النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ مقدمة الكتاب للإمام مسلم قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ (١)، فَكَانَ يَقُولُ لَنَا: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ(٢) غَيْرَ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا، قَالَ وَكانَ شَقِيقٌ هُذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ . [٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو الرَّازِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ، فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ، كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ(٣). [٥٣] وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ، قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ. [٥٤] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (٤) قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِالرَّجْعَةِ. [٥٥] وَحَدَّثَنِي حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحَْى الْحِمَّانِيُّ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ وَأَخُوهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ النَّبِّ وَ، كُلُّهَا (٥). [٥٦] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا يَقُولُ: قَالَ (١) (غلمة) جمع غلام و (أيفاع) جمع يافع، وهو من يكون في شرخ الشباب وأوائله. (٢) (القصاص) جمع قاص وهو من يحترف الوعظ، فيأتي بغرائب القصص والأخبار عمومًا، ولا يصح منها إلا قليل، ولا يتورع عن هذه الغرائب إلا النادر القليل منهم. (٣) قالوا: المراد بهذه الرجعة هو ما تزعمه الرافضة: أن عليًا - رضي الله عنه - في السحاب فلا نخرج مع من يخرج من ولده، حتى ينادى من السماء أن اخرجوا معه، قلت: ولكن تفسير الرجعة في كتب الشيعة أشد وأنكى من هذا بكثير، وملخصه: أن المهدي قائم الزمان، يظهر ويبايع بمكة ويهدم مساجد أهل السنة هناك، ثم يقصد المدينة فيهدم المسجد النبوي لأنه من بناية أهل السنة، وكذلك بقية المساجد، وينبش قبور الشيخين أبي بكر وعمر، فيخرجهما حيين فيصلبهما على شجرة خضراء، فتيبس، ثم يخرج عائشة وحفصة فينتقم منهما، ثم يحيي أمراء أهل السنة وحواشيهم ثلاثة آلاف في ست مرات ويقتلهم، ثم ينزل في النجف فينادي في الجهات الأربع: إلىّ عباد الله! فيخرج كل شيعي مات من زمن علي إلى ذلك الزمان، من قبره، ينفض التراب من ثوبه، حتى ينزل تحت رايته - وكان الله قد أنزل عليهم في جمادى الأولى مطرًا فكانت لحومهم وأجسادهم قد نبتت في قبورهم - فيرسلهم المهدي إلى الجهات الأربع، فيقتلون كل من في قلبه أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا على الحق في خلافتهما، وهذا هو المراد بقوله وهالفر: ((يملأ الدنيا قسطا كما ملئت جوراً)) فهذا هو معنى الرجعة في أمهات كتب الشيعة، -انظر الخطوط العريضة - وأن من لم يؤمن بهذه الرجعة فليس بشيعي، فلا أدري هل للرجعة معنيان عندهم، أم الذين فسروها بالمعنى الأول أخذوه من تفسير جابر لآية سورة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ ... الآية [يوسف: ٨٠] كما سيأتي، بينما هو اعتقاد آخر فاسد غير الرجعة. (٤) هو ابن عيينة الإمام المشهور. (٥) وأبو جعفر لم يسمع من النبي ◌َّ، بل هو من موضوعات جابر الجعفي وأمثاله من الشيعة. ٤٢ مقدمة الكتاب للإمام مسلم جَابِرٌ: أَوْ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: إِنَّ عِنْدِي لَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ. مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا بِشَيْءٍ. قَالَ ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ فَقَالَ: هُذَا مِنَ الْخَمْسِينَ أَلْفًا . [٥٧] وَحَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ بْنُ خَالِدِ الْيَشْكُرِيُّ. قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ يَقُولُ: عِنْدِي خَمْسونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. [٥٨] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ جَابِرًا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنْ أَبْرَعَ آلْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِيِّ أَبِيِّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِىّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] قَالَ: فَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَجِيءُ تَأْوِيلُ هُذِهِ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَذَبَ. فَقُلْنَا [لِسُفْيَانَ]: وَمَا أَرَادَ بِهِذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ، فَلَا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ وَلَدِهِ، حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ - يُرِيدُ عَلِيًّا - أَنَّهُ يُنَادِي اخْرُجُوا مَعَ فُلَانٍ، يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَذَبَ، كَانَتْ فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ [َِ]. [٥٩] وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ: مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا . [وَقَالَ مُسْلِمٌ]: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِيَّ قَالَ: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، فَقُلْتُ: الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْخُ طَوِيلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمِ (١). [٦٠] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: وَذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلًا يَوْمًا فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ فَقَالَ: هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْم(٢) . [٦١] حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ: إِنَّ لِي جَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَوْ شَهِدَ [عِنْدِي] عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً . [٦٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: مَا رَأَيْتُ أَيُّوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَطُ إِلَّ عَبْدَ الْكَرِيم - يَعْنِي أَبَا أُمَيَّةَ(٣) -، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ (١) لعل ذلك قوله بالرجعة، فإنه كان يؤمن بها، وكان شيعياً محترفًا؟ من الخشبية المنسوبين إلى خشبة زيد بن علي التي صلب عليها، وكان له غلو في تفضيل أهل البيت، لا سيما فيما شجر بين الصحابة. (٢) هو كناية عن الكذب، فقد جعله كالتاجر الذي يزيد في رقم السلعة، ويكذب فيها ليربح على الناس ويَغرهم بذلك الرقم، فيشترون عليه. (٣) هو عبدالكريم بن أبي المخارق المعلم البصري نزيل مكة، ضعيف، مات سنة ست وعشرين ومائة. ٤٣ مقدمة الكتاب للإمام مسلم فَقَالَ: رَحِمَهُ اللهُ، كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ. [٦٣] حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَقَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى فَجَعَل يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: كَذَبَ مَا سَمِعَ مِنْهُمْ (١)، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا يَتَكَفَّفُ النَّاسَ (٢)، زَمَنَ طَاعُونٍ الْجَارِفِ(٣) . [٦٤] وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هُرُونَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ قَالَ: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ، فَلَمَّا قَامَ قَالُوا: إنَّ هُذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَقِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا، فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلًا قَبْلَ الْجَارِفِ، لَا يَعْرِضُ لِشَيْءٍ مِنْ هُذَا (٤)، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَواللهِ! مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ بَدْرِيِّ مُشَافَهَةً، وَلَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ بَدْرِيِّ مُشَافَهَةً، إلَّا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ(٥) . [٦٥] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ رَقَبَةَ؛ أَنَّ أَبَا جَعْفَرِ الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ كَانَ يَضَعُ أَحَادِيثَ، كَلاَمَ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِّ ◌َِّ، وَكَانَ يَرْوِبِهَا عَنِ النَّبِّ ◌َّر. [٦٦] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ. قَالَ أَبُو إِسْحُقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ(٦): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ - حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطََّالِيُّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ. [٢٧] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَبُو حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَوْفِ بْنِ (١) قوله: (منهم) أي البراء وزيد وغيرهما ممن زعم أنه روى عنه، فإنه زعم أنه رأى ثمانية عشر بدريا . (٢) يتكفف الناس، أي يمد إليهم كفهم ويسألهم ماعندهم. (٣) قوله: (طاعون الجارف) من إضافة الموصوف إلى صفته، وسمي جارفاً لكثرة من مات فيه من الناس، فكأن الطاعون اجترف الناس واكتسحهم موتاً، والطاعون وباء معروف، وهو غدة مؤلمة جداً تظهر مع لهب، ويسود ماحولها أو يخضر أو يحمر، ويسرع لأجله الموت، وقلما يشفى من يبتلى به، واختلفوا في زمن طاعون الجارف، والأغلب أنه الذي وقع في سنة سبع وثمانين فإن قتادة ولد سنة إحدى وستين ومات سنة سبع عشرة ومائة. (٤) أي لم يكن له أيُّ شغل بالحديث. (٥) مع أن الحسن وسعيد بن المسيب أكبر من أبي داود الأعمى سنًّا، وأشد اعتناءً بالحديث وملازمة أهله، والاجتهاد في الأخذ عن الصحابة من مبكر أسنانهما، فكيف يزعم أبو داود الأعمى أنه لقي ثمانية عشر بدرياً، بينما الحسن لم يرو عن بدري، وابن المسيب لم يرو إلا عن واحد منهم، إن زعم أبى داود الأعمى كذب وبهتان مبين. (٦) هو تلميذ الإمام مسلم الذي سمع منه الصحيح وروى عنه، وقد روى هو هذا الحديث عن طريق الإمام مسلم عن الحسن الحلواني، عن نعيم بن حماد، ثم روى عن محمد بن يحيى - مباشرة - عن نعيم بن حماد بغير واسطة الإمام مسلم - فحصل له علو بدرجة. ٤٤ مقدمة الكتاب للإمام مسلم أَبِي جَمِيلَةَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)) قَالَ: كَذَبَ وَاللهِ! عَمْرٌو (١)، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُوزَهَا إِلَى قَوْلِهِ الْخَبِيثِ(٢). [٦٨] وحَدَّثَنَا عُبِيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ قَدْ لَزِمَ أَيُّوبَ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَفَقَدَهُ أَيُّوبُ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! إِنَّهُ قَدْ لَزِمَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ. قَالَ حَمَّادٌ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا مَعَ أَيُّوبَ وَقَدْ بَكَّرْنَا(٣) إِلَى السُّوقِ. فَاسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَيُّوبُ وَسَأَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَزِمْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، قَالَ حَمَّادٌ: سَمَّاهُ - يَعْنِي - عَمْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَبَا بَكْرٍ! إِنَّهُ يَجِيُنَا بَأَشْيَاءَ غَرَائِبَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِرُّ أَوْ نَفْرَقُ(٤) مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِبِ . [٦٩] وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ - يَعْنِي حَمَّادًا - قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَِّيذِ، فَقَالَ: كَذَبَ، أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيدِ. [٧٠] وحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلََّمَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: بَلَغَ أَيُّوبَ أَنِّي آتِي عَمْرًا، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَا تَأْمَنُهُ عَلَىَ دِينِهِ، كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؟ . [٧١] وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ (٥). [٧٢] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ أَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ قَاضِي وَاسِطٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: لَا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا. وَمَزِّقْ كِتَابِي(٦). (١) إنما كذبه لأنه روى هذا عن الحسن، والحسن لم يرو هذا الحديث فنسبته إليه كذب، وإلا فالحديث صحيح من طريق آخر. (٢) لأن عمرو بن عبيد كان قدريا معتزليا، فأراد أن يعضد بهذا الحديث مذهب المعتزلة وهو: أن مرتكب الكبيرة يخرج عن الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين، ويخلد في النار، فأراد أن يستدل لمذهبهم هذا بقوله : ((فليس منا)) أي ليس من أهل الإيمان، مع أن المراد أنه ليس على طريقتنا وممن اهتدى بهدينا، واقتدى بعملنا، لا أنه ليس من أهل الإيمان إطلاقاً . (٣) قوله: (وقد بكرنا إلى السوق) من التبكير، أي ذهبنا إليه في وقت مبكر. (٤) قوله: (نفر) من الفرار (أو نفرق) بفتح الراء من الفرق، وهو الخوف، أي نخاف ونخشى من تلك الغرائب التي يأتي بها عمرو بن عبيد، خشية أن تكون كذبا فنقع في الكذب على رسول الله وَالعقد . (٥) قوله: (قبل أن يحدث) من الإحداث، أي قبل أن يبتدع ويصير معتزلياً قدرياً. (٦) قوله: (مزق كتابي) بصيغة الأمر، وإنما أمره بتمزيق الكتاب مخافة أن يبلغ إلى أبي شيبة، فيناله منه أذى أو يترتب عليه مفسدة، وأبو شيبة هذا هو إبراهيم بن عثمان العبسي، الكوفي، مشهور بكنيته، متروك الحديث، = ٤٥ مقدمة الكتاب للإمام مسلم [٧٣] وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّنَ قَالَ: حَدَّثْتُ حَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ عَنْ صَالِحِ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ عَنْ ثَابِتٍ فَقَالَ: كَذَبَ (١)، وَحَدَّثْتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحِ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ فَقَالَ: كَذَبَ. [٧٤] وحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ: انْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمِ فَقُلْ لَهُ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَإِنَّهُ يَكْذِبُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتٌ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الْحَكَمِ بِأَشْيَاءَ لَمْ أَجِدْ لَهَا أَضْلًا - قَالَ - قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ ◌َ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةً عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِّ وَ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَدَفَنَهُمْ. قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: مِنْ حَدِيثٍ مَنْ يُرْوَى؟ قَالَ: يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ يَحْيِى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ (٢) رضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. [٧٥] وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هُرُونَ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلَفْتُ أَلَّا أَرْوِيَ عَنْهُ شَيْئًا وَلَا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَحْدُوجِ - وَقَالَ -: لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرِ الْمُزَنِيِّ، ثُمَّ عُذْتُ إِلَيْهِ فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ الْحَسَنِ، وَكَان يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ(٣). قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ. [٧٦] وحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي دَاوُدَ الطََّالِسِيِّ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لَكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَطَّارَةِ(٤) الَّذِي رَوَىْ لَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ فَقَالَ لِيَ: اسْكُتْ: فَأَنَا لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ(٥) فَسَأَلْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ: هَذِهِ = متفق على ضعفه. مات سنة ١٦٩هـ. (١) قوله: (كذب) أي كذب صالح المري، وكان من كبار العباد الزهاد الصالحين، حسن الصوت بالقرآن، شديد الخوف من الله، كثير البكاء، لكن لم يكن يتأهل لصناعة الحديث، فكان يجرى الكذب على لسانه وهو لا يشعر، سمي المري لأن امرأة من مرة أعتقته وأمه، واسم أبيه بشير وهو عربي. (٢) يعني أن الحسن بن عمارة كذب، فروى هذا الحديث عن الحكم عن يحيى، عن علي، وإنما هو عن الحسن البصري من قوله. (٣) قوله: (وكان ينسبهما إلى الكذب) أي إن يزيد بن هارون كان ينسب زياد بن ميمون وخالد بن محدوج إلى الكذب. (٤) قوله: (حديث العطارة) قال النووي: قال القاضي عياض - رحمه الله -: هو حديث رواه زياد بن ميمون هذا عن أنس: أن امرأة يقال لها الحولاء عطارة كانت بالمدينة، فدخلت على عائشة - رضي الله عنها - وذكرت خبرها مع زوجها، وأن النبي ◌َّ ذكر لها في فضل الزوج، وهو حديث طويل غير صحيح، ذكره ابن وضاح بكماله. (٥) قوله: (عبدالرحمن بن مهدي) بالرفع عطفاً على الضمير المرفوع في قوله ((لقيت))، أي لقيت أنا وعبدالرحمن = ٤٦ مقدمة الكتاب للإمام مسلم الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسِ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا رَجُلًا يُذْنِبُ فَيَتُوبُ، أَلَيْسَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ مِنْ ذَا قَلِيلًا، وَلَا كَثِيرًا، إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ النَّاسُ فَأَنْتُمَا لَا تَعْلَمَانٍ (١) أَنِّي لَمْ أَلْقَ أَنَسَّا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فَبَلَغَنَا، بَعْدُ، أَنَّهُ يَرْوِي. فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَتُوبُ. ثُمَّ كَانَ، بَعْدُ، يُحَدِّثُ، فَتَرَكْنَاهُ. [٧٧] حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةَ - قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ يُحَدِّثُنَا فَيَقُولُ: سُوَيْدُ بْنُ عَقَلَةَ(٢) - قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنَّ يَتَّخَذَ الرَّوْحُ عَرْضًا(٣) - قَالَ - فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ هُذَا؟ قَالَ: يَعْنِي [تُتَّخَذُ] كُوَّةٌ فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ. [قَالَ مُسْلِمٌ]: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ لِرَجُلِ - بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلَالٍ بِأَيَّامٍ -: مَا هَذِهِ الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ(٤) الَّتِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ! [٧٨] وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَقَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ قَالَ: مَا بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ حَدِيثٌ، إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَيَّ(٥). [٧٩] وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشِ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ. قَالَ عَلِيٍّ: فَلَقِيتُ حَمْزَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ نَ ◌ّهِ فِي الْمَنَامِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ، فَمَا عَرَف مِنْهَا إِلَّ شَيْئًا يَسِيرًا خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً. = ابن مهدي زياد بن ميمون. (١) قوله: (فأنتما لا تعلمان) بتقدير همزة الاستفهام، أي أفأنتما لا تعلمان، ويكون استفهام تقرير. (٢) قوله: (عقلة) بعين مهملة وقاف مثناة، بينما هو غفلة بغين معجمة وفاء موحدة، ففيه تصحيف ظاهر وخطأ بين. (٣) قوله: (الروح عرضا) أي قرأ الروح بفتح الراء بمعنى النسيم، وعرضا بالعين المهملة وإسكان الراء، وهو تصحيف قبيح وخطأ صريح، وصوابه الروح بضم الراء، وغرضا بالغين المعجمة والراء المفتوحتين، ومعناه: نهى أن يتخذ الحيوان الذي فيه الروح غرضاً أي هدفا يصبر ويرمى إليه بالنشاب وشبهه، ومقصود شبابة أن عبدالقدوس كان غبيا مختل الضبط، يخطىء في الإسناد والمتن خطأ فاحشاً ثم كان يأتي لها بمعان عجيبة كما فعل هنا، فقد أخطأ في ضبط الحديث ثم فسره بقوله: ((تتخذ كوة في حائط ليدخل عليه الروح)) أي النسيم، يعني فلا يعتد بهذا الرجل. (٤) قوله: (العين المالحة) طعن في مهدي بن هلال، وكناية عن ضعفه وجرحه، وقوله: (نعم) موافقة من ذلك الرجل على هذا الطعن والجرح، ومهدي بن هلال بصري متروك، متفق على ضعفه. (٥) كناية عن كون أبان بن أبي عياش كاذباً في ذلك. وهو أبو إسماعيل العبدي متروك. مات في حدود ١٤٠ هـ. ٤٧ مقدمة الكتاب للإمام مسلم [٨٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ، قَالَ لِي أَبُو إِسْحُقَ الْفَزَارِيُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ(١). [٨١] حَدَّثَنَا إِسْحُقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: نِعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الْأَسَامِيَ وَيُسَمِّي الْكُنَى(٢)، كَانَ دَهْرًا يُحَدِّثْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْوُحَاظِيِّ (٣)، فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ. [٨٢] وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ إِلَّا لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: كَذَّابٌ. [٨٣] وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْم - وَذَكَرَ الْمُعَلَّى بْنَ يُرْفَانَ، فَقَالَ - قَالَ: حَدَّثْنَا أَبُو وَائِلٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفَّيْنَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمِ: أَثْرَاهُ(٤) بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟. [٨٤] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَفَّنَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ إِنَّ هُذَا لَيْسَ بِثَبْتٍ، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ اغْتَبْتَهُ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ: أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ. [٨٥] وحَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرِ الدَّارِمِيُّ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي يَرْوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَّةٍ. وَسَأَلْتُ مَالِكَ ابْنَ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ؟ فقال: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ(٥) الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ ابْنُ أَبِي (١) هذا رأي أبي إسحاق الفزاري في إسماعيل بن عياش، ولكنه ثقة عند جمهور الأئمة ولا سيما فيما يرويه عن أهل الشام، أما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم. وأما بقية فصدوق كثير التدليس عن الضعفاء، فالقول فيه هو ما قاله أبو إسحاق الفزاري. (٢) قوله: (يكني الأسامي ويسمي الكنى) يعني إذا روى عن إنسان معروف باسمه كناه ولم يسمه، وإذا روى عن راو معروف بكنيته سماه ولم يكنه، وهذا نوع من التدليس، وهو قبيح مذموم، فإنه يلبس أمره على الناس، ويوهم أن ذلك الراوي ليس بذلك الضعيف، فيخرجه عن حاله المعروفة بالجرح المتفق عليه وعلى تركه، إلى حالة الجهالة التي لا تؤثر عند جماعة من العلماء، بل يحتجون بصاحبها، وتقضي توقفاً عن الحكم بصحته أو ضعفه عند الآخرين، وقد يعتضد المجهول فيحتج به، أو يرجح به غيره، أو يستأنس به. (٣) قوله: (الوحاظي) بضم الواو وفتحها وبتخفيف الحاء، نسبة إلى وحاظة بطن من حمير، وعبدالقدوس هذا، هو ابن حبيب الشامي الكلاعي، أجمع أهل العلم على ترك حديثه كما تقدم. (٤) قوله (أتراه) بضم التاء أي أتظنه، وذلك لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان - رضي الله عنه - وحرب صفين وقعت بعد ذلك بأربع سنوات في خلافة علي - رضي الله عنه - وفيه تكذيب من أبي نعيم للمعلى ابن عرفان، وهو معروف بالضعف. (٥) هو أبو عبدالله - وقيل: أبو يحيى - شعبة القرشي الهاشمي المدني مولى ابن عباس، ضعفه كثيرون، وقال = ٤٨ مقدمة الكتاب للإمام مسلم ذِئْبٍ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلْتُّهُ عَنْ صَالِحِ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلْتَ مَالِكًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسُوا بِثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ؟ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي . [٨٦] وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ وَكَانَ مُتَّهَمًا . [٨٧] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحُقَ الطَّالِقَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَرَّرٍ، لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ. [٨٨] وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ: حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ زَيْدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ: لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي(١). [٨٩] وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ الْوَابِصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ الرَّقِّيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَذَّابًا . [٩٠] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدًا لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ(٢). [٩١] وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ الْقَطَّنَ وَ ذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّيْتِيُّ، فَضَعَّفَهُ جِدًّا، فَقِيلَ لِيَحْيَى: أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ . [٩٢] حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّنَ، ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدَ الْأَعْلَى، وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنَ مُوسَى بْنِ دِينَارٍ(٣) - قَالَ: حَدِيثُهُ رِيحٌ، وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ = أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكرًا . (١) قوله: (أخى) هو يحيى بن أبي أنيسة الآتي ذكره في الرواية التالية. (٢) فرقد، هو ابن يعقوب السبخي - منسوب إلى سبخة البصرة - أبو يعقوب التابعي، كان عابدًا صالحًا، ولكن لم يكن من صنعة الحديث في شيء. (٣) قوله: (ضعف يحيى بن موسى بن دينار) كذا وقع في النسخ ((يحيى بن موسى)) بزيادة بن، بین یحیی وموسى: وهو خطأ لا شك فيه، والصحيح ((ضعف يحيى موسى بن دينار)) يعني ضعف يحيى بن سعيد القطان، موسى بن دينار، فيحيى فاعل ضعف، وموسى بن دينار مفعوله. ٤٩ مقدمة الكتاب للإمام مسلم دِهْقَانَ وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ(١). [قَالَ]: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِيَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ إِلَّا حَدِيثَ ثَلَاثَةٍ، لَا تَكْتُبْ عَنْهُ: حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ(٢). قَالَ مُسْلِمٌ: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا - مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَانِهِمْ - كَثِيرٌ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ تَفَهَّمَ وَعَقَلَ مَذْهَبَ الْقَوْمِ، فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيِّنُوا . . وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَنَاقِي الْأَخْبَارِ، وَأَقْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الحَظِّ؛ إِذِ الْأَخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلِ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْي، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلِصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ، مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ، كَانَ آئِمَا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشَّا لِعَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضٍ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الْأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لَا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ النِّقَاتِ وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ(٣) أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا (٤) مَقْنَعِ(٤). وَلَا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ(٥) مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ الثَّوَهُنِ وَالضَّعْفِ - إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا، وَالِاِعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكْثِيرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَلِأَنْ يُقَالَ: مَا أكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلانٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ الْعَدَدِ! وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هذَا الْمَذْهَبَ، وَسَلَكَ هذَا الطَّرِيقَ، فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلًا، أَوْلَى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْعِلْمِ. (١) هؤلاء كلهم متفق على ضعفهم، وأشدهم ضعفاً حكيم بن جبير، كان متشيعاً غاليا في التشيع، قيل لعبدالرحمن ابن مهدي ولشعبه: لم تركتما حديث حكيم؟ قالا : نخاف النار. (٢) فهؤلاء الثلاثة كلهم ضعاف، أما عبيدة بن معتب ـ بكسر التاء المشددة - فكان ضعيفا واختلط بأخرة، وهو أبو عبدالرحيم الضبي الكوفي الضرير، وأما السرى بن إسماعيل فهو متروك الحديث، وهو همداني كوفي ابن عم الشعبي، وأما محمد بن سالم فهو أيضاً ضعيف، كوفي همداني يكنى أبا سهل. (٣) قوله: (أهل القناعة) بفتح القاف، أي الذين يقنع بحديثهم لكمال حفظهم وإتقانهم وعدالتهم. (٤) قوله: (مقنع) بفتح الميم والنون، أي موضع قناعة واطمئنان. (٥) من عرّج على الشيء - بتشديد الراء - أي أقام عليه ولبث به. ٥٠ مقدمة الكتاب للإمام مسلم [٨ - بَابُ صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن بمجرد إمكان اللقاء بين الراوي والمروي عنه، والرد على من يشترط ثبوت اللقاء بينهما ولا يكتفي بالمعاصرة] وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ(١) مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا فِي تَصْحِيحِ الْأَسَانِيدِ وتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ، لَوْ ضَرَبْنَا(٢) عَنْ حِكَايَتِهِ وَذِكْرٍ فَسَادِهِ صَفْحًا، لَكَانَ رَأْيَا مَتِنًا، وَمَذْهَبًا صَحِيحًا؛ إِذِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ، أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ وَإِخْمَالِ(٣) ذِكْرٍ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِهَا لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإِ الْمُخْطِئِينَ، وَالْأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، رَأَيْنَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ وَرَدَّ مَقَالَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ، أَجْدَى(٤) عَلَى الْأَنَامِ وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -. وَزَعَمَ الْقَائِلُ الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ سُوءٍ رَوِيَّتِهِ (٥)، أَنَّ كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ مِنْهُ سَمَاعًا وَلَم نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ، أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرِ جَاءَ هُذَا الْمَجِيءَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، أَوْ تَلَاقِيهِمَا، مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا فَمَا فَوْقَها، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هُذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ قَدْ لَفِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا - لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ - كَمَا وَصَفْنَا - حُجَّةٌ، وَكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي رِوَايَةٍ مِثْلِ مَا