النص المفهرس

صفحات 301-320

٢١ - كتاب الفيء والغنيمة / ٢٢ - باب إعطاء الفيء على الديوان - ٣.١
ثم استوت له سهم ، وجمح ، وعديّ بن كعب .
فقيل : ابدأ بعديّ .
فقال : بل أُقِرَّ نفسي حيث كنت ، فإن الإسلام نصل (١) ، وأمرُنا وأمر بني سهم
واحد ، ولكن انظروا بني جمح ، وسهم .
فقيل : قدّم بني جُمح ، ثُمّ دعا بني سهم ، كان ديوان عديّ وسهم مختلطا
كالدعوة الواحدة .
فلمّا خلصت إليه دعوته كبّر تكبيرة عالية ، ثم قال : الحمد لله الذي أوصل إليّ
حظي من رسوله ، ثم دعا بني عامر بن لؤي .
١٣٢١٢ - قال الشافعي : فقال بعضهم: إن أبا عبيدة بن الجراح الفهري لمّا
رأى من يتقدّم عليه ، قال: أُكُلُّ هؤلاء يُدْعَوأ أمامي ؟
فقال : يا أبا عبيدة، اصبر كما صبرتُ، أو كُلّم قومك، فمن قدَّمَكَ منهم على
نفسه ، لم أمنعه ، فأمّا أنا وبنو عديّ ، فنقدّمك - إن أحببت - على أنفسنا .
قال : فقدم معاوية بعد بني الحارث بن فهر ، ففصل بهم بين بني عبد مناف ،
وأسد بن عبد العُزّى .
وشجر بين سهم ، وعديّ ، شيء في زمان المهدي فافترقوا ، فأمر المهدي ببني
عديّ ، فقدموا على سهم وجمح ، السابقة فيهم .
١٣٢١٣ - قال الشافعي : وإذا فُرغ من قريش قدمت الأنصار على قبائل
العرب كلها لمكانها من الإسلام .
١٣٢١٤ - قال الشافعي : الناس عباد الله، فأولاهم أن يكون مقدما أقربهم
(١) في (ص): ((رحل))، وفي الأم: ((دخل)).

٣.٢ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ وَآلآثَارِ / ج ٩
لخيرة اللّه لرسالاته ، ومستودع أمانته ، وخاتم النبيين ، وخير خلق رب العالمين
محمد﴾ (١).
١٣٢١٥ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قراءة عليه، قال : أخبرني أبو أحمد
الدارمي ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرني عبد الله بن أحمد بن
حنبل ، فيما كتب إليّ ، قال : وجدت في كتاب أبي ،
حدثني محمد بن إدريس الشافعي ، قال : لما أراد عمر بن الخطاب أن يدون
الدواوين ، ويضع النّاس على قبائلهم ، ولم يكن قبلهم ديوان استشار النّاس ، فذكر
بعض هذا الحديث .
١٣٢١٦ - قال أحمد (٢) : فهر بن مالك أصل قريش في أقاويل أكثر أهل
العلم ، فبنو هاشم ؛ يجمعهم أبو رسول اللّه 4 الثالث"، وسائر قريش؛ بعضهم
يجمعهم الأب الرابع عبد مناف ، وبعضهم الأب الخامس قُصَيّ ، وهكذا إلى فهر بن
مالك ؛ فلذلك وقعت البداية ببني هاشم ؛ لقربهم من النبي # .
١٣٢١٧ - فإنّه محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب ، بن هاشم ، بن عبد مناف
"ابن قُصَيّ ، بن كلاب ، بن مُرَّةٌ ، بن كعب ، بن لؤيّ ، بن غالب ، بن فهر ، بن
مالك ، بن النّضر ، بن كنانة ، بن خزيمة ، بن مدركة ، بن إلياس ، بن مضر ، بن
نزار، بن مَعْدٍ ، بن عدنان .
١٣٢١٨ - وإنما جمع بين بني هاشم ، وبني المطلب ، ابني عبد مناف في
العطية؛ لأن النبي ﴾ جمع بينهما في سهم ذي القربى .
١٣٢١٩ - وقال: ((إنما بنو هاشم ، وبنو المطلب شيء واحد ؛ لم يفارقونا في
جاهلية ، ولا إسلام » .
(١) إلى هنا انتهى كلام الشافعي رحمه الله.
(٢) في الكبري ( ٦: ٣٦٥).

