النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
التعريف بالإمام مسلم
لئلا يكون كاذبًا على شيخه، فإن أراد تعريفه وإيضاحه، وزوال اللبس المتطرق إليه،
المشابهة غيره، فطريقه أن يقول: قال حدثني فلان يعني ابن فلان أو الفلاني، أو هو ابن
فلان أو الفلاني، ونحو ذلك، فهذا جائز حسن، قد استعمله الأئمة، وقد أكثر البخاري
ومسلم منه في الصحيحين غاية الإكثار، حتى إن كثيرًا من أسانيدهما يقع في الإسناد الواحد
منها موضعان أو أكثر من هذا الضرب، كقوله في أول كتاب البخاري، في باب من سلم
المسلمون من لسانه ويده: قال أبو معاوية: حدثنا داود، هو ابن أبي هند، عن عامر قال
سمعت عبدالله، هو ابن عمرو. وكقوله في كتاب مسلم، في باب منع النساء من الخروج
إلى المساجد: حدثنا عبدالله بن مسلمة: حدثنا سليمان، يعني ابن بلال، عن يحيى، وهو
ابن سعيد ونظائره كثيرة.
وإنما يقصدون بهذا الإيضاح، كما ذكرنا أولا، فإنه لو قال: حدثنا داود أو عبدالله لم
يعرف من هو، لكثرة المشاركين في هذا الاسم، ولا يعرف ذلك في بعض المواطن إلا
الخواص والعارفون بهذه الصنعة، وبمراتب الرجال، فأوضحوه لغيرهم، وخففوا عنهم
مؤونة النظر والتفتيش.
وهذا الفصل نفيس يعظم الانتفاع به، فإن من لا يعاني هذا الفن قد يتوهم أن قوله
(يعني)) وقوله ((هو)) زيادة لا حاجة إليها، وأن الأولى حذفها، وهذا جهل قبيح والله أعلم.
فصل: في ضبط جملة من الأسماء المتكررة في صحيحي البخاري ومسلم المشتبهة،
فمن ذلك ((أُبَيّ)) كله بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء إلا ((آبي اللحم)) فإنه بهمزة ممدودة
مفتوحة، ثم باء مكسورة، ثم ياء مخففة، لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: لا يأكل ما ذبح
على الأصنام.
ومنه ((البراء)) كله مخفف الراء إلا أبا معشر البرّاء، وأبا العالية البرّاء، فبالتشديد وكله
ممدود .
ومنه (يزيد)) كله بالمثناة من تحت والزاي إلا ثلاثة، أحدهم بريد بن عبدالله بن أبي بردة،
بضم الموحدة وبالراء والثاني محمد بن عرعرة بن البرند بالموحدة والراء المكسورتين،
وقيل: بفتحهما، ثم نون، والثالث علي بن هاشم بن البريد، بفتح الموحدة وكسر الراء ثم
مثناة من تحت .
ومنه ((يسار)) كله بالمثناة والسين المهملة، إلا محمد بن بشار شيخهما، فإنه بالموحدة ثم
المعجمة. وفيهما سيار بن سلامة وابن أبي سيار بتقديم السين.

٢٢
التعريف بالإمام مسلم
ومنه ((بشركله بكسر الموحدة، وبالشين المعجمة، إلا أربعة، فبالضم والمهملة، عبدالله
ابن بسر الصحابي، وبسر بن سعيد، وبسر بن عبيدالله، وبسر بن محجن، وقيل: هذا
بالمعجمة .
ومنه (بشير)) كله بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة، إلا اثنين، فبالضم وفتح الشين،
وهما بشير بن كعب، وبشير بن يسار، وإلا ثالثًا، فبضم المثناة وفتح السين المهملة، وهو
يسير بن عمرو، ويقال: أسير، ورابعًا بضم النون وفتح المهملة، وهو قطن بن نسير.
ومنه ((حارثة)) كله بالحاء والمثلثة، إلا جارية بن قدامة. ويزيد بن جارية. فبالجيم
والمثناة .
ومنه ((جرير)) كله بالجيم والراء المكررة، إلا حريز بن عثمان، وأبا حريز عبدالله بن
الحسين الراوي عن عكرمة، فبالحاء والزاي آخرًا، ويقاربه حدير، بالحاء والدال، والد
عمران بن حدیر، ووالد زيد وزياد.
ومنه ((حازم)) كله بالحاء المهملة، إلا أبا معاوية محمد بن خازم فبالمعجمة.
ومنه ((حبيب)) كله بالحاء المهملة، إلا خبيب بن عدي، وخبيب بن عبدالرحمن، وخبيبًا
غير منسوب، عن حفص بن عاصم، وخبيبا كنية ابن الزبير، فبضم المعجمة.
ومنه ((حيان)) كله بفتح الحاء وبالمثناة، إلا خباب بن منقذ والد واسع بن خباب، وجد
محمد بن يحيى بن خباب، وجد خباب بن واسع بن خباب. وإلا خباب بن هلال، منسوبًا
وغير منسوب، عن شعبة ووهيب وهمام وغيرهم، فبالموحدة وفتح الخاء وإلا حبان بن
العرقة، وحبان بن عطية، وحبان بن موسى، منسوبًا وغير منسوب، عن عبدالله - هو ابن
المبارك - فبالموحدة وكسر الحاء.
ومنه ((خراش)) كله بالخاء المعجمة، إلا والد ربعي، فبالمهملة.
ومنه ((حزام)) في قريش بالزاي، وفي الأنصار بالراء.
ومنه ((حصين)) كله بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، إلا أبا حصين عثمان بن عاصم،
فبالفتح، وإلا أبا ساسان حضين بن المنذر، فبالضم، والضاد معجمة فيه.
ومنه ((حكيم)) كله بفتح الحاء وكسر الكاف، إلا حكيم بن عبدالله، وزريق بن حكيم،
فبالضم وفتح الكاف.
ومنه ((رباح)) كله بالموحدة، إلا زياد بن رياح عن أبي هريرة في أشراط الساعة، فبالمثناة
عند الأكثرين، وقاله البخاري بالوجهين: المثناة والموحدة.

