولا يتعمد مثل هؤلاء الأفراد الكذب عندما يسردون الوقائع التي شاهدوها أو
سمعوها مشوهةً ناقصة . فالأمر يتم بطريقة لا شعورية ملتوية تفوت على أكثر
المتحاملي المتعصبين صدقاً وأمانة .
ومن أطرف الأبحاث في هذا الميدان دراسة استخدم فيها باحث أمريكي صورة
لرجل زنجي أمريكي حسن الهندام يقف في مركبة عامة بجوار رجل أبيض يحمل
خنجراً كبيراً. عرض الباحث هذه الصورة على مجموعة من الأمريكيين الذين
عرفوا بتعصبهم العنصري نحو الزنوج لفترة وجيزة من الوقت ثم سألهم بعد ذلك
عن محتواها . فأجاب أكثرهم بأن الخنجر كان في قبضة الزنجي! هذا بخلاف
المجموعة غير المتحاملة التي يتذكر أكثرها أن الخنجر كان في يد الرجل الأبيض .
(٩٠) أنا مدين لهذا المثال للأستاذ الدكتور مالك بدري أستاذ علم النفس بجامعتي الخرطوم والرياض والأستاذ الزائر
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وهو رائد دراسات علم النفس الإسلامي بلا منازع، وهذا الكلام عندي
بخطه .
- ٤١ -

وهناك دراسات كثيرة طبقت على أتباع المذاهب المتطرفة أو ((المريدين))
أصحاب الطاعة العمياء لقائد جبار ... كل هؤلاء لا یکادون يسمعون أو یناقلون
إلا الأخبار التي تؤيد مواقفهم . وكلما ارتبطت هذه الاتجاهات بالجوانب الانفعالية
الحماسية وكلما نشط الأفراد في الدعوة لأفكارهم وكلما شعروا بتهديد المجتمع
لاتجاهاتهم الشاذة ، كلما ازدادت ظاهرة الادراك الانتقائي هذه)).
ومن هنا يظهر لنا جلياً اصابة المحدثين في عدم قبولهم رواية المبتدع الداعي إلى
بدعته ، إذا كان الحديث يؤيد بدعته ، لأن هؤلاء الدعاة لا يَسْلمون بالطبع من
ظاهرة الإدراك الانتقائي لما يسمعونه من أحاديث سيد البشر صلى الله عليه وسلم ،
ومما يزيد من احتمال تشويههم اللاشعوري لما يسمعونه من أحاديث أو نسيانهم
للجوانب التي تعارض أفكارهم وإن كانوا صادقين .
أما قبولهم لرواية المبتدع غير الداعي إلى بدعته، فأمر تؤيده البحوث في علم
النفس أيضاً، لأن هؤلاء الأشخاص، وإن كانوا متعاطفين مع أفكار شاذة ، إلا
أن هذا الانتماء ضعيف بدرجة تقلل من امكانية الإدراك الانتقائي . ومن الناحية
العلمية التجريبية الحديثة فإن الباحث لا يجزم إلا بالسلوك الواضح ((كالقول
والعمل)) الذي يمكن مشاهدته. أما الجوانب الذاتية التي لا يمكن ملاحظتها فلا
تصلح كدليل علمي مؤكد .
طريقة معرفة العدالة: الاعتماد على قول النقاد
أما طريقة معرفة عدالة الرواة - ما عدا الصحابة لأنهم كلهم عدول بتعديل
الله وبتعديل رسوله ، كما هو مذهب جمهور المسلمين - فتتوقف في الأعم الأغلب
على تزكية المعاصرين من العلماء الأبرار، ولا يمكن إخضاعها لمنهج النقد . والنقاد
الذين تصدوا لهذه المهمة الشاقة بذلوا ما في وسعهم وأثبتوا عدم التحيز في
حكمهم. فقد رأينا في النقول السابقة أنهم عدَّلوا أناساً من مختلف الفرق بالرغم
من تفسيقهم كما جرحوا أناساً من أهل السنة والجماعة .
وقد قال الذهبي في ترجمة ابن المذهب وعليه المدار الكبير في رواية مسند
ابن حنبل المتداول في أيدينا حالياً.
- ٤٢ -
بي '

(( وقال الخطيب : روى ابن المذهب عن ابن مالك القطيعي حديثاً لم يكن
سمعه منه .
قلت [ القائل هو الذهبي] لعله استجاز روايته بالوجادة فإنه قرن مع
القطيعي )) .
ثم قال الذهبي: ((الظاهر من ابن المذهب أنه شيخ ليس بالمتقن، وكذلك
شيخه ابن مالك ، ومن ثم وقع في المسند أشياء غير محكمة المتن ولا الإسناد ،
والله أعلم))(٩١) .
فقد تكلم الذهبي في ابن المذهب وابن مالك القطيعي ، والأخير - أعني
القطيعي - هو الراوي الوحيد الذي اشتهر عن طريقه مسند ابن حنبل ، والأسانيد
الشائعة لرواية المسند كلها عن طريق القطيعي .
ولذلك أجدني مضطراً إلى نبذ ما قاله السبكي عن الذهبي أو ما يقال عن
عدم قبول الجرح إن كان هناك خلاف مذهبي بين الناقد والراوي .
قال السبكي : ((والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبي
في ذم أشعري ولا شَكر حنبلي، والله المستعان))(٩٢).
وقد قال السبكي من قبل: ((بل الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته
وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه ، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على
سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه
بالعدالة ، وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا
أحد من الأئمة ، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه
مالكون)»(٩٣) .
وقال: ((إن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسّرَه في حق من غلبت طاعاته
على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد
(٩١) ميزان الاعتدال ١: ٥١٠ - ٥١٢ .
(٩٢) قاعدة في الجرح والتعديل ٣٦ .
(٩٣) قاعدة في الجرح والتعديل ٦ .
- ٤٣ -

العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسة
دنيوية كما يكون في النظراء أو غير ذلك))(١٤) .
وهذا الكلام يخالف ما أفتى به على إطلاقه بأنه لا يقبل كلام الذهبي في ذم
أشعري ولا شكر حنبلي .
نعم إذا ثبت أن ما قاله الذهبي مبني على تعصب مذهبي أو منافسهُ دنيوية أو
أخطأ في البحث والتنقيب عن حالة المتكلم فيه ، إذن في هذه الحالة يلغى كلامه
وإلا فلا. لأننا إذا اعتبرنا كلامه لاغياً في هؤلاء معناه أنه كان يحابي بعضهم
ويبهت بعض الآخرين ، ومن تكون هذه صفته لا يكون عدلا ، فلا يلتفت إلى
تعديله كما لا يؤخذ بجرحه(٩٥) .
(٩٤) قاعدة في الجرح ١١ .
(٩٥) أحسن ما قرأت في هذا المعنى ما قاله المعلمي اليماني رحمه الله .
کلام العالم في غيره یصدر على وجهين :
١ - ((ما يخرج منخرج الذم بدون قصد الحكم)).
ففي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت
عندك عهداً لم تخلفنيه ، فأيّما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة)).
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبّاباً ولا شتّاماً ولا لعّاناً ولا كان الغضب يخرجه عن الحق . وقد قال جل
وعلا: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه من طبائع أكثر الناس أن أحدهم إذا غضب جرى على لسانه من السب
والشتم واللعن والطعن ما لو سئل عنه بعد سكون غضبه لقال : لم أقصد ذلك ولكن سبقني لساني فلربما أراد النبي صلى
الله عليه وسلم أن يعلّم أمته أن ما يصدر الكلام في حالة الغضب لا يحمل على ظاهره. لذلك ينبغي لأهل العلم أن لا
ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب .
ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم ما يقصد به الموعظة والنصيحة ، وذلك كأن يبلغ العالم عن صاحبه ما يكرهه
له فيذمه في وجهه أو بحضرة من يبلغه رجاء أن يكف عما كرهه له ويأتي في ذلك بعبارة خشنة موحشة يقصد الإبلاغ في
النصيحة وربما يكون الأمر الذي أنكره أمراً لا بأس به بل قد يكون خيراً ولكن يخشى أن يجر إلى ما يكره كالدخول على
السلطان وولاية أموال اليتامى وولاية القضاء. وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر ، إذ قد يكون
لمن وقع منه أوّلا عذر، ولكن يخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين .
٢ - ما يصدر على وجه الحكم فهذا يخشى فيه الخطأ .
غالب الأحكام إنما تبنى على غلبة الظن، والظن قد يخطئ، وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر - وإن كان ضعيفاً
عنده - ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق ، وقد يقوى
ذلك في النفس جداً وإن كان ضعيفاً .
وإذا كانت نفس الإنسان تهوى أمراً فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه فإن نفسه تميلٍ إلى ما يوافق هواها ،=
- ٤٤ -

