النص المفهرس

صفحات 101-120

حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعةً وضعوه ، وإِن أثر الوضع
لبيّن عليه . ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في
إيداعه تفاسيرهم ، والله أعلم .
النوع الثاني والعشرون
معرفة المقلوب
هو (١) نحو حديث مشهور عن سالم جعل(٢) عن نافع ليصير بذلك
غريباً مرغوباً فيه .
معا
وكذلك مارُوّينا أن البخاري رضي الله عنه قدم بغداد ، فاجتمع
قِبَل مجلسه قوم من أصحاب الحديث ، وعمدوا إلى مئة حديث فقبلوا
متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد
هذا المتن لمتن آخر، ثم حضروا مجلسه وألقَوْها عليه ، فلما فرغوا من
إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة التفت إليهم فرد كل متن إلى إسناده ،
وكل إِسناد إلى متنه ، فأذعنوا له بالفضل(٣).
(١) القلب في اللغة : صرف الشيء عن وجهه .
والمقلوب في اصطلاح المحدثين هو في اختيارنا ( الحديث الذي أبدل فيه راويه شيئاً بآخر
في السند أو المتن سهواً أو عمداً) قارن بلقط الدرر ص ٧٩ والتعليق على توضيح الأفكار ٩٩:٢ .
(٢) قوله ( جعل ) سقط من ق .
(٣) وحدث نحو هذا الامتحان للبخاري في البصرة وسمرقند أيضاً. انظر تاريخ بغداد
١٥:٢ - ١٦ وطبقات الشافعية للسبكي ٦:٢ والبداية لابن كثير ٢٥:١١ وهدي الساري لابن حجر
٢٠٠٠٢.
- ١٠١ -

ومن أمثلته ، ويصلح مثالاً للمعلل : ما رويناه عن
إسحاق بن عيسى(١) الطباع قال حدثنا جرير بن حازم عن ثابتٍ
عن أنسٍ قال قال رسول الله عَ لقوله ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا
حتى تروني )) ، قال إسحاق بن عيسى فأتيت حماد بن زيد فسألته
عن الحديث فقال : وهم أبو النضر إنما كنا جميعاً في مجلس ثابت
البُناني وحجاج بن أبي عثمان معنا ، فحدثنا حجاج الصواف عن
يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله
عَاقعٍ قال: ((إِذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني))، فظن أبو
النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس . أبو النضر هو
جرير بن حازم(٢) ، والله أعلم .
فصل
خف
قد وَفَيْنا بما سبق الوعد بشرحه من الأنواع الضعيفة والحمد لله ،
فلننبه الآن على أمور مهمة :
أحدها : إِذا رأيتَ حديثاً بإسناد ضعيف فلك أن تقول هذا
ضعيف ، وتعني أنه بذلك الإسناد ضعيف ، وليس لك أن تقول هذا
(١) في ع ( أبي إسحاق ) والصواب ما أثبتناه .
(٢) أخرجه البخاري ( باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام)١٢٥:١. ومسلم: ١٠١:٢ وما
رواه إسحاق في وهم جرير أخرجه عنه أحمد في كتابه: ( العلل ومعرفة الرجال ) ٢٤٣:١،
والترمذي في أبواب الجمعة ( الكلام بعد نزول الإمام من المنبر) ٣٩٤:٢ - ٣٩٥. وانظر تحفة
الأحوذي للمباركفوري ٣٦٩:١ وفيه مناقشة العراقي لهذا الإعلال ، والتعقيب عليه .
- ١٠٢ -

ضعيف وتعنيَ به ضعف متن الحديث بناء على مجرد ضعف ذلك
الإِسناد ، فقد يكون مروياً بإسناد آخر صحيح يثبت بمثله
الحديث ، بل يتوقف جواز ذلك على حكم إمام من أئمة الحديث بأنه
لم يُرو بإسناد يثبت به ، أو بأنه حديث ضعيف ، أو نحو هذا
مفسَّراً وجه القدح فيه . فإن أطلق ولم يفسر، ففيه كلام يأتي إن
شاء الله تعالى ، فاعلم ذلك فإنه مما يُغلط فيه ، والله أعلم .
الثاني : يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهلُ في الأسانيد
ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام
ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال
والحرام وغيرهما . وذلك كالمواعظ ، والقَصَص ، وفضائل الأعمال ،
وسائر فنون الترغيب والترهيب ، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام
والعقائد . ومن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك
عبدُ الرحمن بنُ مهدي وأحمدُ بن حنبل رضي الله عنهما(١) .
الثالث : إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل
(١) مذهب الجمهور العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بشروط ثلاثة :
اً - ان يكون الضعف غير شديد . فإذا كان شديداً ككون الراوي كذاباً أو فاحش الغلط
فلا يعمل به .
٢ - أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به من أصول الشريعة العامة .
◌ً - أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط . انظر تدريب الراوي
ص ١٩٦. وانظر مزيد تحليل لهذه المسألة الهامة وإزاحة الشبهات عن العمل بالحديث الضعيف
في كتابنا ( منهج النقد في علوم الحديث ) ص ٢٩١ - ٢٩٦.
- ١٠٣ -