٢٣
التعريف بالإمام مسلم
ومنه. ((زبيد)) بضم الزاي وفتح الموحدة، ثم مثناة، هو زبيد بن الحارث، ليس فيهما
غيره، وأما زييد، بضم الزاي وكسرها وبمثناة مكررة، فهو ابن الصلت في الموطأ، وليس
له ذکر فیهما .
ومنه ((الزبير)) كله بضم الزاي، إلا عبدالرحمن بن الزبير الذي تزوج امرأة رفاعة،
فبالفتح .
ومنه ((زياد)» كله بالياء، إلا أبا الزناد، فبالنون.
ومنه ((سالم)) كله بالألف، ويقاربه سلم بن زرير، بفتح الزاي، وسلم بن قتيبة، وسلم بن
أبي الذيال، وسلم بن عبدالرحمن، فبحذفها .
ومنه ((سريج)) بالمهملة والجيم، ابن يونس، وابن النعمان، وأحمد بن أبي سريج، ومن
عداهم فبالمعجمة والحاء.
ومنه ((سلمة)) كله بفتح اللام، إلا عمرو بن سلمة إمام قومه، وبني سلمة القبيلة من
الأنصار، فبكسرها، وفي عبدالخالق بن سلمة الوجهان.
ومنه ((سليمان)) كله بالياء إلا سلمان الفارسي، وابن عامر، والأغر، وعبدالرحمن بن
سلمان، فبحذفها .
ومنه ((سلّام)) كله بالتشديد، إلا عبدالله بن سلام الصحابي، ومحمد بن سلام شيخ
البخاري، وشدد جماعة شيخ البخاري، ونقله صاحب المطالع عن الأكثرين والمختار الذي
قاله المحققون التخفيف.
ومنه ((سليم)) كله بضم السين، إلا سليم بن حيان، فبفتحها .
ومنه ((شيبان)) كله بالشين المعجمة، وبعدها ياء ثم باء، ويقاربه سنان بن أبي سنان،
وسنان بن ربيعة، وسنان بن سلمة، وأحمد بن سنان، وأبو سنان ضرار، وأم سنان، وكلهم
بالمهملة بعدها نون.
ومنه ((عباد)) كله بالفتح وبالتشديد، إلا قيس بن عباد، فبالضم والتخفيف.
ومنه ((عبادة)) كله بالضم، إلا محمد بن عبادة شيخ البخاري، فبالفتح.
ومنه ((عبدة)) كله بإسكان الباء، إلا عامر بن عبدة، وبجالة بن عبدة، ففيهما الفتح
والإسكان، والفتح أشهر.
ومنه ((عبيد)) كله بضم العين.
ومنه ((عبيدة)) كله بالضم، إلا السلماني، وابن السفيان، وابن حميد، وعامر بن عبيدة،

٢٤
التعريف بالإمام مسلم
فبالفتح .
ومنه ((عقيل)) كله بفتح العين، إلا عقيل بن خالد، ويأتي كثيرًا عن الزهري غير منسوب،
وإلا يحيى بن عقيل، وبني عقيل، فبالضم.
ومنه ((عمارة)) كله بضم العين.
ومنه «واقد» کله بالقاف.
وأما الانساب فمنها الأيلي، كله بفتح الهمزة وإسكان المثناة، ولا يرد علينا شيبان بن
فروخ الأبلي، بضم الهمزة وبالموحدة، شيخ مسلم، فإنه لم يقع في صحيح مسلم منسوبًا .
ومنها ((البصري)) كله بالموحدة مفتوحة ومكسورة، نسبة إلى البصرة، إلا مالك بن أوس
ابن الحدثان النصري، وعبدالواحد النصري، وسالمًا مولى النصريين، فبالنون.
ومنها ((الثوري)) كله بالمثلثة إلا أبا يعلى محمد بن الصلت التوزي، فبالمثناة فوق،
وتشديد الواو المفتوحة، وبالزاي.
ومنها ((الجريري)) كله بضم الجيم وفتح الراء، إلا يحيى بن بشر شيخهما، فبالحاء
المفتوحة .
ومنها ((الحارثي)) بالمهملة والمثلثة، ويقاربه سعيد الجاري، بالجيم، وبعد الراء ياء
مشددة .
ومنها ((الحزامي)) كله بالزاي، وقوله في صحيح مسلم في حديث أبي اليسر: كان لي
على فلان الحزامي، قيل: بالزاي، وقيل: بالراء، وقيل: الجذامي، بالجيم والذال
المعجمة .
ومنها ((السلمي)) في الأنصار بفتح السين، وفي بني سليم بضمها.
ومنها ((الهمداني)) كله بإسكان الميم، وبالدال المهملة.
فهذه ألفاظ نافعة في المؤتلف والمختلف. وأما المفردات فلا تنحصر. انتهى كلام
النووي - رحمه الله -.
وصلى الله على خير خلقه وأفضل أنبيائه محمد وعلى آله وصحبه وبارك وسلم.

٢٥
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
مُقَدِّمَةُ الكِتَابِ
لِلِإِمَامِ مُسْلِمٍ - رَحِمُهُ الله -
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيمَةِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين]، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَِّّينَ، وَعَلَى
جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، أَمَّا بَعْدُ.
[١ - سبب التأليف ]
فَإِنَّكَ (١) - يَرْحَمُكَ اللهُ - بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ (٢) عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةٍ
الْأَخْبَارِ الْمَأْتُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ
وَالْعِقَابِ، والتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الْأَشْيَاءِ بِالْأَسَانِيدِ الّتِي بِهَا نُقِلَتْ،
وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَرَدْتَ - أَرْشَدَكَ اللهُ - أَنْ تُوَقَّفَ(٣) عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً(٤)
مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فِي التَّلِيفِ بِلَا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ - زَعَمْتَ - مِمَّا
يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنَ النَّفَهُم فِيهَا، وَالإِسْتِنْبَاطِ مِنْهَا، وَلِلَّذِى سَأَلْتَ(٥) - أَكْرَمَكَ اللهُ -
حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤُوَّلُ إِلَيْهِ الْحَالُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَاقِةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ
مَوْجُودَةٌ وَظَنَنْتُ - حِينَ سَأَلْتَنِي تَجَثُّمَ (٦) ذَلِكَ - أَنْ لَوْ عُزِمَ (٧) لِي عَلَيْهِ، وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ،
كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّيَ خَاصَّةٌ، قَبْلَ غَيْرِي مِنَ النَّاسِ؛ لِأَسْبَابِ كَثِيرةٍ يَطُولُ
بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ، إِلَّا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ: أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هُذَا الشَّانِ وَإِنْقَانَهُ، أَيْسَرُ عَلَى
الْمَرْءِ مِنْ مُعالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ، إلَّا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ (٨)
(١) الخطاب من الإمام مسلم لبعض من اقترح عليه تأليف هذا الكتاب من تلامذته أو أصحابه.
(٢) قوله: (الفحص) البحث والطلب بجد، (المأثورة). المنقولة.
(٣) قوله: (توقف) بالبناء للمفعول من التوقيف، ويجوز من الوقوف أيضاً أي تُطلع وتخبر.
(٤) قوله: (مؤلفة): مجموعة، (محصاة)، محصورة مجتمعة كلها .
(٥) قوله: (للذي سألت) خبر مقدم، مبتدأه ما يأتي من قوله: (عاقبة محمودة ومنفعة موجودة).
(٦) قوله: (تجشم ذلك) أي تكلفه والتزام مشقته.
(٧) قوله: (لو عزم لي عليه) بالبناء للمفعول، أي لو قدر لي ذلك وأريد مني. والذي يقدره ويريده هو الله سبحانه
وتعالى .
(٨) قوله: (يوقفه) من التوقيف أي يطلعه ويخبره.

