النص المفهرس
صفحات 21-40
المروي بإسنادين حديثين(١). ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشتهرة لأئمة الحديث ، كأبي داود السجستاني ، وأبي عيسى الترمذي ، وأبي عبد الرحمن النَّسائي، وأبي بكر ابن خُزَيْمَة ، وأبي الحسن الدارَقُطْني وغيرهم ، منصوصاً على صحته فيها . ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجوداً في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي ، وكتاب النسائي ، وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره . ويكفي مجرد كونه موجوداً في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه ككتاب ابن خزيمة ، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب البخاري وكتاب مسلم ، ككتاب أبي عوانة الإِسفرائيني ، وكتاب أبي بكر الإسماعيلي ، وكتاب أبي بكر البَرْقاني ، وغيرها ، من تتمة لمحذوف أو زيادة شرح في كثير من أحاديث الصحيحين . وكثيرٌ من هذا موجود في ( الجمع بين الصحيحين ) لأبي عبد الله الحميدي . واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث (١) في ذيل الطبعة المصرية نقلاً عن هامش النسخة المخطوطة ما يلي: قال المؤلف: (( وهكذا صحيح مسلم هو نحو أربعة آلاف حديث بإسقاط المكرر، فقد روينا عن أبي قريش الحافظ قال : كنت عند أبي زُرْعة الرازي فجاء مسلم بن الحجاج فسلم عليه ، فلما أن قام قلت له : هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح ، فقال: ولمن ترك الباقي ؟، والله أعلم )). انتهى. - ٢١ - الصحيح على ما في الصحيحين وجمع ذلك في كتاب سماه ( المستدرك ) أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين ، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما ، أو على شرط البخاري وحده ، أو على شرط مسلم وحده ، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم يكن على شرط واحد منهما . وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به . فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول ما حُكِمَ بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به(١)، إلاّ أن تظهر فيه علة توجب ضعفه (٢). ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حِبَّان البُسْتِي رحمهم الله أجمعين ، والله أعلم . الخامسة : الكتب المُخَرَّجة على كتاب البخاري أو كتاب مسلم رضي الله عنهما لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتهما في ألفاظ الأحاديث (١) في ق (( نحتج به ونعمل به)). (٢) قول ابن الـ لاح: ((فالأولى أن نتوسط ... إلخ)) قال فيه الحافظ العراقي في نكته : ص ١٨ (( وقد تعقبه بعض من اختصر كلامه وهو مولانا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة فقال: ((إنه يُتَبع ويُحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف)). وهذا هو الصواب ، إلا أن الشيخ أبا عمرو - رحمه الله - رأيه أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحح ، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه )). انتهى كلام العراقي . قلت : وقد لخص الحافظ الذهبي المستدرك وحكم على كل حديث من أحاديثه بما يليق به ، حسبما أدى إليه اجتهاده . وهو مطبوع في الهند بذيل المستدرك . - ٢٢ - بعينها من غير زيادة ونقصان ؛ لكونهم رووا تلك الأحاديث من غير جهة البخاري ومسلم طلباً لعلو الإسناد ، فحصل فيها بعض التفاوت في الألفاظ . وهكذا ما أخرجه المؤلفون في تصانيفهم المستقلة كالسنن الكبير للبيهقي ، وشرح السُّنة لأبي محمد البغوي ، وغيرهما مما قالوا فيه (( أخرجه البخاري أو مسلم)) فلا يستفاد(١) بذلك أكثر من أن البخاري أو مسلماً أخرج أصل ذلك الحديث مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ وربما كان تفاوتاً في بعض المعنى ، فقد وجدتُ في ذلك ما فيه بعض التفاوت