النص المفهرس
صفحات 381-400
٧ - الشرط على أهل الذمة
١٨٥٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا
أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا الربيع بن سليمان ، قال : قال
الشافعي ( رحمه الله ): إذا أراد الإمام أنْ يكتب كتابَ صُلح على الجزية كتب ،
فحکیا الكتاب (١) .
١٨٥٦٢٠ - وقد نقله إلى «المبسوط))، وذكر فيه: على أنَّ أحداً منهم إن ذكر
محمداً رسول الله - أو كتاب اللَّه أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به فقد بَرِئَتْ منه
ذمة الله (عز وجل)، وعلى أنَّ أحداً من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنا .. ، -
وذكر أشياء في معنى هذا - فقد نقض عهده ، وعلى أُنْ ليس لكم أنْ تظهروا في
شيء من أمصار المسلمين الصليب ، ولا تغلبوا بالشرك ، ولا تبنوا كنيسة ولا
تضربوا بناقوس .. ، وساق الكتاب (٢) .
١٨٥٦٣ - قال أحمد: وقد روينا عن الشعبي ، عن علي أنَّ يهودية كانت
تشتم النبي وتقع فيه فخنقها رجلٌ حتى ماتت فأبطل رسول اللَّه 4 دمها (٣) ..
١٨٥٦٤ - وفي رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عن الشافعي أنه قال : لم
يختلف أهل السيرة عندنا : ابن إسحاق ، وموسى بن عقبة ، وجماعة ممن روى
السيرة أُنَّ بني قينقاع كان بينهم وبين رسول اللَّه ◌َ﴾ موادعة وعهدٌ، فأتت امرأة من
الأنصار إلى صائغ منهم ليصوغ لها حليًا ، وكانت اليهود معادية للأنصار ، فلما
(١) ((الأم)) (٤: ١٩٧) في أول باب ((إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كَتَبَّ
بسم الله الرحمن الرحيم .
(٢) ((الأم)) ( ٤ : ١٩٨).
(٣) السنن الكبرى (٩: ٢٠٠)، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الحدود ، رقم ( ٤٣٦٢).
باب ((الحكم فيمن سبَّ النبي )) (٤: ١٢٩).
٣٨١
٣٨٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ١٣
جلست عند الصائغ عَمَّدَ إلى بعضٍ حدائده ، فشدَّ به أسفل ذيلها وجيبها وهي
لا تشعر ، فلما قامَتْ وهي في سوقهم نظروا إليها منكشفة ؛ فجعلوا يضحكون
منها ويسخرون ؛ فبلغ ذلك رسول اللَّه ◌َ﴾؛ فنابَذَهُمْ ، وجعل ذلك منهم نقضًا
للعهد (١) .
١٨٥٦٥ - قال في قصة بني النضير حين جلاهم ، وكان سبب ذلك أنه أتاهم في
عقل الكلابيين، انتمروا أُنْ يلقوا عليه حجراً من فوق بيت ، فأطلعه اللَّه على
خيانتهم وما أرادوا من ذلك، فحاربهم رسول اللّه ◌َ وأجلاهم (٢).
١٨٥٦٦ - وما صنعَ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في اليهودي الذي
استكره المرأة فوطأها ، فأمر به فصلب ، وقال: مَنْ فعل منهم هذا فلا عهد له (٣).
١٨٥٦٧ - وذكر حديث ابن عُلية ، عن خالد ، عن ابن أشوع ، عن الشعبي ،
عن عوف بن مالك أنَّ يهوديا نَخَسَ بامرأة من المسلمين وهي على دابة فلم تقع ، ثم
حتى عليها التراب يريدها على نفسها ، فضربه عوف بن مالك فأتى اليهودي عمر
فأخبره الخبر ، فقال: هؤلاء القوم لهم عهد ما وفوا ، فإذا بدلوا فلا عهد لهم (٤).
(١) سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٦)، وابن سعد (٢: ٢٨)، والطبري (٢ : ٤٧٩)، ومغازي
الواقدي (١: ١٧٦)، وابن حزم (١٥٤)، وعيون الأثر ( ٢: ٣٥٢)، وتاريخ ابن كثير (٤ :
٥ )، والتُّوَيري (١٧: ٦٧)، والسيرة الحلبية (٢: ٢٧٢)، والسيرة الشامية (٤: ٢٦٥)،
والسنن الكبرى (٩: ٢٠٠).
(٢) القصة بطولها في دلائل النبوة للبيهقي (٣: ١٨٠)، وانظر في غزوة بني النضير : ابن هشام
(٣ : ١٤٢)، والواقدي (١: ٣٥٣)، وابن سعد ( ٢: ٥٧)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٥٠)،
وصحيح البخاري ( ٥: ٨٨)، وفتح الباري ( ٧: ٣٢٩)، وأنساب الأشراف (١ : ١٦٣)،
وابن حزم ( ١٨١)، وعيون الأثر (٢: ٦١) والدُّرر لابن عبد البر (١٦٤)، وتاريخ ابن كثير
(٤: ٧٤)، والنويري (١٧: ١٣٧) والسيرة الحلبية (٢: ٣٤٤)، والسيرة الشامية
(٣) انظر الحاشية التالية .
( ٤ : ٫٤٥١ ) .
(٤) مصنف عبد الرزاق (١٠: ٣٦٣،٣١٥)، وستن البيهقي الكبرى (٩: ٢.١)، وخراج
أبي يوسف (٢١٣) والمغني (٧ : ٦٦٣).
٣٦ - كتاب الجزية / ٧ - الشرط على أهل الذمة - ٣٨٣
١٨٥٦٨ - وذكر حديث ابن المبارك ، وقد :
أخبرناه أبو علي الروذباري، { وأبو محمد } (١) بن يحيى السكري في آخرين،
قالوا : حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عبد الله
ابن المبارك ، عن معمر ، عن زيد بن رفيع ، عن حرام بن معاوية ، قال : کتب إلينا
عمر بن الخطاب ( رضي اللّه عنه) أُنْ أدبوا الخيل ، ولا يرفعن بين ظهرانيكم
الصليب ، ولا يجاورنكم الخنازير (٢).