٢٦
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
عَلَى التَّمْبِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي هُذا كَمَا وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ،
أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ فِي الإِسْتِكْثَارِ مِنْ هُذَا الشَّانِ،
وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ، لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ - مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ الثَّيَّقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ
وَعِلَلِهِ، فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ، يَهْجُمُ(١) بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِي الإِسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ
فَأَمَّا عَوَامُ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلَافِ مَعَانِي الْخَاصِّ مِنْ أَهْلِ التَّقُظِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَلَا مَعْنَى لَهُمْ
فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْكَثِيرِ، وَقَّدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ .
[٢ - شريطة الإمام مسلم، وقصده تخريج الأحاديث على ثلاثة أقسام]
ثُمَّ إِنَّا - إِنْ شَاءَ اللهُ - مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيج مَا سَأَلْتَ وَتَأْلِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ(٢) سَوْفَ
أَذْكُرُهَا لَكَ، وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَنَقْسِمُهَا عَلَى
ثَلَاثَةِ أَقْسَامِ، وَثَلَاثِ طَبَقاتٍ(٣) مِنَ النَّاسِ - عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ - إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ لَا يُسْتَغْنَى
فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ، فِيهِ زِيَادَهُ مَعْنَى، أَوْ إِسْنَاءٌ(٤) يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ،
لِأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ (٥) إِلَيْهِ، يَقُومُ مَقَّمَ حَدِيثٍ تَامٌّ، فَلا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ
الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ نُفَصِّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى
اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ (٦)، وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ (٧)، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْتَتِهِ، إِذَا ضَافَ
ذَلِكَ، أَسْلَمُ. فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدَّ مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ، عَنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلَا نَتَوَّلَّى فِعْلَهُ
إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّا نَتَوَتَّى (٨) أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا
وَأَنْقَى (٩) مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِثْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِي
رِوَايَتِهِمِ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، وَلَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ (١٠) فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ،
(١) قوله: (يهجم) بفتح الياء وكسر الجيم، أي يبلغ إليها وينال بغيته منها.
(٢) قوله: (شريطة) الشريطة والشرط لغتان بمعنى واحد، وجمع الشرط شروط، وجمع الشريطة شرائط.
(٣) المقصود بالطبقة هنا القوم المتشابهون في العلم والفضل ونقل الأحاديث وضبطها وإتقانها أو في نفي ذلك.
(٤) قوله: (إسناد) بالرفع عطف على موضع.
(٥) قوله: (المحتاج إليه) بالنصب، صفة للمعنى الزائد.
(٦) قوله: (إذا أمكن) وذلك بأن يكون مستقلا أو شبه مستقل لا يختل المعنى بفصله عن بقية الحديث.
(٧) وذلك حيث يكون ذلك المعنى مرتبطاً ببقية الحديث بحيث لو فصّل عنها لاختل المعنى.
(٨) قوله: (نتوخى) أي نتحرى ونقصد.
(٩) قوله: (أنقى) معطوف على أسلم، وتم الكلام هنا. ثم ابتدأ بيان كونها أسلم وأنقى، فقوله: (من أن يكون
ناقلوها) معناه: لأجل أن يكون ناقلوها. فكلمة ((من)) للتعليل.
(١٠) قوله: (عثر) بضم العين وكسر الثاء المثلثة بالبناء للمفعول، بمعنى اطلع.

٢٧
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ.
فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا (١) أَخْبَارَ هُذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ
مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفظِ وَالْإِثْقَانِ، كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِيمَا
وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ (٢) وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ. كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ،
وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمِ، وأَضْرَابِهِمْ (٣) مِنْ حُمَّالِ الْآثَارِ وَنُقَّالِ الْأَخْبَارِ .
فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا - بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ - مَعْرُوفِينَ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ
أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْإِثْقَانِ وَالْإِسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ
وَالْمَرْتَةِ؛ لِأَنَّ هُذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، عَطَاءً وَيَزِيدُ وَلَيْتٌ، بِمَنْصُورِ بْنِ
الْمُعْتَمِرِ وَسُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فِي إِثْقَانِ الْحَدِيثِ وَالْإِسْتِقَامَةِ فِيهِ،
وَجَدْتَهُمْ مُبَائِنِينَ لَهُمْ. لَا يُدَانُونَهُمْ لا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْم بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ - لِلَّذِي
اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِنْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ
يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيَزِيدَ وَلَيْثٍ.
وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلَاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الْأَقْرَانِ، كَابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ(٤)، مَعَ
عَوْفٍ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ(٥) وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، كَمَا أَنَّ ابْنَ
عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلَّا أَنَّ الْبَوْنَ(٦) _ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ وَصِحَّةِ
النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَالَ
مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلَاءِ فِي التَّسْمِيَةِ، لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً(٧) يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا(٨) مَنْ
(١) قوله: (تقصينا) بالقاف، أي أتينا بهذا الصنف من الأخبار كلها. يقال: اقتص الحديث وقصه إذا أتى به بكماله.
(٢) قوله: (الستر) بفتح السين والأكثر بكسرها: العفة والبعد عما يقدح في العدالة. وليس المقصود به هنا كون
الراوي مستوراً حسب مصطلح الحديث.
(٣) قوله: (أضرابهم) أي أشباههم وأمثالهم، جمع ضرب.
(٤) قوله: (السختياني) بفتح فسكون فكسر، نسبة إلى سختيان وهي الجلود، وكان أيوب يبيع الجلود بالبصرة، وهو
ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد.
(٥) قوله: (الحمراني) منسوب إلى حمران - بضم فسكون - مولى عُثمان بن عفان، وهو أشعث بن عبدالملك يكنى
أبا هانىء، ثقة فقيه.
(٦) قوله: (البون) بفتح الباء، الفرق والمسافة، أي هما متباعدان كثيراً.
(٧) قوله: (سمة) بكسر السين وتخفيف الميم، هي العلامة.
(٨) قوله: (يصدر عن فهمها) أي ينصرف عنها بعد فهمها وقضاء حاجته منها .