فيه: ((قال رسول الله عَلَ اتٍ كذا وكذا)) وما أشبه هذا من الألفاظ
الجازمة بأنه ◌َ التّم قال ذلك، وإنما تقول فيه: (( رُوي عن رسول الله
عَّ التّ كذا وكذا ، أو بلغنا عنه كذا وكذا ، أو وَرَدَ عنه، أو جاء
عنه، أو روى بعضهم)) وما أشبه ذلك . وهكذا الحكم فيما تشك في
صحته وضعفه وإنما تقول: ((قال رسول الله عَ ◌ّةٍ)) فيما ظهر لك
صحته بطريقه الذي أوضحناه أولاً ، والله أعلم(١).
النوع الثالث والعشرون
معرفة صفة من تُقْبَلُ روايته ومن تُرَدُّ روايته
وما يتعلق بذلك من قدح وجرحٍ وتوثيقٍ وتعديل
أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج
بروايته أن يكونَ عدلاً ، ضابطاً لما يرويه . وتفصيله أن يكون
مسلماً بالغاً ، عاقلاً ، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة ،
متيقظاً غير مغفل ، حافظاً إن حدث من حفظه ، ضابطاً لكتابه
(١) لكن المتقدمين كانوا يتساهلون في ذلك لظهور أمر الأسانيد في عصرهم، لذلك نجد في
معلقات البخاري الصحيحة ما يعلقه بـ ( روي ) ونحوها، كما سبق عند المصنف ص ٢٥ . فاعلم
ذلك واحذر ما وقع فيه بعض العصريين من الغلط حيث قال: (( ولقد أشار الترمذي في سننه
إلى عدم ثبوت عدد العشرين - يعني في التراويح - عن عمر وغيره من الصحابة . فقال : روي
عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي مَ ◌ّرِ)) انتهى كلامه .
فاستدل المعاصر بقول الترمذي ((روي)) على عدم ثبوته مع أن للترمذي وغيره من
المتقدمين أحاديث صحيحة كثيرة يذكرونها بهذه العبارة ونحوها .
- ١٠٤ -

إن حدث من كتابه. وإنْ (١) كان يحدّثُ بالمعنى اشْتُرِطَ فيه مع ذلك
أن يكون عالماً بما يحيل المعاني ، والله أعلم . ونوضح هذه الجملة
بمسائل :
إحداها : عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص مُعَدّلَيْنِ على
عدالته(٢) ، وتارة تثبت بالاستفاضة ، فمن اشتهرت عدالته بين أهل
النقل أو نحوهم من أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة
استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصاً . وهذا هو
الصحيح في مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وعليه الاعتماد في فن
أصول الفقه . وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب
الحافظ(٣) ومثَّل ذلك بمالك ، وشعبة ، والسفيانين ، والأوزاعي ،
والليث ، وابن المبارك ، ووكيع ، وأحمد بن حنبل ،
ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر
واستقامة الأمر ، فلا يُسْألُ عن عدالة هؤلاء وأمثالهم ، وإنما يُسْأَلُ
عن عدالة من خفي أمره على الطالبين .
وتوسع ابن عبد البر الحافظ في هذا(٤) فقال: (( كل حامل علم
معروف العناية به فهو عدلٌ محمولٌ في أمره أبداً على العدالة حتى
يتبين جرحه لقوله عَّالّةٍ: ((يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ
(١) وفي ق: ( فإن) .
(٢) وكذا بتنصيص واحد على عدالته ، كما سيذكر المصنف ص ١٠٩ .
(٣) ((الكفاية)): ( باب المحدث المشهور بالعدالة ... ) ص ٨٦ .
(٤) في التمهيد ٢٨:١ .
- ١٠٥ -