وعلى هذا معرفة عدالة الراوي تتوقف في الأعم الأغلب على تزكية المعاصرين
من النقاد ، إلا أنه يمكن اكتشاف الكذب في بعض حالات ادعاء السماع ممن لم
يسمعه وذلك باستعانة التواريخ. حتى قال الثوري: ((لما استعمل الرواة الكذب
استعملنا لهم التاريخ)) (٩٦) ويمكننا أن نذكر بعض الأمثلة للتوضيح .
(١) قال عفير بن معدان الكلاعي : قدم علينا عمر بن موسى حمص ،
فاجتمعنا إليه في المسجد ، فجعل يقول حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر، قلت
له من شيخنا هذا الصالح؟ سمه لنا نعرفه. قال ، فقال : خالد بن معدان . قلت
له في أي سنة لقيته؟ قال: لقيته سنة ثمان ومائة. قلت، فأين لقيته؟ قال :
لقيته في غزاة أرمينية . قال ، فقلت له : اتق الله يا شيخ ولا تكذب . مات خالد
ابن معدان سنة أربع ومائة ، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين .
وأزيدك أخرى أنه لم يغز أرمينية قط، كان يغزو الروم))(١٧).
والعقل كثيراً ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها . وربما يشتبه على
الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله .
والعالم إذا سخط على صاحبه فإنما يكون سخطه لأمر ينكره فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار وتهوى ما يناسبه ثم تتبع
ما يشاكله وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه، فلا يؤمن أن يقوى عند العالم جرح من هو ساخط عليه لأمر
لولا السخط لعلم أنه لا يوجب الجرح، وقديماً قالوا : أن عين السخط تبدي مساوياً، مثل كلام النسائي في أحمد بن
صالح، لا أن ذلك يقع من مثله تعمداً لقدح يعلم بطلانه .
إذ لو حمل على التعمد سقطت عدالة الجارح، والمفروض أنه ثابت العدالة. ومثله في المدح، فقد يكون الرجل
ضعيفاً في الرواية لكنه صالح في دينه كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمل بن اسماعيل، أو فقيه كمحمد
ابن أبي ليلى، فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء غير قاصدين الحكم له بالثقة في روايته . وقد يرى العالم
أن الناس بالغوا في الطعن فيبالغ هو في المدح كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذكر له طعن شعبة في أبان بن أبي
عياش ، فقال : أبان خير من شعبة .
ومع هذا كله فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب وإنما يحتاج إلى التثبيت فيمن جاء فيه تعديل وتجريح . ولا
يسوغ ترجيح أحدهما على الآخر بحجة أن الجارح كان ساخطاً أو المعدل كان صديقاً، وإنما يستدل بالسخط والصداقة
على قوة احتمال الخطأ إذا كان محتملاً، فأما إذا لزم من إخراج الجرح أو التعديل نسبة من صدر منه ذلك إلى افتراء
الكذب أو تعمد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله من مثله فهذا يحتاج إلى بيّنة أخرى لا يكفي فيه إثبات
أن الناقد كان ساخطاً أو محباً .
لمزيد من التفصيل انظر التنكيل للمعلمي اليماني رحمه الله ٥٢:١ - ٥٨.
(٩٦) الكفاية ١١٩ .
(٩٧) الكفاية ١١٩ .
- ٤٥ -

(٢) قال أبو الوليد الطيالسي: كتبت عن عامر بن أبي عامر الخزاز، فقال
يوماً : حدثنا عطاء بن أبي رباح .
فقلت له: في سنة كم سمعت من عطاء؟
قال : في سنة أربع وعشرين ومائة .
قلت : فإن عطاء توفي سنة بضع عشرة .
قال الذهبي : إن كان تعمد فهو كذاب ، وإن كان شبه له بعطاء بن السائب
فهو متروك لا يعي(٩٨).
كما يمكن معرفة الكذب أحياناً في حالة ادعاء السماع بمراجعة أصوله .
ولذلك كانوا يطلبون أصل الكتاب ويفحصون الورق والحبر وموضع الكتابة .
قال زكريا بن يحيى الحلواني : رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث
يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه ، فسألته عنه ، فقال : رأينا في مسنده
أحاديث أنكرناها ، فطالبناه بالأصول ، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا
الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها))(٩٩).
١ - قال الذهبي: ((عبد الرحيم بن أحمد بن أحمد بن الأخوة، سمع النعالي،
اتهم بتصفح الأوراق في القراءة)) (١٠٠) ..
٢ - وقال: ((عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني الدمشقي الحافظ تُكلِّم في
نقله))(١٠١) .
٣ - ((محمد بن عبد الخالق بن أحمد بن يوسف، أخو أبي الحسين عبد الحق هو
الذي زوّر سماعات الخطيب الموصلي، ثم انكشف أمره وسقط نقله))(١٠٢).
٤ - ((محمد بن عبد الملك أبو سعد الأسري من شيوخ السلفي الحافظ
ضعفه ابن ناصر واتهمه
(٩٨) ميزان الاعتدال ٢: ٣٦٠.
(٩٩) ميزان الاعتدال ٤٥١:١؛ ولمزيد من التفصيل انظر ص ٩٩ من هذا الكتاب .
(١٠٠) المغني ٣٩١:٢.
(١٠١) المغني ٣٩٨:٢.
(١٠٢) المغني ٢ :٦٠٣.
- ٤٦ -

وقال السمعاني: ألحق اسمه في أجزاء))(١٠٣).
٥ - (( محمد بن عمر الجعابي الحافظ أبو بكر مشهور محقق لكنه رقيق الدين
تألف))(١٠٤) .
٦ - ((محمد بن محمد بن طبرزد أبو البقاء أخو عمر الراوي اتهم بتزوير سماعات
مات شاباً))(١٠٠) .
هذه بعض الأصول التي عن طريقها يمكن معرفة الكذب في ادعاء السماع
أحياناً ، ولو كان هذا المنهج كافياً لمعرفة الكذب من هذا النوع لبقيت الحاجة إلى
الاعتماد على قول العلماء الأتقياء ، لأن من مبادئ المحدثين أنهم لا يقبلون حديث
رجل إذا كان يكذب في حديث الناس ولو لم يكن يكذب في حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
قال مالك بن أنس: ((لا يؤخذ العلم من أربعة ، رجل معلن بالسفه وإن كان
أروى الناس ، ورجل يكذب في أحاديث الناس إذا حدث بذلك وإن كنت لا
تتهمه أن یکذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحب هوی یدعو الناس
إلى هواه، وشيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدِّث به))(١٠٦).
ونرى صدى هذا المنهج في قول جرير . سأل يحيى بن المغيرة جريراً عن أخيه
أنس، فقال: ((لا يكتب عنه فإنه يكذب في كلام الناس ، وقد سمع من هشام
ابن عروة وعبيد الله بن عمر ولكن يكذب في حديث الناس ، فلا يكتب
عنه))(١٠٧).
ومن الواضح أن هذا النوع من الكذب أو الفسق لا يمكن معرفته ، لا
باستعمال التواريخ ولا بفحص الأصول ، بل لا بد من الاعتماد على أقاويل العلماء
لتقويم المستوى الخلقي .
(١٠٣) المغني ٢ :٦٠٩.
(١٠٤) المغني ٦٢٠:٢.
(١٠٥) المغني ٢: ٦٢٩.
(١٠٦) الجرح والتعديل ٣٢:١/١.
(١٠٧) الجرح والتعديل ٢٨٩:١/١ - ٢٩٠ .
- ٤٧ -