٢٨
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
غَبِيَ (١) عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلاَ يُقَصِّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِي الْقَدْرِ عَنْ
دَرَجَتِهِ، وَلَا يَرْفَعُ مُنَّضِعَ الْقَدْرِ (٢) فِي الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ وَيُعْطِى كُلَّ ذِي حَقِّ فِيهِ حَقَّهُ، ويُنَزِّلُ
مَنْزِلَتَهُ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ
مَنَازِلَهُمْ. مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
[يوسف: ٧٦]
فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ، نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَِّ(٣).
[٣- اجتناب الإمام مسلم تخريج أحاديث المتهمين ونحوهم]
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْم هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا
نَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِم: كَعَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِي جَعْفَرِ الْمَدَائِيٌّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ
الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ، وَغِيَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي
دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، وَأَشْباهِهِمْ مِمَّنِ اتَّهِمَ بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ(٤) الْأَخْبَارِ .
وَكَذَلِكَ، مَنِ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَّرُ أَوِ الْغَلَطُ، أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ.
وَعَلَامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ، إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةٍ غَيْرِهِ مِنْ
أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا، خَالَفَتْ رِوَايْتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ(٥) تُوَافِقُهَا، فَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ
حَدِيثِهِ كَذَلِكَ، كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ، غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ .
فَمِنْ هُذَا الضَّرْبِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ: عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَالْجَرَّاحُ بْنُ
(١) قوله: (غبي) بفتح الغين وكسر الباء، فعل ماض، أي خفى واستتر.
(٢) قوله: (متضع القدر) أي منحط القدر ومنخفضه.
(٣) وقد وفى الإمام مسلم بذلك فأتى بكلا القسمين من الأخبار في صحيحه على القول الصحيح.
(٤) قوله: (توليد الأخبار) أي إنشائها واختلاقها، والجماعة المذكورون كلهم متروكون متهمون بوضع الأحاديث
معروفون بذلك، قال أحمد بن حنبل وغيره عن أبي جعفر المدائني: أحاديثه موضوعة، وأما عمرو بن خالد فهو
متروك، رماه وكيع بالكذب، وأما عبدالقدوس بن حبيب الشامي فأجمع أهل العلم على ترك حديثه، وقال
عبدالرزاق: مارأيت ابن المبارك يفصح بقوله كذاب إلا لعبد القدوس، وأما محمد بن سعيد المصلوب فكان آفة
من الآفات، قال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث، وقال أحمد: قتله المنصور على الزندقة وصلبه،
وقد قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفوه، وأما غياث بن إبراهيم فقال البخاري: تركوه، وقال الجوزجاني: كان
فيما سمعت غير واحد يقول: يضع الحديث: وأما أبو داود سليمان بن عمرو النخعى فكان أكذب الناس،
أجمعوا على أنه كان يضع الحديث.
(٥) قوله: (لم تكد توافقها) أي لا توافقها إلا نادراً قليلاً، والأغلب هو المخالفة.

٢٩
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
الْمِنْهَالِ أَبُو الْعَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ(١)،
وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ وَلَا نَشَاغَلُ بِهِ.
لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالَّذِي يُعْرَفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ - فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنَ
الْحَدِيثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ التَّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضٍ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي
ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قُبِلَتْ
زِيَادَتُهُ(٢).
فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلَالَتِهِ وَكَثْرَةٍ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحِدِيثِهِ
وَحَدِيثٍ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ-
قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِنِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ - فَيَرْوِي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ
أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ، مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي
الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ، وَالهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ (٣) مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ الْقَوْمِ، وَوُقِّقَ
لَهُ. وَسَنَزِيدُ - إِنْ شَاءَ اللهُ [تَعَالَى] - شَرْحًا وَإِيضَاحًا في مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ، عِنْدَ ذِكْرِ
الْأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِ يَلِيقُ بِهَا الشَّرْعُ وَالْإِيضَاحُ، إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَى.
[٤ - سبب اهتمام الإمام مسلم بتمييز الأحاديث الصحيحة وروايتها، وترك الأحاديث
الضعيفة والمنكرة، وبيان وجوب ذلك بالكتاب والسنة]
وَبَعْدُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - فَلَوْلَا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءٍ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا،
فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الْأَحادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمُ الاِقْتِصَارَ عَلَى
الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّ نَقَلَهُ الثَّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ
(١) هؤلاء متروكون معروفون بالضعف فعبدالله بن محرر اتفقوا على تركه، ويحيى بن أبي أنيسة ضعيف، والجراح
ابن المنهال قال عنه البخاري وغيره: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يكذب في الحديث. وعباد بن كثير، قال
عنه أحمد: روى أحاديث كذب، وابن ضميرة كذّبه مالك، وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذاب، وقال
أحمد: لا يساوي شيئاً، وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف. وقال أبو زرعة: ليس بشيء، اضرب على
حديثه. وعمر بن صُهبان متفق على تركه.
(٢) هذا الأصل الذي ذكره في قبول الزيادة أو ردها هو الصحيح الذي عليه جماهير أصحاب الحديث والفقه
والأصول.
(٣) قوله: (بعض ما يتوجه به) أي بعض ما يأخذ به وجها صحيحا ويهتدى به (من أراد سبيل القوم) أي قصد أن
يسلك مذهبهم، والقوم هم أهل الحديث.