عدوله(١))). وفيما قاله انساع غير مرضي(١)، والله أعلم .
الثانية : يُعرف كون الراوي ضابطاً بأنْ نعتبرَ رواياتِه برواياتٍ
الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو
من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة
عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم
عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتجَّ بحديثه ، والله أعلم .
الثالثة : التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح
المشهور، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها ، فإن ذلك يُحْوِجُ المعدل
إلى أن يقول: (( لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا ، فعل كذا وكذا))
فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه وذلك شاق جداً .
وأما الجرح فإِنه لا يقبل إِلا مفسَّراً مبَيَّن السبب ، لأن الناس
يختلفون فيما يجرح وما (٢) لا يجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناءً على
أمر اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر ، فلا بد من بيان
(١) الحديث بتمامه: ((يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدولةُ، ينفون عنه تحريف الغالين ،
وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)). أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٥٨:١ - ٥٩ . ورواه ابن
عدي في الكامل . وطال كلام العلماء عليه ، وضعف بالاضطراب وحسنه بعضهم لتعدد طرقه
وشواهده . انظر تدريب الراوي ص ١٩٩ - ٢٠٠ وفتح المغيث ص ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) كأن ابن الصّلاح لحظ في ذلك شبه هذا الراوي بالمستور. لكن صوَّب المحققون رأي
ابن عبد البر، وميزوا هذا عن المستور، لأن المستور غير مشهور بالعناية بالعلم ، كما فصلنا في
منهج النقد ص ١٠٣ - ١٠٤ .
(٣) وفي ق ( وفيما ) .
- ١٠٦ -

سببه لينظر فيه أهو جرح أم لا ، وهذا ظاهرٌ مقررٌ في الفقه
وأصوله . وذكر الخطيب الحافظ(١) أنه مذهب الأئمة من حفاظ
الحديث ونقاده ، مثل البخاري ، ومسلم، وغيرهما (٢). ولذلك احتج
البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم ، كعكرمة مولى ابن عباس
رضي الله عنهما ، وكإسماعيل بن أبي أويس ، وعاصم بن علي ،
وعمرو بن مرزوق ، وغيرهم . واحتج مسلم بسُويد بن سعيد وجماعة
اشتهر الطعن فيهم . وهكذا فعل أبو داود السجستاني ، وذلك دال
على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إِذا فُسِّرَ سَبَبُهُ ، ومذاهب
النقاد للرجال غامضة مختلفة (٣).
وعقد الخطيب باباً في بعض أخبار من استُفْسِر في جرحه فذكر
ما لا يصلح جارحاً(٤): منها عن شعبة أنه قيل له: ((لِمَ تركتَ حديث
فلان! )) فقال: ((رأيتُه يركض على برْذَوْنٍ، فتركتُ حديثَه)).
(١) في ((الكفاية)» ص ١٠٨.
(٢) ويرى الحافظ ابن حجر أن يقبل الجرح غير المفسر في حقّ مَنْ خلا مِن التعديل ،
لأن إعمال الجرح حينئذٍ أولى من إهماله .
(٣) أوضح ذلك الحافظ الذهبي فقسم من تكلم في الرجال ثلاثة أقسام :
القسم الأول : متعنت في الجرح متشدد في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ، فهذا
إذا وثق شخصاً فعض على قوله بنواجذك ، وإذا ضعف رجلاً فإن لم يوثق ذلك الرجل أحد من
الحذاق فهو ضعيف ، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا: ((لا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً)).
القسم الثاني : متساهل في الجرح والتعديل على عكس السابق ؛ كالحاكم ، وابن حبان .
القسم الثالث : معتدل لا إفراط عنده ولا تفريط ، كأحمد بن حنبل ، والدارقطني ، وابن
عدي . انظر فتح المغيث للسخاوي ص ٤٨٢ .
(٤) في الكفاية ص ١١٠: ( باب ذكر بعض أخبار من استفسر في الجرح ... )
- ١٠٧ -