١٨٥٦٩ - ذكره الشافعي، قال : كتب إلى أهل الشام (٣).
٠ ١٨٥٧ - وذكر حديث عن الأوزاعي ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز : ألا
يظهروا الخمر .
١٨٥٧١ - قال الأوزاعي : فرأيت قومًا تعدوا في حملها فحرقت زقاقهم .
قال الشافعي في جملة ما يشترط على أهل الذمة : وأنْ يفرقوا بين هيآتهم في
الملبس والمركب وبين هيآت المسلمين ، وأُنْ يعقدوا الزنانير في أوساطهم .
١٨٥٧٢ - وهذا لما روينا في الثابت عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء
الأجناد : أُنْ اختموا رقاب أهل الجزية في أعناقهم (٤) ..
١٨٥٧٣ - وروي عنه من وجه آخر أنه كتب إلى أمراء الأجناد فأمرهم أُنْ يختموا
في رقاب أهل الجزية بالرصاص ، ويصلحوا مناطقهم - يعني بالزنانير - ، ويجزوا
نواصيهم ، ويركبوا على الأكف عرضًا ولا يتشبهوا بالمسلمين في ركوبهم (٥).
(١) مكانها بياض في الأصل، وهو أبو محمد : عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار البغدادي
السُّكْري ، وهو وأبو علي الروذباري سمعا إسماعيل الصفّار وحدثا عنه ، وكلاهما من شيوخ البيهقي .
(٢) مصنّف عبد الرزاق ( ٦: ٦١)، (٩ : ٢٤٨)، (١١: ٤٦٢)، والأموال (٩٥)،
وسنن البيهقي الكبرى (٩ : ٢.١).
(٣) ((الأم)) (٤: ٢.٦).
(٤) خراج أبي يوسف ( ١٥٣)، الأموال (٥٢)، السنن الكبرى (٩: ٢.٢ - ٢.٣).
(٥) السنن الكبرى (٩: ٢٠٣)، وخراج أبي يوسف ( ١٥٣).
٨ - الوصاة بأهل الذمة خيراً
١٨٥٧٤ - روينا في الحديث الثابت عن عمرو بن ميمون ، عن عمر بن الخطاب
أنه قال: أُوْصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِأُهْلِ الذَّمَّةِ خَيْرًا أَنْ يُوفِّي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ
يُقَاتِلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لاَ يَكَلِّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ (١) .
١٨٥٧٥ - وروينا عن النبي # أنه قال: ((إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِداً، أُوْ انْتَقَصَهُ
أُوْ كَلْفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أُخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ ، وَمَنْ قَتَلَ مُعَاهِدَاً لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الجَنَّةِ »(٢) .
(١) أخرجه البخاري في الجنائز، باب ((ما جاء في قبر النبي #& وأبي بكر وعمر، وفي الجهاد،
وفي مناقب عثمان ، وفي تفسير سورة الحشر ، وأخرجه النسائي في التفسير من سننه الكبرى على ما
جاء في تحفة الأشراف ( ٨ : ٩٦).
(٢) من حديث طويل رواه النّواس بن سمعان، وطرقه: ((ذكر رسول اللَّه ◌ِ الدّجّال ذات غداة)).
أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( ٤: ١٨١)، ( ٦: ٤٥٤، ٤٥٦)، ومسلم في كتاب الفتن .
رقم (٧٢٣٠) من طبعتنا ص ( ٨: ٣٦٦)، باب ((ذكر الدّجّال وصفته وما معه))، وبرقم:
١١٠ - (٢١٣٧)، ص (٢٢٥٠) من طبعة عبد الباقي، ورواه أبو داود في الملاحم (٤٣٢١)،
باب ((خروج الدّجال)) (٤: ١١٧)، والترمذي في الفتن (٢٢٤٠)، باب «ما جاء في فتنة
الدّجّال)) (٤: ٥١٠ - ٥١٤)، والنسائي في فضائل القرآن، باب ((الكهف)) ص ( ٤٦).
وفي اليوم والليلة ص ( ٥٢٧)، وانظر تحفة الأشراف ( ٩: ٦٠)، ورواه ابن ماجه في الفتن
(٤.٧٥، ٤٠٧٦)، باب ((فتنة الدّجال وخروج عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج)) (٢ :
٠٠
١٣٥٦ - ١٣٥٩)، وموضعه في سنن البيهقي الكبرى (٩: ٢.٥).
٣٨٤
٠٫
٩ - سكنى الحجاز
١٨٥٧٦ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي : وإن سأل من يؤخذ منه الجزية أُنْ يعطيها ويجري عليه الحكم على أنْ
یسکن الحجاز لم یکن ذلك له (١) .
١٨٥٧٧ - والحجاز : مكة ، والمدينة ، واليمامة ومخالفها كلها ، لأنّ تركهم
سكنى الحجاز منسوخ (٢).
١٨٥٧٨ - وقد كان رسول الله ﴾ استثنى على أهل خيبر حين عاملهم فقال:
(« أُقِرَكُم مَا أُقَرَّكُمُ اللَّهُ)) (٣) ، ثم أمرنا بإجلائهم من الحجاز ...
١٨٥٧٩ - ثم ساق الكلام إلى أنْ قال: يحتمل أمر النبي #& بإجلائهم منها أُنْ
لا یسکنوها .
٠ ١٨٥٨ - ويحتمل - لو ثبت عنه ((لاَ يَبْقَينَّ دِينَانِ بَأَرْضِ العَرَبِ)) (٤) لا يبقين
دينان مقيمان .
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٧٧)، باب ((مسألة إعطاء الجزية على سُكْنى بلد
ودخوله )» .
(٢) ((الأم)) (٤ : ١٧٨).
