النص المفهرس

صفحات 201-220

١١ - الوصية للقاتل (*)
١٢٨٧٦ - روى مبشر بن عُبيد ، وهو متروك ، منسوب إلى الوضع ، عن
حجاج ابن أرطأة ، عن عاصم ، عن زرّ ، عن عليّ، قال: سمعت رسول اللّه عَلام
يقول: ((لَيْسَ لِقَاتِلٍ وَصِيّة)).
(*) المسألة : ٨٦٦ - من شروط الموصى له : ألا يكون الموصى له قاتلا الموصي في رأي
الحنفية والحنابلة : فإن قتله بأن أصابه بجرح فأوصى له، ثم مات ، كانت الوصية باطلة . وإن أوصى
له أولا ، ثم حدث القتل ، كان مانعا من استحقاق الوصية ، فالقتل يمنع صحة الوصية أبتداء واستمرارا ؛
لأن القتل يمنع الميراث، فيمنع الوصية، معاملة له بنقيض مقصوده، وتخبر ((ليس لقاتل وصية)).
والقتل مانع من صحة الوصية لحق الشرع ، سواء أجاز الورثة أو لا ، وهذا رأي أبي يوسف .
وقال أبو حنيفة ومحمد : إذا أجاز الورثة الوصية ، أو لم يكن للموصي ورثة ، كانت الوصية جائزة
نافذة ؛ لأن المنع لحق الورثة . والرأي الأول أرجح .
لكن اختلف الحنفية والحنابلة في نوع القتل المانع من الوصية والميراث : فقال الحنابلة في
الأصح : القتل بغير حق ، سواء أكان عمدا أم خطأ ، مباشرة أم تسببا ، يمنع الميراث ويبطل الوصية ،
لأن الميراث آكد من الوصية ، فتكون الوصية أولى .
وقال الحنفية : القتل المانع من الإرث والوصية : هو الصادر من البالغ العاقل ، عدوانا بغير حق أو
عذر شرعي، إذا كان مباشرة لا تسببا ، سواء أكان عمدا أم خطأ ، فالقتل من المجنون والصبي ،
والقتل بحق كالقتل قصاصا أو حدا أو بسبب البغي ، أو بعذر كالدفاع عن النفس والعرض ، والقتل
بالتسبب ، كما لو دل الموصى له الشخص القاتل على مكان الموصي ولم يشترك معه في القتل ، كل
ذلك لا يمنع الإرث والوصية . فالقتل بالتسبب عندهم لا يمنع إرثا ولا وصية .
أما الشافعية فقالوا : الأظهر أن الوصية تصح للقاتل ولو تعديا ، فلو قتل الموصى له الموصي ولو
تعدياً ، استحق الموصى به ، لأن الوصية تمليك بعقد ، فأشبهت الهبة ، وخالفت الإرث
وأما المالكية : فعندهم تفصيل هو أن الوصية تصح لقاتل سواء أكان القتل عمدا أم خطأ إذا علم
الموصي بمن قتله ولم يغير وصيته ، أو أوصى بعد الضرب ، مع علمه بأن الموصى له هو الضارب ؛ لأن
المانع من صحة الوصية : وهو استعجال الموصى له الشيء قبل أوانه ، فيعاقب بالحرمان ، لا يتحقق إلا
إذا كان القتل لاحقا للوصية ، وإذا كان الموصي عالما بالضرب ، ثم أوصى له ، دل على أنه عفا عنه
وقصد الإحسان إليه .
٢.١

٢.٢ - مَعْرِفَةُ السُنَّنِ والآثَارِ / ج ١
أخبرناه أبو سعيد الماليني ، أخبرنا أبو أحمد بن عديّ ، أخبرنا الحسن بن سفيان،
حدثنا ابن مصفى ، حدثنا بقيّة ، حدثنا مبشر بن عبيد، فذكره (١) .
١٢٨٧٧ - قال أبو أحمد : وهذا منكر ، لا يرويه عن عاصم غير حجاج ، وعن
حجاج غير مبشر .
(١) رواه في الكبرى ( ٦: ٢٨١) وفيه مبشر وهو منسوب إلى وضع الحديث .

١٢ - الرجوع في الوصيّة (*)
١٢٨٧٨ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي : وللموصي أن يُغَيّر من وصيته ما شاء (١).
قال أحمد : وقد روينا هذا عن عمر بن الخطاب وعائشة رضي اللَّه عنها (٢).
(*) المسألة : ٨٦٧ - اتفق الفقهاء على أن الوصية عقد غير لازم ، وأنه يجوز للموصي في حال
حياته الرجوع عنها كلها أو بعضها ، وسواء وقع منه الإيصاء في حال صحته أو مرضه ؛ لقول عمر
رضي الله عنه: ((يغير الرجل ما شاء في وصيته)» ولأنها عطبة أو تبرع لم يتم ، ينجز بالموت ،
فجاز الرجوع عنها قبل تنجيزها ، ولأن القبول يتوقف على الموت ،والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول
كما في البيع .
واتفقوا أيضا على أن الرجوع عن الوصية يكون إما بالقول الصريح ، أو بالدلالة أو ما يحري مجرى
الصريح قولا أو فعلا .
وانظر في هذه المسألة: مغني المحتاج ( ٣: ٧١ - ٧٢)، المهذب (١ : ٤٦١)، الدو المختار
(٥ : ٤٦٥)، الشرح الصغير (٤: ٥٨٧)، المغني (٦: ٦٧) كشاف القناع (٤: ٣٨٦)،
الفقه الإسلامي وأدلته ( ٨ : ٥٤ ).
(١) قاله في الأم ( ٤ : ١١٨).
(٢) رواهما في الكبرى ( ٦: ٢٨١).
٢.٣