ومنها عن مسلم بن إبراهيم أنه سُئِل عن حديثٍ لصالح المُرِّيّ .
فقال : ما تصنع(١) بصالحٍ ، ذكروه يوماً عند حماد بن سلمة فامتخط
حماد ، والله أعلم .
قلت : ولقائل أن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورَدّ
حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح أو في الجرح
والتعديل ، وقَلّ ما يتعرضون فيها لبيان السبب ، بل يقتصرون
على مجرد قولهم: (( فلان ضعيف ، وفلان ليس بشيء )) ونحو ذلك ،
أو ((هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت )) ونحو ذلك .
فاشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في
الأغلب الأكثر .
وجوابُه : أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد
اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث مَنْ قالوا فيه مثل ذلك ،
بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قويةً يوجبُ مثلُها
التوقف(٢) .
(١) ((تصنَع)) و((يُصنع)) على الوجهين في الأصل ، وفوقها ( معاً ) .
(٢) هذا لا يعني تعطيل فائدة الجرح المجمل الذي حفلت به كتب الرجال ، كما تبادر
لذهن البعض ، فإن الراوي المجروح بهذا الجرح المجمل غير المفسر ظل غير محتج به ، لكنه على
رأي ابن الصلاح لا يحتج به لعدم استيفائه شروط العمل بروايته ، أما على رأي غيره فلأنه
محكوم بجرحه . ومذهب ابن الصلاح ومن معه أرجح وأحوط ، كما حققناه بتفصيل واستيفاء في
كتابنا ( علم الجرح والتعديل ) يسر الله إخراجه .
- ١٠٨ -

ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة
بعدالته قبلنا حديثه ولم يُتَوَقَّفُ(١) ، كالذين احتج بهم صاحبا
الصحيحين وغيرهما ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم ، فافهم
ذلك فإنه مَخْلَصٌ حسن ، والله أعلم .
الرابعة : اختلفوا في أنه هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد ،
أو لا بد من اثنين ؟
فمنهم من قال : لا يثبت ذلك إلا باثنين كما في الجرح والتعديل
في الشهادات .
ومنهم من قال وهو الصحيح الذي اختاره الحافظ أبو بكر
الخطيب(٢) وغيره أنه يثبت بواحدٍ لأن العدد لم يُشترط في قبول
الخبر ، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادات ، والله
أعلم .
الخامسة : إِذا اجتمع في شخص جرح وتعديل ، فالجرح مقدم لأن
المعدل يخبر عما ظهر من حاله والجارح يخبر عن باطن خَفي على
المعدل . فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل أولى .
(١) كذا في الأصل ، وفي غيره ( نتوقف ) .
(٢) الكفاية ص ٩٦. وانظر ما سبق في ص ١٠٥. وقوله ((يثبت بواحد)) يفيد بإطلاقه
أنه يكفي الواحد ولو كان امرأة أو عبداً، إذا توفرت شروط الجارح والمعدل . وهو المعتمد .
انظر التوسع في الكفاية ص ٩٧ ، وشرح الألفية ٥:٢ وتقريب النووي وشرحه ص ٢١٣ - ٢١٤ .
- ١٠٩ -

والصحيح والذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه (١)، والله
أعلم .
السادسة : لا يجزيء التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدّل ،
فإذا قال: ((حدثني الثقة)) أو نحو ذلك مقتصراً عليه لم يُكْتَف به
فيما ذكره الخطيب الحافظ(٢) والصَّيْرَفيَّ الفقيه وغيرهما ، خلافاً لمن
اكتفى بذلك . وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده وغيره قد اطلع على
جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع فيحتاج إلى أن يسميه حتى
يعرف ، بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع في القلوب فيه تردداً .
فإن كان القائل لذلك عالماً أجزأ ذلك في حق من يوافقه في
مذهبه على ما اختاره بعض المحققين(٣).
(١) يقدم الجرح على التعديل بشروط وهي :
آ - أن يكون الجرح مفسراً مستوفياً لسائر الشروط.
٢ - أن لا يكون الجارح متعصباً على المجروح .
٣ - أن لا يبين المعدّل أنّ الجرح مدفوع عن الراوي بالدليل الصحيح ، كأن يُطعن في
الراوي بسوء الحفظ ، فيثبت المعدل أنه قد تغير واختلط بآخر عمره بعد أن كان تام الضبط ،
فيقدم التعديل ، ويُصحح ما حدث به قبل الاختلاط .
وتعارض الجرح والتعديل بحث هام شائك ، وقد بسطنا دراسته في كتابنا ( علم الجرح
والتعديل ) بتحقيق فريد أوضحنا فيه أن كثيراً من الخلاف في الرواة ليس خلافاً حقيقياً،
وجلونا أسباب الاختلاف في الرواة بما يزيل ما علق في بعض الأوهام .
(٢) الكفاية ص ٣٧٣ - ٣٧٤ .
(٣) ذكر الحافظ ابن حجر ضوابط لتعيين المبهات في قول مالك والشافعي ((حدثني
الثقة)). في كتابه تعجيل المنفعة ص ٥٤٧ - ٥٤٨ فارجع إليه .
- ١١٠ -