(٣) رواه مالك في أول كتاب المساقاة، باب ((ما جاء في المساقاة))، (٢: ٧٠٣)، مرسل
عن سعيد بن المسيب ، وأخرجه البخاري من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر في كتاب الشروط
رقم (٢٧٣٠)، باب ((إذا اشترط في المزارعة: إذا شئت أخرجتك))، فتح الباري (٥ : ٣٢٧)،
ومسلم في كتاب المساقاة ، حديث رقم ( ٦) من طبعة عبد الباقي ، وأبو داود في كتاب الإمارة ،
رقم (٣٠٠٧)، باب ((ما جاء في حكم أهل خيبر))، وموضعه في كتاب ((الأم)) للشافعي
(٤ : ١٧٨ ) .
(٤) رواه الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٧٨)، والبخاري في الجزية، باب ((إخراج اليهود من
جزيرة العرب))، ومسلم في الوصية ، حديث رقم ( ٤١٥٦) من طبعتنا بمعناه ، وأبو داود في السنن
( ٣: ١٦٥)، وهو بهذا اللفظ في موطأ مالك (٢: ٨٩٢، ٨٩٣).
٠٫
٣٨٥
٣٨٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ١٣
ولولا أنَّ عمر ولي إخراج أهل الذمة بما ثبتَ عنده من أمرِ رسولِ اللَّه ◌ٍَّ وأُنَّ أمر
رسول اللّه ◌َى يحتمل ما رأى عمر من أجل أنَّ من قدم من أهل الذمة تاجراً لا يقيم
فيها بعد ثلاث لرأيت أنْ لا يصالحوا بدخولها بكل حال (١).
١٨٥٨١ - قال الشافعي : أخبرنا يحيى بن سليم ، عن عبيد الله بن عمر ، عن
نافع ، عن ابن عمر أُنَّ عمر بن الخطاب .. فانقطع الحديث من الأصل . وكَأنَّهُ تَرَكَهُ
لشكِّ عَرَضَ له ، فالحديث عن عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس ، عن نافع ، عن
أَسَلم مولى عمر : أُنَّ عمر بن الخطاب ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة
إقامة ثلاث ليال يتسوَّقُونَ بها ، ويقضونَ حوائجهم ، ولا يقيم أحدٌ منهم فوق ثلاث
لیال (٢).
١٨٥٨٢ - قال الشافعيُّ: ولم أعلم أحداً أجلى أحداً من أهل الذمة من اليمن
وقد كانت بها ذمة وليست اليمن بحجاز (٣).
١٨٥٨٣ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري من
أصله ، قال : أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور
حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله
يقول :
أخبرنا عمر بن الخطاب أُنَّ رسول اللَّه تَّه قال: ((أُخْرِجُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ
جَزِيرَةِ العَرَبِ لَ يَبْقَى فِيهَا إِلَّ مُسْلِم » (٤).
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٧٨)، باب ((مسألة إعطاء الجزية على سكنى بلد
ودخوله )» .
(٢) ((الأم)) (١٧٨:٤)، ومصنّف عبد الرزاق (.٣٥٧:١)، وسنن البيهقي الكبرى (٢.٩:٩)
(٣) ((الأم)) ( ٤ : ١٧٨ ).
(٤) أخرجه مسلم في المغازي رقم (٤٥١٣، ٤٥١٤) من طبعتنا ص (٦: ٨٤)، باب ((إخراج
اليهود والنصارى من جزيرة العرب)) وأبو داود فى كتاب الإمارة، رقم (٣.٣٠)، باب ((في
إخراج اليهود من جزيرة العرب)» ( ٣: ١٦٥)، والترمذي في السير، رقم ( ١٦.٦، ١٦.٧)،
باب ((ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب)) (٤: ١٥٦).
٣٦ - كتاب الجزية / ٩ - سكنى الحجاز - ٣٨٧
رواه مسلم بن الحجاج في الصحيح عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق .
١٨٥٨٤ - قال أحمد : وقد روينا في الحديث الثابت عن ابن عباس أنَّ النبي
44 قال في مرضه: «أُخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ)) (١).
١٨٥٨٥ - وقال في رواية عمر بن عبد العزيز ، وابن شهاب منقطعًا :
((لاَ يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ العَرَبِ)) (٢).
١٨٥٨٦ - والمراد به - والله أعلم - أرض الحجاز خاصة لما روينا في الحديث
الثابت عن ابن عمر: أُنَّ عمر أُجْلَى اليهود والنصارى مِنْ أُرْضِ الحجاز (٣).
(١) أخرجه البخاري في المغازي (٤٤٣١)، باب ((مرض النبي # ووفاته)). فتح الباري (٨:
١٣٢)، وفي الجهاد، وفي الجزية، ومسلم في كتاب الوصية، الحديث ( ٤١٥٤) من طبعتنا ص
(٥: ٤١٢)، باب ((ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه)) وأبو داود في الخراج، رقم
(٣.٢٩)، باب ((فى إخراج اليهود من جزيرة العرب)) (٣: ١٥٦)، والنسائي في العلم من
سننه الكبرى على ما جاء في تحفة الأشراف (٤ : ٤١٧).
(٢) تقدم في الحاشية الثانية من حواشي أول هذا الباب، وهذا اللفظ في موطأ مالك (٢: ٨٩٢ -
٨٩٣ ) .
(٣) أخرجه البخاري في المغازي (٤.٢٨)، باب ((حديث بني النضير)). فتح الباري ( ٧:
٣٢٩)، ومسلم في المغازي، رقم (٤٥١١، ٤٥١٢) من طبعتنا ص ( ٦: ٨٣)، باب ((إجلاء
اليهود من الحجاز)) ورواه أبو داود في الإمارة (٣٠٠٥)، باب (في خبر بني النضير)) (٣:
١٥٧)، وموقعه في سنن البيهقي الكبرى (٩ : ٢.٧).