الباب الثالث
الضبط والاتقان والطريق إلى معرفتهما
منهج المحدثين في نقدهم للحديث المروي ومدى صحته أو بتعبير آخر مدى
ضبط الراوي فهو منهج متشعب ومتطور ، فتارة يقارنون بين الروايات وأخرى
يعارضونها بالقرآن الكريم ، ومرة يفحصون المواد الكتابية من حبر وورق ، وأحياناً
يُحكِّمون عقولهم وفي ضوء ذلك كله كانوا يحكمون وينقدون . وإذا وضعنا النقد العقلي
جانباً يمكننا وضع كل هذه الطرق - على الأغلب - تحت عنوان ((المعارضة)) إذ بجمع
الروايات ومعارضة بعضها ببعضها الآخر يمكن لنا أن نعرف الشواهد والمتابعات التي
قد تتسبب أحياناً في نقل الأحاديث من درجة دنيا إلى درجة عليا ، وكذلك عن طريق
المعارضة نعرف الصحيح والحسن والضعيف، والشاذ(١) والمنكر (٢) والمعلل(٣) والمدرج(4)
وغير ذلك ، وعن طريق معارضة الروايات نحكم على الرواة وضبطهم واتقانهم .
(١) الشاذ هو مخالفة الثقة في الرواية بمن هو أوثق منه أو أكبر عدداً ولا يعرف هذا إلا بالمعارضة .
(٢) والمنكر هو انفراد الضعيف برواية ما أو مخالفته الثقة ولا يعرف ذلك إلا بالمعارضة .
(٣) قال أحمد شاكر في هامش الباعث الحثيث ص ٦٥: ((والطريق إلى معرفة العلل جمع طرق الحديث والنظر في
اختلاف رواته وفي ضبطهم واتقانهم فيقع في نفس العالم العارف بهذا الشأن أن الحديث معلول ، يغلب على ظنه فيحكم
بعدم صحته أو يتردد فيتوقف .
(٤) الحديث المدرج ما كانت فيه زيادة ليست منه ، ويعرف المدرج بوروده منفصلًا في رواية أخرى أو بالنص على ذلك
من الرواي أو من بعض الأثمة المطلعين أو باستحالة كونه صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ، بهامش الباعث الحثيث
ص ٧٤ .
- ٤٩ -

المحدثون ومعارضة الروايات :
وفي الواقع إن الاعتماد على هذا المنهج أمر طبعي ومنطقي ، ذلك لأن الرواية هي
في الحقيقة شهادة الراوي عما يرويه . ولذلك كثيراً ما بحث الأصوليون وعلماء المصطلح
فيما بين الشهادات والروايات من اتفاق واختلاف(٥).
والقاضي في المحكمة يقارن بين أقوال الشهود ويستنير فيها بالقرائن ويستعين
بالوثائق للوصول إلى حقيقة الأمر، وكذلك فعل النقاد من المحدثين كما سنرى قريباً
بإذن الله تعالى .
بعض أمثلة معارضة الروايات
أبو بكر رضي الله عنه ومعارضة الروايات :
إن منهج المعارضة بين الروايات المختلفة بدأ في عهد مبكر جداً، ولعل أول نقل
يثبت هذا المنهج وصلنا من عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث كان هو
نفسه الناقد المتبع لهذا المنهج .
جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تلتمس ميراثها ، فقال : ما أجد لك في كتاب
الله شيئاً، وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئاً. ثم سأل
الناس ، فقام المغيرة ، فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها
السدس . فقال له : هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة مثل ذلك ، فأنفذه لها
أبو بكر الصديق رضي الله عنه(٦) .
قال الحاكم مشيراً إلى هذه الرواية: ((وأول من وقى الكذب عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أبو بكر))(٧) .
وفي ضوء هذه الحادثة، قال الذهبي: كان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار(٨).
(٥) انظر تدريب الراوي للسيوطي ٣٣١:١ - ٣٣٤.
(٦) ط الفرائض ٤، سنن سعيد بن منصور ٣١:١/٣، ت الفرائض ١٠، الكفاية ٢٦.
(٧) المدخل ٤٦.
(٨) تذكرة الحفاظ ٢ .
- ٥٠ -

