النص المفهرس
صفحات 61-80
تقدمة المحقق - ٦١ = ١ - الخلاف العارض من جهة اشتراك الألفاظ واحتمالها للتأويلات الكثيرة. ٢ - الخلاف العارض من جهة الحقيقة والمجاز. ٣ - الخلاف العارض من جهة الإفراد والتركيب . ٤ - الخلاف العارض من جهة العموم والخصوص . ٥ - الخلاف العارض من جهة الرواية . ٦ - الخلاف العارض من قبل الاجتهاد والقياس . ٧ - الخلاف العارض من جهة النسخ . ٨ - الخلاف العارض من جهة الإباحة . هذا من جهة اللغة غالباً ما أورده ابن السيد البطليوسي ، ولكن من ناحية الفقه فيمكن حصر أسباب هذه الخلافات كما يلي : ١ - إن الآيات القرآنية الكريمة ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، و ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، و﴿ ما جعل الله عليكم في الدين من حرج﴾ [ الحج: ٧٨]، والأحاديث النبوية الشريفة منها: ((يسِّروا ولا تعسِّروا))، ومنها قوله ﴾ لمعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: ((يسرا ولا تعسراً، وبشرا ولا تنفرا»، وحديث عائشة: ((ما خير رسول اللَّه 4 بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)) = وقد غفل كثير من المتأخرين عن هذا الأمر وأخذ بجانب التعسير على الناس . ٢ - ومن أسباب هذه الخلافات أيضاً عدم عناية المتأخرين بالتحرى عن ظروف كثير من أوامره ﴾ وإرشاداته ، هل المراد منها أن تكون تشريعا عاماً دائماً ، أو خاصاً ببعض الناس دون بعض .. أو ببعض الظروف دون بعض .. وقد يكون لها قيود وملابسات لا يعمل بها عند عدمها . من ذلك ما رواه البخاري عن النبي ® ، أنه نهى عن إدخار شئ من لحوم الأضاحى أكثر من ثلاثة أيام، فلما جاء العام الثاني، وتحدث الناس عن عدم الإدخار، قال لهم : (( كلوا وأدخروا ماشئتم وإنما نهيتكم في العام الماضي لأنه كان بالناس فيه مجاعة ، فأردت أن تعينوهم فيها . ٣ - ومن أسباب الخلاف أيضاً غفلة كثير من العلماء عن أنه # كثيرا ما كان يجيب السائل، أو يأمر الرجل بما يناسب حاله هو ، وقد لا يناسب غيره . روى البخاري عن أبي أيوب الأنصاري أن رجلا قال للنبي #& : أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ، = فقال : ((تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم». ٦٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ وأخرج البخاري في التاريخ عن رجل من قبيلة قيس يدعى ابن المنتفق ، قال : لقيت رسول عم بعرفات ، فزاحمت عليه حتى وصلت وأخذت بزمام راحلته وقلت : شيئين أسألك عنهما ، ما ينجينى من النار؟ وما يدخلنى الجنة؟ فنظر إلى السماء ثم أقبل علىّ بوجهه الكريم، وقال: ((لئن كنت أوجزت المسألة فقد أعظمت وطولت ، فاعقل ما أقول : اعبد اللّه لا تشرك به شيئا ، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدّ الزكاة المفروضة، وصم رمضان» . وورد في هذا الباب أحاديث كثيرة صحيحة . سأل رجل النبى أي الأعمال أفضل؟ فقال له: ((الجهاد في سبيل الله)). وسأله رجل آخر هذا السؤال نفسه فقال له: ((بر الوالدين)). وسأله ثالث فقال «كف الأذى عن الناس». وقال الآخر: (( أفضل الأعمال الصدقة على الفقراء». قال الحافظ ابن حجر : ويؤخذ من مثل هذه الأحاديث تخصيص بعض أعمال الخير بالحث عليها بحسب حال المخاطب ، وحاجته للتنبيه إليه . ٤ - ومن أسباب هذه الخلافات أيضاً اغترار كثير من المتأخرين بما نقل إليهم عمن سبقهم من دعوى الإجماع في مسائل ليست في الواقع - عند التحري - محل إجماع ، وكان اغترارهم هذا سبباً في . تعصب كل لما نقل إليه وفي تسهيل العيب فيمن خالفه ، بل ربما طعن فيه بدون حق . من ذلك ما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر أن رسول اللّه د كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر الركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع إلخ . قال الحافظ ابن حجر قال النووي في شرحه على مسلم : أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام . ثم نقل عن داود وأحمد بن سيار من علماء الشافعية أنهما يقولان بوجوب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ، ونقل عن مالك في رواية عنه أنه لا يستحب رفع اليدين هذا . ثم قال الحافظ : ومن العجيب بعد هذا الخلاف الواسع أن يقول النووي في شرحه على المهذب ، وعلى مسلم : أن العلماء أجمعوا على استحبابه ، فأين الإجماع على الاستحباب ، وعلى عدم الوجوب مع ثبوت مخالفة هؤلاء العلماء ؟ . ٥ - ومن أسباب هذا الخلاف تشديد بعض العلماء في المندوبات والمواظبة عليها حتى اعتقد بعض العامة أنها واجبة يأثم الإنسان بتركها ، وكثيراً ما ثاروا على من يتركها ، وربما ألحقوا به أذى بدون حق . = تقدمة المحقق - ٦٣ = ٦ - ومن أسباب الخلاف أيضاً أن يكون العمل الذي حصل من النبي ٤ حضره جمع من أصحابه ، ولما تفرقوا في البلاد روى كل واحد جانباً مما حصل ، وأغفل غيره ، أو نسيه ، ولم يتنبه له ، فيكون كل واحد منهم روى ما أغفله غيره ، وأغفل ما رواه . فمن لم يتحروا الدقة في مثل ذلك بجمع جميع الروايات لتظهر الحقيقة كاملة تتفرق بهم السبل ويختلفون ، وينكر كل منهم على صاحبه ما هو حق في الواقع لا يصح إنكاره . وأوضح مثال لذلك ما جاء في البخاري في ((باب سؤال جبريل النبي #& عن الإيمان .. والإسلام .. والإحسان)) ففي بعض الروايات قال جبريل للنبي : وما الإسلام .. ؟ فقال : ((الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان)» قال : ما الإحسان .. ؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه إلخ)). قال الحافظ ابن حجر : فإن قيل إنه لم يذكر الحج مع أنه من أهم أركان الإسلام ، أجيب بأنه ذكره لكن بعض الرواة إما ذهل عنه أو نسيه ، والدليل على ذلك الروايات الأخرى لهذا الحديث ، ففي رواية أنس بزيادة «وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)». وفي رواية عطاء الخراساني ذكر الحج ولم يذكر الصوم ، وابن عباس لم يذكر في روايته هذا الحديث غير الشهادتين ، وذكر التميمي في روايته لهذا الحديث جميع ما ذكر متفرقاً في الروايات الأخرى ، وزاد بعد قوله والحج ((وأن تعتمر ، وتغتسل من الجنابه ، وتتم الوضوء )). قال ابن حجر : فتبين مما ذكرناه أن بعض الرواة ضبط ما لم يضبط غيره . ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه، سئل كم اعتمر النبى ء؟ فقال: أربع عمرات ، إحداهن في رجب ، فسئلت عائشة رضي الله عنها عما قاله ابن عمر فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن. ما اعتمر النبي #& إلا وهو حاضر معه، وما اعتمر ﴾ في رجب قط، أى أن محل خطئه هو قوله إحداهن في رجب ، ولم تنكر أن عمراته كانت أربعاً . وفي رواية مسلم لهذا الحديث زاد ((وابن عمر كان يسمع كلام عائشة فما قال شيئاً ، بل سكت)). قال النووي سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدل على أنه اشتبه عليه الأمر ، أو نسى ، أو شك . وقال القرطبى عدم مراجعة ابن عمر لعائشة يدل على أنه كان على وَهم ، وأنه رجع لقولها . قال الحافظ ابن حجر : يدل هذا على أن الصحابي الجليل الشديد الملازمة للنبي #& قد يخفى عليه بعض أحواله # ، وقد يعتريه الوهم والنسيان ، لكونه غير معصوم . وفي الحديث حسن الأدب في رد بعض العلماء على بعض ، وحسن التلطف في استكشاف الصواب إذا ظن السامع خطأ الحديث . = ٦٤ - مَّعْرِقَةُ السُّكَنِ والآثارِ / ج١ = ومن قبيل أن الصحابي الجليل كثير الملازمة للنبي # قد يخفى عليه ما لم يخف على غيره من تصرفاته صلوات الله عليه ما جاء فى حديث الطاعون ، بل هذا فيه أن كثيراً من الصحابة الملازمين النبي 4 في أغلب أحواله ختى عليهم ما لم يخف على غيرهم . وحفظه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. علق الحافظ ابن حجر على هذا الحديث بقوله: (( إن السنة قد تخفي على كبار أصحاب رسول الله الكثيرى المصاحبة له ، وتكون عند غيرهم» . وإليك مثلا آخر لهذا النوع ، وستلمح من ثناياه وميضا يضئ لك طريق الخلاص من هذه الخلافات التى أوهنت الكثير من روابط المسلمين . ذلك ما رواه البخاري في حجة الوداع التي قام بها النبي # سنة ١٠ هجرية . وكان معه عند خروجه من المدينة عدد من المسلمين يزيد على أربعين ألفا . قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول اللّه # - ونحن لازلنا بالمدينة - الظهر أربع ركعات . ثم ركب وسرنا معه حتى وصل ذا الحليفة فصلى بنا العصر ركعتين ، وبات بها ، ومكث حتى صلى الظهر بمسجد ذي الحليفة ركعتين ، ثم ركب ناقته وسارت به حتى استوت به على البيداء فحمد الله وسبح وكبر ، ثم أهلَ بحج وعمرة ، وأهل الناس معه بهما . وفي رواية أخرى للبخاري أنه #& أهل عند مسجد ذي الحليفة قبل وصوله للبيداء . وفي مسلم عن موسى بن عقبة كان ابن عمر إذا قيل له : أحرم ٤ من البيداء يقول : البيداء التى يكذبون فيها على رسول اللَّه .. والله ما أهل إلا عند مسجد ذي الحليفة !. وجاء في بعض الروايات أنه أهل عقب صلاة الظهر قبل أن يركب .. فتفرق العلماء لأجل هذه الروايات إلى ثلاث طوائف : طائفة تقول : أهل عقب الصلاة قبل أن يركب . وأخرى تقول : أهل بعد أن ركب راحلته بعد الصلاة ، وقد قامت به . وثالثة تقول : أهل حين وصلت به راحلته إلى البيداء . قال الحافظ ابن حجر : وقد أزال الإشكال عن هذه الخلافات ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جُبير . قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول اللَّه # في إهلاله، ثم ذكر سعيد الحديث كما سبق عن أنس، ثم قال: فلما صلى رسول اللَّه 4 في مسجد ذي الحليفة الظهر ركعتين، أهل بالحج حين فرغ منهما ، فسمع منه قوم ذلك فحفظوه . = تقدمة المحقق - ٦٥ أخرج البخاري ومسلم ، وغيرهما أن النبي ﴾ قال يوم الأحزاب: ((لا يُصَلِّيَنْ أُحَدّ العَصْرَ إلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)) ، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فقالَتْ طَائِفَةٌ من المسلمين : إنَّ رسولَ اللَّه ◌َى لم يُردْ أنْ تَدَعُوا الصَّلاةَ فَصَلُّوا، وقالت طائفةً: إِنّا لَفِي عَزِيمَةِ رسولِ اللَّه ◌َّهِ ما عَلَيْنَا من إِثْمٍ، فَصَلَّتْ طائِفَةٌ إيماناً وَاحْتِساباً ، وَتَرَكَتْ طَائِفَةً إيماناً واحْتِسَاباً ، ولم يُعَنِّفْ رسولُ اللَّه عَّهِ واحِداً مِنَ الفريقين . وقد اختلفَ العلماء في المُصيب يومئذٍ مَنْ هُوَ ؟ بل الإجماع على أن كلاً من الفريقين مأجورٌ ومعذورٌ ، غير معنّف . فقالت طائفة من العلماء : الذين أخّروا الصلاة يومئذ عن وقتها المُقَدَّرِ لها حتى صَلُّوها في بني قريظة هم المصيبون . لأنّ أمرهم بتأخير الصلاة يومئذ خاص ، فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعاً ، وقالت طائفة أخرى من العلماء : بل الذين صَلُّوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم هم المصيبون ، لأنهم فهموا أنّ الأمر المراد إنما هو تعجيل السير إلى بني قريظة لا تأخير الصلاة ، فعملوا بمقتضى الأدلة الدالة على أفضلية = ثم ركب ناقته . فلما نهضت به واقفة أهل ثانياً، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوا المرة الأولى فسمعوه حينذاك فقالوا : إنما أهل حين استقلت به راحلته . ثم سار حتى صعد فوق البيداء ، عند ذلك أهل ثالثاً ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه في غيرها فقالوا: إنما أهل بالبيداء .. فنقل كل واحد ما سمع . والحقيقة أنه أهل وأيم الله في مصلاه، ثم أهل ثانياً حين ركب ناقته ونهضت به ، ثم أهل ثالثاً عندما صعد على البيداء . ، وبذلك صحت كل تلك الروايات ، ولم تتناقض كما يُرى لبعض قصار النظر . ومن أسباب هذه الخلافات أيضاً أنه قد يخفى على العالم المجتهد حال راوي الحديث ، فيروي عنه مع أنه ليس أهلا للرواية عنه ، وبذلك يكون الحكم الذي أخذ من الحديث غير صحيح .. فيخالفه فيه غيره ممن يعلم حقيقة حال الراوي . قال أبوعلي النيسابوري : قلت لابن خزيمة : لو أخذت الحديث عن ابن حميد فإن أحمد ابن حنبل قد أحسن الثناء عليه . قال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفته لما أثنى عليه أصلا . أى ولما روى عنه حديثاً، لأنه مطعون في صحة روايته . ٦٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ الصلاة في أول وقتها مع فهم عن الشارع ما أراد ، ولهذا لم يُعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حُوَّلَتْ إليه يومئذ كما يدعيه أولئك ، وأما الذين أخّروا فعُذروا بحسب ما فهموا . وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه . وقد اختلف الصحابة قبل ذلك في أسارى بدر : أيفادون ، أم يقتلون ؟ فقد استشار النبي # الناس في الأسارى يوم بدر ، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار ، وعسى أن يهديهم اللَّه فيكونوا لنا عضداً . فقال رسول الله ◌ّ: ((ما ترى يا ابن الخطاب؟)). قال: قلت: واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين ، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم . فهوي رسولُ اللَّهُ لَّى ما قال أبو بكر ولم يهْوَ ما قال عمر، ثم خرج عليهم، فقال: ((إن اللَّه ليُليِّنُ قلوبَ رجال فيه حتى تكونَ ألين من اللبن، وإن اللَّه لیشدد قلوبَ رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال : ﴿فَمَنْ تَبَعني فإنَّه مِنّ ومَنْ عَصَانِي فإِنَّك غفورٌ رحيم ﴾ [ إبراهيم: ٣٦}. ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنّهم عبادك وإنْ تغفرْ لهمْ فإنّك أنتَ العزيزُ الحكيم﴾ [ المائدة: ١١٨]. وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﴿قالَ ربِّ لا تذرْ على الأرض من الكافرينَ ديَّاراً ﴾ [ نوح: ٢٦]، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال : ﴿رينًا اطمسْ على أموالِهِمْ واشْدُدْ على قلوبِهم فلا يُؤمِنُوا حتى يَرَوا العذابَ الأليم ﴾ [ يونس: ٨٨]. أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق)). أرأيت كيف وقع الاختلاف في موضوع ما أخطره ، وكيف أقرَّ رسول اللّه عَّه كلا على رأيه وأخذ بما هو أصلح للإسلام والمسلمين ؟ . ليس هذا فقط ، بل وقع الاختلاف بعد ذلك في أحد ما بين الخروج إلى العدو ، وبين التحصين في المدينة ، وفي الحديبية عندما لم يُطِقْ بعض المسلمين شروط تقدمة المحقق - ٦٧ الصلح ، وفي الصوم والفطر في السفر ؛ كان الصحابة يسافرون ومنهم الصائم ومنهم المفطر ، فلا يعب أحد على أحد ، والرسول ◌َّ يُقِرُّ كلاً على ما هو عليه. وانظر هنيهة في قصة الفاروق عمر رضي الله عنه مع هشام بن حكيم لما سمعه يقرأ سورة الفرقان ، قال : فسمعته يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول اللّه ◌َّ، فقال له : من أقرأكَ هذه السورة التي سمعتُكَ تقرأ بها ؟ فقال : أقرأنيها رسولُ الله ﴾، فقال له: كذبتَ فإن رسول اللَّه ◌ُ قد أقرأنيها على غير ما سمعتُك تقرأ من حروف، فانطلقتُ به أقودُه بردائه إلى رسول اللَّه عَل، فقلت: إني سمعته يقرأ سورة الفرقان على قراءة لم تُقرئنيها. فقال: ((أرسله ، اقرأ ياهشام)). فقرأ تلك القراءة التي سمعتُها منه، فقال: ((كذلك أنزلت)). ثم قال : ((اقرأ يا عمر)) فقرأتُ القراءة التي أقرأنيها. فقال: ((كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف )) . واختلف الصديق أبو بكر مع الفاروق عمر في قضية مانعي الزكاة ، وفي جَمْعِ القرآن ، ووصل هذا الاختلاف إلى حد أن مزّق الفاروق عمر الكتاب الذي كتبه أبو بكر لبعض من كان يتألفهم حينما أرادوا من عمر أن يشهد عليه ، ويقول لهم : ليس لكم شيء ، إنما كان ونحن في ضعف ، أما اليوم وقد أعزنا اللَّه فلا فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا : الخليفة عمر أم أنت ؟ فيقول لهم : عمر إن شاء . ثم يُرسل إليه ويسأله ، فيقول له ما قاله سابقاً ، ويعلمهم إما أن يبقوا على إسلامهم وإما السيف بينهم . فما غضب أبو بكر لفعل عمر ، ولا تعصّب لرأيه ، ولا أثّر في نفسه تمزيق كتابه ، إذ الغرض هو مصلحة الإسلام والمسلمين (١). (١) هذا في عصر الرسول &، وعهد الصحابة، والسلف الصالح من العلماء يعذر بعضهم بعضاً إذا ما اختلفوا ، ولا يعيب أحد منهم رأياً رآه غيره ، فكانوا بهذا أقرب في الوصول إلى الصواب وأسرع بلوغاً إليه إذا لمحوه ، وأقوى تمسكاً به إذا أدركوه ، وكان شعارهم جميعاً في ذلك هو أن الرجوع إلى الحق من أمهات الفضائل . وكان من أثر ذلك في علاقة بعضهم ببعض نموّ روح التسامح فيما بينهم ، وقوة المحبة والأخوة في اللّه، وفي سبيل الحق ، والتعاون على كل ما يوصل إلى رضاء اللَّه تعالى، وإلى سعادة الأمة . = ٦٨ - مَعْرِفَةُ السُنَنِ والآثارِ / ج١ وتعتبرُ جيمعُ الخلافاتِ الْمَذْهَبِيَّةِ وجهات نظرٍ فقهيةٍ ؛ ذلكَ أنَّ مَصادِرَ المبادئ والأحكام الإسلامية إِمَّ دَلَتْ عليها أُدلَّةٌ قَطْعِيَةٌ فاكتسبتْ صِفَةَ القَطْعِ مِنْ أُدلّتها ، ومِنْ ثَمَّ فلا يَسَعُ الْمُسْلِمَ أُنْ يَشُكَّ فيها ، ولا يُعذر أحدٌ بجهلها كقوله تعالى : ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ [البقرة: ٤٣]. و﴿ كُتبَ عليُمُ الصِّيامُ﴾ [ البقرة: ١٨٣]. ﴿وللَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [ آل عمران: ٩٧]. في وجوب ذلك على المسلمين. وكقوله تعالى: ﴿ حُرِّمتْ عليكُمُ المَيْتَةُ والدِّمُ ولَحْمُ الخِنْزِير﴾ [ المائدة: ٣] . في النواهي، وقوله: ﴿وَلَكُم في القِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]. في الحقوق عموماً ، وقوله: ﴿ فَمَنْ تَمَتِّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي فمنْ لَمْ يَجِدْ فَصيامُ ثَلاثةِ أيَّامٍ في الحَجِّ وسبعةٍ إذا رَجَعْتُم تِلكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة ﴾ [ البقرة: ١٩٦] . وهذه مما لا اجتهادَ فيه . = فبارك الله لهم في أعمارهم وأعمالهم ، وحفظها من أن تضيع في جدل عقيم ، ومراء سقيم ليس له من باعث سوى العناد للرأى ، والانتصار للمذهب ، مهما بعد عن الحق ، أو ظهر خطؤه . وحفظهم سبحانه كذلك من التخاصم ، والتحاسد ، ومن كل ما يفسد القلوب ، ويحبط الأعمال ، فنفعهم بأعمالهم ، ونفع بها الأمة . وها هي ذي آثارهم ، لازالت مناراً يهتدي به من أراد سلوك طريقهم ، ونموذجاً لمن وهبه الله ما وهبهم من فقه في الدين ، وحرص على تحري الحق ، وأراد أن ينفع كما نفعوا ، ويثمر كما أثمروا . ولعل من أسباب نجاحهم أنهم كانوا جميعاً يغترفون من نهر واسع الجنبات ، عميق الغور ، ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله ، يرتوى منه كل منهم على قدر استعداده ، ولا يقابل من غيره بعتاب ولا ملام كان بعضهم يفهم في الآية أو الحديث فهماً ، ويفهم غيره فيهما فهماً آخر ، فيناقش كل صاحبه بالتي هي أحسن ، فإن كانت النتيجة اتفاقاً حمدا لله تعالى ، وإن كانت الأخرى عذر كل صاحبه ، وانصرفا صديقين متحابين . ثم خلف من بعدهم خلف قدسوا هذه الآراء ، وبالغوا في التعصب لها ؛ والطعن فيما سواها ، فتشعبت بهم الطرق، وتعرجت المسالك على السالك، وأبعدتهم عن الأصل الأول ((الكتاب والسنة)) حتى أهملوا النظر فيه ، وتخاصموا وتعادوا كما يتخاصم ويتعادى أتباع الأديان المختلفة . حتى جعل من أبناء الأمة الواحدة شيعاً وأحزاباً ، يخاصم كل حزب غيره ويعاديه . تقدمة المحقق - ٦٩ أو دَلَّتْ عليها أدلةٌ صحيحةٌ غير صريحة ، أو صريحة غير صحيحة ، مما أُطلق عليه : ((الأدلة الظنية)). فمن الصحيح غير الصريح : مثل قوله تعالى: ﴿ إلا أنْ يَعِفُونَ أو يَعِفُوَ الذي بيدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ﴾ [ البقرة: ٢٣٧]. فهو دائر بين الزوج والولي ، وليس صريحاً في واحدٍ منهما. ومثل قوله تعالى: ﴿لاَ تُضَارٌ والدةٌ بولدهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] فهو دائر بين اسم الفاعل واسم المفعول ، فيحتمل أن يكون الكلام موجهاً إليها بالنهي أنْ تضر الوالد بسبب ولدها ، ويحتمل أن يكون موجهاً للوالد دفاعاً عنها أن تضر في ولدها . ومن ذلك ما يكون اللفظ مشتركاً : اسماً أو فعلاً أو حرفاً . فمن الأسماء المشتركة : لفظ القرء في ﴿ ثَلاثةَ قُروءٍ﴾ [ البقرة: ٢٢٨] . حيث يستعمل للحيض وللطهر . وَلَمْ يختلفِ الأئِمَّةُ اختلافاً جوهرياً في أيِّ مسألةٍ من المسائل ، أو اختلافاً يقوم في جَوْهَرِهِ على عَصَبِيّةٍ أو هوى أو جهل ، إنما اختلفوا في بعض المسائل ذاتِ الأدلّةِ الظنية اختلافاً اقْتَضَتْهُ ضرورةُ النَّظَرِ والاجتهادِ والبَحْث (١). (١) من هنا فإنّ الدَّعْوَةَ إلى تَوْحيد المذاهبِ الفقهية في مذهبٍ واحدٍ يُحمل عامة الناس إلى الانضواء تحت لوائه من أعجبِ الأمورِ التي تلغي الاجتهاد ؛ إنَّ اختلافَ الاجتهاد