وقد ذهب المستشرقون فى التحامل على الفاروق عمر إلى حدّ لومه على ماصنع ، بدون فهم منهم
للحكمة التي من أجلها اتجه الفاروق هذه الوجهة؛ ذلك أن رسول اللَّه # دعا الناس كافة إلى دين
اللّه، لم يفرق في دعوته بين أهل الكتاب وغيرهم ، وقد رأى يهود المدينة في هذه الدعوة خطراً عليهم ،
فوادعوا النبي وعاهدوه على حرية العقيدة، وما لبثوا أن انتمروا به، فقاتلهم وأجلاهم عن المدينة
وعن أكثر منازلهم من شبه الجزيرة العربية ، ولم يبق منهم إلا قليلون بعد غزوة خيبر صالحوه على البقاء
بأرضهم والعمل فيها على أن يكون للمسلمين النصف من غلاتها ، أمّا نصارى نجران فبعثوا وفداً يجادل
النبي ، فلما دعاهم ألا يعبدوا إلا اللَّه ولا يشركوا به شيئا ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون
اللّه، تولّوا وعادوا إلى بلادهم ، ثم إنهم بعثوا إليه وفدً صالحه على الجزية يدفعونها لقاء دفاع المسلمين =
٣٨٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ١٣.
١٨٥٨٧ - وروينا في حديث سَمُرَةَ ، عن أبي عبيدة بن الجراح ، قال : آخر
= عن حرية عقيدتهم ، فلما تولى الصدِّيق أبو بكر أقرَّ نصارى نجران وعاهدهم على ما عاهدهم النبي
عليه، واقتضى يهود خيبر ما كان يقتضيهم رسول اللّه مُّد .
ونظر الفاروق عمر في الأمر يوم استخلف فدعا إليه يعلى بن أمية وألقى عليه أن يجلي نصارى
نجران عن ديارهم وقال له: ((انتهم ولا تفتنهم عن دينهم، ثم أُجْل مَنْ أقام منهم على دينه، وأقررِ
المسلمَ ، وامسح أرضَ كل مَنْ يُجْلَى منهم، ثم خيَّرهم البلدان، وأعلنهم أنَّا نُجْلِيهم بأمر الله ورسوله
ألا يترك بجزيرة العرب دينان، فليخرج مَنْ أقام على دينه منهم ، ثم نعطيه أرضاً كأرضهم إقراراً لهم
بالحق على أنفسنا ، ووفاءً بذمتهم في ما أمر الله من ذلك بدلاً بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن
وغيرهم فيما صار لجيرانهم من الريف .
والفاروق عمر إنما كان يُنَفّذُ وصية النبي ـ وسياسته لكي تصبح بلاد العرب دولة متحدة ، تدين
كلها بدين واحد ، ويسوسها رجلٌ واحد ، جدير بهذا الرجل أن ينفي عنها كل سبب للضعف أو الوَهَن ،
إنّ من أسباب الوهن والضعف لأمة أن تتعدد أجناسها أو تتعدد الشرائع ذات السلطانِ النافِذٍ بَيْن
أهلها ، لذلك نرى المعاهدات المختلفة تنقل الجماعات من أهل الجنس الواحد إلى صعيد واحد ، ولا تبيح
أُمّة مُتحضرة أن يقومَ فيها أكثر من تشريع واحد ، والإسلام يتناول فيما يتناوله أموراً لا تتفق ومقررات
النصرانية، فهو يحرِّم الرَّيا، والنصرانية لا تحرمه ، يحرم الخمر ، والنصرانية لا تحرمها ، وهو دين
توحيد ، والنصرانية دين تثليث .
وقد كانت هذه المقررات نافذة يومئذ لا يستطيع أحد أن يتسامح فيها كما يتسامح فيها الناس اليوم
باسم حرية العقيدة فلم يكن عجبًا أن يصرّ الفاروق على ألاَّ يترك بجزيرة العرب دينين وقد أصبح للعرب
في شبه الجزيرة كلّها دين واحد ارتضوه ، فوحدة الدين هي الكفيلة بطمأنينتهم وبمتانة وحدتهم ، وبألاً
تقوم بينهم وبين من لم يكونوا على دينهم سائرات تجني على هذه الطمأنينة وتعبث بهذه الوحدة ، وهذا
ما فعل الفاروق رضي الله عنه عندما دعا إليه يعلى بن أمية وألقى عليه أن يُجلى نصارى نجران.
وتصرُّف الفاروق عمر في هذا الأمر خليق بالحمد ، فهو لم يلجأ إلى ما لجأ إليه أصحاب الكثرة من
الكاثوليك أو البروتستانت ؛ إذا كانوا يرهقون خصومهم في المذهب حتى ليقتلوهم بعد أن يذيقوهم
العذاب ألواناً ؛ بل كان أول ما أوصى به الفاروق يعلى بن أمية ألا يفتن نصارى نجران عن دينهم ، وأن
يدع لهم الحرية كاملة في البقاء عليه أو التحول عنه إلى الإسلام ، وأن يعطبهم أرضاً كأرضهم خارج
شبه الجزيرة ، بذلك لا يظلمهم ولا يصنع معهم إلا ما تصنعه الدول المتحضرة اليوم ، إذ تنقل أهل جنس
من الأجناس إلى حيث تقيم كثرة من بني جنسهم ، وحيث يأمنون أن يضرهم الاختلاف في الجنس مع
جيرانهم أشدّ مما يضر الكثرة الضخمة القائمة من حولهم .
=
٣٦ - كتاب الجزية / ٩ - سكنى الحجاز - ٣٨٩
ما تكلّمَ به رسول اللَّه ◌َ﴾: ((أَنْ أُخْرِجُوا يهودَ الحجاز، وأُهْلَ نجران من جزيرة
العرب واعْلَمُوا أَنَّ شَرِّ عبادِ اللَّه الذين اتَّخَذُوا قبورهم مَسَاجد)) (١).