عمر رضي الله عنه ومعارضة الروايات :
وقد مضى على هذا المنهج سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد طلب
شاهداً في كثير من القضايا. وهناك عدة أمثلة من هذا النوع منها :
المثال الأول :
جاء أبو موسى الأشعري يستأذن على عمر بن الخطاب . فاستأذن ثلاثاً، ثم
رجع ، فأرسل عمر بن الخطاب في أثره . فقال : ما لك لم تدخل ؟ فقال أبو موسى :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الاستئذان ثلاث. فإن أذن لك فادخل
وإلا فارجع فقال عمر: ومن يعلم هذا؟ لئن لم تأتني بمن يعلم ذلك لأفعلن بك كذا
وكذا ، فخرج أبو موسى حتى جاء مجلساً في المسجد ، يقال له مجلس الأنصار،
فقال : إني أخبرت عمر بن الخطاب: أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع . فقال : لئن لم تأتني بمن
يعلم هذا لأفعلن بك كذا وكذا . فإن كان سمع ذلك أحد منكم فليقم معي ، فقالوا
لأبي سعيد الخدري قم معه . وكان أبو سعيد أصغرهم، فقام معه . فأخبر بذلك
عمر بن الخطاب . فقال عمر بن الخطاب لأبي موسى : أما إني لم أتهمك ، ولكن
خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم(٩).
الا يأخذونها منهاطريق لترويج وتكذيب فالاحتياط وتوقير وتنقيب الأسانيد
لأحل
المثال الثاني :
استشار عمر بن الخطاب الناس في إملاص المرأة ، فقال المغيرة بن شعبة .
شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة ، فقال عمر : ائتني بمن
يشهد معك، قال، فشهد له محمد بن مسلمة (١٠) .
(٩) الاستئذان ٣، أيضاً خ البيوع ٩، م الآداب ٣٦.
(١٠) القسامة ٣٩، والإملاص هو جنين المرأة إذا انزلق.
- ٥١ -

المثال الثالث :
كانت للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب المسجد النبوي ، فلما كثر المسلمون
ضاق بهم المسجد ، اشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد
المطلب وحجر أمهات المؤمنين، وقال عمر للعباس : يا أبا الفضل إن مسجد
المسلمين قد ضاق بهم. فبعني دارك بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في
مسجدهم . فقال العباس : ما كنت لأفعل فطلب منه صدقة على المسلمين أو يبني له
بيتاً بدلا عنه حيث شاء من المدينة . فقال العباس : لا. ولا الواحدة . فقال عمر:
اجعل بيني وبينك من شئت. فقال: أبي بن كعب. فانطلقا إلى أبي . فقصا عليه
القصة . فقال أبي : إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم .
فقالا : حدثنا . فحدث أبي بن كعب بقصة داود عليه السلام، فأخذ عمر بمجامع
ثياب أبي بن كعب، وقال : جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه. لتخرجن مما
قلت : وجاء إلى المسجد وسأل من سمع النبي صلى الله عليه وسلم حديث بيت
المقدس. فشهد عدد من الصحابة فأرسل عمر أبياً: ((وأقبل أبي على عمر، فقال يا
عمر أتتهمني على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر : يا أبا المنذر لا
والله ما اتهمتك عليه ، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ظاهراً)»(١١) .
المثال الرابع :
روى عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري ((عن أبيه أن عمر مرّ عليه وهو يساوم
بمرط، فقال: ما هذا؟ قال : أريد أن أشتريه وأتصدق به. فاشتراه فدفعه إلى
أهله ، وقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أعطيتموهن فهو
صدقة . فقال عمر رضي الله عنه : من يشهد معك؟ فأتى عائشة رضي الله عنها فقام
من وراء الباب . فقالت : من هذا؟ قال : عمرو. قالت : ما جاء بك ؟ قال سمعت
(١١) طبقات ابن سعد ١٤:٤.
- ٥٢ -

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أعطيتموهن فهو صدقة. قالت :
نعم))(١٢).
تصحيح خطأ :
لقد اشتهر في الأونة الأخيرة أنه كان من منهج أبي بكر وعمر طلب الشهود على
الرواية. قال الخضري: ((فلم يكن أبو بكر ولا عمر يقبلان الأحاديث إلا ما شهد
اثنان أنهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم))(١٣) .
ومما لا ريب فيه أن هذه النظرية مبنية على استقصاء ناقص لأنها ترتكز على عدة
روايات طلب فيها عمر رضي الله عنه الشهود ، بقطع النظر عن الروايات الكثيرة التي
قبلها عمر رضي الله عنه دون شهود في قضايا ذات أهمية كبرى إذا قيست بالتي طلب
فيها الشهود .
١
وستأتي أمثلة ذلك .
قبول عمر رضي الله عنه خبر الواحد دون شاهد :
١ - توريث المرأة في دية زوجها :
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول الدية للعاقلة ، ولا ترث المرأة من
دية زوجها شيئاً ، حتى أخبره الضحاك بن سفيان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كتب إليه : أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه عمر (١٤) .
(١٢) السنن الكبرى للبيبتي ١٧٨:٤ .
وهناك حادثة أخرى ذكرها ابن سعد في الطبقات ١٤:٤، طلب فيها عمر رضي الله عنه الشاهد، وبالرغم من
الشاهد لم يقبل الحديث .
قال ابن سعد: ((أخبرنا محمد بن حرب المكي، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر
محمد بن علي، أن العباس جاء إلى عمر، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعني البحرين. قال: من يعلم
ذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة. فجاء فشهد له . قال: فلم يمض له عمر ذلك ، كأنه لم يقبل شهادته فأغلظ العباس
لعمر. فقال عمر: يا عبد الله خذ بيد أبيك ... )).
ويبدو لي أن الرواية غير ثابتة . محمد بن حرب المكي لم أجد له ترجمة .
(١٣) تاريخ التشريع للخضري ١١٣، انظر أيضاً أضواء على السنة المحمدية ٥٩ .
(١٤) الرسالة ٤٢٦، الوثائق السياسية رقم ٢٢٨ وانظر فيه المراجع .
- ٥٣ -
٠ -.
:
:

٢ - قضاؤه في الجنين:
(( ... عن طاووس أن عمر قال أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه
وسلم في الجنين شيئاً؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة ، فقال: كنت بين جارتين لي ،
يعني ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه
رسول الله بغرة، فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره))(١٥).
٣ - امتناعه دخول البلد بسبب الطاعون :
(( ... عن سالم أن عمر بن الخطاب إنما رجع بالناس عن خبر عبد الرحمن بن
عوف، قال الشافعي يعني حين خرج إلى الشام فبلغه وقوع الطاعون بها))(١٦).
٤ - أخذه الجزية من مجوس هجر :
روى (« سفيان عن عمرو أنه سمع بجالة يقول : ولم يكن عمر أخذ الجزية حتى
أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس
هجر))(١٧) .
٥ - وصيته لابنه عبد الله بن عمر أن لا يسأل أحداً بعد خبر سعد بن أبي وقاص:
قال ابن عمر: «رأيت سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه بالعراق حين
يتوضأ، فأنكرت ذلك عليه . فقال ، فلما اجتمعنا عند عمر بن الخطاب رضي الله
عنه ، قال لي : سل أباك عما أنكرت عليّ من مسح الخفين . قال: فذكرت ذلك
له . فقال : إذا حدثك سعد بشيء فلا تردّ عليه . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يمسح على الخفين))(١٨).
(١٥) الرسالة ٤٢٦ - ٤٢٧، حم ٤: ٧٩ - ٨٠. والحديث في البخاري: في باب الكهانة وفي مسلم في باب دية
الجنين وقد رواه أبو داود والنسائي أيضاً .
(١٦) الرسالة ٤٢٩ .
(١٧) الرسالة ٤٣١ ولمعرفة المراجع انظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على الرسالة ص ٤٣٢.
(١٨) حم ١٤:١ - ١٥.
- ٥٤

٦ - سؤاله أم سلمة عن نفسه :
(( .... عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصحابي
من لا يراني ولا أراه بعد أن أموت أبداً))، قال، فأتاها عمر، فقال نشدتك بالله ،
أنا منهم؟ فقالت: لا. ولن أبرئ أحداً بعدك أبداً))(١٩).
٧ - قبوله فتوى النبي صلى الله عليه وسلم :
أخرج البيهقي عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلاً من ثقيف أتى عمر بن
الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت. ألها أن تنفر قبل أن
تطهر؟ فقال: لا . فقال له الثقفي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاني في مثل
هذه المرأة بغير ما أفتيت . فقام إليه عمر فضربه بالدرة وهو يقول: لم تستفتوني في
شيء أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟(٢٠).
٨ - أخذه بحديث عائشة رضي الله عنها في إيجاب الغسل :
قال زيد بن ثابت : ((ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه
ويتوضأ وضوء للصلاة)) فعلم بذلك عمر، فدعاه. فقال له: ((أي عدو نفسه تفتي
الناس بهذا؟ فقال زيد: أما والله ما ابتدعته ولكن سمعته من أعمامي رفاعة بن رافع
ومن أبي أيوب الأنصاري . فقال لمن عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ما تقولون؟ فاختلفوا عليه ... فقال له علي: فأرسل إلى أزواج النبي صلى
الله عليه وسلم فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه . فأرسل إلى حفصة فسألها ،
فقالت : لا علم لي بذلك .
ثم أرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ((فقال
عمر عند ذلك: لا أعلم أحداً فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا))(٢١).
(١٩) مسند عمر ليعقوب بن شيبة ٨١.
(٢٠) السنة للسباعي ٨٢ نقلاً عن مفتاح الجنة للسيوطي ص ٣١.
(٢١) الاجابة لما استدركته عائشة على الصحابة ٨٤ - ٨٥ .
- ٥٥ -