في مسألة فقهية قد يكون قوياً ، فيكون لكل واحد قول يُخالف أقوال الآخرين، فيكون في المسألة أربعة أقوال ، وقد يكون أقل من ذلك ، فيتفق كل إمامين على قول : فيكون فيها قولان فقط متساويان ، وقد يقل عن ذلك فينفرد إمام بقول ، ويتفق الثلاثة الآخرون على قول ، لا بل إنه قد يحدث الاختلاف حول مسألة في نفس المذهب ، قال صاحب فتح القدير مع الهداية في مسألة مسح الرأس في الوضوء : والمفروض في مسح مقدار الناصية وهو ربع الرأس ، وفي بعض الروايات قدّره بعض أصحابنا بثلاث أصابع ، وهو قول محمد . فاختلف قول محمد مع أبي حنيفة في قدر ما يجزئ من مسح الرأس . وقال في الماء المستعمل في رفع حدث : والماء المستعمل لايجوز استعماله في طهارة الأحداث . أ - وقال زفر - وهو أحد قولي الشافعي - إن كان المستعمل متوضَّئاً فهو طهور ، وإن كان مُحدثاً فهو طاهر غير طهور . = ٧٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه ﴾ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه فقال رجلٌ : حلقتُ قبل أن أذبحَ ، فقال : اذبح ولا حرج ، فجاء رجل آخر فقال : نحرتُ قبل أن أرميَ ؛ فقال: ارم ولا حرج ، فما سئل النبى يومئذ عن شئ قُدَّم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج، وعدّد بعضهم الأشياء = ب - وقال محمد - وهو رواية عن أبي حنيفة - هو طاهر غير طهور . جـ - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : هو نجس بناء على اعتبار الغسل من الجنابة مثل البول ، بدلالة الاقتران ، وأن كلاً منهما يمنع من الصلاة خبث البول وحدث الجنابة، لحديث: ((لا يبولنُ أحدٌ في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة)». ثم فصّل قول أبي حنيفة في درجة تلك النجاسة فقال: - وفي رواية أبي يوسف عنه أنها نجاسة خفيفة ، لمكان الاختلاف . - وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه نجاسة غليظة . وعند الشافعية ، فقد اختلف قول الشافعي في القديم ثم رجع عنه إلى الجديد إلا بعض مسائل كما تقدم ، ففي القديم يزكي عن الحُليّ ، وفي الجديد - وعليه العمل - لا يزكي ، وفي مسألة نقض الوضوء بلمس المرأة : أ - قال النووي في ((المجموع)): (المسألة الثالثة) أنه ينتقض لمجرد اللمس سواء حصل سهواً أو اتفاقاً ، ولو بعضو أشلَ ، بشهوة أو بغير شهوة . ب - ووجه حكاه الرافعي وغيره أن لمس العضو الأشل أو الزائد لا ينتقض . جـ - ووجه حكاه الرافعي عن الحناطي أن ابن سُريج كان يعتبر الشهوة في الانتقاض ، وقال الحناطي وحُكي هذا عن نص الشافعي . د - ووجه حكاه النوراني وإمام الحرمين وآخرون أن اللمس ينتقض إذا وقع قصداً وهذه الأوجه شاذة ضعيفة . وقال الباجي في ((شرح الموطأ)) في باب الوضوء عند الكلام على مسح الرأس: ((باب استيعاب الرأس مسحاً)): وأما استيعاب الرأس فهو الفرض عند مالك، وقال محمد بن سلمة: يُجزئ مسح أكثره ، فإن ترك الثلث أجزأه ، وحكى العتبي عن أشهب أن من مسح مقدمة رأسه أجزأه . وصنّفَ ابن عبد البر في المسائل التي خالفَ أصحابُ مالكٍ مالكاً فيها ، وعند الحنابلة كتاب ((الإنصاف)) كله في مسائل الخلاف في نفس المذهب ، ولم يكن هذا الاختلاف موجباً فرقةً ، ولا خصومة ، لأنها كلها اجتهادات في مسألة لها عدة وجوه . تقدمة المحقق - ٧١ التى سئلَ عنها ◌َّ حتى أوصلها إلى (٢٤) صورة: الحلق قبل الرمي، والحلق قبل الذبح ، والذبح قبل الرمي ، والإفاضة قبل الرمي ، والإفاضة قبل الحلق ، والرمي والإفاضة معاً قبل الحلق ، والإفاضة قبل الذبح ، والسعى قبل الطواف .. أُرَأَيْتَ في باب التيسير أُفْسَحَ من هذا الأفق !! وَمِمِّنْ ؟ من صاحبِ الشريعة الغَرَآء . أليسَ في هذا دليل على أنّ كل فعلٍ طُلِبَ من المكلف ولم يَرِدْ عن النبيِّ ◌ِ﴾ شيء يحدد كيفيته ، أو ترتيب بعضه على بعض ، يكون الأمر فيه واسعاً ، يفعل كل مكلف ما يغلب على ظنه أنه هو المطلوب ، ولا حرجَ عليه بعد ذلك ، لأنه لو كان غير ذلك لوجبَ على النبى # أن يبينه للناس . أَيْنَ هذا التيسير والتسامح من صاحب الشريعة الغراء مما يسود اليوم من تعصب لبعض المذاهب ، وما يجره هذا التعصب من كوارثَ على الأمة! (١) (١) مرّ آنفاً كيف اختلف الفاروق عمر مع الصديق أبي بكر في مسألة المؤلفة قلوبهم في خلافة الصديق ، وكيف أن أبا بكر أقر لعمر ما ذهب إليه لأن الغرض هو مصلحة الإسلام والمسلمين . وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (٤ : ١٩٥) عن شرحبيل بن شفعة قال : وقع الطاعون فقال عمرو ابن العاص أنه رجس فتفرقوا عنه فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة فقال: لقد صبحت رسول اللَّه ـ وعمرو أضل من بعير أهله أنه دعوة نبيكم ورحمة ربكم وموت الصالحين قبلكم فاجتمعوا له ولا تفرقوا عنه ، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال : صدق . ولا بأس أن ننقل هنا رسالة الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة إلى الليث بن سعد إمام أهل مصر لما فيها من أدب جم ، وأسلوب في التناصح يحض عليه الإسلام ، وقد ذكرها صاحب المدارك . من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد ، سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه ، اعلم رحمَك اللَّه أنه بلغني أنك تقضي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه ، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك ، وحاجة مَن مثلك إليك ، واعتمادهم على ما جاءهم منك حقيق بأن تخاف على نفسك ، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه ، فإن اللّه تعالى يقول في كتابه العزيز = ٧٢ - معرفةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ هذا الروح السامي في التيسير والتسامح هو الذي ينبغي أن يسودَ العالم الإسلامي إذا أريدَ لهذه الأمة أُنْ تَتَوَحَّدَ كلمتها ، وألا تكون شيعاً وأحزاباً يضرب بعضهم أعناق بعض ، والمسلمون أمة واحدة ﴿ إن هذه أمتكم أمّة واحدة وأنا ربكم فاعبدُون﴾ (١) .. المسلمون جماعة واحدة ، ومهما تعددت أفرادهم وشعوبهم ، يجتمعون على عبادة رب واحد: ﴿اللَّه الذى جعل لكم الأرْض قراراً، والسماء بناء وصوّركم فأحسنَ صوركُم ورزقكم من الطيبات ، ذلكُم اللَّه ربكُم فَتبارك اللّه رب العالمين﴾ (٢) .. ﴿إلهُكم إله واحد، فالذين لا يؤمنون بالآخرة قُلوبهم منكرة وهم مستكبروُن﴾ (٣). = ﴿ والسَّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والذينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحسَان رضِي اللَّه عنهُم ورَضُوا عَنْه وأعدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحتِها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدأَ ذَلَكَ الفَوزُ العَظِيمِ ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ الذينَ يَستمعونَ القَوَّلَ فَيَتْبِعُون أحسنَه أولئك الذينَ هَدَاهُمُ اللَّه وأُولئِكَ هُم أُولوا الأَلْبَاب﴾ [الزمر: ١٧]. فإن الناس تبع لأهل المدينة ، إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن وأحلّ الحلال وحرّم الحرام إلى رسول الله - بين أظهرهم، يحضرون الوحي والتنزيل ، ويأمرهم فيطيعونه ، ويسنّ لهم فيتبعونه ، حتى توفاه الله واختار له ما عنده صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته. ثم قام مَنْ بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده ، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه ، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه ، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم ، وإن خالفهم مخالفة أو قال أمراً غيره أقوى منه وأولى ترك قوله وعمل بغيره . ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل ويتبعون تلك السنة . فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه ، للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها ، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون : هذا العمل الذي يبلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا ، لم يكونوا من ذلك على ثقة ، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم . فانظر رحمك الله فيما كتبْتُ إليك به لنفسك ، واعلم أني أرجو ألا يكون دعاني ما كتبتُ به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده ، والنظر لك والضر بك فأنزل كتابي هذا منزلته فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحاً . وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسول اللَّه +4 في كل أمر وعلى كل حال ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتب يوم الأحد لتسع مضين من صفر . ثم انظر نص رد الإمام الليث بن سعد على رسالة الإمام مالك في ((إعلام الموقعين» (٣ - ٩٤ - ١٠٠)، وما فيها من حسن السيرة، والتقدير والتكريم بين أهل العلم والفضل. (٢) غافر : ٦٤ (١ ) الأنبياء : ٩٢ (٣) النحل : ٢٢ تقدمة المحقق - ٧٣ وكما يجتمعون على عبادة رب واحد يجتمعون على وحدة في الصلاة بين بعضهم بعضاً ، ووحدة في الفعل والترك فيما يتصل بخير أنفسهم وخير جماعتهم ، ووحدة في طاعة الله ورسوله وفيما جاء عن اللّه ورسوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضُهم أولياءُ بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويقيمون الصلاة ويؤتُون الزكاة ، ويطيعُون اللّه ورسوله أولئك سيرحمهُم اللّه، إن اللَّه عَزيز حَكيم﴾ (١). وقوة المسلمين في ولاء بعضهم لبعض يقول الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (١) .. ويقول رسوله الكريم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) هذا هو نداء الإسلام للمسلمين للإبقاء على علاقات الأخوة والمودة والولاء بين بعضهم البعض . إذ في الإبقاء على علاقات المودة والأخوة والولاء إبقاء على شخصية المجتمع وعلى أهدافه وغاياته . وهى أهداف وغايات تتصل بسيادتكم . وسيادتكم في عدم طواعيتكم لمن لا يؤمن باتجاهكم ودينكم : ﴿ولا تؤمنُوا إلا لمن تبع دينكم﴾ (٢) .. يقول ذلك القرآن الكريم تحذيراً من تفتت الجماعة ومن وهنها إذا ما اتبعت ودانت بالولاء لمن لا يؤمن بإيمانها في الحياة . إن المسلمين جماعة قامت على مبدأ الإيمان بالله، وناضلت في سبيل الاحتفاظ به ، وعرفت بين الجماعات الأخرى بأنها الجماعة التي أسلمت