أخبرناه علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد ، حدثنا عثمان بن عمر
حدثنا مسدد ، حدثنا سفيان ، عن إبراهيم بن ميمون ، قال : حدثني سعد بن سمرة
ابن جندب ، عن أبي عبيدة بن الجراح .. ، فذكره .
١٨٥٨٨ - قال الشافعي : فأما الرسل ومَنْ أراد الإسلام فلا يمنعون من الحجاز
لأَنَّ اللَّه تعالى يقول لنبيه #: ﴿فَإِنْ أُحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأُجِرَهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ﴾ [ الآية الكريمة ٦ من سورة التوبة} .
= وبهذا أجلى الفاروق عمر نصارى نجران ، وأجلى اليهود ، وأجلى غير المسلمين جميعاً عن شبه
الجزيرة العربية، ونجح في تدعيم أواصر الاستقرار والتآلف مما مهّد لاكتساح الإمبراطوريات التي كانت
قائمة وقيام الدولة الإسلامية الكبرى .
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ : ٣٢٥)، وقال : رواه أحمد بإسنادين ورجال طريقين
منها ثقات متصل إسنادهما .
١٠ - الذمي إذا اتجر في غير بلده
١٨٥٨٩ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي وقد ذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر فيما ظهر من أموالهم وأموال
المسلمين أنْ يؤخذ منهم شيء وقته ، وأمر أنْ يكتب لهم براءة إلى مثله من الحول
ولولا أنَّ عمر أخذه منهم ما أخذناه منهم (١) .
١٨٥٩٠ - فهو يشبه أنْ يكون أخذه إياه منهم على سبيل صلح أنهم إذا اتجروا
أخذ منهم (٢) .. ،
١٨٥٩١ - ثم ساق الكلام إلى أنْ قال: ويؤخذ منهم كما أخذ عمر من المسلمين
ربع العشر ، ومن أهل الذمة نصف العشر ، ومن أهل الحرب العشر اتباعًا له على
ما أخذ لا يخالفه (٣).
١٨٥٩٢ - أخبرناه أبو طاهر الفقيه ، أخبرنا أبو حامد بن بلال ، حدثنا يحيى بن
الربيع ، حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن أنس بن سيرين ، عن أنس بن مالك ،
قال : أمرني عمر بن الخطاب أنْ آخذ من المسلمين ربع العشر ، ومن أهل الذمة
نصف العشر ، ومِمِّنْ لاذمة له العشر (٤).
١٨٥٩٣ - وأخبرنا أبو بكر وأبو زكريا وأبو سعيد ، قالوا : حدثنا أبو العباس
أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن
أبيه : أُنَّ عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد
بذلك أنْ يكثر الحمل إلى المدينة . ويأخذ من القطنية العشر (٥) .
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤: ٢٨١)، باب ((في الذمي إذا اتجر في غير بلده)).
(٣) ((الأم)) (٤ : ٢٨١).
(٢) (( الأم)) في الموضع السابق.
(٤) الأموال (٤٢٢)، والأم (٤: ٢٨١)، والسنن الكبرى (٢١٠:٩).
(٥) السنن الكبرى (٩: ٢١٠).
٣٩٠
٣٦ - كتاب الجزية / ١٠ - الذمي إذا اتجر في غير بلده - ٣٩١
١٨٥٩٤ - وبهذا الإسناد قال : أخبرنا الشافعي ، أخبرنا مالك ، عن ابن
شهاب ، عن السائب بن يزيد أنه قال : كُنْتُ عاملاً مع عبد الله بن عتبة على سوق
المدينة في زمان عمر بن الخطاب ، وكان يأخذ من النبط العشر (١).
١٨٥٩٥ - زاد أبو سعيد في روايته : قال الشافعي : لعل السائب حكى أمر
عمر أن يؤخذ من النبط العشر في القطنية كما حكى سالم عن أبيه عن عمر (٢)،
فلا يكونان مُخْتَلِفَين ، أو يكون السائب حكى العشر في وقت آخر ، فيكون أخذ
منهم مَرَّة في الحنطة والزيت عشراً ومرَّة نصف العشر ، ولعله كله بصلح يُحْدِثُه في
وقت برضاه ورضاهم .
(١) السنن الكبرى في الموضع السابق .
(٢) السنن الكبرى (٩ : ٢١٠).
١١ - المشرك لا يدخل الحرم
١٨٥٩٦ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا
الشافعي، قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا
المَسْجِدَ الْحَرَمَ بَعْدَ عَامِهِم هَذَا ﴾ [ الآية الكريمة ٢٨ من سورة التوبة]، فسمعت
بعض أهل العلم يقول : المسجد الحرام : الحَرَمُ .
١٨٥٩٧ - وبلغني أُنَّ رسول اللَّه ◌َّه قال: ((لاَ يَنْبَغِيَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيّ الخَرَاجَ
وَلَاَ لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ» (١).
١٨٥٩٨ - وسمعت عددًاً مِنْ أهل المغازي يروون أنّه كان في رسالة النبي ◌ّ:
((لاَ يَجْتَمِعَ مُسْلِمٌ وَمُشْرِكٌ فِي الْحَرَمِ بَعْد عَامِهِمْ هَذَا» (٢).
١٨٥٩٩ - قال أحمد : وقد روينا في الحديث الثابت عن الزهري ، قال :
أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أنَّ أبا هريرة قال : بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ
النَّحْرِ بِمِنَّى أَنْ لاَ يَحُجِّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وأَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ .
١٨٦٠٠ - قال: وأُنْزَّلَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلّ) في العَامِ الَّذِي نَبَذَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ إِلى
الْمُشْرِكِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ
عَامِهِمْ هَذاً ﴾ [ الآية الكريمة ٢٨ من سورة التوبة} (٣).
(١) رواه الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٧٧)، باب ((مسألة إعطاء الجزية على سكنى بلدٍ
ودخوله)» وموضعه في سنن البيهقي الكبرى (٩ : ٢١٠).