٢١ - كتاب الفيء والغنيمة / ٢٢ - باب إعطاء الفيء على الديوان - ٣.٣
١٣٢٢٠ - وقال فيما روي عنه: ((رَبُّونا صِغَارً وحَمَلُونَا كِبَاراً)) (١).
١٣٢٢١ - وإنما قال ذلك والله أعلم فيما زعم أهل التواريخ أن هاشم بن عبد
مناف تزوّج بالمدينة سلمى بنت عمرو بن لبيد بن حرام من بني النجار ، فولدت له
شيبة الحمد ، ثم توفي هاشم وهو معها ، فلمّا أَيْفَعَ وترعرع خرج إليه عمّه المطلب
ابن عبد مناف ، فأخذه من أمه ، وقدم به مكة ، وهو مردفه على راحلته ، فقيل :
((عَبْدٌ مَلَكَهُ المُطَّلِبُ))، فغلب عليه ذلك الاسم فقيل: ((عبد المطلب)).
١٣٢٢٢ - وحين بُعثَ رسول اللّه #& بالرسالة آذاه قومه، وهمّوا به، فقامت
بنو هاشم ، وبنو المطلب ، مسلمهم ، وكافرهم دونه ، وأُبَوا أن يسلموه .
١٣٢٢٣ - فلما عرفت سائر قريش أن لا سبيل إلى محمد # معهم اجتمعوا
على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا
إليهم ولا يبايعوهم، وعَمَدَ أبو طالب فأدخلهم الشّعب ، وأقامت قريش على ذلك
ثلاث سنين ، حتى جهد بنو هاشم ، وبنو المطلب جهدًاً شديداً .
١٣٢٢٤ - ثم إن اللَّه برحمته أرسل على صحيفة قريش الأُرَضَّةَ، فلم تَدَعْ فيها
اسمًا للَّه إلا أكلَتْه ، وبقي فيها الظُّلْمُ ، والقطيعة ، والبهتان ، وأخبر بذلك رسوله
﴾، وأخبر به رسوله عمّه أبا طالب، واستنصر به أبو طالب على قومه، وقام
هشام بن عمرو بن ربيعة في جماعة ذكرهم ابن إسحاق في المغازي بنقض ما في
الصحيفة وشقُّها .
١٣٢٢٥ - فلمّاً جمع رسول اللّه ٣ بين بني هاشم، وبني المطلب في العَطِيَّة،
وأخبر بما بينهما من الموافقة ، فلذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، حين وضع
الدواوين جمع بينهما في سائر الأُعْطِيّة ، وقدّمهما على بني عبد شمس ، ونوفل .
(١) رواهما البيهقي في الكبرى ( ٦ : ٣٦٥ - ٣٦٦) عن زيد بن علي .

٣.٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩
١٣٢٢٦ - وإنما وقعت البداية ببني عبد شمس قبل بني نوفل ؛ لأن هاشما ،
والمطلب ، وعبد شمس كانوا أخوة لأب وأمّ ، وأمّهم عاتكة بنت مُرّة ، ونوفل كان
أخاهم لأبيهم ، وأمّه واقدة بنت حَرْمَل .
١٣٢٢٧ - وأمّا عبد مناف، وعبد العُزّى ، وعبد الدار بنو قُصَيّ ، فإنهم كانوا
أخرة ، والبداية بعد بني عبد مناف ؛ إنما وقعت ببني عبد العُزّى ؛ لأنها كانت قبيلة
خديجة زوج النبي #، فإنها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزّى.
قال : وفيهم أنهم من المطيبين .
١٣٢٢٨ - وقد روينا ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي #. أنه قال :
شهدت مع عمومتي غلامًا ((حِلْفَ الْمُطَيِّبِينَ))، فما أحبّ أن أنكثه ، وإنّ لي حمر
النَّعَمِ (١) .
١٣٢٢٩ - ويلغني أنه إنما قيل : حلف المطيبين ؛ لأنهم غمسوا أيديهم في طِيبٍ
يوم تحالفوا ، وتصافقوا بأيمانهم ، وذلك حين وقع التنازع بين بني عبد مناف ، وبين
عبد الدار ، فيما كان بأيديهم من السَّقاية والحجامة ، والرفادة ، واللواء ، والنّدوة ،
فكان بنو أسد بن عبد العُزّى في جماعة من قبائل قريش تبعا لبني عبد مناف .
١٣٢٣٠ - وقد سمّاهم محمد بن إسحاق بن يسار ، فقال :
المُطَيِّبُون من قبائل قريش ؛ بنو عبد مناف ؛ هاشم ، والمطلب ، وعبد شمس ،
ونوفل ، وبنو زهوة ، وينو أسد بن عبد العُزّى ، وبنو تَيْم ، وبنو الحارث بن فهر .
١٣٢٣١ - قال الشافعي : وقال بعضهم : هم حلف من الفضول .
١٣٢٣٢ - قال أحمد : وروينا عن طلحة بن عبد اللَّه بن عوف أن رسول اللّه
د قال :
(١) رواه في الكبري ( ٦ : ٣٦٦).

٢١ - كتاب الفيء والغنيمة / ٢٢ - باب إعطاء الفيء على الديوان - ٣.٥
(( لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حِلْفًا ما أحبُّ أن لي به حمر النعم ، ولو
ادعي به في الإسلام لأجبت)) (١).
١٣٢٣٣ - قال أحمد : وكان سبب الحلف فيما زعم أهل التواريخ ؛ أن قريشا
كانت تتظالم بالحرم ، فقام عبد الله بن جدعان ، والزبير بن عبد المطلب ، فَدَعَوا
إلى التحالف على التّناصر ، والأخذ للمظلوم من الظالم ، فأجابهما بنو هاشم ،
وبعض القبائل من قريش ، سمّاهم ابن إسحاق فقال :
بنو هاشم بن عبد مناف ، وبنو المطلب بن عبد مناف ، وبنو أسد بن عبد العُزَّى
ابن قُصَيّ ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو تيم بن مرة .
١٣٢٣٤ - فسمّوا ذلك الحلف حلف الفُضُول ؛ تشبيها له بحلف كان بمكة أيام
حرهم ، على مثل هذا ، شهده رجال يقال لهم : فَضْل ، وفضال ، وفُضَيْل ،
وفَضَالة.
١٣٢٣٥ - وقيل : قام به رجال يقال لهم : فضل ، وفَضيل ، وفُضيل .
والفُضُول : جمع فَضُل .
١٣٢٣٦ - والذي في حديث عبد الرحمن بن عوف حلف المطيبين ، قد قال
القتيبي: أحسبه أراد حلف الفضول ؛ للحديث الآخر ؛ ولأن المطيبين هم الذين عقدوا
حلف الفضول .
١٣٢٣٧ - قال: وأيُّ فضل يكون في مثل التحالف الأوّل ؛ حتى يقول الرسول
# : ((ما أُحبُّ أن أنكثَه، وإنّ لي حمر النَّعَم)). ولكنه أراد ((حلف الفضول))
الذي عقده المطيبون .
١٣٢٣٨ - قال أحمد : وأما السّابقة التي ذكرها في بني أسد بن عبد العُزَّى،
فيشبه أن يكون أراد سابقة خديجة إلى الإسلام ، فإنها أول امرأة أسلمت .
(١) رواه في الكبرى (٦: ٣٦٧) .