وذكر الخطيب الحافظ (١) أن العالم إذا قال: ((كل من رويت عنه
فهو ثقة وإن لم أستمه ، ثم روى عمّنْ لم يسمه فإنه يكون مزكياً له ،
غير أنا لا نعمل بتزكيته هذه)). وهذا على ما قدمناه ، والله أعلم .
السابعة : إِذا روى العدل عن رجل وسماه لم تجعل روايته عنه
تعديلاً منه له عند أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم . وقال
بعض أهل الحديث وبعض أصحاب الشافعي: «يجعل ذلك تعديلاً
منه له لأن ذلك يتضمن التعديل )). والصحيح هو الأول لأنه يجوز
أن يروي عن غير عدل فلم تتضمن روايته عنه تعديله .
وهكذا نقول : إِن عمل العالم أو فتياه على وفق حديث ليس
حكماً منه بصحة ذلك الحديث . وكذلك مخالفته للحديث ليست
ندحاً منه في صحته ولا في راويه(٢) ، والله أعلم .
الثامنة : في رواية المجهول وهو في غرضنا ههنا أقسام :
( أحدها ) : المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعاً :
وروايته غير مقبولة عند الجماهير على مانبهنا عليه أولاً .
( الثاني ) : المجهول الذي جُهلت عدالته الباطنة (٢) وهو عدل في
(١) انظر كتاب الكفاية ص ٩٢ .
(٢) ووجه عدم القدح احتمال أن يكون الفقيه تأول الحديث أو قام عنده دليل آخر أقوى
من الحديث .
(٣) العدالة الباطنة : هي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ، ولو واحد منهم .
- ١١١ -

الظاهر وهو المستور: فقد قال بعض أئمتنا (١): ((المستور من يكون
عدلاً في الظاهر ولا تُعْرَف عدالة باطنه)). فهذا المجهول يحتج
بروايته بعضُ مَنْ ردَّ رواية الأول ، وهو قول بعض الشافعيين ، وبه
قطع منهم الإمام سُلَيم بن أيوب الرازي ، قال: ((لأن أمر الأخبار
مبني على حسن الظن بالراوي ، ولأن رواية الأخبار تكون عند من
يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن فاقتُصِر فيها على معرفة ذلك
في الظاهر، وتُفارق الشهادة فإنها تكون عند الحكام ولا يتعذر
عليهم ذلك ، فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن )).
قلت : ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب
الحديث المشهورة في غير واحدٍ من الرواة الذين تَقَادَم العهد بهم
وتعذرت الخبرة الباطنة بهم ، والله أعلم .
( الثالث ) : المجهول العين : وقد يقبل رواية المجهول العدالة من
لا يقبل رواية المجهول العين .
ومن روى عنه عدلان وعيّناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة .
ذكر أبو بكر الخطيب البغدادي في أجوبة مسائل سئل عنها (٢) أن
المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم تعرفه العلماء ومن ثم
(١) ((هو أبو محمد البغوي صاحب التهذيب، فهذا لفظه بحروفه فيه)) هامش الأصل
للعراقي بخطه .
(٢) وانظره في الكفاية ص ٨٨ .
- ١١٢ -

يُعرف حديثه إلا من جهة راو واحد ، مثل : عمرو ذي مُرّ ، وجبّار
الطائي ، وسعيد بن ذي حُدّان ، لم يرو عنهم غير أبي إسحاق
السبيعي . ومثل المَزْهَاز بن مَيْزَن(١) لاراوي عنه غير الشعبي . ومثل
جُرَيّ بن كُلَيب لم يروِ عنه إلا قتادة .
قلت : قد روى عن الهزهاز الثوريُّ أيضاً .
قال الخطيب(٢): ((وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن
الرجل اثنان من المشهورين بالعلم إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة
بروايتهما عنه)). وهذا مما قدمنا بيانه ، والله أعلم (٣).
قلت قد خرّجَ البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير
راوٍ واحدٍ ، منهم مِرْداس الأسلمي لم يرو عنه قيسٍ بن أبي حازمٍ .
وكذلك خرّج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحدٍ ، منهم
ربيعة بن كعب الأسْلَميّ ، لم يرو عنه غير أبي سَلَمة بن عبد
الرحمن . وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولاً
(١) ((والذي ذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ( مازن) بالألف . وفي بعض
النسخ بالياء ، ولعل بعضهم أماله في اللفظ ، فكتب بالياء . والله أعلم ». هامش الأصل ، وانظر
شرح الألفية ٢ : ٢٣ . والنكت .
(٢) في الكفاية ص ٨٨ - ٨٩ .
(٣) نعم ، يقبل حديث مجهول العين بأحد أمرين ذكرهما ابن حجر :
الأول : أن يوثقه غيرُ مَنْ ينفرد عنه على الأصح .
الثاني: إذا زكاه مَنْ يتفرد عنه على الأصح أيضاً ، إذا كان أهلاً للجرح والتعديل . انظر شرح
النخبة مع شرحه للقاري ص ١٥٣ - ١٥٤. وانظر ما يأتي في النوع السابع والأربعين ص ٣٢١.
علوم الحديث (١١)
- ١١٣ -