١٣ - وَلِيُّ اليتيم يأكل من مال اليتيم مكان قيامه
عليه بالمعروف إذا كان فقيرا (٣)
١٢٨٧٩ - قال اللَّه عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً
فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (النساء: ٦ ).
.١٢٨٨ - قالت عائشة: إنما أنزلت في والي مال اليتيم ؛ إذا كان فقيرا أنه
يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف (١).
١٢٨٨١ - وروينا في حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه، عن النبي
25، أنه قال لرجل فقير ليس له شيء، وله يتيم: «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِك غير
مسرِفٍ ولا مُبَاذِرٍ ، ولا مُتَأْثِّلٍ))(٢) .
١٢٨٨٢ - وروينا في ذلك أيضا عن ابن عباس ، من قوله .
(*) المسألة : ٨٦٨ - لولي اليتيم - استحسانا الأكل من مال اليتيم إذا كان محتاجا ، وإذا
امتنع عن القيام بالولاية إلا بأجر ، لا يجبر على العمل ؛ لأنه متبرع ، ولا جبر على المتبرع ، فإذا رأي
القاضي أن يجعل له أجرة المثل فلا مانع منه .
وله الأكل من مال اليتيم ، وركوب دوابه بقدر الحاجة ، لقوله تعالى: ﴿ ومن كان فقيرا ، فيأكل
بالمعروف ﴾ .
(١) في (ص)، والسنن الكبري: ((والي)).
(٢) رواه البخاري في البيوع (٢٢١٢) باب ((من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في
البيوع والإجارة ... )» الفتح (٤: ٤.٦) وكذلك في التفسير، ومسلم في التفسير (٣.١٩)
(٤ : ٢٣١٦) .
(٣) رواه أبو داود في الوصايا (٢٨٧٢) باب ((ما جاء في ما لولي اليتيم)) (٣: ١١٥)،
والنسائي في الوصايا ( ٦: ٢٥٦) باب ((ما للوصي من مال اليتيم))، وابن ماجة في الوصايا
(٢٧١٨) باب ((قوله: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف)) (٢: ٩.٧)
٢٫٤

٢٠ - کتاب الوصايا / ١٣ - باب ولي الیتیم یأکل من مال اليتيم - ٢,٥
١٢٨٨٣ - وأما قضاء ما أكل منه إذا أيسر ، فقد روينا عن عمر بن الخطاب
أنه قال : إني أنزلت نفسي من مال اللَّه بمنزلة وليٍّ اليتيم ، إن احتجت أخذت منه ؛
فإذا أيسرتُ رَدَدْتُهُ ، وإن استغنيت استَعْفَفْتُ .
١٢٨٨٤ - ورويناه عن ابن عباس أنه قال: (( فإن أيسر قضى ، وإن أعسر
كان في حِلٌّ » .
١٢٨٨٥ - وروينا عن عبيدة ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي العالية أنهم
قالوا : ((يقضيه)).
١٢٨٨٦ - وروينا عن الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح : لا يقضيه .
١٢٨٨٧ - وروينا عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ
إِلا بِالَّتِي هِيَ أُحْسَنُ﴾ ( الأنعام: ١٥٢) عزلوا أموالهم ، عن أموال اليتامى ،
فجعل الطعام يفسد ، واللحم ينتَنُ ، يعني ؛ ما يفضُل عنهم ، فشكوا ذلك إلى
رسول اللّه ي، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ
فَإِخْوَنُكُمْ ﴾ ( البقرة: ٢٢٠) ، قال: فخالَطُوهم .
١٢٨٨٨ - وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في كتاب البيوع والوصايا من كتاب
السنن (١).
(١) الكبرى (٦ : ٢٨٤).