٣٠
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
وَإِفْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الْأَغْنِيَاءِ (١) مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ
عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ [أَهْلِ] الْحَدِيثِ: مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ،
وَشُعْبَةَ بَّنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُبَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ،
وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةَ - لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا (٢) الاِنْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنَ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ.
وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الْأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ، بِالْأَسَانِيدِ الضِّعَافِ
الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابْتُكَ إِلَى مَا
سَأَلْتَ.
وَاعْلَمْ - وَقَّقَكَ اللهُ تَعَالَى - أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ - عَرَفَ التَّمِْيزَ بَيْنَ صَحِيحٍ
الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا، وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُنَّهَمِينَ - أَنْ لَا يَرْوِيَ مِنْهَا إِلَّ مَا عَرَفَ صِحَّةً
مَخَارِجِهِ وَالسَِّارَةَ(٣) فِي نَاقِيهِ، وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ
أَهْلِ الْبِدَعِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هُذَا هُوَ اللَّازِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ، قَوْلُ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالى
ذِكْرُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَءَكُمْ فَاسِقٌ بَِبَإٍ فَتَبَيَُّواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًّا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
فَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وَقَالَ [عَزَّ
وَجَلَّ]: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيِ - أَنَّ خَبَرَ
الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ.
وَالْخَبَرُ، وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ
مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْم. كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ
جَمِيعِهِمْ، وَدَلَّتِ السُّنَّهُ عَلَى نَفْي رِوَايَةِ المُنْكَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْىٍ خَبَرِ
الْفَاسِقِ، وَهُوَ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى (٤) أَنَّهُ كَذِبٌ
(١) قوله: (يقذفون به إلى الأغبياء) أي يلقونه إليهم، والأغبياء جمع غبي، وهو الغافل الجاهل الذي لا فطنة له،
والمراد بهم هنا عامة الناس الذين لا يستطيعون التمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث.
(٢) قوله: (لما سهل علينا) جواب لولا الذي جاء في قوله: (فلولا الذي رأينا من سوء صنيع ... إلخ) والانتصاب
فاعل سهل، ومعناه القيام.
(٣) قوله: (الستارة) بكسر السين: العفة والبعد عما يقدح في العدالة، وأصلها أن لا يعرف في الرجل عيب يقدح،
فإن كان موجودًا في نفس الأمر فكأنه وراء الستر.
(٤) قوله: (يرى) بضم الياء مبنيًّا للمفعول، بمعنى يظن - بالبناء للفاعل - كما هو متقرر في اللغة، وقرىء ((یری)) بفتح
الياء مبنياً للفاعل، بمعنى يعلم ويعتقد.

٣١
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ))(١).
[١] حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ؛ ح: وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ - أَيْضًا: حدَّثَنَا
وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ وَشَّفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ ذَلِكَ.
[٢] ١ - (١) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ: حَدَّثَنَا غُنْدُرٌ عَنْ شُعْبَةَ؛ ح: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ
حِرَاشٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يَخْطُبُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ
فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ (٢) النَّارَ)).
[٣] ٢- (٢) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِ ابْنَ عُلَيَّةَ(٣) - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
ابْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ [أَنَّهُ] قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا؛ أَنَّ رَسُولَ
اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَبَوَّأُ(٤) مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
[٤] ٣- (٣) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ (٥): حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ)).
[٥] ٤- (٤) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ الوَالِىُّ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ(٦) وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ - قَالَ - فَقَالَ الْمُغِيرَةُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا
فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
[٦] وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ
(١) قوله: (الكاذبين) الرواية، بصيغة التثنية، فالكاذب الأول: الذي اختلق ذلك الحديث ووضعه، والكاذب
الثاني: هذا الذي يرويه وهو يعلم أنه كذب موضوع، وقرىء ((الكاذبين)) بصيغة الجمع.
(٢) قوله: (يلج النار) أي يدخلها
(٣) إسماعيل ابن عليّة - بالتصغير - هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، ريحانة الفقهاء، وعليّة اسم
أمه، نسب إليها للتمییز بينه وہین آخر باسمه.
(٤) قوله: (فليتبوأ مقعده من النار) أي فليتخذ منزله من النار، وهو خبر بلفظ الأمر، معناه فقد استوجب ذلك،
فليوطن نفسه عليه.
(٥) قوله: (الغبري) بضم ففتح، منسوب إلى غبر، أبي قبيلة معروفة من بكر بن وائل.
(٦) قوله: (أتيت المسجد) أي مسجد الكوفة.

٣٢
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
الْأَسَدِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِّ نَّهِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ:
((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ)).
[٥ - بَابُ النهي عن الحديث بكل ما سمع، والاحتياط في الرواية، وأن لا يروي إلا من
الثقات لوقوع الكذب في الأحاديث]
[٧] ٥- (٥) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي؛ ح: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ
عَاصِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)).
[٨] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ وَهَ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
[٩] وحَدَّثني يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ
قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: بِحَسْبٍ (١) الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ
يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
[١٠] وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسُ يَسْلَمُ (٢) رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ
إِمَامًا أَبَدًا، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلُّ مَا سَمِعَ.
[١١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ،
عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
[١٢] وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيِّ يَقُولُ: لَا يَكُونُ
الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ.
[١٣] وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ:
سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ(٣) بِعِلْمِ الْقُرْآنِ فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً، وَفَسِّرْ
حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ - قَالَ -: فَفَعَلْتُ، فَقَالَ لِي: احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: إِيَّاكَ
وَالشَّنَاعَةَ(٤) فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ.
(١) قوله: (بحسب المرء من الكذب ... إلخ) أي إن ذلك يكفي في كون المرء كاذباً.
(٢) قوله: (ليس يسلم) أي من الخطأ والكذب، ولأجل ذلك لا يعتمد عليه، فلا يكون إمامًا أبدًا .
(٣) قوله: (كلفت بعلم القرآن) أي أولعت بعلم القرآن وأحببته جدًا، من كلِف بكسر اللام على وزن علم.
(٤) قوله: (الشناعة) القبح والفظاعة، يقال: شنع الشيء - بضم النون - قبح، وشنعت الشيء، وشنعت بالشيء - =

٣٣
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
[١٤] وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا
تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً.
[١٥] ٦ - (٦) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِىءٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ أَنَّهُ قَالَ: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا
لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ)).
[١٦] ٧- (٧) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ الُّجِبِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحِ، أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ
يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ،
يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا
يَفْتِنُونَكُمْ».
[١٧] وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ
عَامِرٍ بْن عَبْدَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ(١): إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِيَّ الْقَوْمَ
فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ،
وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ، يُحَدِّثُ.
[١٨] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اَلْعَاصِ قَالَ: إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ،
يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا (٢).
[١٩] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَنِيُّ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ - قَالَ
سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَاءَ هُذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ -
يَعَنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ ثُمَّ
حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي، أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ
= بكسر النون - أنكرته وذكرته بقبيح، يقول: احذر أن تحدث بالأحاديث المنكرة التي يقبح صاحبها، فيكذب
أو يستراب في رواياته، فتسقط منزلته ويذل في نفسه.
(١) هو حيث أطلق في الصحابة، فهو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو من السابقين إلى الإسلام المعروفين،
غني عن التعريف.
(٢) أي تقرأ شيئاً ليس بقرآن، وتقول إنه قرآن لتخدع به عامة الناس وتغرهم، فعليهم أن لا يغتروا.