لله ولرسوله ، جماعة هذا وضعها من الطبيعي أن يكون مستقبلها مرتبطاً بما ارتبط به قيامها من الإيمان بالله والنضال والكفاح في سبيله: (( لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)). ولا شيء أقوى في هدم كيان المجتمع من أن تتوزع أفراده بين نحل مختلفة ومذاهب متفرقة واتجاهات متباينة ، تجعل العدو يستغل هذه الثغرة ويوسعها ويباركها كما يبارك الشيطان فعل الكبائر ، فأصبحنا نرى هذه الخصومات المذهبية وهذا الغلوّ الممقوت ، والمذاهب المتعددة في ظل دين واحد ، ورسول واحد ، يستغلها ذوو النيات السيئة ، وأصحاب المقاصد الدنيئة في ضرب المسلمين بعضهم ببعض . (١) التوبة : ٧١ (٢) آل عمران : ٧٣ ٧٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ أخرج الإمام أحمد في المسند ، حديث رقم (٣٩٨١)، (٦: ٣٥)، وقال عنه الشيخ أحمد شاكر : إسناده صحيح عن عبد الله بن مسعود قال : أقرأنى رسول الله ﴾ سورة من الثلاثين من آل حم، يعني الأحقاف ، قال : وكانت السورةُ إذا كانت أكثر من ثلاثين أية سُمِّيَتِ ((الثلاثين))، قال: فرُحْتُ إلى المسجد ، فإذا رجل يقرؤها على غير ما أقرأني ، فقلت : من أقرأكَ ؟ فقال: رسول اللَّه عَّ ، قال : فقلت لآخر: اقرأها ، فقرأها على غير قراءتي وقراءة صاحبي ، فانطلقتُ بهما إلى النبي #﴾، فقلت: يا رسول اللّه، إن هذين يُخالفاني في القراءة! قال: فغضب وتمعِّر وجههُ ، وقال : إنما أهلك من كان قبلكم الاختلافُ ، قال : قال زرّ : وعنده رجل ، قال : فقال الرجل : إن رسول اللّه ي يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما أُفْرِئَ، فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلافُ، قال : قال عبد الله : لا أدري أشيئاً أسرَّه إليه رسول اللّه ◌َ﴾، أو عَلِمَ ما في نفس رسول اللَّه عَّه؟ قال: والرجل هو علي بن أبي طالب . أرأيت روح الإسلام ، والمثل السامي في التيسير والتسامح وكراهة الاختلاف ؟! من هنا فقد تناولت كل المسائل الفقهية التي وردت في الكتاب - وتشمل معظم الفقه الإسلامي - في بسطة ، وقد بلغت (١٣٢٠) مسألة ، قارنتها على المذاهب الأربعة حتى إذا ما بدأ الناظر في مطالعة أي باب من أبواب الكتاب نظر في الحكم الفقهي في المسألة عند أصحاب المذاهب الأربعة ، قبل أن يستعرض أسانيد البيهقي ، فيأخذ فكرة مقتضبة عن المسألة وعن الباب ، تساهم في تقنين المسألة فقهياً مستعيناً بأمهات الكتب في المذاهب الأربعة ، ثم بكتاب الفقه على المذاهب الأربعة، والكتاب الماتع: ((الفقه الإسلامي وأدلته)) للدكتور ((وهبة الزحيلي )) وقد شمل أيضاً الأدلة الشرعية . وتحقيق الأحاديث النبوية وتخريجها ، وقد وضح المؤلف في مقدمة كتابه أنه حرص على بيان صحة الحديث ، وتخريج وتحقيق الأحادث التي استدل بها الفقهاء ، حتى يتبين القارئ طريق السلامة ، فيأخذ الرأي الذي صح دليله ، ويترك بدون أسف كل رأي متكئ على حديث ضعيف . تقدمة المحقق - ٧٥ ليس ذلك فحسب، لا بل، فإن الدكتور ((وهبة الزحيلي )» قد رجح بين الآراء وبخاصة في مقابلة الحديث الضعيف ، أو لما يرى في مذهب ما من تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة ومضرة . إن كتاباً كهذا يزيد وحدة المسلمين تماسكاً ، لأن المسلم كان في الصدر الأول وحدة متكاملة ، يجمع بين شئون الدين والدنيا والآخرة ، في انسجام والتزامٍ دقيق متوازن ، سواء في شخصه وأسرته أم في سلوكه وعمله في الحياة ، حيث يقدم فهماً إيجايباً للمسلم في هذا العصر ، ويقدم للباحثين منهجاً متكاملاً في بناء الفقه الإسلامي اختطه علماء الحديث . ولهذه المسائل هدفاً جوهرياً وهو تبيان أن الاختلافات الفقهية محصورة في مسائل قليل ، وأن أوجه الاتفاق أكثر من أوجه الاختلاف ، وكنت أود أن أُجَدْولَ هذه المسائل كلها ، إلا أن الوقت لم يتسع لذلك ، وهي مبسوطة في مجلدات الكتاب إلا أنني ذكرتها كلها في فهرس الموضوعات الملحق بكل مجلد . : ٧٦- معرفة السنن والآثارِ / ج١ أما نسخ الكتاب الخطية التي اعتمدت عليها في نشر هذا الكتاب فهي كما يلي : أولاً : النسخة الأم : والتي أشرت إليها بالحرف ( ح ) ، والتي اتخذتها أصلاً ، وتقع في أربعة أجزاء ، وتتكون من (١٢٦٥) قطعة كل قطعة صفحتان ، وهي نسخة مكتبة أحمد الثالث برقم ٢٧١/١ ، وقد كتبت في سنة (٧٨٨) بخط نسخ جيد واضح ، مقاس اللوحة ٥ ,١٨ × ٥ ر٢٦ سم. الجزء الأول من نسخة أحمد الثالث ( ح ) : يبدأ هذا الجزء بأول الكتاب أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل - رحمه الله - فيما قرأت عليه من كتب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي رضي الله عنه في الأصول .... وينتهي بما يستدل به على اختصاص هذا النهي ببعض الصلوات دون بعض من باب الساعة التي تكره فيها صلاة التطوع ، والأوقات التي نهي عن الصلاة فيها . تم الجزء بحمد الله وعونه وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلامه، ويبدأ الجزء بطرة مؤطرة أثبت فيها اسم الكتاب ، وثانية تحتها أثبت فيها اسم المؤلف ، وعليها تملكات ، وعدد أسطر كل صفحة (٢٣) سطراً، بمتوسط (١٢ - ١٣) كلمة بالسطر الواحدة ، وعلى حاشيتها تصحيحات نادرة ، وميزت