٩ - تصديقه العباس في دعواه :
كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة ، وقد كان ذُبح
للعباس فرختان فلما اقترب عمر من الميزاب ، صب فيه ماء فيه دم الفرختين ،
فأصاب عمر فأمر بقلعه ... فأتاه العباس فقال: ((والله إنه للموضع الذي وضعه
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر للعباس : فأنا أعزم عليك لما أُصعدت
على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل
ذلك العباس)) (٢٢).
٤
١٠ - سؤاله ابن عباس عن الشك في الصلاة :
(( ... عن ابن عباس أنه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول الله صلى
الله عليه وسلم أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ قال
فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف، فقال: فيمَ أنتما؟ فقال عمر: سألت
الغلام هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه إذا شك
الرجل في صلاته ماذا يصنع ؟ فقال عبد الرحمن : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول (( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فليجعلها
واحدة ، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثاً فليجعلها ثنتين ، وإذا لم يدر أثلاثاً صلى أم
أربعاً فليجعلها ثلاثاً ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين))(٢٣).
١١ - سؤاله أبا واقد الليثي عما كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم في
العيدين :
(( ... عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ما
كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ
فيهما بـ ﴿قَ والقرآن المجيد﴾، و﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر)))(٢٤).
(٢٢) ابن سعد ٤: ١٢.
(٢٣) حم ١٩٠:١.
(٢٤) م العيدين ١٤، أيضاً باب ما جاء في القراءة في العيدين ٤١٥:٢.
٢٠
٩٠
- ٥٦ -

فقد تبين من هذه الروايات بأن وجود شاهد لراوي الحديث لم يكن شرطاً لقبوله
عند عمر رضي الله عنه . نعم إنه طلب الشهود في بعض الأحيان ، وفي مسائل غير
ذات أهمية حتى بلغ به الأمر أن توعد الراوي إن لم یأته بشاهد کما رأينا لكنه يبدو أنه
كان يسلك هذا المسلك للتربية والتعليم ، وليرشد الناس إلى الدقة والتحري التامَّين في
الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قبول عثمان بن عفان رضي الله عنه الخبر الواحد :
سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه الفريعة بنت مالك بن سنان عما قضى به
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان يقضي به (٢٥).
تصحيح خطأ آخر .
كما اشتهر عن عمر أنه لم يكن يقبل الرواية إلا بشاهد كذلك اشتهر عن علي بن
أبي طالب أنه كان يستحلف الناس على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عدا
أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وهي رواية غير صحيحة(٢٦).
ومن هنا يتضح أن ما قيل عن عدم أخذ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
الأحاديث إلا ما شهد اثنان أو استحلاف علي رضي الله عنه الراوي فهو كلام غير
دقيق .
ونعود الآن مرة أخرى إلى منهج معارضة الروايات .
(٢٥) الموطأ ١ : ٥٩٠ .
(٢٦) (حم ١ : ٢، جه إقامة ١٩٣) والرواية غير ثابتة. قال المعلمي في الأنوار الكاشفة ٦٨: الحديث تفرد به أسماء
بن حكم الفزاري ، وهو مجهول . وقد رد البخاري هذا الحديث لجهالة الراوي . وفي الواقع لو كان هذا هو منهج علي في
قبول الرواية لاشتهر عنه القول، ولنقل عنه العلماء أنه استحلف فلاناً وفلاناً. ولو صح حديث استحلاف علي - كما
ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله - لما كان فيه دليل على ما ذهب إليه المنحرفون من اتهام علي رضي الله عنه بعدم
ثقته بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الاستحلاف لا يدل دائماً على تكذيب الراوي. بل قد يستحلف السامع لغرابة
الحادث أو لنشوة تنتابه. ونستطيع أن نستدل على هذا باستحلاف النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود كما جاء في السنن
الكبرى للبيهقي ٩ : ٩٢، واستحلاف عمر بن عبد العزيز لأبي بردة (منحة المعبود ١ : ٢٩) واستحلاف شعبة لعبد الله
بن دينار في حديث بيع الولاء كما في تقدمة الجرح والتعديل ١٦٤. من هنا يتضح أن الاستحلاف لا يكون دائماً لشائبة
الكذب ، كما أنه لم يكن منهجاً متبعاً على وجه الإطلاق وعلى الدوام لا من قبل علي رضي الله عنه ولا من قبل غيره،
لكن منهج المقارنة بين الروايات كان شائعاً جداً .
- ٥٧ -