١٤ - باب الوديعة (*)
١٢٨٨٩ - قال اللَّه عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أُنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى
أُهْلِهَا .. ﴾ (النساء: ٥٨).
١٢٨٩٠ - وثبتَ عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ◌ُ﴾ قال: ((آية المنافق ثلاث:
إذا حَدَّثَ كَذَبَ ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ ، وإذا اثْتُمِنَ خَانَ)) (١) .
(*) المسألة: ٨٦٩ - اتفق علماء المذاهب على أن الوديعة قرية مندوب إليها ، وأن في حفظها
ثوابا ، وأنها أمانة محضة ، لا مضمونة ، وأن الضمان لا يجب على الوديع إلا بالتعدي أو التقصير ،
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس على المستودع غير المغل ضمان)» وقوله («لا ضمان على مؤتمن»
واشتراط الضمان على الأمين باطل ، وهو المفتى به عند الحنفية .
ويترتب عليه أنه يجب ردها عند طلب المالك مع الإمكان، لقوله تعالى: ﴿ إن الله يأمركم أن
تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ .
فإذا طالب المالك الوديع بها، فقال: ((ما أودعتني شيئا)» ثم قال بعدئذ: ضاعت ، فيضمن ،
لخروجه عن حد الأمانة ، وإذا قال : ما تستحق عندي شيئا ، ثم قال : ضاعت ، كان القول قوله بيمينه
. ويترتب عليه أنه يجب أداء الوديعة إلى نفس المالك ؛ لأن اللّه تعالى أمر بأداء الأمانات إلى أهلها
، فلو ردها إلى منزل المالك ، من غير حضرته ، أو دفعها إلى من هو في عيال المالك يضمن ؛ لأنه لم
يرض بيد عياله حيث أودع عند غيرهم . بخلاف العارية والإجارة " لو رد المستعار أوالعين المؤجرة إلى
بيت المالك أو إلى من في عياله : لا يضمن ، لعادة الناس الجارية في رد المستعار ونحوه ، حتى لو
كانت العارية شيئا نفيساً كعقد جوهر ونحوه ، يضمن ، لعدم جريان العادة به .
وانظر في هذه المسألة: البدائع: ( ٢١٠:٦)، تكملة فتح القدير: ٧ / ٨٩ ، الكتاب مع
اللباب: ( ٢: ١٩٦)، مجمع الضمانات: ص ( ٦٨، ٨٧، ٨٩)، حاشية ابن عابدين : (٤:
٥١٦)، مغني المحتاج: ( ٣: ٨١)، قليوبي وعميرة (٣: ١٨٢)، المغني: (٦: ٣٨٢)،
الفقه الإسلامي وأدلته (٥ : ٤٢).
(١) رواه البخاري في الإيمان (٣٣) باب ((علامة المنافق)) الفتح (١: ٨٩)، وكذلك رواه
في الوصايا وفي الشهادات وفي الأدب، ورواه مسلم في الإيمان ( ٥٩) باب ((بيان خصال المنافق)»
(١: ٧٨)، والترمذي في الإيمان (٢٦٣١) باب ((ما جاء في علامة المنافق)) (٥: ١٩)،
والنسائي في الإيمان ( ٨: ١١٦ - ١١٧) باب ((علامة المنافق)).
٢.٦

٢٠ - كتاب الوصايا / ١٤ - باب الوديعة - ٢.٧
١٢٨٩١ - وروينا عن أبي بكر، وعليّ، وابن مسعود ، أنهم جعلوا الوديعة
أمانة .
١٢٨٩٢ - وقال شريح: ليس على المستودع غير المُغِلِّ ضمان (١).
١٢٨٩٣ - وروينا في المغازي أن النبي عليه خرج من مكة، وأمر عليّ بن أبي
طالب أن يتخلّف عنه بمكة ؛ حتى يؤدِّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس .
١٢٨٩٤ - وفيما أنبأني أبو عبد الله إجازة ، عن أبي العباس ، عن الربيع ،
عن الشافعي ، فيما حكي عن بعض العراقيين ، عن حمّاد ، عن إبراهيم ، في
الرجل يموت ، وعنده الوديعة، وعليه دَيْنٌ ، أنهم يتحاصُّون الغرماء ، وأصحاب
الوديعة بالحصص (٢).
١٢٨٩٥ - وعن الحجاج ، عن أبي جعفر، وعطاء ، مثل ذلك (٣).
١٢٨٩٦ - وعن الحجاج ، عن الحكم ، عن إبراهيم مثل ذلك (٤).
١٢٨٩٧ - قال الشافعي : إن لم تُعْرَفِ الوديعة بعينها ببَيِّنَةٍ تقوم ، أو إقرار من
الميّت ، وعرف لها عدد أو قيمة ، كان صاحب الوديعة كغريم من الغرماء (٥) ؛ إلا
أن يقول المستودع قبل أن يموت : قد هلكت الوديعة ، فيكون القول قوله ؛ لأنه
أمين .
(١) نقله عنه في السنن الكبري (٦: ٢٨٩).
(٢) رواه الشافعي في الأم ( ٧ : ١١٦).
(٣) رواه الشافعي في الأم ( ٧ : ١١٦).
(٤) رواه الشافعي في الأم ( ٧ : ١١٦ ).
(٥) إلى هنا قاله الشافعي في الأم ( ٧ : ١١٦).