٣٤
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
وَأَنْكَرْتَ هُذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هُذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَلَهَ إِذْ لَمْ [يَكُنْ] يُكْذَبُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ(١)، تَرَكْنَا
الْحَدِيثَ عَنْهُ.
[٢٠] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ
أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ، وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ،
فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، فَهَيْهَاتَ(٢).
[٢١] وحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْغَيْلَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ يَعْنِي الْعَقَدِيَّ:
حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَاءَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبِ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهُ. فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا
يَأْذَنُ (٣) لِحَدِيثِهِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا لِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي؟ أُحَدِّئُكَ
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَلَا تَسْمَعُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ - ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَةَ، وَالذَّلُولَ،
لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ.
[٢٢] وحَدَّثَنَا داوُدُ بْنُ عَمْرِو الضَّبِّيُّ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةً قَالَ: كَتَبْتُ
إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا وَيُخْفِي عَنِّي(٤)، فَقَالَ: وَلَدْ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ
الْأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِي عَنْهُ - قَالَ فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ - فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ
الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: وَاللهِ! مَا قَضَى بِهِذَا عَلِيٍّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ(٥).
[٢٣] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ
(١) قوله: (فلما ركب الناس الصعب والذلول) أي أخذوا يروون كل ما يصل إليهم، من غير تمييز بين الثابت وغير
الثابت، وأصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب: العسر، وهو مرغوب عنه، والذلول: السهل الطيب، =
= وهو محبوب مرغوب فيه.
(٢) قوله: (هيهات) أي بَعُدَ، والمعنى بَعُدَ أن نأخذ بأحاديثكم، ونثق بها حتى نحفظها.
(٣) قوله: (لا يأذن) بفتح الذال، أي لا يستمع ولا يصغى، ومنه سميت الأذن.
(٤) (يخفي عني ... وأخفي عنه) بالخاء المعجمة، أي يكتم عني أشياء ولا يكتبها إذا كان عليه فيها مقال، فإنها
ليست مما يلزم بيانها لي، وإن لزم فهو ممكن بالمشافهة دون المكاتبة، وقرىء: (يحفي وأحفي) بالحاء المهملة
أي يستقصي ما يحدثني به، أو يبالغ ويستقصي في البر به، والنصيحة له في اختيار ما يلقى إليه من صحيح
الأخبار، فهو بمعنى: يخفي في المراد، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم: ١٩].
(٥) ومعلوم أن علياً لم يضل، فهذا ليس من قضائه، بل هو منسوب إليه كذبًا وزورًا.

٣٥
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسِ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فَمَحَاهُ إِلَّ قَدَرَ (١) - وَأَشَارَ
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ .
[٢٤] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحَْى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحُقَ قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ(٢) بَعْدَ عَلِيٍّ - رضي اللهُ عَنْهُ - قَالَ
رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللهُ! أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا.
[٢٥] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ:
لَمْ يَكُنْ يُضَلِّقُ (٣) عَلَى عَلِيٍّ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ، إِلَّا مِنْ(٤) أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
[٦ - بَابُ لا يؤخذ الحديث إلا ممن هو أهله من ثقة وصاحب دين وسنة، دون بدعة وأن
الإسناد من الدين]
[٢٦] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ؛ ح:
قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ هِشَامَ - قَالَ -: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هُذَا الْعِلْمَ دِيٌّ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
[٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّحِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِمٍ
الْأَحْوَلِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَهُ(٥) قَالُوا:
سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرَ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرَّ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ
حَدِيثُهُمْ.
[٢٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ (٦): أَخْبَرَنَا عِيسَى وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ لَقِيتُ طَاوُسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ كَيْتَ وَكَيْتِ .
(١) قوله: (قدرَ) منصوب غير منون، لأنه مضاف، والمضاف إليه هو الذراع الذي أشار إليه سفيان ولم يتلفظ به، أي
قدر ذراع، وكأن الكتاب كان درجا مستطيلا .
(٢) قوله: (تلك الأشياء) يشير إلى ما تقولته الروافض والشيعة على علي - رضي الله عنه - من الأباطيل، ونسبوا إليه
من الروايات والأقاويل المفتعلة المختلفة، وخلطوه بالحق فلم يتميز ماهو صحيح عنه مما اختلقوه.
(٣) قوله: (يصدق) ضبط على وجهين، أحدهما: بفتح الياء وإسكان الصاد وضم الدال، بالبناء للفاعل من الصدق،
والثاني بضم الياء وفتح الصاد وتشديد الدال المفتوحة بالبناء للمفعول من التصديق، وهو الأرجح.
(٤) قوله: (من) هذه لبيان الجنس أي إلا ماجاء منهم وعن طريقهم، ويمكن أن تكون زائدة، والمعنى على هذا
التقدير واضح.
(٥) قوله: (الفتنة) أي فتنة الرفض والخروج، وأخذ الناس يختلقون الأحاديث، ويروون ماوافق هواهم، سواء ثبت
أو لم يثبت .
(٦) قوله: (إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) هو الإمام المعروف بإسحاق بن راهويه، أبو محمد المروزي الحافظ
المجتهد، قرين الإمام أحمد بن حنبل.