٣.٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١
١٣٢٣٩ - أو سابقة الزبير بن العوام ، فإنه ممن تقدّم إسلامه ، وصبر مع جماعة
من أصحاب النبي #& مع النبي ﴾ يوم أُحُد، وبايعه على الموت، وكان من الذين
استجابوا لله والرسول ، من بعد ما أصابهم القَرْحُ .
.١٣٢٤ - وهو الزبير بن العوام بن خُوَيْلِد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ .
١٣٢٤١ - وأما زُهرة؛ فإنه كان أخًا لقُصَيّ بن كلاب، ومن أولاده ، من
العشرة ؛ عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقّاص .
١٣٢٤٢ - وأما تَيْم؛ فإنه كان أخًا لكلاب بن مُرَّة .
١٣٢٤٣ - وأما مخزوم ؛ فإنه لم يكن أخًا لهما ، وإنما هو مخزوم بن يقظة بن
مُرّة ؛ إلا أن القبيلة اشتهرت بمخزوم ، فنسبت إليه .
١٣٢٤٤ - وإنما قدم بني تيم على بني مخزوم ؛ لأنهم كانوا من حلف المطيّبين
والفضول .
١٣٢٤٥ - وقيل : ذكر سابقة؛ وأراد سابقة أبي بكر الصديق ، فإنه أوّل رجل
حُرِّ أسلم ، وصبر مع رسول اللّه ◌َ﴾ يوم أُحُد مع طلحة بن عبد اللّه، وكان طلحة
تيميّاً ، وكان مِمِّن تقدّم إسلامه ، وكان هو وأبو بكر من الذين استجابوا للّه
والرسول .
١٣٢٤٦ - وأبو بكر : هو عبد اللّه بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ، ابن
سعد بن تَيْم بن مُرَّة .
١٣٢٤٧ - وطلحة : هو ابن عبيد الله ، بن عثمان ، بن عمرو ، بن كعب ، بن
سعد ، بن تيم ، بن مُرّة .
١٣٢٤٨ - وأراد بالمصاهرة التي ذكرها في بني تيم ، من جهة عائشة امرأة
رسول الله ﴾ ، وحبيبة حبيب الله .
١٣٢٤٩ - وأما عديّ بن كعب، فإنه كان أخًا لُرَّة بن كعب.

٢١ - كتاب الفيء والغنيمة / ٢٢ - باب إعطاء الفيء على الديوان - ٣.٧
٠ ١٣٢٥ - وأما سَهْمٌ، وجُمَحُ ، فإنهما ابنا عمرو بن هُصَيْص بن كعب ، إلا أن
القبيلة اشتهرت بهما ، فنسبت إليهما .
١٣٢٥١ - وإنما قدّم بني جُمَح قيل : لأجل صفوان بن أميّة الجُمَحِي ، وما كان
منه يوم حُتَيْن من إعارة السَّلاح ، وقوله حين قال أبو سفيان وكلدةَ ما قالا : فَضّ
اللَّه فاك ، فوالله لئن يربني رجل من قريش أحبُّ إليّ من أن يربني رجل من هوازن،
وهو يومئذ مُشْرِكٌ، ثُمّ إنّه أسلم وهاجر ، وقيل : إنما فعل ذلك عمر قصدا إلى
تأخير حقه .
١٣٢٥٢ - فلما كان زمن المهدي أمر المهدي بيني عديّ ، فقدموا على بني سهم
وجمع ، السابقة في بني عديّ .
١٣٢٥٣ - وهي سابقة عمر بن الخطاب ؛ وما كان لدين اللَّه تعالى من القُوَّة
والعِزَّة بإسلامه .
١٣٢٥٤ - وهو: عمر بن الخطاب بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى بن رِيَاح بن عبد الله
ابن قرط بن رزاح بن عديٌ بن کعب .
١٣٢٥٥ - وإنما أخّرَ أبا عبيدة بن الجَرَّحِ في العَطَاءِ ، لِبُعْدِ نسبه ، لا لنقصان
شرفه في نفسه .
١٣٢٥٦ - وهو: عامر بن عبد الله بن الجَرَّح بن هلال بن أُهَيْب بن ضَبَّة بن
الحارث بن فِهْر بن مالك .
١٣٢٥٧ - قال رسول اللّه : ((لكلِّ أُمَّةً أمينٌ، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة
ابن الجراح)) (١).
(١) هو عن أنس بن مالك رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٤٤) باب ((مناقب أبي عبيدة
ابن الجراح رضي الله عنه» الفتح ( ٧ : ٩٢ - ٩٣)، ومسلم في فضائل الصحابة أيضا
(٢٤١٩) باب ((فضائل أبي عبيدة بن الجراح)) (٤: ١٨٨١)، ورواه النسائي في المناقب في
الكبرى على ما جاء في التحفة (١: ٢٥٦).