وَرَدَ(٦). (١) قوله: (منتحلي الحديث) من الانتحال، وهو انتساب الرجل إلى ما ليس من أهله، أي بعض من ينتسب إلى علم الحدیث ولیس من أهله. (٢) قوله: (ضربنا ... صفحاً) أي كففنا وأعرضنا عن ذكره، قال تعالى: ﴿أَفَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]. (٣) قوله: (إخمال) أي إسقاطه ومحوه. (٤) قوله: (أجدى على الأنام) أي أنفع للناس، وهو منصوب، مفعول ثان لقوله: ((رأينا)). (٥) قوله: (رويته) بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء، أي فكره ونظره. (٦) حاصل هذا القول: أن الرجلين إذا كانا في زمن واحد، وروى أحدهما عن الآخر بالعنعنة، فإن ثبت لقاؤهما واجتماعهما، ولو مرة واحدة، تحمل هذه العنعنة على الاتصال، وتقبل هذه الرواية، وإن لم يثبت لقاؤهما واجتماعهما - حتى ولا مرة واحدة - فإن مجرد كونهما في زمن واحد، ومجرد إمكان اللقاء بينهما لا يكفي لحمل هذه العنعنة على الاتصال، فيتوقف فيها . ٥١ مقدمة الكتاب للإمام مسلم وَهُذَا الْقَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - فِي الطَّعْنِ فِي الْأَسَانِدِ، قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، أَنَّ كُلَّ رَجُلِ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ، لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا وَلَا تَشَافَهَا بِكَلَامٍ، فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةٌ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةٌ بَيْنَةُ: أَنَّ هُذَا الرَّاوِيَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا - وَالْأَمْرُ مُبْهَمٌ - عَلَى الْإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا، فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا، حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ الَّتِي بَيًَّا(١). فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هذَا الْقَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ، أَوْ لِلِذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةٍ قَوْلِكَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثّقَةِ، عَنِ الْوَاحِدِ الثَّقَةِ حُجَّةٌ يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ، ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ، فَقُلْتَ: حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَّقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، وَ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، فَهَلْ تَجِدُ هُذَا الشَّرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ؟ وَإِلَّا فَهَلُمَّ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتَ. فَإِنِ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِذْخَالِ الشَّرِيطَةِ فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ، طُولِبَ بِهِ، وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ سَبِيلًا، وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُ بِهِ، قِيلَ [لَهُ]: وَمَا ذَلِكَ الدَّلِيلُ؟ فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ؛ لِأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنِ الْآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمَّا يُعَايِنْهُ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا عَلَى الْإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ - احْتَجْتُ، لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ، إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ، فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ (٢) عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ لِأَدْنَى شَيْءٍ، ثَبَتَ [عَنْهُ] عِنَّدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ، فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي (٣) مَعرِفَةُ ذَلِكَ، أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ(٤) وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ لِمْكَانِ الْإِرْسَالِ فِيهِ(٥). (١) قال النووي: وهذا الذي صار إليه مسلم - أي وذكره بالقول الشائع المتفق عليه - قد أنكره المحققون وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن علي بن المديني والبخاري وغيرهما . (٢) (هجمت) أي وقفت واطلعت. (٣) (عزب عني) أي بَعُد وغاب عني، يقال: عزب الشيء يعزُب ويَعزِب بضم الزاي وكسرها، والضم أكثر: بَعُد وغاب. (٤) (أوقفت الخبر) أي توقفت فيه فلا أقبله ولا أرده. (٥) قال النووي: ودليل هذا المذهب المختار الذي ذهب إليه ابن المديني والبخاري وموافقوهما أن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال، لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع، ثم = ٥٢ مقدمة الكتاب للإمام مسلم فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ وَتَرْكِكَ الْإِحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الْإِرْسالِ فِيهِ، لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ إِسْنَادًا مُعَنْعَنًا حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلْيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ، فَبِيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ ◌َ. وَقَدْ يَجُوزُ، إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ - فِي رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ -: ((سَمِعْتُ)) أَوْ ((أَخْبَرَنِي)، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ، أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِهِ، لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا، وَلَا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ. وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِهِ، فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِي أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعٍ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثِيرًا، فَجَائِرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانًا، وَلَا يُسَمِّي مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطُ أَحْيَانًا فَيُسَمِّ [الرَّجُلَ] الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ وَيَتْرُكَ الْإِرْسَالَ. وَمَا قُلْنَا مِنْ هُذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، مُستَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّئِينَ، وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَدًا يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالی. = الاستقراء يدل عليه، فإن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما سمعوه إلا المدلس، ولهذا رددنا رواية المدلس، فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبة الظن فاكتفينا به، وليس هذا المعنى موجوداً فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت، فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال، ويصير كالمجهول، فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله، والله أعلم. انتھی . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في الباعث الحثيث - شرح اختصار علوم الحديث - ص ٥٢: وهذا (أي حمل الإسناد المعنعن على السماع إذا تعاصروا مع البراءة عن وصمة التدليس) هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي، حتى قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح، وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحبة، وقال أبو عمرو الداني: إن كان معروفًا بالرواية عنه قبلت العنعنة، وقال القابسي: إن أدركه إدراكا بينا، انتهى. قلت: قد تبين بهذا أن البخاري لم يشترط اللقي في أصل الصحة، بل هذا تشديد منه على نفسه في كتابه الصحيح فقط، وأن مسلما لم يرد - بما تقدم ــ الرد على البخاري، بل أراد الرد على علي بن المديني شيخ البخاري، لأنه اشترط ذلك في أصل الصحة، والله أعلم. ٥٣ مقدمة الكتاب للإمام مسلم فَمِنْ ذَلِكَ، أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ وَابْنَ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعًا وَابْنَ نُمَيْرٍ وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [- رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ]: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ وَِّ لِحِلِّهِ(١) وَلِحُرْمِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ. فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َهُ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ [قَالَتْ]: كَانَ النَّبِيُّ وَهَ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ . فَرَوَاهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ مَّد . وَرَوَى الزُّهْرِيُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ. فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي هذَا الْخَبَرِ فِي الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ]؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َله كَانَ يُقَبِّلُها وَهُوَ صَائِمٌ. وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابٍ قَالَ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ وَ لُحُومَ الخَيْلِ(٢) وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. فَرَواهُ حمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِّ وَهَ. وَهْذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ. يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ. فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّهُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِيْنِهِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا، إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَهُ تَرْكُ الْإِحْتِجَاجِ فِي فِيَادٍ (٣) قَوْلِهِ بِرِوَايَةٍ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الْأَخْبَارَ، إنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا، وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةٍ مَا سَمِعُوا، (١) قوله: (لحله) أي عندما حل من إحرامه (ولحرمه) بضم الحاء وكسرها أي حينما قصد الإحرام. (٢) قوله: (أطعمنا ... لحوم الخيل) أي أحل لنا أكلها، وأذن لنا فيه، فذبحناها، وأكلنا لحمها . (٣) قوله: (قياد قوله) بكسر القاف وتخفيف الياء، أي حسب ما يقود إليه قوله، يعني حسب مقتضى قوله. ٥٤ مقدمة الكتاب للإمام مسلم فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ فِيهِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ (١). وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الْأَخْبَارَ وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الْأَسَانِيدِ وُقْمَهَا مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْنِيَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَحْتَى بْنِ سِعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الْأَسانِيدِ، كَمَا اذَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ. وِإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ - إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ. وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، كَيْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ. فَمَا ابْتُغِيَ (٢) ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ، عَلَى الْوَجْهِ الّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ، مِنَ الْأَئِمَّةِ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ - وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ نَ - قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةً وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ (٣) مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِّ وَّهِ. وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلَا حَفِظْنَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيْفَةً وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِها . وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى، وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا، أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ - اللَّذَيْنِ، رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ - بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا، عِنْدَ مَنْ لَاقَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ وَقَوِيُّهَا، يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا، وَالْإِحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَّنٍ وَآثَّارٍ . وَهِيَ فِي زُّعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ - مِنْ قَبْلُ - وَاهِيَةٌ(٤) مُهْمَلَةٌ - حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِي (١) حاصل كلام الإمام مسلم - رحمه الله - أن الذين لم يقبلوا عنعنة الراوي عن معاصره إذا لم يثبت اللقاء والاجتماع بينهما، إنما لم يقبلوها لاحتمال أن يكون بينهما واسطة قد أسقطها الراوي، وهذا الاحتمال - احتمال إسقاط الواسطة - موجود في صورة ثبوت اللقاء والاجتماع أيضاً، فيلزمهم أن لا يقبلوا العنعنة مطلقًا حتى من الذين ثبت لهم اللقاء والأخذ عمن يروونهم. وجواب هذا الكلام هو ما تقدم في كلام النووي أن الأمر مبني على غلبة الظن، فإذا ثبت اللقاء بين رجلين يروي أحدهما عن الآخر بالعنعنة يغلب على الظن أنه أخذه منه مباشرة، وعليه يدل الاستقراء، أما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت، فإنه لا توجد غلبة الظن، فيتوقف فيه ولا يكون مثل الأول، والله أعلم. (٢) في أكثر الأصول: (فما ابتغي) بالبناء للمفعول، وفي بعضها بالبناء للفاعل، وفي بعض الأصول المحققة ((فمن ابتغى)) وهذا الأخير أوضح. (٣) قوله: (وعن كل واحد) كذا هو في الأصول ((وعن)) بالواو، والوجه حذفها، فإنها تغير المعنى، قاله النووي. (٤) (واهيه) أي شديدة الضعف، متناهية فيه، وهذا إلزام للقائل بما لم يقل به، فإنه لم يقل إلا بالتوقف، وأيضا = ٥٥ مقدمة الكتاب للإمام مسلم عَمَّنْ رَوَى. وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ بَهِنُ بِزُّعْمَ هُذَا الْقَائِلِ وَنُحْصِيهَا، لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا، وَلَكِنَّا أَحْبَيْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنَّهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا . وَهْذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَأَبُو رَافِعِ الصَّائِغُ، وَهُمَا مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرًّا. وَنَقَلَا عَنْهُمُ الْأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلَا إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا، قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ حَدِيثًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيَّا أَوْ سَمِعًا مِنْهُ شَيْئًا . وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِّ نَّهِ رَجُلًّا، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِّ وََّ، خَبَرَيْنِ. وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَّيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِّ وََّ عَنِ النَِّّ وََّ حَدِيثًا، وَعُبَيْدُ [بْنُ عُمَيْرِ] وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ - وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِّ لَّهِ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - هُوَ الْأَنْصَارِيُّ -، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ . وَأَسْنَد عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى - وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِّ وَ حَدِيثًا . وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ عَنْ عِمرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ حَدِيثَيْنِ. وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِّ وَِّ حَدِيثًا. وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٍّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْهُ. وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ عَنِ النَّبِّ وََّ حَدِيثًا . وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، عَنِ النَّبِّ وَلَ. وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْنِيُّ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِّ وَّهَ حَدِيثًا . وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِّ ◌َ حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَحَادِيثَ. فَكُلُّ هَؤُلَاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا وَلَا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ. = البحث في غير الصحابة، فالصحابة كلهم عدول ومراسيلهم مقبولة، فكيف إذا روى بعضهم عن بعض وقد كانوا في مدينة واحدة، وكانوا يصلون في مسجد واحد دهرًا من الزمان. ١ - كتاب الإيمان/ ب ١ ٥٦ ١ - كتاب الإيمان/ ح ١ وَهِي أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ، لَا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئًا قَطُ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِم مِنْ بَعْضٍ؛ إِذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ. وَكَانَ هُذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ، فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلِ الَّتِي وَصَفَ - أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ وَيُثَارَ ذِكْرُهُ إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا وَكَلَامًا خَلْفًا (١) لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّ شَرَحْنَا، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَا. وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْع مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَالْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ - رَضِيَ الله تعالى عنه -: بِعَوْنِ الله نَبْتَدِى، وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِي، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّ بِالله جَلَّ جَلَالُهُ، قَالَ: [١ - كتاب الإيمان] ١ - كتاب الإيمان [١ - بَابُ أمور الإِيمان، وسؤال جبريل النبي ◌َّر عن الإيمان والإِحسان وعلم الساعة] [٩٣] ١ - (٨) حَدَّثَنِي أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ؛ ح: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ، وَهْذَا حَدِيثُهُ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بِالْقَدْ رِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِيْنَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَسَ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هُؤُلَاءِ فِي الْقَدْرِ، فَؤُفِّقَ (١) قوله: (خلفاً) بإسكان اللام أي فاسدًا ساقطًا. (*) (كتاب الإيمان) الإيمان عند السلف - مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من فقهاء المحدثين - هو اعتقاد بالقلب - أي تصديق النبي ◌ّ﴾ فيما علم مجيئه به بالضرورة - ونطق باللسان وعمل بالأركان، وبه قالت المعتزلة والخوارج، إلا أن السلف قالوا بفسق مرتكبي الكبيرة، والمعتزلة والخوارج أخرجوه من دائرة الإيمان وقالوا بخلوده في النار، وقد أدخلته الخوارج في الكفر، وأثبتت له المعتزلة منزلة بين الإيمان والكفر، وقالت الحنفية إن الإيمان هو مجرد التصديق، أما الإقرار فمنهم من جعله شرطًا لإجراء الأحكام، ومنهم من جعله ركنا زائدًا، وأما الأعمال فقد أخروها وأخرجوها عن مسمى الإيمان، ولذلك سموا بالمرجئة. ١- قوله: (أول من قال في القدر) أى تكلم بنفيه وإنكاره، والقدر بفتح الدال وتسكن، هو علم الله تعالى الأشياء قبل كونها، وتقديره وكتابته لها قبل خلقها، و(معبد الجهني) هو معبد بن خالد الجهني نزل محلة جهينة بالبصرة فنسب إليهم، كان يجالس الحسن ثم تكلم في القدر، فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، قتله الحجاج صبرا وقوله: (وفق لنا) مبني للمفعول من التوفيق، أي جاء توفيق الله لنا بلقاء عبدالله بن عمر = ١ - كتاب الإيمان/ ب ١ ٥٧ ١ - كتاب الإيمان/ ح ١ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ! إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ -، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وأنَّ الْأَمْرَ أُنْفٌ قَالَ: إذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ! لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ الله مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدْرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَلِ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثَّابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِّ وَّهِ. فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ؟. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَّةَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) قَالَ: صَدَقْتَ - قَالَ -: فَعَجِبْنَا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟. قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدْرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ؟. قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟. قَالَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)) قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)). قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهُ = وقدر دخوله المسجد مع دخولنا فيه. وقوله: (فاكتنفته أنا وصاحبي) أي أحطنا به من جانبيه وصرنا في ناحيتيه. وقوله: (يتقفرون العلم) بتقديم القاف على الفاء، أي يتبعونه ويبحثون عنه. قوله: (وأن الأمر أنف) بضم الهمزة والنون أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، وهذا قول غلاة القدرية وليس قول جميعهم. وقوله: (ووضع كفيه على فخذيه) أي على فخذي النبي وَلهو، وذلك إظهارًا لجفوة البدو والأعراب، وزيادة في التعمية والإخفاء. قوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) لأن السؤال علامة الجهل، والتصديق علامة العلم، فإن كان جاهلاً لا يصدق وإن كان عالما لا يسأل، فكان سؤاله ثم تصديقه مثار التعجب. قوله: (فأخبرني عن أماراتها) وفي نسخة (أمارتها) بفتح الهمزة أي علامتها، وجاء ((أماراتها)) بصيغة الجمع أيضاً. قوله: (أن تلد الأمة ربتها) إشارة إلى انقلاب الأحوال بحيث تصير البنات بمنزلة المالكة، يفرضن أوامرهن ونواهيهن ورغباتهن على أمهاتهن كيفما يشأن، وتصير الأمهات بمنزلة المملوكة، يلتزمن بما تأمر وتنهى بناتهن. وقد عم هذا الداء العضال في هذا الزمان. وأما قوله: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) فالحفاة جمع حافٍ وهو من يمشى بلا خف ولا نعل، والعراة جمع عار وهو من لا يكون على جسده ثوب، والعالة جمع عائل وهو الفقير، والرعآء بكسر الراء وبالمد جمع راع، وهو من يرعى المواشي، والشاء جمع شاة وهي المعز، ويتطاولون أي يتباهون ويتفاخرون، وفيه إشارة إلى كثرة المال وانقلاب أحوال الدنيا بحيث إن القوم الذين كانوا يعيشون حفاة عراة لشدة فقرهم وحاجتهم، ولم يكن لهم عمل إلا رعي الشاء تكثر أموالهم حتى أنهم يتباهون في = ١ - كتاب الإيمان/ ب ١ ٥٨ ١ - كتاب الإيمان/ ح ٢-٥ جِبْرَءِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)) . [٩٤] ٢- ( ... ) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الغُبَرِيُّ وَأَبُو كَامِلِ الفُضَيْلُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُر قَالَ: لَمَّا تَكَلَّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَأْنِ الْقَدْرِ، أَنْكَرْنَا ذَلِكَ - قَالَ -: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عِبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِمْيَرِيُّ حِجَّةً، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِهِ بَعْضُ زِيَادةٍ وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ. [٩٥] ٣- ( ... ) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِياثٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدْرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ - عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِّ وَ ◌َّ، وَفِهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا . [٩٦] ٤- ( ... ) وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَن عُمَرَ عَنِ النَّبِّ لَ﴿ بِنَحْوِ حَدِيثهمْ. [٩٧] ٥- (٩) حَذََّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ - قَال زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ أَبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ = العمائر الشامخة، وقد ظهر هذا في العالم عامة وفي جزيرة العرب خاصة، فقد ظهرت العمائر الشامخة حتى في البوادي وأماكن الخيام، وظهرت عليهم كل أمارات الترف ورغد العيش. وقوله: (مليا) أي وقتاً طويلاً. وفي الحديث بيان لمتعلقات الإيمان، وهي ستة أمور: أولها، الإيمان بالله، وهو يعني توحيده في ذاته وصفاته وأفعاله وحقوقه. وحقوقه هي عبادته وطاعته فيما أمر ونهى، ولا تعرف الأمور المذكورة إلا ببيان من الله، والله لا يبينها إلا بواسطة رسله، والرسل لا يتلقون ذلك عمومًا إلا بالملائكة، والملائكة لا يأتون بها إلا بوحي من الله، والوحي كتب أو لم يكتب لكنه يصلح ويستحق لأن يكتب، فهو كتاب، وقد ظهر بهذا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، ثم من أظهر أفعاله سبحانه وتعالى أنه خلق هذا الكون بعلمه وقدرته وقضائه وتقديره، ويدبره كذلك، وهو يستلزم الإيمان بأن كل ما يجري في هذا الكون من الخير والشر فهو من قدر الله سبحانه وتعالى وقضائه، وليس أنفا وصدفة ولا عشوائيا، وإلا لكان دليلاً على جهله وعجزه سبحانه وتعالى معاً، فهذا يوجب الإيمان بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى، وكل إنسان يهمه ما يؤول إليه أمره، ويريد العدل والخير لنفسه، والله تعالى قائم بالقسط والعدل، ونرى كثيراً من المجرمين والظالمين لا يلقون جزاء بغيهم وشرهم في الدنيا - ولا يمكن ذلك في كثير من الأحوال - وكثير من المظلومين والمعتدى عليهم لا يجدون مظلمتهم في الدنيا، وكذلك كثير من أصحاب الخير والصلاح لا يوفون أجرهم فيها، وليس من العدل قطعاً أن يستوي الفريقان، لا يلقى أولئك جزاء شرهم، ولا هؤلاء جزاء خيرهم، فلابد من يوم تجزى فيه كل نفس بما تسعى، وهو يوم القيامة، وهذا يوجب الإيمان باليوم الآخر، ويتضح بهذا التفصيل أن الأمور الستة من متعلقات الإيمان مرتبطة فيما بينها ارتباطاً لو وقع الإخلال بالإيمان بواحد منها يكون الإخلال بالجميع، ومن هنا يمكن أن نعرف مغزى الشدة التي اختارها عبدالله بن عمر رضي الله عنهما حول أصحاب القدر. ٥- قوله: (قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) إسماعيل بن إبراهيم هذا، هو ابن علية، وعلية اسم أمه، = ١ - كتاب الإيمان/ ب ١ ٥٩ ١ - كتاب الإيمان/ ح ٦ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ)) قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله) ثُمَّ ثَلاَ وَهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكَسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. قَالَ ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ)) فَأَخَذُوا لِيَرُدُوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ)). [٩٨] ٦- ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمْيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّنَ التَّيْمِيُّ بِهِذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ بَعْلَهَا)) يَعْنِي السَّرَارِيَّ. = والمقصود بإعادة هذا ذكر لفظ زهير. وقوله: (بارزًا للناس) أي ظاهرًا لهم بأن كان جالساً فيما بينهم وقوله: (أشراطها) جمع شرط - بفتح الشين والراء - أي علاماتها ومقدماتها التي يعرف بها قرب وقوعها. وقوله: (رعاء البهم) - بفتح الباء وإسكان الهاء - واحدها بهمة وهي في الأصل الصغار من أولاد الغنم: الضأن والمعز جميعاً، وقيل: أولاد الضأن خاصة، وقيل: أولاد المعز خاصة، والمراد هنا مطلق الغنم دون النظر إلى سنها. وقوله: (في خمس) أي إن القيامة في خمس من أمور الغيب لا يعلمهن إلا الله، وقد فسر هذه الأمور بتلاوة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وليس المقصود أن هذه الأمور الخمسة هي التي يختص علمها بالله، وأن بقية أمور الغيب يعلمها الناس أو خواصهم، بل المقصود أن هذه الأمور الخمسة مع شدة احتياج الناس إليها، و صلتهم الأكيدة بها وقرب ظهورها لهم، لا يعلمونها، فكيف بالغيوبات التي ليست كذلك، إنها أولى بأن لا يعلمها الإنسان. ٦- قوله: (بعلها) البعل: السيد والمالك والزوج. وقوله: (السرارى) جمع سرية - بضم السين وتشديد الراء والياء - وهي الأمة التي يطأها سيدها بملك اليمين، والتفسير الوارد في هذا الحديث غير واضح، قال النووي: قال الأكثر من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال، وقيل: إن الإماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي، وقيل: معناه أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدري، ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الأولاد، فإنه متصور في غيرهن، فإن الأمة تلد ولدًا حرًا من غير سيدها بشبهة، أو ولدًا رقيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعاً صحيحاً، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد. ا هـ= ١ - كتاب الإيمان/ ب ٢ ٦٠ ١ - كتاب الإيمان/ ح ٨،٧ [٩٩] ٧- (١٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ - عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((سَلُونِ)) فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((لَا تُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ)). قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدْرِ كُلِّهِ)) قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَخْشَى اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَّى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمَسْؤُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُحَدِّتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الْأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّكُ الْغَيْثَ وَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكْسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُونٌ﴾ إلى آخر السورة. [لقمان: ٣٤]. [قَالَ]: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((رُدُّوهُ عَلَيَّ)) فَالْتُمِسَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((هُذَا جِبْرِيلُ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا، إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا)). [٢ - بَابُ أركان الإسلام] [١٠٠] ٨- (١١) حَدّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَالِكِ ابْنِ أَنَسِ - فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَةُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)) فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطََّّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ)) فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)) وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَه = قلت: ولا يستبعد أن يكون المراد شدة عقوق الأولاد للأمهات وإرغامهم لهن على ما يريدون كما ترغم الإماء، أو يكون المراد فشو الزنا حتى بين الأمهات والأولاد، وقد وجد الأمران في هذا الزمان، والله المستعان. ٧- قوله: (الصم البكم) - بضم الأول جمع أصم وأبكم، والأصم من يفقد حاسة السماع فلا يسمع صوتاً، والأبكم من يفقد قوة التكلم فلا يقدر أن يتكلم، والمراد بهم هنا الجهلة السفلة الرعاع كأنهم لم يكونوا ممن يسمع أو ينطق. وقوله: (أراد أن تعلموا) يجوز في ((تعلموا)) فتح العين وتشديد اللام من التعلم، أي تتعلموا فحذفت إحدى التائين، ويجوز إسكان العين مع تخفيف اللام من العلم. ٨- قوله: (ثائر الرأس) يجوز فيه الرفع على أنه صفة لـ ((رجل)) والنصب على أنه حال، أي منتفش شعر الرأس. وقوله: (دوي صوته) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، وهو حفيف الصوت وما اختلط منه . =