٣٦
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
قَالَ: إِنْ كَانَ [صَاحِبُكَ] مَلِيْئًا(١) فَخُذْ عَنْهُ.
[٢٩] وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ
الدِّمَشْقِيَّ -: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ قُلْتُ لطَاؤُسِ: إِنَّ
فُلَانًا حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيْئًا فَخُذْ عَنْهُ.
[٣٠] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ
قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ(٢)، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
[٣١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ؛ ح: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بنُ خَلَّادٍ
الْبَاهِلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ
إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: لَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ إِلَّ الثَّقَاتُ(٣).
[٣٢] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ - مِنْ أَهْلِ مَرْوَ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ بْنَ
عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ
شَآءَ مَا شَآءَ .
قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ(٤)
يَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَومِ الْقَوَائِمُ(٥)، يَعْنِي الْإِسْنَادَ.
وقَالَ مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحْقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالَقَانِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ
الْمُبَارَكِ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: ((إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ، أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْكَ
مَعَ صَلَاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ)) قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَا أَبَا إِسْحُقَ! عَمَّنْ هُذَا؟ قَالَ
قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابٍ بْنِ خِرَاشٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ قُلْتُ: عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ
دِينَارٍ، قَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ. قَالَ: يَا أَبَا إِسْحُقَ! إِنَّ بَيْنَ
الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِّ ◌َّهَ مَفَاوِزَ(٦)، تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، ولَكِنْ لَيْسَ فِي
(١) قوله: (مليئا) أي ثقة ضابطاً متقنا، يوثق بدينه ومعرفته ويعتمد عليه كما يعتمد على معاملة المليء بالمال ثقة بذمته.
(٢) قوله: (مأمون) أي في دينهم، لم يكن يعرف عنهم ما ينافي التقوى والمروءة، لكنهم لم يكونوا من أهل الرواية
لكونهم غير متقنين، ولا عارفين بأصولها وضوابطها .
(٣) أي لا يقبل حديث ينسب إلى رسول الله وَيه إلا ماجاء عن الثقات.
(٤) : عبدالله، هو ابن المبارك.
(٥) قوله: (بيننا وبين القوم القوائم) معناه أن الحيوان كما لا يقوم بغير قوائم، كذلك الحديث لا يقوم بغير قوائم،
وقوائم الحديث الإسناد، فإن جاؤا بإسناد صحيح قبلناه، وإلا تركناه.
(٦) قوله: (مفاوز) جمع مفازة وهي الصحارى القاحلة، والأرض القفر البعيدة التي يخاف فيها الهلاك، سميت =

٣٧
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
الصَّدَقَةِ اخْتِلَافُ(١).
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ عَلَى رُءُوسِ
النَّاسِ: دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ(٢) فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلَفَ.
[٣٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَةً قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
فَقَالَ يَحْبَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ، عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرٍ
هذَا الدِّينِ، فَلَا يُوَجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا فَرَجْ، - أَوْ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ - فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ
ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدَى ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (٣) قَالَ: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ
عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ آَخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ.
[٣٤] وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ [بْنَ عُبَيْنَةً] يَقُولُ: أَخْبَرُونِي عَنْ
أَبِي عَقِيلٍ صَاحِبٍ بُهَيَّةَ أَنَّ أَبْنَا (٤) لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ،
فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ! إِنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَيْ الْهُدَىُ - يَعْنِي
عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ - تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَاللهِ! عِنْدَ اللهِ،
وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ - قَالَ - وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيلِ
يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ حِينَ قَالَا ذَلِكَ.
[٧ - باب الجرح على الرواة، وبيان أحوالهم وكشف معايبهم، وأنه واجب، وليس من
الغيبة، وبيان قبح من يعتد بأحاديث الضعفاء ويرويها]
[٣٥] وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَبُو حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ
= مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها، كما سمي اللديغ سليمًا وقوله: (تنقطع فيها أعناق المطي) أي تموت المطي
قبل أن تجاوزها لفرط تباعد أطرافها، وهي استعارة حسنة لبيان بعد مابين الحجاج بن دينار وبين النبي 15 ،
لأن الحجاج بن دينار من تابعي التابعين؛ فأقل ما يكون بينه وبين النبي 18 واسطتان: تابعي وصحابي، ولن
يتصل هو بالنبي ◌َّ﴿ قطعاً.
(١) أي إن الصدقة تنفع الميت ويصل إليه ثوابها بلا خلاف بين المسلمين، وأما الصلاة والصوم فلا يحتج لهما بهذا
الحدیث، لعدم وروده عن طریق موثوق به.
(٢) ضعيف، رمى بالرفض: والروافض معروفون بسب السلف من الصحابة الكبار.
(٣) لأنه القاسم بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، وأمه أم عبدالله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق رضي الله عنهما .
(٤) قوله: (ابنًا) وفي بعض النسخ (أبناء) بلفظ الجمع، والظاهر أن يكون ابناً بلفظ المفرد، إذ المراد به القاسم بن
عبيدالله بن عبدالله بن عمر المذكور في الرواية السابقة، وإليه يرجع ضمير المفعول في قوله ((سألوه)) ثم الضمير
في قوله ((عنده)) وفي قوله ((فقال له)) وكذا ضمائر المفرد الآتية إلى آخر الحديث.

٣٨
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
الثَّوْرِيَّ وَشُعْبَةً وَمَالِكًا وَابْنَ عُبَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ ثَبْتَا فِي الْحَدِيثِ، فَيَأْتِنِي الرَّجُلُ
فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ، قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ.
[٣٦] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّضْرَ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ
وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ (١) فَقَالَ: إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ. إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ(٢) .
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ رَحِمَهُ اللهُ: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسِنَّهُ النَّاسِ، تَكَلَّمُوا فِيهِ.
[٣٧] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: حَدَّثَنَا شَبَابَهُ قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ لَقِيتُ شَهْرًا فَلَمْ أَعْتَذَّ بِهِ.
[٣٨] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ - مِنْ أَهْلِ مَرْوَ - قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ
ابْنِ وَاقِدٍ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَنْ تَعْرِفُ
حَالَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمُ (٣)، فَتَرَى أَنْ أَقُولَ لِلنَّاسِ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟ قَالَ سُفْيَانُ:
بَلَى. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَكُنْتُ، إِذَا كُنَّتُ فِي مَجْلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ، أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، وَأَقُولُ:
لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ، قَالَ أَبِي: قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: انْتُهَيْتُ
إِلَى شُعْبَةَ فَقَالَ: هُذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ فَاحْذَرُوهُ.
[٣٩] وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ قَالَ: سَأَلْتُ مُعَلَّى الرَّازِيَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، الَّذِي
رَوَى عَنْهُ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ فَأَخْبَرَنِي عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَابِهِ وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ فَلَمَّا
خَرَجَ سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَنِ أَنَّهُ كَذَّابٌ.
[٤٠] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَفَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: لَمْ نَرَ الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ .
(١) قوله: (وهو قائم على أسكفة الباب) أي والحال أن ابن عون قائم على عتبة الباب، والأسكفة بضم فسكون
فضم ثم فاء مشددة، هي العتبة السفلى التي توطأ .
(٢) قوله: (إن شهرًا نزكوه) بالنون والزاي، أي طعنوه بالنيزك، وهو الرمح القصير، يشير إلى شدة ما تكلموا فيه،
وروى بعضهم ((تركوه)) بالتاء والراء، وهو تصحيف، والصحيح بالنون والزاي، وشهر هو ابن حوشب الأشعري
الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، مات سنة اثنتى عشرة ومائة، وقد
اختلفوا فيه، فوثقه وقوى أمره كبار الأئمة مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأحمد بن عبدالله العجلي وأبي
زرعة والبخاري ويعقوب بن شيبة وصالح بن محمد، بينما تكلم فيه البعض بالجرح فقالوا: إنه أخذ خريطة من
بيت المال، وقد حمله العلماء على محمل صحيح، وقال أبو حاتم بن حبان: إنه سرق من رفيقه في الحج عيبة،
وقد أنكر المحققون هذا على أبي حاتم، والله أعلم.
(٣) فإنه كما روي عن ابن المبارك نفسه أنه قال: ما أدري من رأيت أفضل من عباد بن كثير في ضروب الخير، فإذا
جاء الحديث فليس منه في شيء، ولذلك جرحه الأئمة وطعنوه قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري:
تركوه، وكان شعبة لا يستغفر له، وكان سفيان الثوري بمكة فمات عباد فلم یشهد سفيان جنازته.