كتَابُ الفَى وَالغَنِيمَة

٢١ - كتاب قسم الفيء والغنيمة
١ - باب قسم الفيء والغنيمة (*)
(*) المسألة: ٨٧٠ - الفيء: هو المال الذي يؤخذ من الحربيين من غير قتال ، أي بطريق الصلح
كالجزية والخراج. وقد كان الفيء لرسول اللَّه # خاصة يتصرف فيه كيف شاء، لقوله تعالى:
﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن اللَّه يسلط رسله
على من يشاء، واللَّه على كل شيء قدير ﴾ وروي عن سيدنا عمر رضي اللَّه عنه أنه قال:
((كانت أموال بني النضير مما أفاء اللَّه عز وجل على رسوله ، وكانت خالصة له ، وكان ينفق
منها على أهله نفقة سنة ، وما بقى جعله في الكراع والسلاح ».
وأما بعد الرسول فيكون الفيء لجماعة المسلمين، يصرف في مصالح المسلمين عامة . والفرق
بين الرسول وغيره من الأئمة : أن الأئمة ينصرون بالقوة المعنوية لقومهم أما الرسول عليه الصلاة والسلام
فإنه منصور بما آتاه الله من هيبة خاصة به، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((نصرت بالرعب مسيرة
شهر )) .
وبناء عليه : إذا دخل حربي في دار الإسلام بغير أمان ، فأخذه أحد المسلمين ، يكون فيئا لجماعة
المسلمين ، ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة ؛ لأن سبب ثبوت الملك فيه متحقق بالنسبة لجميع أهل
دار الإسلام . وعند الصاحبين : يكون للآخذ خاصة ؛ لأن سبب الملك وهو الأخذ والاستيلاء وجد حقيقة
من الآخذ خاصة .
الغنيمة : ما أخذ من أموال أهل الخرب عنوة بطريق القهر والغلبة ، وللغنائم أحكام منها : ثبوت
الحق والملك فيها ، ومكان قسمتها .
إن حق الغانين في تملك الغنائم عند الحنفية يتدرج في مراتب ثلاثة ، يثبت في أولها أصل الحق
العام ويتأكد في ثانيها هذا الحق ، ويتخصص في ثالثها حق كل مجاهد به .
ففي المرتبة الأولى - يتعلق أصل الحق العام في تملك الغنيمة للغانمين بمجرد الأخذ والاستيلاء ، ولكن
لا تثبت الملكية قبل الإحراز بدار الإسلام عند الحنفية .
وعند بقية الأئمة تنتقل ملكية أموال العدو إلى الغانمين بمجرد الاستيلاء ، فيثبت لهم الملك في
الغنيمة قبل الإحراز بدار الإسلام .
إلا أن الراجح عند الشافعية أن تملك أموال الأعداء لا يثبت إلا بالاستيلاء مع القسمة أو اختيار
التملك .
=
٢١١

٢١٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١
١٢٨٩٨ - قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ
للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ﴾
( الأنفال: ٤١ ) .
١٢٨٩٩ - وقال: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أُوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ
وَلَا رِكَابٍ ﴾ إلى قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
وَلَذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ﴾ (الحشر: ٦ - ٧).
= وأما فائدة ثبوت أصل الحق العام في الغنيمة عند الحنفية فهو يظهر فيما يلي :
إذا أسلم الأسير في دار الحرب ، فإنه لا يكون حرا ، ويدخل في قسمة الغنيمة ، وإذا أسلم قبل
الأسر يكون حرا ، ولا يدخل في القسمة ؛ لأنه بالأسر يتعلق به حق الغانيمن ، فإذا وجد الإسلام قبل
الأسر لم يتعلق به حق أحد .
ولو أسلم أرباب الأموال قبل الإحراز بدار الإسلام ، فإن أموالهم لا تكون خاصة بهم ، وإنما يساهمون
مع غيرهم من المجاهدين في القسمة والاستحقاق ، بسبب اشتراكهم مع المجاهدين في الإحراز بدار
الإسلام ، فيكونون كالمدد اللاحق بالجيش .
وكذلك ليس لأحد المجاهدين أن يأخذ شيئا من الغنائم من غير حاجة ، لثبوت أصل الحق العام للغانمين
فيما غنموه ، ولو لم يثبت أصل الحق ، لكان المال الذي غنم بمنزلة المباح .
وقد استدل الحنفية على مذهبهم بأن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك
لأحد ، وهذا المعنى لم يتوافر في الغنيمة ؛ لأنها مملوكة للأعداء في الأصل ، ولم تزل ملكيتهم عنها إلا
بالإحراز بدار الإسلام .
واستدل غير الحنفية بأن سبب الملك هو الاستيلاء التام ، وقد وجد فيفيد الملك ، كالاستيلاء على
سائر المباحات كالحطب والحشيش ونحوهما ، ثم إن الأدلة الدالة على استحقاق الغنيمة عامة مثل قوله
تعالى: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ الآية .
وفي المرتبة الثانية - أي بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة : يتأكد الحق العام في الغنيمة
ويستقر على ملك الغانمين ، ولكن لايثبت الملك أيضا عند الحنفية .
ولهذا قالوا : لو مات أحد المجاهدين ، يورث نصيبه ، ولو باع الإمام شيئا من الغنيمة أو قسمها ،
جاز ، ولو لحقهم مدد لا يشاركون الغانمين ، وإذا أتلف أحد شيئا من الغنيمة يضمنه .
وفي المرتبة الثالثة - أي بعد الإحراز والقسمة يثبت الملك الخاص لكل واحد من المجاهدين فيما هو
نصيبه ؛ لأن القسمة إفراز الأنصباء وتعيينها .