من حيث المعنى(٢) وإذا كان الأمر في ذلك على هذا فليس لك أن تنقل حديثاً منها وتقول هو على هذا الوجه في كتاب البخاري أو كتاب مسلم ، إلا أن تقابل لفظه أو يكون الذي خرّجه قد قال أخرجه البخاري بهذا اللفظ . بخلاف الكتب المختصرة من الصحيحين ، فإن مصنفيها نقلوا فيها ألفاظ الصحيحين أو أحدهما . غير أن ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي الأندلسي منها يشتمل على زيادة تتات لبعض الأحاديث كما قدمنا ذكره ، فربما نقل مَنْ (١) وفي آ: ( نستفيد). (٢) طريقة المستخرَج هي : أن يعمد المحدث ، إلى حديث رواه البخاري فيرويه المستخرج يإسناده حتى يلتقي مع البخاري في أحد رواته ، في شيخه أو من هو فوقه. ووجه العلوّ في ذلك أن أبا نُعيم مثلاً: لو روى حديثاً عن عبد الرزاق من طريق البخاري أو مسلم لم يصل إليه إلا بأربعة ، وإذا رواه عن الطبراني عن الدَّبَرِي عن عبد الرزاق وصل باثنين . - ٢٣ - لا يُميّزُ بعضَ ما يجده فيه عن الصحيحين أو أحدهما ، وهو مخطئ لكونه من تلك الزيادات التي لا وجود لها في واحد من الصحيحين . ثم إن التخاريج المذكورة على الكتابين يستفاد منها فائدتان : إحداهما : علو الإسناد ، والثانية : الزيادة في قدر الصحيح لما يقع فيها من ألفاظ زائدة (١) وتتمات في بعض الأحاديث تثبت صحتها بهذه التخاريج لأنها واردة بالأسانيد الثابتة في الصحيحين أو أحدهما وخارجة من ذلك المخرج الثابت(٢) ، والله أعلم . السادسة : ما أسنده البخاري ومسلم - رحمهما الله - في كتابيهما بالإِسناد المتصل فذلك الذي حكما بصحته بلا إشكال . وأما [ المعلق وهو](٣) الذي حُذِفَ من مُبْتَدٍَ إسناده واحدٌ أو أكثر، وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاري وهو في كتاب مسلم قليلٌ جداً ففي بعضه نظر . وينبغي أن نقول : ما كان من ذلك ونحوه بلفظ فيه جزمٌ وحُكمْ به على من علقه عنه فقد حُكِمَ بصحته عنه ، مثاله : قال رسول الله (١) وفي أ : ( زيادة ) . (٢) للمستخرجات فوائد كثيرة ذكر منها السيوطي سبعاً في تدريبه ص ٥٩ . واستوفاها الحافظ بن حجر، كما ذكر الصنعاني نصه فيصبح الأفكار ١ : ٧٢ - ٧٣ . (٣) زيادة من نسخة الشيخ السيرمي المفرظة في المكتبة الوقفية بحلب ، وكذا ثبت في طبعة دار الكتب المصرية . - ٢٤ - ◌ّ التّ كذا وكذا ، قال ابن عباس كذا ، قال مجاهد كذا ، قال عفان كذا ، قال القعنبي كذا ، روى أبو هريرة كذا وكذا ، وما أشبه ذلك من العبارات . فكل ذلك حُكم منه على من ذكره عنه بأنه قد قال ذلك ورواه ؛ فلن يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك عنه ، ثم إذا كان الذي علق الحديث عنه دون الصحابة فالحكم بصحته يتوقف على اتصال الإسناد بينه وبين الصحابي(١) . وأما ما لم يكن في لفظه جَزْمٌ وحُكْمٌ ، مثل : رُويّ عن رسول الله عَظٍّ كذا وكذا ، أو رُويَ(٢) عن فلان كذا، أو: في الباب عن(٣) النبي ◌ٍُّ كذا وكذا ، فهذا وما أشبهه من الألفاظ ليس في شيء منه حكم منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه ؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضاً(٤) ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعرٌ بصحة أصله إشعاراً يؤنس به ويركن إليه ، والله أعلم . (١) يعني مع استيفاء سائر الشروط التي تضمنها تعريف الصحيح . (٢) كذا في ق وفي سائر النسخ (وروي ) . (٣) في آ ( في هذا عن ) . ليس فيها لفظ ( الباب ). (٤) أشار المصنف بقوله ((أيضا)) إلى أن صيغة التمريض تستعمل في الصحيح ، كما تستعمل في الضعيف ، فلذلك لم يكن شيء من ألفاظ التمريض حكماً بصحة الحديث . فإذا قلت : ما السبب في ذكر الحديث الصحيح بصيغة التمريض ؟ فالجواب : السبب أمر آخر غير الضعف ، وهو الاحتياط ، إذا اختصر الحديث ، أو أتى به بالمعنى عبر بصيغة التمريض ، ( وهي صيغة البناء للمجهول ) لوجود الخلاف المشهور في جواز الرواية بالمعنى ، والخلاف أيضاً في جواز اختصار الحديث . ويتضح ذلك لمن قابل تلك الأحاديث بأصلها . انظر نكت العراقي ص ٢٣ - ٢٤. وانظر ما يأتي في ص ١٠٤ - ٢٥ _ ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه الذي سماه به وهو ( الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله مَ ◌ّ وسُننه وأيامه ) . وإِلى الخصوص الذي بيناه يرجع (١) مطلق قوله (( ما أدخلتُ في كتاب الجامع إلا ما صح ))، وكذلك مطلق قول الحافظ أبي نصر الوايلي السجزي ((أجمعَ أهلُ العلم الفقهاءُ وغيرُهم [ على](٢) أن رجلاً لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي عَّ قد صحَّ عنه ورسول الله عَّ قاله لا شك فيه أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حِبَالته)). وكذلك ما ذكره أبو عبد الله الحميدي في كتابه الجمع بين الصحيحين من قوله (( لم نجد من الأئمة(٣) الماضين رضي الله عنهم أجمعين مَنْ أفصَح لنا في جميع ما جمعه بالصحة إلا هذين الإِمامين )) فإِنما المراد بكل ذلك مقاصدُ الكتابِ وموضوعُه ومتونُ الأبواب دون التراجم ونحوها ؛ لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعاً ، مثل قول البخاري(٤): ((باب ما يُذْكَر في الفَخِذِ ، ويُرْوَى عن ابن عباسٍ (١) ((ويرجع)) آ. ولا موضع للواو هنا. (٢) الزيادة من ق . (٣) وفي ق: ((في الأمة)). (٤) في الصلاة ١ : ٧٩ . - ٢٦ - وجَرْهَدٍ، ومحمدِ بن جَحْشٍ عن النبي عَِِّّ الفَخِذُ عورةٌ)) (١). وقوله في أول باب من أبواب الغَسْل: ((وقال بَهْزُ [ بن حكيم) (٢) عن أبيه عن جَدِّه عن النبي ◌َِّلَّ الله أحقُّ أن يُسْتَحْيَى منه)) فهذا قطعاً ليس من شرطه ، ولذلك لم يورده الحميدي في جمعه بين الصحيحين ، فاعلم ذلك ، فإنه مهمٌ خافٍ ، والله أعلم . السابعة : وإذا انتهى الأمر في معرفة الصحيح إلى ماخرَّجه الأئمة في تصانيفهم الكافلة ببيان ذلك كما سبق ذكره فالحاجة ماسةٌ إلى التنبيه على أقسامه باعتبار ذلك . فأولها : صحيحٌ أخرجه البخاري ومسلم جميعاً . الثاني : صحيحٌ انفرد به البخاري أي عن مسلم . الثالث : صحيحٌ انفرد به مسلمٌ أي (٢) عن البخاري. الرابع: صحيحٌ على شرطهما لم يخرجاه . الخامس : صحيح على شرط البخاري لم يخرجه . السادس : صحيح على شرط مسلم لم يخرجه . السابع : (١) قال الحافظ ابن حجر في تخريج الحديث عنهم: ((أما حديث ابن عباس فوصله أحمد والترمذي ، ووقع لنا بعلو في مسند عبد بن حميد. وأما حديث جرهد فوصله البخاري في التاريخ وأبو داود وأحمد والطبراني من طرق ، وفيه اضطراب وصححه ابن حبان . وأما حديث محمد بن جحش فوصله البخاري في التاريخ أيضاً وأحمد والطبراني ... )) هَذي الساري ص ٢١ طبع بولاق . (٢) ليس في ق . والحديث ترجم له البخاري ( باب من اغتسل عُريانا وحده في الخلوة ... ) ١: ٦٠ . ووصله أحمد بن حنبل وأصحاب السنن الأربعة، وليس في رواية واحد منهم توفية بلفظ الترجمة ، نعم وصله البيهقي من طريق عبد الوارث عن بهز بن حكيم ، وفيه اللفظ المذكور، كما في هَدي الساري ص ٢٠ . (٣) قوله (( أي )) ليس في آ . - ٢٧ - صَحيحُ عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما . هذه أمهات(١) أقسامه . وأعلاها الأول وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً: (( صَحيحٌ متفقٌ عليه )» ، يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم ، لا اتفاق الأمة عليه . لكن اتفاق الأمة عليه لازمٌ من ذلك وحاصلٌ معه ؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول . وهذا القسم جميعُه مقطوعٌ بصحته والعلمُ اليقيني النظري واقع به ، خلافاً لقول من نفى ذلك محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن ، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن ، والظن قد يخطئ . وقد كنت أميل إلى هذا وأحسَبُه قوياً ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولاً هو الصحيح ؛ لأن ظن من هو معصومٌ من الخطأ لا يخطئ . والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ، ولهذا كان الإِجماع المُنْبَنِي على الاجتهاد حجةً مقطوعاً بها ، وأكثر إِجماعات العلماء كذلك(٢). (١) وفي ع ((مهمات)). (٢) قال النووي في التقريب ص ٧٠ متعقباً لابن الصلاح: ((وخالفه المحققون والأكثرون ، فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر)). وقال في شرح مسلم: ١: ٢٠ ((فإنها أحاد والأحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري في ذلك وغيرهما ، وإنما يفترق الصحيحان عن غيرهما من الكتب في كون ما فيها صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه ، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح ، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيها إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي مُّ)). انتهى ملخصاً . - ٢٨ - وهذه نكتة نفيسة نافعة ، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلمٌ مندرجٌ في قَبيل ما يُقْطَعُ بصحته لتلقي الأمة كل واحدٍ من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق ، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقُطْني وغيره ، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن ، والله أعلم . الثامنة : إِذا ظهر بما قدمناه انحصارُ طريق معرفة الصحيح والحسن الآن في مراجعة الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة ، فسبيل من أراد العمل أو الاحتجاج بذلك إذا كان ممن يسوغ له العملُ بالحديث أو الاحتجاجُ به لذِي مذهب ، أن يرجع إلى أصلٍ قد قابله هو أو ثقة غيره بأصولٍ صحيحةٍ متعددةٍ مرويةٍ برواياتٍ متنوعة ؛ ليحصل له بذلك - مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف - الثقةُ بصحة ما اتفقتْ عليه تلك الأصول ، والله أعلم النوع الثاني معرفة الحَسَن من الحديث رُوِّينا عن أبي سليمان الخطابي رحمه الله أنه قال(١) بعد حكايته أن الحديث عند أهله ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي قدَّمنا ذكرها : (١) في كتابه ((معالم السُّنن شرح مختصر سنن أبي داود)) ١: ١١. - ٢٩ - ((الحسَنُ ما عُرفَ مَخْرَجُه واشتَهَر رجاله)) قال: (( وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء)) . ورُوِّينا عن أبي عيسى الترمذي رضي الله عنه أنه يريد بالحَسَن (( أن لا يكونَ في إسناده من يُتَّهَمُ بالكذب ولا يكونَ حديثاً شاذاً ويروى من غير وجهٍ نحو ذلك )) . وقال بعض المتأخرين: ((الحديثُ الذي فيه ضعْفٌ قريبٌ مُحْتَمَلٌ هو الحديث الحسن ويصلح للعمل به ))(١) . قلت : كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل ، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسنَ من الصحيح (١). (١) هذا تعريف ابن الجوزي في كتابه ( الموضوعات ). (٢) قال الترمذي في كتاب العلل : ((كل حديث يُرْوَى لا يكون في إسناده متّهم بالكذب ، ولا يكون الحديث شاذاً ، ويروى من غير وجه نحو ذلك ، فهو عندنا حديث حسن». فاعترض عليه بأمور منها : أولاً : أنه لم يميز الحديث الصحيح من الحسن ، لأن التعريف ينطبق على الصحيح أيضاً. ثانياً: أنه خالف تعريف نفسه حيث يقول كثيراً في كتابه ((حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)). وقد حققنا شرح التعريف في كتابنا (« الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين)). وخلاصته: (( إن الحسن الذي عرفه الترمذي هو ما أفرده في الحكم على الحديث من غير وصف آخر، وهو : الحديث الذي يكون راويه مستوراً غير مغفل كثير الخطأ ، أو يكون راويه سيء الحفظ ، أو موصوفاً بالغلط أو الخطأ أو الاختلاط مع الصدق والأمانة ، أو يكون إسناده غير متصل ، أو يكون فيه مدلس رَوَى