(٢) يأتي في آخر هذا الباب .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحج، رقم (١٦٢٢)، باب ((لا يطوف بالبيت عريان)). فتح
الباري (٣: ٤٨٣)، وأعاده في الجزية والمغازي والتفسير والصلاة، وأخرجه مسلم في الحج ، رقم
(٣٢٢٩) من طبعتنا ص (٤: ٨٦٩)، باب ((لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان))، وأبو
داود في المناسك، رقم (١٩٤٦)، باب ((يوم الحج الأكبر)) (٢: ١٩٥)، والنسائي في المناسك
(٥ : ٢٣٤) .
٣٩٢
٣٦ - كتاب الجزية / ١١ - المشرك لا يدخل الحرم - ٣٩٣
١٨٦.١ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو محمد المزني، قال
أخبرنا علي بن محمد بن عيسى ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال أخبرني شعيب عن
الزهري .. ، فذكره، وزاد: «وَيَوْمُ الحَجِّ الأُكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ)).
رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان .
١٨٦.٢ - وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز النيسابوري ، أخبرنا أبو منصور
العباس بن الفضل النّضْروي ، أخبرنا أحمد بن نجدة ، حدثنا سعيد بن منصور ،
حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن زيد بن يثيع ، قال : سألت عليًا بأي
شيء بُعْثِتَ ؟ قال : بأربع: أَنَّه لاَ يَدْخُلَ الجَنّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْت
عُرْيَانٌ ، وَلاَ يَجْتَمِعَ مُسْلِمٌ وَمُشْرِكٌ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا فِي الْحَجِّ ، ومَنْ كَانَ لَّ عَهْدَ
فَعَهْدُهُ إِلِى مُدَّتِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (١).
(١) أخرجه الترمذي في الحج، رقم (٨٧١)، باب ((ما جاء فى كراهية الطواف عريانًا)) (٣:
٢١٣)، وقال: حسنَ، وأعاده في تفسير سورة التوبة، رقم (٣.٩٢)، ص (٥: ٢٧٦).
١٢ - الحربي إذا لجأ إلى الحرم
١٨٦.٣ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا
الشافعي ، قال : ولو أُنَّ قومًا من أهل دار الحرب لجأوا إلى الحرم أخذوا كما
يؤخذون في غير الحرم ، وحكم فيهم من القتل وغيره كما يحكم فيمن كان في غير
الحرم (١).
٤. ١٨٦ - فإن قال قائل : وكيف زعمت أنَّ الحرم لا يمنعهم وقد قال رسول اللّه
◌َّ في مكة: ((هِي حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ لَمْ تَحْلُلْ لِأحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ
تَحْلُلْ لِي إِلَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَهِي سَاعَتْنَا هَذِهِ)) ٢ (٢).
١٨٦.٥ - قيل: إنما معنى ذلك - والله أعلم - أنها لم تحلل أنْ تصبّ عليها
الحرب حتى تكون كغيرها (٣).
١٨٦.٦ - فإن قال: ما دَلّ على ما وصفت ؟
١٨٦.٧ - قيل: أمر النبي ◌َّى عندما قتل عاصم بن ثابت وخُبَيب (٤) بقتل
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٢٩٠:٤)، باب ((الحربي إذا لجأ إلى الحرم)).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد الحديث (١٨٣٤)، باب ((لا يحل القتال بمكة)). فتح
الباري (٤: ٤٦)، وفي كتاب الجزية والموادعة، الحديث (٣١٨٩)، باب ((إثم الغادر البر والفاجر))
فتح الباري (٦: ٢٨٣)، ومسلم في كتاب الحج، باب ((تحريم مكة وصيدها)) ، الحديث رقم :
٤٤٥ - (١٣٥٣) من طبعة عبد الباقي (٢: ٩٨٦)، وموضعه في كتاب ((الأم)) للشافعي (٤ :
٢٩٠)، باب ((الحربي إذا لجأ إلى الحرم)).
(٣) قاله الشافعي في ((الأم)) (٢٩٠:٤).
(٤) عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان النبي # قد بعثه مع رهط
أميراً عليهم عيونًا إلى مكة ليخبروه خبر قريش، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذُكِرُوا
لحيٍّ من هذيل يُقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رامٍ ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا
مأكلهم التمر في منزل نزلوه ، فقالوا: نوى يثرب فاتبعوا آثارهم ، فلما أحسَّ بهم عاصم وأصحابه =
٣٩٤
٣٦ - كتاب الجزية / ١٢ - الحربي إذا لجأ إلى الحرم - ٣٩٥
أبي سفيان في داره بمكة غيلة إنْ قدر عليه ، وهذا في الوقت الذي كانت فيه
محرمة ، فدلَّ على أنها لا تمنع أحدًاً من شيء وجب عليه، وإنما تمنع من أُنْ تنصب
عليها الحرب كما تنصب على غيرها (١) .
١٨٦.٨ - أخبرنا أبو إسحاق ، أخبرنا أبو النضر ، أخبرنا أبو جعفر ، حدثنا
المزني ، حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ،
عن أنس بن مالك: أُنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلِ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأَسِهِ المِغْفَرُ،
= لجأوا إلى موضع ، فأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم: انزلوا فاعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا
نقتل منكم أحداً ، فقال عاصم بن ثابت: أمّا أنا فوالله لا أنزل في ذمة مشرك كافر ، اللهم أخبر عنًا
نبيك ﴾ فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة من أصحابه ، ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق
منهم خبيب بن عديّ ، وزيد بن الدِّسِنّة ، ورجل آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فريطوهم
بها فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة ، يريد القتلى ، فجروه
وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه ، وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدّسِنّة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ،
فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف : خُبِيبًا ، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر بن
نوفل يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى أجمعوا على قتله ، وهو الذي سنّ لكل مسلم قُتِل
صيّرًا: الصلاة، حيث ركع ركعتين لله سبحانه وتعالى، ثم قال: والله لولا أنْ تحسبوا أن ما بي جزعًا
من القتل لَزِدْتُ ، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً ، ولا تبقي منهم أحداً ، ثم قال :
١
على أي جنب كان في اللَّه مصرع
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا
يبارك على أوصال شلوٍ مزع
وذلك في ذات الإله وإن یشأ
ثم قام إليه أبو سِرْوعة : عقبة بن الحارث ، فقتله ، واستجاب اللَّه لعاصم يوم أصيب فبدّدّ اللَّه شمل
المشركين. رواه البخاري في كتاب المغازي، الحديث (٣٩٨٩). فتح الباري (٧: ٣.٨ -٣١٠)،
كما أخرجه البخاري أيضا في الجهاد، باب ((هل يستأثر الرجل؟» والخبر في سيرة ابن هشام (٣:
١٢٠)، وطبقات ابن سعد (٢: ٥٥)، ومغازي الواقدي (١: ٣٥٤)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٣٨)
وعيون الأثر (٢: ٥٦)، ودلائل النبوة للبيهقي (٣: ٣٢٣)، والبداية والنهاية (٤: ٦٢)،
والنويري (١٧ : ١٣٣) فيما عُرِفٍ بغزوة الرجيع .