٢١ - كتاب قسم الفيء والغنيمة / ١ - باب قسم الفيء والغنيمة - ٢١٣
١٢٩٠٠ - قال الشافعي: فالغنيمة والفَيْءُ يجتمعان في أن فيهما معا الخمس
من جميعهما لمن سمّاه الله له في الآيتين معا .
١٢٩.١ - ثم يفرق الحكم في الأربعة الأخماس بما بيِّن الله تبارك وتعالى على
لسان نبيّهَ ع#، وفي فعله؛ فإنه قسّم أربعة أخماس الغنيمة .
١٢٩.٢ - والغنيمة: هي الموجف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني أو
فقير .
١٢٩.٣ - والفَيْءُ: هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب .
١٢٩.٤ - فكانت سُنَّة رسول الله ﴾ في قرى عُريْنَة؛ التي أفاء اللَّه
تعالى عليه أن أربعة أخماسها لرسول اللّه ي خاصة دون المسلمين ؛ يضعها رسول
اللَّهِ ﴾ [(١) حيث أراه الله عزّ وجلّ (٢).
١٢٩.٥ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين ، وأبو زكريا يحيى بن إبراهيم ،
قالا: حدثنا أبو العباس الأصمّ ، أخبرنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، قال:
سمعت ابن عيينة يحدّث عن الزّهْري أنه سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول :
سمعت عمر بن الخطاب ، والعباس ، وعلي بن أبي طالب يختصمان إليه في أموال
النبي #، فقال عمر: كانت أموال بني النَّضير مما أفاء الله على رسوله مما لم
يوجف عليه المسلمون بخيل ولا رِكَاب ، فكانت لرسول اللّه على خالصة دون
المسلمين ، فكان رسول اللّه ي ينفق منها على أهله نفقة سنة ، فما فضل جعله
في الكُرَاعِ والسلاحِ عُدَّة في سبيل اللَّه، ثُمَّ تُوُفِّيَ رسول اللَّه عَّه، فولِيَها أبو بكر
الصّدّيق بمثل ما وَلِيَها به رسول اللَّه عَّه، ثم ولَيتُها بمثل ما وَلِيَها به رسول اللّه ◌ِّ
وأبو بكر الصديق ، ثم سألتماني أن أوليكماها ، فولَيْتُكُمَاها ، على أن تعملا
فيه بمثل ما وليها به رسول اللّه ◌َج، ثم وليها به أبو بكر ، ثم وليتها به ،
(١) ما بين هذه العلامة إلى أختها بعد صفحات سقط من ( ص ).
(٢) قاله في الأم ( ٤ : ١٣٩).

٢١٤ - مَعْرِفَةُ السُنَنِ والآثارِ / ج ٩
فجئتماني تختصمان ، أتريدان أن أُدْفَعَ إلى كل واحد منكما نصفا ؟ ! أتريدان
منّي قضاءً ؟! أتريدان غير ما قضيت به بينكما أولا ، فلا والذي بإذنه تقوم
السموات والأرض ، لا أقضي بينكما قضاءً غير ذلك ، فإن عجزتما عنها فادفعاها
إليّ أكفيكماها .
١٢٩.٦ - قال الشافعي: فقال لي سفيان: لم أسمعه من الزهري ، ولكن
أخبرنيه عمرو بن دينار ، عن الزهري ، قلت : كما قصصت ؟ قال: نعم (١) .
١٢٩.٧ - أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح ، عن عمرو بن دينار مختصرا(٢).
١٢٩.٨ - قال الشافعي: ومعنى قول عمر: ((لرسول اللّه على خاصة))؛
يريد ما كان يكون للموجفين ، وذلك أربعة أخماسه ، واستدلّ على ذلك بالآية .
١٢٩.٩ - قال الشافعي: وقد مضى من كان ينفق عليه رسول اللّه عليه ، فلم
أعلم أن أحدا من أهل العلم قال لورثتهم تلك النفقة التي كانت لهم ، ولا خلاف في
أن يجعل تلك النفقات حيث كان رسول اللّه على يجعل فضول غَلات تلك الأموال
مما فيه صلاح الإسلام وأهله (٣) .
١٢٩١٠ - أخبرنا أبو إسحاق الفقيه ، أخبرنا أبو النضر ، أخبرنا أبو جعفر ،
حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن الزهري ،
عن مالك بن أوس بن الحدثان ،
عن عمر أن رسول اللّه ◌ّد قال: ((لا نُورث ما تَرَكْنا فهو صدقة)).
(١) رواه في الأم (٤ : ١٣٩).
(٢) رواه البخاري في التفسير ( ٤٨٨٥) باب ((قوله ﴿ ما أفاء الله على رسوله))) الفتح
(٨: ٦٢٩)، وكذلك في الجهاد والنفقات، ومسلم في المغازي (١٧٥٧) باب ((حكم الفيء))
(٣: ١٣٧٦)، وكذلك رواه أبو داود في الحراج والإمارة، باب ((في صفايا رسول الله ﴾ في
الأموال))، والترمذي في السير، باب ((ما جاء في تركة رسول الله )).
(٣) قاله في الأم (٤ : ١٤٠).