مردوداً برواية واحد عنه(١). والخلاف في ذلك متجة نحو اتجاه
الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحدٍ في التعديل على ما قدمناه ،
والله أعلم .
التاسعة : اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يُكفّر في بدعته .
فمنهم من رد روايته مطلقاً لأنه فاسق ببدعته ، وكما استوى فى
الكفر المتأوّل وغيرُ المتأول يستوي في الفسق المتأولُ وغيرُ المتأول .
ومنهم مَن قَبِل رواية المبتدع إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في
نُصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن .
وعزا بعضهم(٢) هذا إلى الشافعي لقوله: (( أقبل شهادة أهل الأهواء
إلا الخطّابية من الرافضة، لأنهم يَرَوْنَ الشهادة بالزور لموافقيهم)).
١
وقال قوم: ((تقبل روايته إذا لم يكن داعية إلى بدعته ، ولا
تقبل إذا كان داعية )) . وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء .
وحكى بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه خلافاً بين أصحابه في
(١) قال في هامش نسخة الشيخ عابد السندي من علوم الحديث : نقلاً عن ( كتاب
الإرشاد) للنووي: ((الصواب ما ذكره الخطيب فهو لم ينقله عن اجتهاد ، بل نقله عن أهل
الحديث . وردًّ الشيخ عليه بما ذكره عجيب ؛ فان مرداساً وربيعة من أهل الصّفَّة ، والصحابة
كلهم عدول فلا تضر الجهالة بأعيانهم لوثبتت)) إهـ وانظر التقريب النواوي ص ٢١١ . وما يأتي
في النوع السابع والأربعين : ( الوحدان ) ص ٣٢١ .
(٢) (( أراد المصنف ببعضهم أبا بكر الخطيب ، فإنه عزاه للشافعي في الكفاية)). هامش
الأصل للعراقي بخطه وانظر الكفاية ص ١٢٠ .
- ١١٤ -

قبول رواية المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته ، وقال : أمّا إِذا كان
داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته .
وقال أبو حاتم بن حبان البُستي أحد المصنفين من أئمة الحديث :
((الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبةً لا أعلم
بينهم فيه خلافاً )) .
وهذا المذهب الثالث أَعْدَلُها وأولاها ، والأول بعيد مباعد للشائع
عن أئمة الحديث ، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير
الدعاة . وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول ،
والله أعلم(١).
(١) واشترط الإمام الجوزجاني شرطاً آخر لقبول رواية المبتدع غير الداعية هو أن لا يكون
الحديث الذي رواه مؤيداً لبدعته، فقال: (( ومنهم زائغ عن الحق - أي عن السنة - صادق
اللهجة فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه مالا يكون منكراً إذا لم يُقَوِّ به بدعته)).
وأيد الحافظ ابن حجر هذا الرأي فقال في شرح النخبة ص ٤٠ - ٤١ .
(( ما قاله - أي الجوزجاني - متجه، لأن العلة التي لها رُدَّ حديث الداعية واردة فيما إذا
كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية )) اهـ .
وإجماع الأئمة على تلقي الصحيحين بالقبول ، وفيهما أحاديث المبتدعة غير الدعاة خير
شاهد لتقوية هذا المذهب .
وأما ما وقع في الصحيحين من الرواية لبعض المبتدعة الدعاة ، فلا يخل بهذه القاعدة ،
ولا يطعن في الكتابين لأنه قليل نادر جداً كما حقق الحافظ ابن حجر، وقد توفر فيهم من
الصدق ما لو أن أحدهم أن يخر من السماء أهون عليه من أن يكذب على رسول الله مختلفة. لذلك
استثني هؤلاء الرواة القلائل . وواضح أن هذا أمر لا يستطيع تقديره غير أولئك الأئمة المعاصرين
للرواة أو قريبي العهد بهم كما أن النادر لاحكم له .
انظر تدريب الراوي ص ٢١٧ - ٢١٨ وراجع للتوسع والتفصيل هدي الساري ٢ :
١٧٨ - ١٧٩ وقارن رأينا هنا بما ارتآه أحمد شاكر في الباعث الحثيث ص ١٠٠ - ١٠١.
- ١١٥ -