بالعنعنة ، مع سلامته من أن يكون فيه = - ٣٠ - وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث جامعاً بين أطراف كلامهم ملاحظاً مواقع استعمالهم فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان : أحدهما : الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقق(١) أهليته غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ فيما يرويه ولا هو متهم بالكذب في الحديث ؛ أي لم يظهر منه تَعَمُّد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مُفَسِّقٌ ، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِفَ بأن رُوِيَ مثلُه أو نحوه من وجهٍ آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعةِ مَنْ تابعَ راوِيَه على مثله أو بما لَه من شاهدٍ وهو ورود حديث آخر بنحوه فَيَخْرُج بذلك عن أن يكون شاذاً ومنكراً ، وكلام التِّرْمِذي على هذا القسم يتنزل . القسم الثاني : أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقَصِّر عنهم في الحفظ والإتقان ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدُّ ما ينفرد به من = متهم بالكذب أو متروك الحديث ، وكل ذلك مشروط بأمرين : ١ - أن لا يكون شاذاً . ٢ - أن يُرْوَى من غير وجه بلفظه أو معناه . ومنه تعلم اندفاع الاعتراضين : أما الأول فلأن راوي الحسن أنزل من الصحيح كما يشير لذلك وصف الترمذي بأنه غير متهم بالكذب ، ولا يصلح عادة أن يقول في راوي الصحيح ذلك بل يصفه بالعدالة والضبط ، وأما الثاني فلأنه غير داخل في التعريف)). انظر تفاصيل ذلك في كتابنا المذكور ص ١٦٢ - ١٦٩ . وانظر شرح علل الترمذي ، وتعليقنا عليه ص ٣٨٤ - ٣٨٨ . (١) (( لم تحقق)). أ. - ٣١ - حديثه منكراً ، ويُعْتَبَرُ في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذاً ومنكراً - سلامته من أن يكون معللاً . وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي . فهذا الذي ذكرناه جامعٌ لما تفرَّق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك ، وكأنّ الترمذي ذكر أحد نوعي الحَسَن ، وذكر الخطابي النوع الآخر مقتصراً كل واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشْكِل ، مُعرضاً عما رأى أنه لا يشكل ، أو أنه غَفِلَ عن البعض وذَهِل ، والله أعلم ، هذا تأصيل ذلك . ونوضحه بتنبيهات وتفريعات : أحدها : الحسَن يتقاصرُ عن الصحيح في أن الصحيح من شرطه أن يكون جميع رُواته قد ثبتت عدالتهم وضبطهم وإتقانهم ؛ إِما بالنقل الصريح، أو بطَريق(١) الاستفاضة على ما سنبينه إن شاء الله تعالى ، وذلك غير مشترط(٢) في الحسن ؛ فإنه يُكتَفَى فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوهٍ وغير ذلك مما تقدم شرحه . وإِذا استبعد ذلك من الفقهاء الشافعية مُسْتَبْعِدٌ ذكرنا له نص الشافعي رضي الله عنه في مراسيل التابعين : أنه يقبل منها المرسل الذي جاء نحوه مسنداً ، وكذلك(٣) لو وافقه مرسل آخر أرسله من (١) وفي أ: (وإما بطريق ). (٢) وفي أ: ( مشروط ) . (٣) وفي أ : ( وكذا ) . - ٢٢ - أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول في كلام له (١) ذكر فيه وجوهاً من الاستدلال على صحة مَخْرَجِ المرسل لمجيئه(٢) من وجهٍ آخر . وذكرنا له أيضاً ما حكاه الإمام أبو المظفر السمعاني وغيره عن بعض أصحاب الشافعي من أنه تقبل رواية المستور وإن لم تقبل شهادة المستور ولذلك وجه متجه ، كيف وإنا لم نكتف في الحديث الحسن بمجرد رواية المستور على ما سبق آنفاً ! والله أعلم . الثاني : لعل الباحثَ الفَهِمَ يقول : إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها مع كونها قد رُويَت بأسانيدَ كثيرةً من وجوهٍ عديدةٍ مثل حديث ((الأذنان من الرأس))(٣) ونحوه فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من (١) في ((الرسالة)): ص ٤٦١ - ٤٦٧. وانظر تحقيق