٢١ - كتاب قسم الفيء والغنيمة / ١ - باب قسم الفيء والغنيمة - ٢١٥
١٢٩١١ - قال: وسمعت عمر بن الخطاب ينشد عثمان بن عفّان ، وعبد الرحمن
ابن عوف ، وسعد بن أبي وقّاص ، وطلحة ، والزبير ، فقال : أنشدكم اللّه الذي
بإذنه تقوم السموات والأرض، أسمعتم رسول اللَّه ه يقول: ((لا نُورثُ ما تركْنَا
صدقة )» ؟ قالوا : نعم .
١٢٩١٢ - وأخبرنا أبو محمد بن يوسف ، أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابي ،
قال : حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا سفيان ،
عن عمرو بن دينار ، عن الزُّهْري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان ، أنه سَمِعَ عمر بن
الخطاب يناشد عليًّا وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعداً
- قال سفيان: وأشكّ في ((سعد)) -: أنشدكم باللّه أتعلمون أن رسول اللّه عزئع.
قال: ((لا نُورث ما تركنا صدقة)» ؟ قالوا : اللهمّ نعم .
١٢٩١٣ - ورواه مالك بن أنس، عن الزُّهْرِيِّ، فذكرهم، وذكر عباسًا ،
وسعداً ، ولم يذكر طلحة .
وهو مخرّجٌ في الصحيحين (١) .
١٢٩١٤ - وكذلك قاله شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري .
١٢٩١٥ - ورواه معمر ، عن الزهري ، يشكّ في ذكر طلحة .
١٢٩١٦ - ورواه الحميدي ، عمن حدّثه، فَذَكَرَ طلحة وسعدًاً .
أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، حدثنا أبو العباس ، حدثنا الربيع ، أخبرنا
الشافعي ، أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول
(١) رواه البخاري في النفقات (٥٣٥٨) باب ((حبس الرجل قوت سنة على أهله)) الفتح (٩:
٥.٢)، وفي الاعتصام (٧٣.٥) باب «ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين)» الفتح
(١٣: ٢٧٧)، وفي الفرائض (٦٧٢٨) باب ((قول النبي ﴾: لا نورث ما تركنا صدقة)» الفتح
(١٢: ٦)، وكذلك رواه في الخمس وفي المغازي، ومسلم في الجهاد والسير ( ١٧٥٧) باب (( حكم
الفيء)) ( ٣ : ١٣٧٧).

٢١٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩
اللَّهِ ﴾ قال: ((لا يَقْتَسِمُ (١) وَرَثَتِي دِينَاراً، مَا تَرَكْتُ بعدَ نفقةِ أهلِي، ومُؤْنَةٍ
أهْلِي فهو صَدَقَةٌ )).
١٢٩١٧ - وأخبرنا أبو عبد الله ، وأبو بكر ، وأبو زكريا ، قالوا : حدثنا أبو
العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن
الأعرج ، عن أبي هريرة ، بمثل معناه .
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث مالك (٢) .
وأخرجه مسلم أيضا من حديث سفيان (٣).
١٢٩١٨ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، قالا : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا ابن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن
عبد اللّه، قال: قال رسول اللَّهُ لَّى: ((لَوْجاء في مال البَحْرَيْنِ أعطيتُكَ هكذا،
وهكذا))، فتوقّي رسول اللّه عليه، ولم بأته، فجاء أبا بكر ، فأعطاني حين جاءه.
١٢٩١٩ - قال الربيع : بقية الحديث ، حدثني غير الشافعي من قوله : لو
جاءني.
٠ ١٢٩٢ - أخرجاه في الصحيح من حديث سفيان أُتَمّ من ذلك (٤).
K
(١) ليست في (ح) وأثبتناها من الأصول.
(٢) رواه البخاري من حديث مالك في الفرائض (٦٧٢٩) باب ((قول النبي #: لا نورث ما
تركنا صدقة)) الفتح (١٢: ٦)، وكذلك في الخمس وفي الوصايا، وأيضا رواه مسلم من حديث
مالك في الجهاد والسير (.١٧٦) باب ((قول النبي #: لا نورث ما تركنا صدقة)) (١٣٨٢:٣).
(٣) في الجهاد والسير (.١٧٦) باب قول النبي #: لا نورث ما تركنا صدقة)) (١٣٨٣:٣).
(٤) البخاري في الهبة (٢٥٩٨) باب ((إذا وهب هبة أو وعد ثم مات)) الفتح (٥: ٢٢١)،
ومسلم في الفضائل (٢٣١٤) باب ((ما سئل رسول اللَّه ﴾ شيئا قط فقال: لا)) (٤ :
١٨.٦ - ١٨.٧) .