العاشرة : التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب
الفسق تقبل روايته ، إلا التائب من الكذب متعمداً في حديث
رسول الله عَ لّةٍ ، فإنه لا تقبل روايته أبداً، وإن حسنت توبته على
ما ذُكِر عن (١) غير واحدٍ من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل وأبو
بكر الْحُمَيْدي شيخ البخاري .
وأطلق الإمام أبو بكر الصيرفي الشافعي فيما وجدت(٢) له في
شرحه لرسالة الشافعي فقال: (( كل مَن أسقطنا خبره من أهل
النقل بكذب وجدناه عليه لم نَعُدْ لقبوله بتوبة تظهر ، ومن ضعفنا
نقله لم نجعله قوياً بعد ذلك . وذكر أن ذلك مما افترقت فيه الرواية
والشهادة(٣). وذكر الإمام أبو المظفّر السمعاني المروزي أن (٤) من
كذب في خبرٍ واحدٍ وجب إسقاط ما تقدم من حديثه . وهذا
يُضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي ، والله أعلم .
الحادية عشرة : إذا روى ثقة عن ثقة حديثاً وروجع(٥) المروي عنه
(١) قوله ( عن )» ليس في ع .
(٢) وفي ع ( وجدته ) .
(٣) تعقب الحافظ العراقي تفسير ابن الصلاح كلام الصيرفي بالكذب مطلقا وأنه لم يخصه
بالكذب في الحديث، فقال: ((والظاهر أن الصيرفي إنما أراد الكذب في الحديث، بدليل قوله (( من
أهل النقل)). وقد قيده بالمحدث في كتابه المسمى بالدلائل والأعلام ، فقال: وليس يطعن على
المحدث إلا أن يقول تعمدت الكذب ، فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك)) اهـ . من
هامش الأصل ، ومثله في النكت ، ووافقه السيوطي في تدريب الراوي ص ٢٢١ .
(٤) ((كل من كذب)» ع. ويرد هنا ما ورد في التعليقة السابقة.
(٥) وفي ع ( ورجع ) .
- ١١٦ -

فنفاه: فالمختار أنه إن كان جازماً بنفيه بأن قال: (( ما رويته ، أو
كذب عليّ)) أو نحو ذلك فقد تعارض الجزمان ، والجاحد هو
الأصل ، فوجب رد حديث فرعه ذلك . ثم لا يكون ذلك جرحاً له
يوجب رد باقي حديثه لأنه مكذبٌ لشيخه أيضاً في ذلك ، وليس
قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا . أما
إذا قال المروي عنه: ((لا أعرفه، أو لا أذكره )) أو نحو ذلك ،
فذلك لا يوجب رد رواية الراوي عنه .
ومن روى حديثاً ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطاً للعمل به عند
جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين ، خلافاً لقوم من
أصحاب أبي حنيفة صاروا إلى إسقاطه بذلك ، وبنوا عليه ردهم
حديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عُرْوة عن عائشة عن
رسول الله صَ ل اله: ((إذا نكحت المرأة بغير إذن وليّها فنكاحها
باطل ... الحديث))، من أجل أن ابن جُرَيج قال: ((لقيت
الزُهْريَّ فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه (١).
وكذا حديث ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن
أبي هريرة ((أن النبي عَ ◌ّ قضى بشاهد ويمين)) فان عبد
العزيز بن محمد الدَّراوَرْدِيّ قال: (( لقيت سهيلاً فسألته عنه فلم
(١) حديث عائشة أخرجه الترمذي في النكاح (باب لانكاح إلا بوليّ) ٣: ٤٠٧ - ٤٠٨.
وأبو داود ٢ : ٢٢٩، وابن ماجه ١: ٦٠٥، وسؤال ابن جريج للزهري رواه الترمذي.
- ١١٧ -