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٢٩٠:٤)، باب ((الحربي إذا لجأ إلى الحرم)).
٠٠
٣٩٦ - مَعْرِفَةُ السُنَنِ وَآلآثَارِ / ج ١٣.
فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللّه إِنْ ابْنَ خَطْلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّ: ((اقْتُلُوهُ))(١) .
أخرجاه في الصحيح من حديث مالك .
١٨٦.٩ - وفي رواية حرملة عن الشافعي، قال: أخبرنا سفيان ، عن مالك
عن ابن شهاب ،
عن أنس بن مالك أنَّ النبي ◌َّ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغْفَرُ غير
مُحْرِمٍ.
١٨٦١٠ - وقد رواه غيره أيضًا عن سفيان، عن مالك، فيحتمل أنْ يكون أخذه
عن مالك على اللفظ الأول وأخذه عن سفيان على ما رواه عنه .
١٨٦١١ - قال الشافعي (رحمه الله) في كتاب حرملة : أخبرنا سفيان ،
حدثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن مطيع ، عن أبيه مطيع -
وكان من عصاة قريش - ولم يكن أدرك الإسلام من عصاة قريش غيره - فسماه
النبي ◌ّ مكان العاص مطيعًا، قال: سمعت النبي ) يقول عام الفتح: ((لا
يُقْتَلُ قُرْشِيّ صَبْرًا بَعْدَ اليَوْمِ)) (٢) .
١٨٦١٢ - قال سفيان : يعني على الكفر .
أخبرناه أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، أخبرنا هارون بن يوسف
(١) أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد، الحديث (١٨٤٦)، باب ((دخول الحرم ومكة بغير
إحرام)) . فتح الباري (٤: ٥٩)، وفي مواضع أخرى من صحيحه ، ومسلم في كتاب الحج ، الحديث
(٣٢٥٠) من طبعتنا، ص (٤: ٨٩١)، باب ((جواز دخول مكة بغير إحرام)) وأبو داود في الجهاد
(٦٠:٣) والترمذي في الجهاد (٤: ٢.٢)، والنسائي في الحج (٥: ٢٠٠ - ٢٠١)، وابن ماجه
في الجهاد (٢ : ٩٣٨).
(٢) أخرجه مسلم في المغازي، الحديث (٤٥٤٦، ٤٥٤٧) من طبعتنا ص (٦: ١٣٨ - ١٣٩)
باب « لا يقتل قُرشي صبراً بعد الفتح».
٣٦ - كتاب الجزية / ١٢ - الحربي إذا لجأ إلى الحرم - ٣٩٧
ابن زياد ، حدثنا ابن أبي عمرو، حدثنا سفيان ، عن زكريا .. ، فذكره ، إلا أنه لم
یذکر قول سفيان .
١٨٦١٣ - قال الشافعي: وحدثنا زكريا ، عن الشعبي ، عن الحارث بن مالك
ابن البَرْضَاء، قال: قال رسول اللَّه تَّدٍ: ((لاَ تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَ اليَوْمَ أَبَدًا ».
أخبرناه أبو نصر محمد بن علي الفقيه ، أخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب ، حدثنا
أبو أحمد الفراء ، قال : حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا زكريا .. ، فذكره بإسناده
ومعناه .
(١) أخرجه الترمذي في كتاب السير، الحديث (١٦١١)، ص (٤: ١٥٩)، وقال: حسنٌ
صحيح ولا نعرفه إلا من حديث زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي .
١٣ - هدايا المشركين
١٨٦١٤ - قال الشافعي في كتاب حرملة : أخبرنا سفيان ، قال : حدثنا ابن
جدعان، عن أنس بن مالك، قال : أُهْدَى أُكَيْدَرُ دُومَةً للنبي ◌ِّ جُبَةٌ فتعجب
الناس من حسنها ، فقال النبي * لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا)) (١).
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس بن يعقوب ، حدثنا محمد بن
إسحاق ، حدثنا يحيى بن إسماعيل الواسطي ، حدثنا سفيان .. ، فذكره بإسناده
ومعناه .
١٨٦١٥ - والحديث ثابتٌ من جهة قتادة عن أنس بن مالك .
١٨٦١٦ - قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن عنه : قد كانت الملوك من
أهل الحرب يهدون إلى رسول الله ◌َّ ويقبل منهم . قد أهدى أبو سفيان بن حرب
إلى رسول الله ﴾ أدمًا فقبل منه، وأهدى إليه صاحب الإسكندرية مارية أم
إبراهيم فقبلها وغيرهما قد أهدى إليه ولم يجعل ذلك بين المسلمين .