٢ - سهم الصَّفِيّ (*)
١٢٩٢١ - قد روينا في كتاب النبي # إلى بني زُهَيْر بن أُقَيْش: ((إنَّكم إن
أقمتم الصلاة واتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين ، وأعطيتم الخُمْسَ من المَغْتَمِ ، ثم
سهم النبي، والصفِي، فأنتم آمنون لأمانِ (١) اللَّه وأمان رسوله)) (٢).
١٢٩٢٢ - وأخبرنا أبو علي الروذباري ، أخبرنا أبو بكر بن داسّة ، حدثنا أبو
داود ، حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن مطرف ، عن الشعبي ، قال :
كان للنبي ◌ّه سهم يُدْعَى الصَّفِي؛ إن شاء عبدً، وإن شاء أمَةً، وإن شاء فرسًا
يختاره قبل الخُمْسِ (٣).
١٢٩٢٣ - وروينا عن ابن سيرين أن سُئِلَ عن سهم النبي ◌َّ، والصفي؟
قال : كان يُضْرَبُ له بسهم مع المسلمين ، وإن لم يشهد .
١٢٩٢٤ - والصَّفِيُّ: يؤخذ له رأسٌ من الخُمْسِ، قبل كل شيء (٤) .
١٢٩٢٥ - قال أحمد: كذا وجدته في رواية ابن سيرين («من الخمس)»،
ولعله عبّر به عن الغنيمة ، ليكون موافقا لقول الشعبي ، ويحتمل غير ذلك ، واللّه
أعلم .
١٢٩٢٦ - قال الشافعي : الأمر الذي لم يختلف فيه أحد من أهل العلم ،
(*) المسألة : ٨٧١ - لقد سقط سهم الصَّفي، وهو شيء كان يصطفيه رسول اللَّه ◌َد لنفسه،
أي يختاره من الغنيمة ، مثل درع وسيف .
(١) في السنن الكبرى: ((بأمان)).
(٢) رواه في الكبرى (٦ : ٣.٣).
(٣) رواه في الكبرى (٦ : ٣.٣).
(٤) رواه في الكبرى (٦ : ٣.٣).
٢١٧

٢١٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ٩
عندنا ، علمته، ولم يزل يُحْفَظ من قولهم، أنه ليس لأحد ما كان لرسول اللّه مَّد.
من صفي الغنيمة .
١٢٩٢٧ - قال أحمد : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا
أحمد ابن عبيد ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا أبو عاصم ، عن وهب بن خالد ،
قال: (( حدثتني أم حبيبة بنت العرياض، عن أبيها ، أن رسول اللّه ◌َي أخذ وَبَرَةً
من الفيء، فقال: ((ما لي من هذه إلا ما لأحدكم إلا الخُمْس ؛ وهو مردود فيكم ،
فرُدُّوا الخيط والمِخْيَطَ، وإيّاكم والغلول، فإنَّه عارٌ ونارٌ وشَنَارٌ)) (١).
١٢٩٢٨ - وفي هذا مما أشرنا إليه في كتابه دلالة على أنه كان يستحق من
الغنيمة سهمه .
١٢٩٢٩ - وفي قوله: ((إلا ما لأحدكم))، يريد سهم الفارس إن كان
فارسا ، وسهم الرَّأجل إن كان راجلا .
(١) رواه ابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت في الجهاد (٢٨٥٠) باب ((الغلول)) (٢ :
٠ ٩٥ - ٩٥١)، وكذلك النسائي في قسم الفيء ( ٧: ١٣١)، ورواه مالك مرسلا عن عمرو بن
شعيب في الجهاد ( ٢: ٤٥٨) ، ولم أجد حديث العرباض .