ابن عمر ومعارضة الروايات :
روى عبد الله بن عمر حديثاً مخالفاً لفتوى ابن عباس، ثم قال لصاحبه: ((إن
كنت في شك فسل أبا سعيد الخدري عن ذلك ، فانطلق ، فسأل أبا سعيد ، فقيل
لابن عباس ما قال ابن عمر وأبو سعيد ، فاستغفر ابن عباس [رضي الله عنه] الله
جل جلاله وقال: هذا رأي رأيته))(٣٧).
وعندما روى أبو هريرة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على
جنازة فله قيراط. فقال له عبد الله بن عمر: ((انظر ما تحدث يا أبا هريرة فإنك
تكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة
رضي الله عنها فصدّقت أبا هريرة ... ))(٣٨).
التطور في منهج النقد :
بعد مقتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه دخلت الدولة الإسلامية في طور
جديد ، وجاءت خلافة سيدنا علي رضي الله عنه عقب الفتنة . نشط أصحاب الفتن
الذين كان من أمنيتهم الإيقاع بين المسلمين كحزب عبد الله بن سبأ وغيره ووجدوا
فرصة فأوقدوا نار الاختلاف حتى سالت الدماء وعم الاضطراب وأثاروا الفتنة عندما
كادت تلتئم جروح المسلمين ، وكانوا على وشك الرجوع إلى وحدة الصف في موقعة
صفين .
وبدأ هؤلاء المارقون يكذبون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وبالتالي على
النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على هذا ما ذكره الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة
صحيحه أن ابن عباس رضي الله عنه أتي بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه فمحاه
إلا قدر ذراع(٢٩) .
وقال أبو إسحاق : ((لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه ، قال رجل
من أصحاب علي: قاتلهم الله، أي علم أفسدوا)) (٢٠).
(٢٧) الكفاية ٢٨ .
(٢٨) حم ٢٨٧:٢ .
(٢٩) صحيح مسلم، المقدمة ١٤ .
(٣٠) صحيح مسلم، المقدمة ١٤ .
- ٥٨ -

وقال المغيرة: ((لم يكن يصدق على علي رضي الله عنه في الحديث إلا من
أصحاب عبد الله بن مسعود))(٣١).
لذلك ، فقد تنبه المسلمون منذ ذلك الوقت إلى هذا الخطر ، فكانوا يقولون
سمُوا لنا رجالكم .
قال ابن سيرين: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا:
سُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا
یؤخذ حدیثهم ))(٣٧).
التفرقة بين الصحابة والتابعين في منهج المعارضة :
ويبدو أنه منذ ذلك الوقت أيضاً بدأ التفريق أول ما بدأ بين الصحابة والتابعين
في قبول الرواية . وهو في الواقع تطور في منهج النقد . فإذا روى الصحابي وقال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بقوله ، ولو علمنا يقيناً أنه لم يسمع ذلك الحديث
من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة .
أما إذا قال التابعي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، اعتبر حديثه مرسلاً،
والمرسل من أنواع الحديث الضعيف . بل أكثر من هذا، إذا كان التابعي معروفاً
بالتدليس فإنهم يطالبونه بالتصريح بسماع الحديث من شيخه أما إذا لم يفعل بأن عَنْعَنْ
عُدّ حديثه ذاك ضعيفاً .
وبما أنه وجد منهج المعارضة كمنهج للنقد من عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد
استعمل مع الصحابة في عصرهم أحياناً لكنه كثر استعماله مع التابعين ومن بعدهم
لأن الصحابة عاصروا الحوادث وعاشوا فيها بكافة قواهم فكانت الأحاديث تنقش على
ذاكرتهم كالنقش على الحجر، ومن ناحية أخرى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
هو الذي قام على تربيتهم وتزكيتهم وكانوا أبعد الناس عن الكذب حتى في العهد
الجاهلي ، وقد محرم التابعون من كل هذه المميزات ، لذلك بدأ يقع الخلل في الرواية
أكثر فأكثر.
(٣١) صحيح مسلم، المقدمة ١٤ .
(٣٢) صحيح مسلم، المقدمة ١٥ .
- ٥٩ -

ومن الطبيعي أنه كلما ازداد الخلل اشتد نظام المراقبة ، فعندما بدأ بعض الناس
بالكذب اشتد نظام الإسناد ، وعندما بدأ السهو والنسيان يكثر كثر الالتجاء إلى
مقارنة الروايات حتى أصبح هذا المنهج أمراً مألوفاً .
قال أيوب السختياني (١٣١ هـ) وهو من صغار التابعين: ((إذا أردت أن تعرف
خطأ معلمك فجالس غيره))(٣) بمعنى آخر يستطيع المرء بمعارضة روايات عدة من
الشيوخ أن يدرك الصواب من الخطأ .
وقال ابن المبارك: ((إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه
ببعض ))(٣٤) .
بعض أمثلة المعارضة في عهد التابعين :
(١) معارضة ابن أبي مليكة رواية القاسم وعروة :
قال ابن حنبل: ((حدثنا إسماعيل بن ابراهيم، قال أخبرنا أيوب عن ابن أبي
مليكة ، قال ، قال لي : ألا تعجب حدثني القاسم عن عائشة أنها قالت: أهللت
بالحج ... وحدثني عروة أنها قالت أهللت بعمرة، ألا تعجب))(٢٥).
(٢) معارضة الزهري بين روايات عروة وابن المسيب والقاسم وغيرهم:
(( ... قال الليث حدثني يونس عن ابن شهاب ، قال أخبرني عروة بن الزبير
وابن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله عن حديث عائشة رضي الله
عنها، وبعض حديثهم يصدق بعضاً ... ))(٣٦).
وسأذكر الآن بعض الأمثلة الأخرى من عهد اتباع التابعين .
(٣٣) سنن الدارمي ١٥٣:١.
(٣٤) الجامع للخطيب البغدادي ٥ - ١ .
(٣٥) انظر النقد عند المحدثين، عبد الله حافظ، نقلاً عن العلل ٣٩٦:١.
(٣٦) خ الشهادات ٢.
- ٦٠ -