(١) أخرجه البخاري في كتاب الهبة (٢٦١٥)، باب ((قبول الهدية من المشركين)). فتح الباري
(٥: ٢٣٠)، وفي كتاب بدء الخلق، باب ((صفة الجنة))، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل ،
الحديث رقم (٦٢٣٤) من طبعتنا ص (٧: ٥١١)، باب ((من فضائل سعد بن معاذ رضي الله
عنه))، وبرقم : ١٢٧ - (٢٤٦٩)، ص (١٩١٦) من طبعة عبد الباقي.
( لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين ) : المناديل جمع منديل ، وهذا هو الذي يحمل في
اليد ، قال ابن الأعرابي وابن فارس وغيرهما : هو مشتق من الندل ، وهو النقل ، لأنه ينقل من واحد
إلى واحد ، وقيل: من الندل ، وهو الوسخ لأنه يُنْدَلُ به .
قال العلماء : هذه إشارة إلى عظيم منزلة سعد في الجنة ، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه ، لأن
المنديل أدنى الثياب ، لأنه معدًّ للوسخ والامتهان ، فغيره أفضل ، وفيه إثبات الجنة لسيدنا سعد رضي
الله عنه .
٣٩٨
٣٦ - كتاب الجزية / ١٣ - هدايا المشركين - ٣٩٩
١٨٦١٧ - قال أحمد : قد روينا في الحديث الثابت عن أبي حميد الساعدي أنَّ
مَلِكَ أَيْلَةَ أُهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهُ عَِّ بَغْلَةَ بَيْضَاءَ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ◌َّ بُرْدَةً (١).
:١٨٦١٨٠ - وروينا في حديث بلال فيما أهدى إلى النبي * عظيم فدك من
ركائب عليهن كسوة وطعام، وقول النبي ◌َّه: ((فاقْبِضْهُنَّ وَأَقْضِ دَيْنَكَ)) (٢)،
يريد ما استدان لأجل النبي :# .
١٨٦١٩ - وروى ثوير بن أبي فاختة ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ،
قال: أهدى كسرى إلى رسول اللـه * فَقَبِلَ مِنْهُ، وَأُهْدَى لَهُ الْمُلُوكُ فَقَبِلَ
مِنْهُمْ (٣) .
١٨٦٢٠ - وفي روايات ثوير نظرٌ ، والله أعلم.
١٨٦٢١ - وأما حديث عياض بن حمار، قال: أُهْدَيْتُ إلى رَسُول اللـه عَ﴾ ،
فَقَالَ: ((أُسْلَمْتَ؟)) قُلْتُ: لاَ. قَالَ: ((إِنِّي نُهيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ (٤) ))
١٨٦٢٢ - فيحتمل أنْ يكون على التنزه عنه ، أو فعل ذلك لعله يُسلم لما
يلحقه من الغضاضة برد هديته ، والله أعلم .
(١) سنن البيهقي الكبري (٩: ٢١٥) ..
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الإمارة، الحديث رقم (٣.٥٥)، باب (( في الإمام يقبل هدايا
المشركين)» ( ٣ : ١٧١ - ١٧٢).
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب السير، رقم (١٥٧٦)، باب ((ما جاء في قبول هدايا المشركين))
(٤ : ١٤٠)، وقال: حسنٌ غريب، وموضعه في سنن البيهقي الكبرى (٩: ٢١٥).
(٤) أخرجه أبوداود في كتاب الإمارة، رقم (٣.٥٧)، باب ((في الإمام يقبل هدايا المشركين))
(٣: ١٧٣)، والترمذي في السير، رقم (١٥٧٧)، باب ((في كراهية هدايا المشركين)) (٤:
١٤٠) ، وقال: حسن صحيح . ومعنى قوله: إنّي نُهيت عن زيد المشركين ، يعني: هداياهم . وقد
روي عنه أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذكر في هذا الحديث الكراهة ، واحتمل أن يكون
هذا بعد ما كان يقبل منهم ، ثم نهى عن هداياهم .
١٤ - باب نصارى العرب
١٨٦٢٣ - أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي ( رحمه الله): صالح رسول الله# أُكَيْدَر الغساني ، وكان نصرانياً
عربياً على الجزية ، وصالح نصارى نجران على الجزية فهم عرب وعجم ، وصالح
ذمة اليمن على الجزية وفيهم عرب وعجم (١) .
١٨٦٢٤ - واختلفت الأخبار عن عمر ( رضي الله عنه) في نصارى العرب من
تنوخ وبَهْرَاء وبني تغلب ؛ فروي عنه أنّه صالحهم على أنْ يضاعف عليهم الصدقة
ولا يكرهوا على غير دينهم ولا يصبغوا أبناءهم في النصرانية ، وعلمنا أنه كان
يأخذ جزيتهم نعما (٢).
١٨٦٢٥ - ثم روى أنه قال بعد : ما نصارى العرب بأهل الكتاب ، فذكر ما :
أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، وأبو سعيد ، قالوا : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، عن عبد الله بن دينار ، عن
سعد بن الفلحة مولى عمر أو ابن سعد : أنَّ عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه )
قال : مانصارى العرب بأهل الكتاب ، وما تحل لنا ذبائحهم ، وما أنا بتاركهم حتى
يسلموا أو أضرب أعناقهم (٣).
١٨٦٢٦ - قال الشافعي ( رحمه الله ) في روايتنا عن أبي سعيد : فأرى
للإمام أن يأخذ منهم الجزية ؛ لأن رسول الله #& أخذها من النصارى من العرب كما
(١) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ٢٨١)، باب ((نصارى العرب)).
(٢) ((الأم)) (٤: ٢٨١)، وسنن البيهقي الكبرى (٩ : ٢١٦).
(٣) ((الأم)) (٤: ٢٨١)، باب ((نصارى العرب))، وسنن البيهقي الكبرى (٩ : ٢١٦)،
ونُقِل مثله عن الإمام علي أيضا، وانظر تفسير القرطبي ( ٦: ٧٨)، وأحكام الجصاص (٣ :
٣٢٣) ، وتفسير الطبري ( ٩ : ٥٧٦).
٤٠٠