٣.٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج٩
١٣٢٥٨ - وأمَّا الأنصار؛ فقد قال رسول الله #: «أوصيكم بالأنصار
فإنهم كَرْشِيٍ وعَيْبَتِي ، وقد قَضُوا الذي عليهِم ، وبَقِيَ الذي لهم ، فاقْبَلُوا من
مُحْسِنِهِمْ، وتجاوزوا عن مُسِيئِهِمْ)) (١).
١٣٢٥٩ - وقال: ((خير دور الأنصار ، دار بني النّجّار ، ثم دار بني عبد
الأشهل ، ثم دار بني الحارث بن الخزرج ، ثم دار بني ساعدة ، وفي كلِّ دور
الأنصار خير» (٢).
*
(١) هو عن أنس أيضا رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٧٩٩) باب «قول النبي ﴾ :
أقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» الفتح ( ٧: ١٢١)، ورواه النسائي في المناقب في
الكبرى على ما جاء في التحفة (١ : ٤٢١).
(٢) عن أنس أيضا رواه البخاري في الطلاق (٥٣٠٠) باب ((اللعان)) الفتح (٩: ٤٣٩)،
ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥١١) باب ((في خير دور الأنصار)) (٤: ١٩٥٠)، والنسائي
في المناقب في الكبري على ما جاء في التحفة (١ : ٤٢٧).

كِتَابُ الصَّدَقَات
.

1
.
.
-

١ - ( باب قسم الصدقات ) (*)
بسم الله الرحمن الرحيم
١٣٢٦٠ - قال الشافعي رحمه اللّه: قال الله تعالى لنبيه﴾: ﴿خُذْ مِنْ
أُمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١.٣).
١٣٢٦١ - ففي هذه الآية دلالة على أن ليس لأهل الأموال منع ما جَعَلَ اللَّه
عليه ، ولا لمن وَلِيَهم ترك ذلك لهم وعليهم .
١٣٢٦٢ - قال الشافعي (١): ولم نعلم رسول اللّه ﴾﴾ أخّرَهَا عامًا لا يأخذها فيه.
١٣٢٦٣ - وقال أبو بكر: لو مَتَعُوني عناقا مما أعطوا رسول اللَّه ◌َي لقاتلتهم
عليها ، لا يفرقوا بين ما جمع الله .
(*) المسألة : ٨٩٢ - من أنكر فرضية الزكاة كفر وارتد إن كان مسلما ناشئا ببلاد الإسلام بين
أهل العلم ، وتجرى عليه أحكام المرتدين ويستتاب ثلاثا ، فإن تاب وإلا قتل . ومن أنكر وجوبها جهلا
به إما لحداثة عهده بالإسلام ، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار ، عرف وجوبها ولا يحكم بكفره ؛
لأنه معذور .
وتقاتل الجماعة مانعة الزكاة جحودا ، كما فعل الصحابة في عهد الخليفة الأول - أبي بكر رضي
الله عنهم، قال أبو بكر: ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، واللّه
لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه # لقاتلتهم على منعها)) وفي لفظ مسلم والترمذي
وأبي داود: ((لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه)) وبناء عليه قال العلماء بالاتفاق: إذا منع واحد أو
جمع الزكاة وامتنعوا بالقتال ، وجب على الإمام قتالهم ، وإن منعها جهلا بوجوبها أوبخلا بها لم يكفر .
والعناق : هو الأنثى من أولاد المعز ، وفي الرواية الأخرى: عقالا، والمراد بالعقال عند جماعة : هو
زكاة عام ، إذ لا يجوز القتال على الحبل الذي يعقل به البعير ، وقال كثير من المحققين : المراد به الحبل
الذي يعقل به البعير ، على سبيل المبالغة .
(١) نقله عنه المزني في مختصره ص (١٥٥).
٣١١