يعرفه))(١) .
(١)
والصحيح ما عليه الجمهور ؛ لأن المروي عنه بصدد السهو
والنسيان والراوي عنه ثقة جازم فلا يرد بالاحتمال روايته ، ولهذا
كان سهيل بعد ذلك يقول : حدثني ربيعة عني عن أبي ويسوق
الحديث .
وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها
عَمَّنْ سمعها منهم ، فكان أحدهم يقول: (( حدثني فلان عني عن فلان
بكذا وكذا )) . وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب ( أخبار من
حدث ونسي ) .
ولأجل أن الإنسان معرض للنسيان كره من كره من العلماء
الرواية عن الأحياء))، منهم الشافعي ، قال لابن عبد الحكم:
(( إياك والرواية عن الأحياء))، والله أعلم .
الثانية عشرة : من أخذ على التحديث أجراً منع ذلك من قبول
روايته عند قوم من أئمة الحديث . روينا عن إسحاق بن إبراهيم أنه
سئل عن المحدث يحدث بالأجر؟، فقال: ((لا يكتب عنه)). وعن
أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي نحو ذلك .
(١) حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي في (الأحكام ) باب اليمين مع الشاهد ٣ : ٦٢٧
وأبو داود في ( الأقضية) ٣ : ٣٠٩ وابن ماجه في الأحكام ٢ : ٧٩٣ ومراجعة عبد العزيز السهيل
رواها أبو داود .
- ١١٨ -

وترخص أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين وعليّ بن عبد العزيز المكي
وآخرون في أخذ العِوَض ( على التحديث ) ، وذلك شبيه بأخذ
الأجرة على تعليم القرآن ونحوه ، غير أن في هذا من حيث العرفُ
خرماً للمروءة والظنُ يساء بفاعله ، إلا أن يقترن ذلك بعذرٍ ينفي
ذلك عنه ، كمثل ما حدثنيه الشيخ أبو المظفر عن أبيه الحافظ أبي
سَعْد السَّمْعَاني أن أبا الفضل محمد بن ناصر السَّلامِي ذكر أن أبا
الحسين بن النَّقُور فعل ذلك ، لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه
بجواز أخذ الأجرة على التحديث لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه
عن الكسب لعياله ، والله أعلم(١).
الثالثة عشرة : لا تُقْبَلُ رواية من عُرفَ بالتساهل في سماع الحديث
أو إِسماعه ، كمن لا يبالي بالنوم في مجلس السماع ، وكمن يحدث لا
من أصل مقابَل صحيح .
ومن هذا القبيل من عرف بقبول التلقين في الحديث .
ولا تقبل رواية من كثرت الشواذَّ والمناكيرُ في حديثه . جاء عن
شعبة أنه قال: ((لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ)).
ولا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو في رواياته إذا لم يحدث من
أصل صحيح . وكل هذا يخرم الثقة بالراوي وبضبطه .
(١) انظر للتوسع كتاب الكفاية ص ١٥٣ - ١٥٦. وكتابنا في الجرح والتعديل.
- ١١٩ -

وورد عن ابن المبارك، وأحمد بن حنبل ، والْحُمَيْدي ، وغيرهم أن
من غلط في حديث وبُبِّنَ له غلطه فلم يرجع عنه وأصر على رواية
ذلك الحديث سقطت رواياته ولم يكتب عنه . وفي هذا نظر ، وهو
غير مستنكرٍ إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك ،
والله أعلم(١) .
الرابعة عشرة : أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار
مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها
في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدَّم ، وكانّ عليه من
تقدم .
ووجه ذلك ماقدمناه في أول كتابنا هذا (٢) من كون المقصود آل
آخراً إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من
انقطاع سلسلتها ، فَلْيُعْتَبَرْ من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض
على تجرده ، وليُكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلماً ، بالغاً ، عاقلاً ،
غير متظاهر بالفسق والسخف ، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتاً بخط
غيرِ مُتَّهم وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه .
(١) قال العراقي: ((ماذكره المصنف بحثاً، قد نص عليه ابن حبان ، فقال: إن مَنْ بُيِّنَ
له خطؤه وعلمه ، فلم يرجع عنه وتمادى في ذلك كان كذاباً بعلم صحيح . فقيّد ابن حبان ذلك
بكونه علم خطأه ، وإنما يكون عناداً إذا علم الحقّ وخالفه ، وقيد أيضاً بعض المتأخرين ذلك بأن
يكون الذي بيِّن له غلَطَه عالماً عند الْمُبَيَّنِ له ، أما إذا كان ليس بهذه المثابة عنده، فلا جرح
إذن )) انتهى من النكت وهامش الأصل بخط العراقي .
وانظر تفاصيل تفاريع هذه المسألة الثالثة عشرة في الكفاية ص ١٤٠ - ١٤٤ و ١٤٧ - ١٥٣.
(٢) ص ١٧ .
- ١٢٠ -