٣٩
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
قَالَ ابْنُ أَبِي عَتَّابِ: فَلَقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ عَنْ
أَبِهِ: لَمْ تَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ مُسْلِمٌ: يَقُولُ: يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ(١).
[٤١] وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هُرُونَ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَلِفَةُ بْنُ مُوسَى
قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبٍ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فَجَعَلَ يُمْلِي عَلَيَّ: حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ،
فَأَخَذَهُ الْبَوْلُ(٢) فَقَامَ فَنَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ فَإِذَا فِيهَا حَدَّثَنِي أَبَانٌ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عَنْ فُلَانٍ،
فَتَرَكْتُهُ وَقُمْتُ.
[قَالَ]: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابٍ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَامِ
أَبِي الْمِقْدَامِ - حَدِيثُ(٣) عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَحْتَى بْنُ
فُلَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، [قَالَ] قُلْتُ لِعَقَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ
كَعْبٍ فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هُذَا الْحَدِيثِ، كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ
ادَّعَى بَعْدُ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ .
[٤٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ يَقُولُ:
قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ هُذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ((يَوْمُ
الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِ))؟ قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ، انْظُرْ مَا وَضَعْتَ (٤) فِي يَدِكَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ
اللهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ -: رَأَيْتُ رَوْحَ بْنَ غُطَيْفٍ، صَاحِبَ الدَّمِ قَدْرِ الدِّرْهَم(٥)، وَجَلَسْتُ
(١) وذلك لكونهم لا يعرفون صناعة أهل الحديث ودقتهم في هذا الباب، فيقع الخطأ في رواياتهم وهم لا يعرفون،
ویروون الکذب وهم لا يعلمون.
(٢) قوله: (فأخذه البول) أي أزعجه وضغطه فقام عن مكانه وذهب ليبول (فنظرت في الكراسة) وهي الصحيفة - أي
مجموعة أوراق - التي كان يملي منها (فإذا فيها أبان عن أنس) بدل حدثني مكحول، ولذلك تركه.
(٣) قوله: (حديث عمر بن عبدالعزيز) يجوز فيه الرفع والنصب، فالرفع على تقدير هو، أي حديث هشام أبى
المقدام، هو حديث عمر بن عبدالعزيز، والنصب على أنه بدل من قوله حديث هشام، أو على تقدير أعني.
(٤) قوله: (وضعت) بفتح التاء ويجوز ضمها، قال النووي: هو مدح وثناء على سليمان بن الحجاج، قلت: بل
الأرحج أنه ذم وتحذير منه؛ لأن الروايات مسوقة في ذم الضعفاء والتحذير منهم، فأي مناسبة لسياق رواية في
وسطها، في مدح ضعيف منهم والثناء عليه!؟ بل إنه يعود على المقصود بالنقيض، وسليمان بن الحجاج قال عنه
العقيلي: الغالب على حديثه الوهم، وقال الذهبي: شيخ الدراوردي لا يعرف، عداده في أهل الطائف.
(٥) قوله: (صاحب الدم قدر الدرهم) أي الذي روى حديث ((تعاد الصلاة من قدر الدرهم)) يعني من الدم، وهو
حديث باطل لا أصل له، رواه روح هذا عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، وقوله: (كره
حديثه) أي كراهية له.

٤٠
مقدمة الكتاب للإمام مسلم
إِلَيْهِ مَجْلِسًا. فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي مِنْ أَصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي جَالِسًا مَعَهُ، كُرْهَ حَدِيثِهِ
[٤٣] حَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ:
بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ(١).
[٤٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ
الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ، وَكَانَ كَذَّابًا .
[٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الْأَشْعَرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُفَضَّلٍ، عَنْ مُغِيرَةَ
قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ(٢) أَحَدُ الْكَاذِبِينَ.
[٤٦] وَحَدَّثَنَا قُتَيِّبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ:
قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَيْنِ فَقَالَ الْحَارِثُ: الْقُرْآنُ هَيِّنٌ، الْوَحْيُّ أَشَدُّ(٣).
[٤٧] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ - يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ -: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ؛ أَنَّ الْحَارِثَ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْوَحْيَ فِي
سَنَيْنِ - أَوْ قَالَ -: الْوَحْيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْقُرْآنَ فِي سَنَيْنِ .
[٤٨] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجِ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ - وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ -: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ
عَنْ مَنْصُورٍ وَالْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ الْحَارِثَ انُّهِمَ.
[٤٩] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ قَالَ: سَمِعَ مُرَّهُ الْهَمْدَانِيُّ
مِنَ الْحَارِثِ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ - قَالَ -: فَدَخَلَ مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ - قَالَ: وَأَحَسَّ
الْحَارِثُ بِالشَّرِّ، فَذَهَبَ.
[٥٠] وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ -: حَدَّثَنَا حَمَّادُ
ابْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ؛ قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ،
فَإِنَّهُمَا كَذَّابَانِ .
[٥١] وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ
(١) قوله: (عمن أقبل وأدبر) أي من غير تمييز بين الثقات والضعفاء.
(٢) قوله: (وهو يشهد أنه) أي والشعبي يشهد أن الأعور أحد الكاذبين. فالشعبي عبر عن نفسه بصيغة الغائب، أو
هو قول مستأنف لمغيرة بن مقسم الضبي، مولاهم، الكوفي الأعمى، الراوي عن الشعبي.
(٣) هذا وماجاء بعده مما أنكر على الحارث وأخذ عليه، لأنه فرق بين الوحي والقرآن بناء على قبيح مذهبه، وغلوه
في التشيع، فإن الشيعة تزعم أن النبي وير أوصى إلى علي - رضي الله عنه - بوحي من الله، وأسر إليه من الوحي
وعلم الغيب مالم يطلع عليه غيره، وأن ذلك كثير جداً .