مذهب الشافعي في المرسل لزاماً في تعليقنا الآتي على ص ٥٤ . (٢) وفي ق ( بمجيئه ) . (٣) أخرجه أحمد في المسند ٢: ٢٥٨ عن أبي أمامة، وكذلك أبو داود في ( باب صفة وضوء النبي ◌َ ◌ّ) ١: ٣٧ والترمذي في ( باب أن الأذنين من الرأس) ١ : ٥٣ وابن ماجه في ( باب الأذنان من الرأس ) ١: ١٥٢ وأخرجه ابن ماجه أيضاً عن أبي هريرة وعبد الله بن زيد، والدارقطني ١ : ٩٧ - ١٠٥ عن أنس ، وأبي موسى، وابن عباس ، وابن عمر، وعائشة. ولم يخل شيء من طرق الحديث من قَدْح ، حتى قدح فيه الدارقطني وعبد الحق وغيرهما ، وأخذ بذلك المصنف رحمه الله تعالى . لكن تقوية الحديث بكثرة طرقه هنا ظاهرة ، لذلك جعله ابن القطان من الحديث الحسن أو الصحيح. انظر التفصيل في: نصب الراية ١: ١٨ - ٢٠ ، وفيض القدير للمناوي شرح الجامع الصغير ٣: ١٧٣ ، وشرح العزيزي ٢ : ١٢٨ . علوم الحديث (٦) - ٣٣ _ نوع الحسن لأن بعض ذلك عَضَد بعضاً كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفاً . وجواب ذلك أنه ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت ، فمنه ضعفٌ يزيله ذلك ، بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة(١). فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجهٍ آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له . وكذلك إِذا كان ضعفه من حيث الإِرسال زال بنحو ذلك ، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إِذ فيه ضعف قليل يزول برِوايَتِه من وجهٍ آخر . ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الرَّاوي متهماً بالكذب أو كون الحديث شاذاً(٢) . وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث(٣) ، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة ، والله أعلم . الثالث : إِذا كان راوي الحديث متأخراً عن درجة أهل الحفظ (١) ((والأمانة)) آ. (٢) ومثل المتهم بالكذب من كان شديد الضعف ، وضابطه هو أن يكون من مراتب الجرح التي لا يعتبر بها . (٣) قوله: ((وهذه جملة)) إلى ((والبحث)) ليس في ق . - ٣٤ _ والإتقان ، غير أنه من المشهورين بالصدق والسِتْر، ورُوي مع ذلك حديثُه من غير وجه ، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين ، وذلك يُرَقّي حديثَه من درجة (١) الحَسَن إلى درجة الصَّحيح . مثاله : حديث محمد بن عمرو عن أبي سَلَمَة عن أبي هريرة أن رسول الله عَ ◌ّةٍ قال: (( لولا أن أشْقَّ على أمتي لأمرتهم بالسّواك عند كلِّ صلاة )). فمحمدٌ بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة ، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضَعَّفه بعضهم من جهة سوء حفظه ووثّقه بعضهم لصدقه وجلالته ، فحديثه من هذه الجهة حسن ، فلما انضم إلى ذلك كونه رُوِيَ من أوجهٍ أَخَر(٢) زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه وانجبر به ذلك النقص اليسير، فصح هذا الإسناد والتحق بدرجة الصحيح (٢) ، والله أعلم . الرابع : كتاب أبي عيسى التِّرْمِذي رحمه الله أصلٌ في معرفة (١) قوله : ( من درجة ) ليس في آ. (٢) وفي ع ( وَجْه آخر ) . (٣) رواية محمد بن عمرو أخرجها الترمذي في الطهارة ( باب ماجاء في السواك ) ١ : ٣٤. والحديث مخرج في الصحيحين من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، البخاري ( باب السواك يوم الجمعة ) ٢: ٤، ومسلم ١: ١٥١. لذلك قال الترمذي: ((وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه )). اهـ . ويسمى الحديث الحسن إذا تقَوَّى وارتقى إلى الصحة : ( الصحيح لغيره ) ، ويسمى الضعيف إذا ارتقى لدرجة الحسن : ( الحسن لغيره ) . - ٣٥ _ الحديث الحَسن ، وهو الذي نوّه باسمه(١) وأكثر من ذكره في جامعه . ويوجد في متفرقاتٍ من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله ، كأحمد بن حنبل ، والبُخاري ، وغيرهما . وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله: ((هذا حديث حسن)) أو (( هذا حديث حسن صحيح)) ونحو ذلك . فينبغي أن تصحح أصلك به بجماعة أصول وتعتمد على مااتفقت عليه . ونص الدارَقُطْنِي فِي سُنَنِه على كثيرٍ من ذلك . ومن مظانِّه سنن أبي داود السَّجَستاني رحمه الله تعالى (٢). رَوينا عنه أنه قال: (( ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه)). وروینا عنه أيضاً ما معناه : أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب . وقال: ((ما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهن شديد فقد بَيِّنْتُهُ ، ومالم أذكر فيه شيئاً فهو صالح وبعضها أصح من بعض )). قلتُ : فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحدٍ من الصحيحين ولانصّ على صحته أحدٌ ممن يميِّز بين الصحيح والحَسن عرَّفناه بأنه من الحسن عند أبي داود ، وقد يكون في ذلك ماليس بحسنٍ عند غيره ولامندرج فيما حققنا ضَبْطَ الحسن به على ما سبق(٢) ، إِذ حكى أبو عبد الله بن مَنْدَهْ الحافظ أنه سمع محمدَ بن (١) وفي أ ( نوّه اسمه ) . (٢) كلمة ((تعالى)) زيادة من آ، وانظر كلام أبي داود في رسالته إلى أهل مكة ص٦. (٣) في ص ٣٠ ، وقد اعترض بعض العلماء على وصف ماسكت عليه أبو داود بأنه ( حسن ) وفصّل البحث فيه الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي في نكته على ابن الصلاح ثم قال ص٣٩: ((والاحتياط أن يقال فهو (صالح) كما عبر أبو داود به)). - ٣٦ - سعد الباورْدي(١) بمصر يقول: ((كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يُخَرِّجَ عن كل من لم يُجْمَعْ على تركه)) ، قال ابن منده: «وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويُخرِّج الإسنادَ الضعيف إذا لم يجد في الباب(٢) غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال ))، والله أعلم(٣). الخامس : ماصار إليه صاحب المصابيح - رحمه الله - من تقسيم أحاديثه إلى نوعين : الصِّحاح ، والحِسان ، مُريداً بالصِّحاح ما ورد في أحد الصحيحين أو فيهما ، وبالحسان ماأورده أبو داود والتِّرْمِذي وأشباهُهُما في تصانيفهم ، فهذا اصطلاح لا يعرف ، وليس الحسنُ عند أهل الحديث عبارةً عن ذلك . وهذه الكتب تشتمل على حسنٍ وغيرِ حسن كما سبق بيانه ، والله أعلم . معا السادس: كتب المسَانِيدٌ(٤) غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي الصحيحان ، وسننُ أبي داود ، وسنن النسائي ، وجامعُ الترمذي ، (١) وفي آ ((البارودي)) وهو تصحيف . (٢) من هنا ابتداء الأصل المقروء على المصنف رحمه الله تعالى في النسخة التركية ، وفي أعلى الصفحة بخطه: (( بلغ مشتركاً في جمعٍ ولله الحمد )) . (٣) وعلى هذا يكون المراد من قول أبي داود ((صالح)) المعنى الأعم الذي يشمل الصحيح والحسن والضعيف ضعفاً يسيراً، وهذا هو التحقيق في المسألة كما يشهد له واقع سنن أبي داود ، وانظر منهج النقد ص ٢٧٧ . (٤) كذا فوقها في النسخة الأصل أنها ( المساند ) وعليها كلمة ( معاً). أي أنها صحيحة على الوجهين معاً . - ٣٧ _ وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقاً ، كمسندِ أبي داود الطَيالِسي ، ومَسنَدٍ عبيد الله بن موسى ، ومسند أحمد بن حنبل ، ومسند إسحاق بن راهُوْيَه ، ومسند عَبْد بن حُمَيد ، ومسند الدارمي ، ومسند أبي يعلى المَوْصِلِي ، ومسند الحسن بن سفيان ، ومسند البزّار أبي بكر، وأشباهها . فهذه عادتهم فيها أن يُخرِّجوا في مسند كل صحابي مارووه من حديثه غير متقيدين بأن(١) يكون حديثاً محتجاً به، فلهذا(٢) تأخَّرت مرتبتها - وإن جَلَّتْ لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب ، والله أعلم . السابع: قولهم (( هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد)) دون قولهم ((هذا حديث صحيح أو حديث حسن))؛ لأنه قد يقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد )) ولا يصح ؛ لكونه شاذاً أو معللاً ، غير أن المصنّف المعْتَمد منهم إذا اقتصر على قوله إنه صحيح الإسناد ولم يذكرْ له علَّة ولم يَقْدَحْ فيه فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه ، لأن عدم العلة والقادح هو الأصل(٣) والظاهر، والله أعلم (٤) . (١) وفي ق ( أن ) . (٢) وفي ق ( فبهذا ) . (٣) وفي آ ( هو الظاهر ) . (٤) قال شيخ الإسلام: والذي لا أشك فيه أن الإمام منهم لا يعدل عن قوله ((صحيح)) إلى قوله ((صحيح الإسناد)) إلا لأمر ما . تدريب الراوي ص ٩٢. - ٣٨ - الثامن: في قول التِّرْمِذي وغيره: ((هذا حديث حسن صحيح)) إشكال(١) ؛ لأن الحسن قاصرٌ عن الصحيح ، كما سبق إيضاحه ، ففي الجمع بينهما في حديثٍ واحدٍ جمعٌ بين نفي ذلك القصور وإثباته ؟ !. وجوابه : أن ذلك راجع إلى الإسناد ، فإذا رُويّ الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إِسناد حسنّ، والآخر إِسنادٌ صحيحٌ استقام أن يقال فيه : إنه حديثٌ حسنٌ صحيح ، أي إِنه حسن بالنسبة إلى إسنادٍ ، صحيح بالنسبةِ إلى إسنادٍ آخر . على أنه غير مُستَنْكَرٍ أن يكون بعض من قال ذلك أراد بالحسن معناه اللُّغوي وهو ما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب ، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصددِه فاعلم ذلك(٣) ، والله أعلم . (١) في هامش النسخة الأصل ما يلي: ((حاشية: قال المؤلف رضي الله عنه: وجدت في أصل الحافظ أبي حازم العبدوي بكتاب الترمذي في حديث معاذ : فيم يختصم الملأ الأعلى: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح)) انتهى . وقوله صحيح مطموس أثبتناه من نسخة دار الكتب ، لكن فيها تصحيفاً . (٢) أكثر الترمذي من استعمال هذه العبارات الأربعة: ( صحيح غريب)، ( حسن غريب )، ( حسن صحيح ) ، ( حسن صحيح غريب ) . وقد أشكل أمر ذلك على العلماء ، وكثرت أقوالهم فيها ، لاسيما قوله : (( حسن صحيح )) وخلاصة التحقيق في ذلك : ( ان الحديث إذا روي بإسناد واحد وقد بلغ الصحة قال الترمذي: ((صحيح غريب)). فإذا كان دون الصحة لكنه ليس بضعيف وهو الحسن لذاته فإنه يقول: ((حسن غريب)) وقد يريد غرابة السند لا المتن. وإذا تعدد الإسناد وبلغ الحديث درجة الصحة قال ((حسن صحيح)) أي أنه صحيح خرج عن حد الغرابة . وإذا كان في بعض طرقه غرابة قال: ((حسن صحيح غريب)) والمعنى على ماذكرنا في = - ٣٩ - التاسع : مِنْ أهل الحديث مَن لا يُفْرِدُ نوعَ الحسن ، ويجعَلُه مندرجاً في أنواع الصحيح ، لاندراجه في أنواع ما يُحتج به ، وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرفاته ، وإليه يُومي في تسميته كتابَ التِّرْمِذي بالجامع الصحيح ، وأطلق الخطيب أبو بكر أيضاً عليه اسم الصحيح وعلى كتاب النسائي ، وذكر الحافظ أبو الطاهر السَّلَفِي الكتبَ الخمسةَ، وقال: (( اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب )). وهذا تساهل لأن فيها ماصرحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف(١) . وصرح أبو داود فيما قدمنا روايته عنه بانقسامٍ ما في كتابه إلى صحيح وغيره ، والتِّرْمِذي مصرح فيا في كتابه بالتمييز بين الصحيح والحسن . ثم إن من سمى الحسن صحيحاً لا ينكر أنه دون الصحيح المقدَّمِ المبيَّنِ أولاً ، فهذا إِذاً اختلاف في العبارة دون المعنى ، والله أعلم . = حسن صحيح أيضاً. وإذا كان الحديث الذي قال فيه: ((حسن صحيح غريب)) مروياً بإسناد فرد - وهو قليل نادر - فإنه يبين ذلك التفرد والكلام على تقدير ( أو) للتردد فيه بين الحسن والصحة ، والله أعلم . انظر تفصيل تحقيقنا في ذلك في كتاب ( الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ) ص ١٨٥ - ١٩٩. وقارن بشرح علل الترمذي لابن رجب ص ٣٨٥ - ٣٨٩ و ٣٩١ - ٣٩٣ . (١) وفي ع ( أنواع الضعيف ) وفي ق ( أوصاف للضعيف). - ٤٠ -