٣١٢ - مَعْرِفَةُ السَُّنِ والآثارِ / ج ٩
١٣٢٦٤ - أخبرنا أبو الحسن بن بشران ، حدثنا عبد الصمد بن علي بن محمد
ابن مكرم ، حدثنا عبيد بن عبد الواحد ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن
عقيل ، عن ابن شهاب ، أنه قال : أخبرني عبيد اللّه، بن عبد الله ، بن عتبة ، بن
مسعود ،
أن أبا هريرة أخبره قال: لَمَا تُوُفِّيَ رسول اللَّه عَّه، واستخلف أبو بكر بعده
وكَفَرَ من كَفَرَ من العرب ، قال عمر : يا أبا بكر ، كيف تقاتل الناس ، وقد
قال رسول اللَّه عَّ: ((أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله،
فمن قال : لا إله إلا اللَّه، عَصَمَ مِنِّي مالَه ونَفْسَهُ إلا بحقُّه ، وحسابه على
اللَّه)».
قال أبو بكر : واللَّه لأقاتلنَّ من فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة ، فإنَّ الزكاة حقُّ
المال ، واللّه لو منعوني عَنَاقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه عَّى لقاتلتهم على
منعها .
قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت اللَّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال ،
فعرفتُ أنه الحق .
رواه البخاري في الصحيح، عن يحيى بن بكير، وقال: ((عَنَاقًا)) (١).
ورواه مسلم، عن قتيبة، عن الليث. وقال: ((عقَالاً)) (٢).
١٣٢٦٥ - ورواه شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، وقال : عَنَاقًا .
١٣٢٦٦ - وكذلك قاله معمر في أصحّ الروايات عنه، والزبيدي ، عن الزهري،
(١) في كتاب استتابة المرتدين (٦٩٢٤) باب ((قتل من أبي قبول الفرائض)). الفتح (١٢ :
٢٧٥ ) .
(٢) في كتاب الإيمان (٦٩٢٤) باب ((قتل من أبى قبول الفرائض)) (١: ٥١)، ورواه غير
البخاري ومسلم ؛ وأبو داود في كتاب الزكاة ، والترمذي في كتاب الإيمان ، والنسائي في كتاب الزكاة
والمحاربة والجهاد .

٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ١ - باب قسم الصدقات - ٣١٣
واختلف فيه على يحيى بن سعيد الأنصاري ، ويونس بن يزيد ، عن الزهري ؛ فقيل
عنهما : عناقًا ، وقيل : عِقَالاً .
١٣٢٦٧ - وفيما أنبأني أبو عبد الله إجازة ، عن أبي العباس ، عن الربيع،
عن الشافعي ، أخبرنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، قال : لم يبلغنا أن أبا
بكر وعمر أخذا الصدقة مثنّة ، ولكن كانا يبعثان عليها في الخصب والجدب ،
والسمن والعجف ، ولا يضمنانها أهلها ، ولا يؤخرانها عن كل عام ، لأن أخذها
كل عام سُنّة من سنن رسول اللّه تٍَّ .

٢ - فرض الصدقات (*)
(*) المسألة : ٨٩٣ - مستحقو الزكاة هم ثمانية أصناف : وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها ،
والمؤلفة قلوبهم ، وفي الرقاب ، والغارمون ، وفي سبيل اللّه، وابن السبيل .
١ - أما الفقراء : أصحاب السهم الأول: فهم جمع فقير ، والفقير في رأي الشافعية والحنابلة :
هو من ليس له مال ولا كسب يقع موقعا من كفايته ، أو حاجته . فليس له زوج ولا أصل ولا فرع
يكفيه نفقته ، ولا يحقق كفايته مطعما وملبسا ومسكنا كمن يحتاج إلى عشرة ولا يجد الا ثلاثة ، حتى
وإن كان صحيحا يسأل الناس أو كان له مسكن وثوب يتجمل به .
٢ - وأما المساكين أصحاب السهم الثاني فهم جمع مسكين : والمسكين: هو الذي يقدر على كسب
ما يسد مسدا من حاجته ، ولكن لا يكفيه ، كمن يحتاج إلى عشرة وعنده ثمانية لا تكفيه الكفاية
اللائقة بحاله من مطعم وملبس ومسكن .
فالفقير عند الشافعية والحنابلة : أسوأ حالا من المسكين ، فالفقير : هو من لا مال له ولا كسب
أصلا ، أو كان يملك أو يكتسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه ومن تجب عليه نفقته ( ممونه ) من غير
إسراف ولا تقتير . والمسكين: هو من يملك أو يكستب نصف ما يحتاجه فأكثر، وإن لم يصل إلى قدر
كفايته. والمراد بالكفاية في حق المكتسب : كفاية يوم بيوم ، وفي حق غيره : ما بقي من عمره الغالب
وهو اثنان وستون سنة .
ودليلهم على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين : بداءة اللّه تعالى بذكر الفقراء ، وإنما يبدأ عادة
بالأهم فالأهم . وقال تعالى: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ فأخبر أن لهم
السفينة يعلمون فيها ، وقد سأل النبي المسكنة واستعاذ من الفقر، فقال: ((اللهم أحيني مسكينا ،
وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين )) ، ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة ، ويستعيذ من حالة
أصلح منها . ولأن الفقير هو المفقور لغة: وهو الذي تزعت فقرة من فقار ظهره ، فانقطع صلبه .
وقال الحنفية والمالكية : المسكين أسوأ حالا من الفقير ، كما نقل عن بعض أئمة اللغة، ولقوله
تعالى: ﴿ أو مسكينا ذا متربة ﴾ أي ألصق جلده بالتراب ليواري به جسده ، مما يدل على غاية
الضرر والشدة ، ولأن المسكين : هو الذي يسكن حيث يحل ، لأنه لا مسكن له ، مما يدل على شدة
الضرر والبؤس .
٣ - والصنف الثالث - العاملون عليها: وهم السعاة لجباية الصدقة ، ويشترط فيهم العدالة والمعرفة
بفقه الزكاة ويدخل العاشر والكاتب وقاسم الزكاة بين مستحقيها وحافظ المال ، والحاشر : الذي يجمع
أرباب الأموال ، والعريف: الذي يعرف أرباب الاستحقاق ، وعداد المواشي والكيال والوزان والراعي ، =
٣١٤

٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٢ - باب فرض الصدقات - ٣١٥
= وكل من يحتاج إليه في الزكاة لدخولهم في مسمى ((العامل)» غير قاض ووال لاستغنائهما بمالهما
في بيت المال أما أجرة الكيل والوزن في حال تسليم الزكاة ومؤنة دفعها ، فعلى المالك ؛ لأن تسليمها
عليه ، فكذلك مؤنته . أما مؤنة ذلك حال الدفع إلى أهل الزكاة ، فمن سهم العمال .
والذي يعطى للعامل : هو بمثابة الأجرة على العمل ، فيعطاها ولو كان غنياً ، أما لو اعتبرت زكاة أو
صدقة لما حلت للغني .
٤ - والصنف الرابع - المؤلفة قلوبهم : منهم ضعفاء النية في الإسلام فيعطون ليتقوى إسلامهم .
وهم نوعان : مسلمون وكفار .
أما الكفار فصنفان: صنف يرجى خيره، وصنف يخاف شره. وقد ثبت أن النبي # أعطى قوما
من الكفار، يتألف قلوبهم ليسلموا ، ففي صحيح مسلم : أنه #& أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان
ابن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، وعباس بن مرداس ، كل إنسان منهم مائة من الإبل
وأعطى أيضا علقمة بن علائة من غنائم حنين .
واختلف العلماء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفارا ، فقال الحنابلة والمالكية :
يعطون ترغيبا فى الإسلام؛ لأن النبي #& ((أعطى المؤلفة من المسلمين والمشركين)).
وقال الحنفية والشافعية : لايعطى الكافر من الزكاة لا لتأليف ولا لغيره ، وقد كان إعطاؤهم في
صدر الإسلام في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم ، وقد أعز اللَّه الإسلام وأهله ، واستغنى بهم
عن تألف الكفار، ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول اللّه ، قال عمر رضي عنه: ((إنا لا
نعطي على الإسلام شيئا ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر)).
وأما المسلمون من المؤلفة : فهم أصناف يعطون بسبب احتياجنا إليهم :
١ - ضعفاء النية في الإسلام : يعطون ليتقوى إسلامهم .
٢ - الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه ، فقد أعطى النبي أبا سفيان
بن حرب وجماعة ممن ذكر، وأعطى الرسول الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم،الشرفهما في قومهما .
٣ - المقيم في ثغر في ثغور المسلمين المجاورة للكفار ، ليكفينا شر من يليه من الكفار بالقتال .
٤ - من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع إليهم ، وإن لم يمنعوها . وقد ثبت أن أبا بكر
أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة .
وقد اختلف العلماء في بقاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد النبي #: فقال الحنفية ومالك: قد سقط
سهم المؤلفة بانتشار الإسلام وغلبته ؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام ، وأغني عنهم وعن استمالتهم إلى
الدخول فيه . فيكون عدد الأصناف سبعة لا ثمانية ، وذلك بإجماع الصحابة . قال مالك : لا حاجة إلى
المؤلفة الآن لقوة الإسلام .
=

٠٠
٣١٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ / ج ٩
= وقال الجمهور منهم خليل من المالكية : حكم المؤلفة باق لم ينسخ ، فيعطون عند الحاجة ويحمل
ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم : على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم ، لا لسقوط سهمهم ،
فإن الآية من آخر ما نزل ، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر ، كما ذكرنا ، ولأن المقصود
من دفعها إليهم ترغيبهم في الإسلام لأجل إنقاذ مهجهم من النار ، لا لإعانتهم لنا حتى يسقط بفشو
الإسلام .
٥ - والصنف الخامس - في الرقاب ، وهم عند الجمهور : المكاتبون المسلمون الذين لا يجدون وفاء
مايؤدون ، ولو مع القوة والكسب ؛ لأنه لا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان
مكاتبا ، ولو اشترى بالسهم عبيد ، لم يكن الدفع إليهم ، وإنما هو دفع إلى سادتهم ، ولم يتحقق
التمليك المطلوب في أداء الزكاة ، ويؤكده قوله تعالى: ﴿ وآتوهم من مال اللَّه الذي آتاكم ﴾ وفسر
ابن عباس (( في الرقاب » بأنهم المكاتبون .
· وقال الماليكة : يشترى بسهمهم رقيق ، فيعتق ؛ لأن كل موضع ذكرت فيه الرقبة ، يراد بها عتقها ،
والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن ( العبد الخالص العبودية ) كما في الكفارات .
وشرط إعطاء المكاتب هو كونه مسلما ، محتاجا .
وبما أنه لا يوجد الآن في العالم رقيق، لإلغائه وتحريمه دوليا، فإن هذا السهم لا وجود له حقيقة،
وما قد یوجد ليس له طريق شرعي جائز .
٦ - والصنف السادس - الغارمون: وهم المدينون، سواء استدان المدين عند الشافعية والحنابلة
لنفسه أم لغيره ، وسواء أكان دينه في طاعة أم معصية . فإن استدان لنفسه لم يعط إلا إذا كان فقيرا ،
وإن استدان لإصلاح ذات البين ولو بين أهل ذمة، بسبب إتلاف نفس أو مال أو نهب ، فيعطى من سهم
الغارمين، ولو كان غنيا، لقوله تعيد: ((لا تحل الصدقة لغني إلا خمسة: لغاز في سبيل اللّه، أو
لعامل عليها ، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين ، فتصدق على المسكين ،
فأهدى المسكين إليه ».
وقال الحنفية : الغارم : من لزمه دين ، ولا يملك نصابا فاضلا عن دينه . وقال الماليكة : الغارم :
هو من فدحه الدين للناس في غير سفه ولا فساد ، أي من ليس عنده ما يوفي به دينه ، إذا كان الدين
في غير معصية كشرب خمر وقمار ، ولم يستدن لأخذ الزكاة ، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في
الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ من الزكاة ، فلا يعطي منها ؛ لأنه قصد مذموم ، بخلاف فقير استدان
للضرورة ، ناويا الأخذ من الزكاة ، فإنه يعطى قدر دينه منها لحسن قصده .
لكن إن تاب من استدان لمعصية ، أو بقصد ذميم ، فإنه يعطى علي الأحسن .

٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٢ - باب فرض الصدقات - ٣١٧
= ٧ - والصنف السابع - في سبيل اللّه: وهم الغزاة المجاهدون الذين لاحق لهم في ديوان الجند ؛
لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، ولقوله تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ﴾
وقوله : ﴿ وقاتلوا في سبيل اللَّه﴾ وغير ذلك، فيدفع إليهم لإنجاز مهمتهم وعودهم ولو كانوا عند
الجمهور أغنياء ؛ لأنه مصلحة عامة. وأما من له شيء مقدر في الديوان فلا يعطى؛ لأن من له رزق
راتب يكفيه ، فهو مستغن به .
لكن لا يحج أحد بزكاة ماله، ولا يغزو (يجاهد ) بزكاة ماله ، ولا يحج بها عنه ، ولا يغزی بها
عنه لعدم الإيتاء المأمور به .
وقال أبو حنيفة : لا يعطى الغازي في سبيل اللَّه إلا إذا كان فقيرا .
والحج عند الحنابلة وبعض الحنفية من السبيل ، فيعطى مريد الحج من الزكاة ، لما روى أبو داود
عن ابن عباس:(( أن رجلا جعل ناقة في سبيل اللّه، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﴾ :
اركبيها ، فإن الحج من سبيل اللّه))، فيأخذ مريد الحج من الزكاة إن كان فقيرا ، ما يؤدي به فرض
حج أو فرض عمرة ، أو يستعين به في أداء أي الفرضين ؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض . وأما
التطوع فله عنه مندوحة .
٨ - والصنف الثامن - ابن السبيل : هو المسافر أو من يريد السفر في طاعة غير معصية ، فيعجز
عن بلوغ مقصده إلا بمعونة ، والطاعة : مثل الحج والجهاد وزيارة مندوبة .
يعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده ، إذا كان محتاجا في سفره ، ولو كان غنيا في وطنه .
هل تعطى الزكاة لغير هذه الأصناف ؟ .
اتفق جماهير فقهاء المذاهب على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى من بناء
المساجد والجسور والقناطر والسقايات وكري الأنهار وإصلاح الطرقات ، وتكفين الموتي ، وقضاء الدين
والتوسعة على الأضياف ، وبناء الأسوار وإعداد وسائل الجهاد ، كصناعة السفن الحربية وشراء السلاح
ونحو ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى مما لا تمليك فيه ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال :
﴿إنما الصدقات للفقراء) وكلمة ((إنما)) للحصر والإثبات، تثبت المذكور وتنفي ما عداه ، فلا يجوز
صرف الزكاة إلى هذه الوجوه ؛ لأنه لم يوجد التمليك أصلا .
وانظر في هذه المسألة :
البدائع: (٢ : ٤٣ - ٤٦)، الدر المختار: (٢: ٧٩ - ٨٤)، فتح القدير: (١٤:٢-٢٠)،
الشرح الكبير : (١ : ٤٩٢ - ٤٩٧)، الشرح الصغير: (١ : ٦٥٧ - ٦٦٤)، بداية المجتهد :
(١ : ٢٦٦ - ٢٦٩)، القوانين الفقهية: ص (١.٩ - ١١١)، المهذب: (١ : ١٧٠ - ١٧٣)،
كشاف القناع: (٢: ٣١٦ - ٣٣٢)، المغني: (٢: ٦٦٥) وما بعدها، الفقه الإسلامي وأدلته
(٢: ٨٦٩ - ٨٧٣).

٣١٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ / ج ٩
١٣٢٦٨ - قال الشافعي رحمه اللّه: قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
للفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤْلِّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: ٦٠ ).
١٣٢٦٩ - فأحكمّ اللَّه تبارك وتعالى فرض الصدقات في كتابه ، ثم أكّدها
فقال: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (١).
فليس لأحد أن يقسمها ، على غير ما قسمها اللّه عليه ما كانت الأصناف
موجودة .
١٣٢٧٠ - قال في كتاب البويطي: وقد روي أن النبي ) قال في حديث
الصُّدائي: ((إِنَّ اللَّه لَمْ يَرْضَ فيها بقسم ملك مقرّبٍ، ولا نبيِّ مُرْسَلٍ حتَّى
قَسَّمَهَا )) .
١٣٢٧١ - أخبرناه أبو الحسين بن بشران ، حدثنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق
الطيني ، حدثنا بشر بن موسى الأسدي ، حدثنا المقري ، حدثنا عبد الرحمن بن
زياد، قال : حدثنا زياد بن نعيم ، قال : سمعت زياد بن الحارث الصدائي صاحب
رسول اللّه # يحدث، قال: أتيت رسول اللّه ٤، فبايعته على الإسلام، فذكر
الحديث.
قال فيه: ثم أتاه آخر فقال: أعطني من الصَّدَقة، فقال له رسول الله على: ((إن
اللَّه لم يَرْضَ بحُكْمٍ نَبِيُّ، ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها ، فجزّأها
ثمانية أجزاء ؛ فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ، أو أعطيناك حقُّك)).
١٣٢٧٢ - رواه أبو داود في السنن ، عن عبد الله بن مسلمة ، عن عبد الله بن
عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد، وقال: ((أعطيتك حقك)) لم يشك (٢).
(١) نقله عنه المرني في مختصره ص (١٥٥).
(٢) أبو داود فى كتاب الزكاة (.١٦٣) باب ((من يعطى من الصدقة وحد الغنى)) (١١٧:٢).

٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٢ - باب فرض الصدقات - ٣١٩
١٣٢٧٣ - وروى ليث بن أبي سليم ، عن عطاء ، عن عمر بن الخطّاب في هذه
الآية ، قال : أيُّما صنف من هذا أُعْطيتَهُ أجْزَأُكَ .
١٣٢٧٤ - وهذا منقطع بين عطاء وعمر ، وليث غير قويّ ، والله أعلم .
١٣٢٧٥ - وروى الحجاج بن أرطأة ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر بن حبيش ،
عن حذيفة أنه قال : إذا أعطاها صنفا واحدا أجزأه .
١٣٢٧٦ - وروي عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، في قوله مثله .
وقيل فيه : عن ابن عباس .
١٣٢٧٧ - وقال عكرمة مولى ابن عباس : ضَعْها في هذه الأصناف التي ذكرها
اللَّه عزّ وجلّ .
١٣٢٧٨ - قال الشافعي رحمه اللّه : ولا تخرج صدقة قوم منهم من بلدهم ،
وفي بلدهم من يستحقُّها .
١٣٢٧٩ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، قالا : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا وكيع بن الجراح - أو ثقة غيره - عن زكريا بن
إسحاق ، عن يحيى بن عبد اللّه ، بن صيفي ، عن أبي معبد ،
عن ابن عباس أن رسول اللَّه ] قال لمعاذ حين بعثه: (( فإن أجابوك ،
فأعلمهم أن عليهم الصدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فتُرَدَّ على فقرائهم ».
.١٣٢٨ - ورواه الشافعي في موضع آخر فقال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن
زكريا بن إسحاق - لم يشك فيه - وقال: (( صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على
١
٠٠
فقرائهم » .
١٣٢٨١- وهو فيما أنبأني أبو عبد الله إجازة ، عن أبي العباس ، عن الربيع،
عن الشافعي .

٣٢٠ - مَعْرِفَةُ السَُّنِ وَالآثارِ / ح ٩
وقد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث وكيع ، وغيره (١) .
١٣٢٨٢ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، قالا : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
الربيع ، أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرني الثقة ، وهو يحيى بن حسّان ، عن الليث
ابن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن شريك بن أبي نمر ،
عن أنس بن مالك أن رجلا قال لرسول اللّه عَلى: نشدتُك باللّه، آللَّه
أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا، وتُرَدُّ على فقرائنا؟ قال: «اللهمّ
نعم ».
أخرجه البخاري في الصحيح من حديث الليث (٢).
١٣٢٨٣ - أنبأني أبو عبد الله إجازة ، عن أبي العباس ، عن الربيع، عن
الشافعي ، أخبرنا مطرف بن مازن ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، أن
معاذ بن جبل قضى ؛ أيُّمَا رجل انتقل من مخْلاف عشيرته إلى غير مخلاف
عشيرته، فعُشْرُهُ وصدقته إلى مخلاف عشيرته (٣).
١٣٢٨٤ - قال الشافعي في باب الاختلاف (٤) : واحتجٌ محتجّ في نقل
(١) رواه البخاري في الزكاة (١٣٩٥) باب ((وجوب الزكاة)) الفتح (٣: ٢٦١) وفي مواضع
أخرى من كتاب الزكاة والتوحيد والمفازي والمظالم، ومسلم في الإيمان (١٩) باب ((الدعاء إلى
الشهادتين وشرائع الإسلام)» (١ :٥٠).
ورواه أيضا أبو داود في الزكاة ( ١٥٨٤) باب ((في زكاة السائمة)) (٢: ١.٤)، والترمذي
في الزكاة ( ٦٢٥) باب ((ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة)) (٣: ٢١)، وكذلك
رواه في البر والصلة، والنسائي في الزكاة (٥: ٥٥) باب ((إخراج الزكاة من بلد إلى بلد))، وابن
ماجه في الزكاة ( ١٧٨٣) باب ((فرض الزكاة)) (١: ٥٦٨).
(٢) في كتاب العلم (٦٣) باب ((ما جاء في العلم)) الفتح (٣: ١٤٨)، ورواه أيضا أبو
داود والنسائي وابن ماجه .
(٣) رواه الشافعي في الأم (٤: ٧١) ومن طريقه البيهقي في الكبرى ( ٧: ٩ -١٠).
(٤) في كتاب الأم (٢: ٩١ ).