٣ - باب الأنفال (*)
(*) المسألة : ٨٧٢ - النّفَل: عبارة عما خصه الإمام لبعض المجاهدين تحريضا لهم على القتال
سمي نفلا ، لكون زيادة عن حصته من الغنيمة .
والتنفيل : تخصيص بعض المجاهدين بالزيادة ، كأن يقول ولي الأمر ، من أصاب شيئا فله ريعه أو
ثلثه، أو فهو له أو من قتل قتيلا فله سلبه، أو يقول لسرية: ((ما أصبتم فهو لكم )).
وهذا جائز لما فيه من تحريض على القتال ، والله تعالى يقول: ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على
القتال ﴾ ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة والسلب وغيرها .
ولا بأس أن ينغل الإمام في حال القتال ، ويحرض بالنفل على القتال ، فيقول من قتل قتيلا فله سلبه ،
أو يقول لسرية ( هى القطعة من الجيش ) : قد جعلت لكم الربع أو النصف بعد أخذ الخمس ، لما فيه
من تقوية القلوب ، وإغراء المقاتلة على المخاطرة وإظهار الجلادة رغبة في القتال . وقد قال
تعالى: ﴿ حرض المؤمنين على القتال ﴾ وهذا نوع من التحريض .
والسّلب : هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه ، ودابته التي ركبها بما عليها وما كان معه من مال .
وأما ما يكون مع خادم للمقتول على فرس آخر أو ما معه من أموال على دابة أخرى ، فكله من الغنيمة
التي هي من حق جماعة الغامين كلهم . هذا مذهب الحنفية والمالكية الذي يقتضي أن القاتل لا
يستحق سلب المقتول إلا بإذن الإمام ، أي بأن ينفله له الإمام بعد انتهاء الحرب بطريق الاجتهاد . فإذا
لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة ، ويكون القاتل وغيره في السلب سواء ؛ لأنه مأخوذ بقوة
الجيش ، فيكون غنيمة لهم .
وقال الشافعية والحنابلة : يستحق القاتل سلب المقتول في كل حال بدون إذن الإمام بدليل عموم
قوله : ((من قتل قتيلا فله سلبه)).
وقد روي أن (( أبا طلحة رضي اللّه عنه قتل يوم خيبر عشرين قتيلا، وأخذ أسلابهم ».
وانظر في هذه المسألة: بدائع الصنائع ( ٧ : ١١٤)، فتح القدير (٤: ٣٣٣)، تبيين الحقائق
(٤ : ٢٥٨)، مغني المحتاج ( ٣: ٩٩)، الفروق (٣: ٧)، بداية المجتهد (١: ٣٨٤)،
المغني ( ٨: ٣٨٨)، الفقه الإسلامي وأدلته ( ٦: ٤٥٢).
ومنشأ الخلاف بين الفريقين: هل قوله #: ((من قتل قتبلا فله سلبه)) صادر منه بطريق الإمامة
ام بطريق الفتيا ؟ .
=
٢١٩

٢٢٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ / ج ٩
= قال الحنفية والمالكية : إن السلب لم يكن للقاتل إلا يوم حنين ، فتخصيص بعض المجاهدين به
موكول إلى اجتهاد الإمام ، فهو تصرف مقول بطريق الإمامة والسياسة . وما وقع منه# بالإمامة لابد
فيه من إذن الإمام في كل عصر من العصور .
وقال الشافعية والحنابلة : إن تنفيل السلب تصرف حادث من الرسول # بطريق الفتيا، لا
بطريق الإمامة ، وكل ما وقع منه بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض أو إذن إمام .
وهذ الخلاف يجري في فهم حديث: ((من أحيا أرضا ميتة فهي له)) فهل يحتاج إصلاح الأرض
لتملكها إلى إذن الإمام أم لا ؟ رأيان كما لاحظنا .
والتنفيل بناء على رأي الفريق الأول إنما يكون في مباح القتل ، فلا يستحق بقتل غير المقاتلة كالصبي
والمرأة والمجنون ونحوهم ، ولا يشترط في استحقاق النفل سماع القاتل مقالة الإمام ؛ لأن إسماع كل
المجاهدين متعذر .
ويشترط لجواز التنفيل أن يكون قبل حصول الغنيمة في أيدي الغانمين ، فإن حصلت في أيديهم ، فلا
نفل إلا من الخمس ونحوه .
وحكم التنفيل : اختصاص القاتل بالنفل ، فلا يشاركه فيه أحد من الغانمين ، ولكن لايتم تملكه إلا
بالإحراز في دار الإسلام عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف . وأما عند محمد فيتم تملكه قبل الإحراز
بدارنا.
أما كيفية توزيع الغنائم فهي موضحة في قوله تعالى: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن الله
خمسه ، وللرسول ، ولذي القربى، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله، وما
أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، واللَّه على كل شيء قدير ﴾ فتقسم الغنيمة
خمسة أسهم : الخمس لمن ذكرتهم الآية والأربعة الأخماس للغانمين ، وهذا ما بينه ابن عباس : قال :
كان رسول اللّه إذا بعث سرية، فغنموا ، خمس الغنيمة ، فضرب ذلك الخمس في خمسة ، ثم
قرأ: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ... ) الآية، فجعل سهم اللّه وسهم الرسول واحداً ، ولذي
القربى ، فجعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح ، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا
يعطيه غيرهم ، وجعل الأسهم الأربعة الباقية : للفرس سهمين ، ولراكبه سهما ، وللراجل سهما .
ويقول بعض العلماء : تقسم الغنيمة على ستة أسهم ، منها سهم الكعبة .
وقال الإمام مالك: إن أمر القسمة موكول إلى نظر الإمام ، ومصروف في مصالح المسملين . وما
ذكره في الآية تنبيه على أهم من يدفع إليهم الخمس .
=