أسماء الكتب والأبواب بخط داكن عريض . الجزء الثاني من نسخة ( ح ): وتقع في ٣٣٨ لوحة، بنفس مواصفات الجزء الأول ، ويبدأ هذا الجزء بما توقف عنده في الجزء السابق ، وأوله قول الشافعي : فالعلم يحيط أن المصلي ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس ، والمصلي ركعة من العصر قبل غروب الشمس قد صليا هما معاً .... وتنتهي في باب ((الرعي في الحرم)). الجزء الثالث من نسخة ( ح ): يقع هذا الجزء في (٣٢٩) لوحة ، ويبدأ بباب ((النفر يصيبون الصيد))، وينتهي عند باب ((نفقة الدواب))، وجاء في تقدمة المحقق - ٧٧ آخره : تم الجزء الثالث يتلوه في الرابع كتاب الجراح إن شاء اللَّه تعالى وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلامه - حسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله وحده . الجزء الرابع من نسخة ( ح ) : ويقع في (٣١٦) لوحة ، ويبدأ بأول كتاب الجراح، وبباب (( تحريم القتل ومن يجب عليه القصاص )» وبنفس مواصفات الأجزاء السابقة تماماً ، وجاء في اللوحة الأخيرة : آخر الكتاب واللّه الموفق للصواب الحمد لله وحده وصلواته وسلامه على أمين وحيه محمد وآله صحبه وعترته الطاهرين ، وكان الفراغ من هذا الكتاب يوم الاثنين تاسع وعشري ذي الحجة ، سنة ثمان وثمانين وسبع ماية والحمد لله أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً . النسخة الثانية التي اعتمدتها للمقابلة ، ورمزت لها بالحرف (ص) : وهي نسخة المكتبة الآصغية بالهند ، رقم ٠ ٣٣٣٥ / ١٢٨٣ حديث وهي بخط : محمد نور خان مؤنكي ، وقد حصلت على نسخة مصغرة منها من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، ورقمها ثمة (٣٣). الجزء الأول من نسخة ( ص ) : ويتكون من (٣٩٨) لوحة ومرقم بالصفحات بقلم هندي حتى رقم (٧٩٧) ، وأوله فهرس له من (٧) لوحات يوضح أن بداية هذا الجزء : خطبة الإمام الشافعي ، ونهايته عند صفحة (٧٩٥) تارك الصلاة ، وبدايتها بداية الإسناد من أبي القاسم على بن الحسين بن هبه اللَّه = وهو ابن عساكر ، عن شيخه أبي محمد عبد الجبار بن محمد بن أحمد البيهقي ، عن المؤلف ، وثابت أن القراءة تمت على المصنف سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة ، وكل صفحة بها (٢٢) سطراً ، بكل سطر حوالي (١٥) كلمة ، وخطه نسخ عادي ، به بعض أخطاء إملائية ، وبعض الكلمات الغير واضحة التي يرسمها رسماً كأنه ينسخ من نسخة أخرى ، أو كان أحداً يملي عليه بعض العبارات ، أو كلها ، كما أنه يستعمل عبارة : قال أخبرنا ... قال حدثنا ... إلخ ، وعبارات المؤلف مسبوقة بلفظ : قال الشيخ أحمد ، أو : قال أحمد . والنسخة مقابلة على الحواشي ، ٧٨ - مَعرِفُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ أو موضح على حواشيها بعض العبارات ، أو بعض الاستدراكات ، وينتهي الجزء الأول عند آخر كتاب الصلاة ، حيث يذكر أن بداية الثاني ستكون في الجنائز ، وهذا يعادل اللوحة رقم (١٣٦) من الجزء الثاني من نسخة ( ح ). الجزء الثاني من نسخة ( ص ) : ويبدأ كالجزء الأول بفهرس لمحتوى هذا الجزء الذي يبلغ (٢.٧) لوحات، ويبدأ بكتاب الجنائز، وينتهي بباب: ((ما يقول في القفول )) يعني في آخر كتاب المناسك . الجزء الثالث من نسخة ( ص ): يقع هذا الجزء في (.٢٨) لوحة، ويبتدئ بأول البيوع، وينتهي عند باب (« شهود الزنا إذا لم يكملوا أربعة ، ولها نفس المواصفات التي ذكرت عن الجزء الأول ، بيد أن هذا كان آخر ما وصلني من هذه النسخة رغم أن الفهارس تذكر أن لها جزءاً رابعاً ، فالله أعلم ، ولم أعثر على ما يبين تاريخاً لنسخ هذه النسخة . النسخة الثالثة : وهي نسخة دار الكتب المصرية ، وقد رمزت لها بالحرف ( م): وتقع في (١٨٧) لوحة بخط نسخ نفيس واسع ، واضح ، بمتوسط (١٣) سطراً لكل صفحة و ( ٨ - ١٠) كلمات بكل سطر ، ويبدأ برواية الكتاب كأول نسخة ( ص) من ابن عساكر ، حيث تتفق البداية في نسخة ( ص ) و (م)، وميزت أسماء الأبواب حتى ينتهي هذا الجزء عند باب («الغسل من غسل الميت))، ورقم هذه النسخة (٧٩٦) حديث - دار الكتب المصرية ، وقد أفدت منها للمقابلة فقط . النسخة الرابعة : نسخة جار الله = باستانبول ورمزت لها بالحرف (س) ، وهي نسخة كتبت في القرن السابع عن نسخة عليها سماعات كثيرة مؤرخة بسنة (.٥٣) ، بخط اسحق بن كامل بن منصور التكريتي ، يبتدئ بفصل الوضوء من الكلام والضحك في الصلاة وبأوله نقص ، ومقاسها ٥ ر١٧ سم × ٥ ر٢٥ سم وتتكون من (٢٤٦) لوحة ، ورقها (٣٩٩) بمكتبة جار اللَّه ، وعنها نسخة بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية رقم (٤٩١) حديث ومصطلح مقدمة المحقق - ٧٩ ولقد انتفعتُ في مقابلة نصوص الكتاب انتفاعاً عظيماً بالكتب التالية : ١ - ((الأم)) للشافعى : فقد كانت نصوصه أمامى أعود إليها للمقابلة باباً باباً ونصاً نصاً بالنسبة للنصوص التي خَرَّجَها الْمُصَنّف من ((الأم)) ورغمَ أنّ الطبعة مضطربة إلا أنها كانت جد مفيدة فى مقابلة النصوص ، واستطعت أن أصحح من ((المعرفة)) كثيراً من نصوص كتاب ((الأم)) أيضاً ، وأثبتُّ ذلك فى الحواشى . ٢ - ((السنن الكبرى)) للبيهقي: وهو أصل اعتمدته أيضاً للمقابلة خاصة في أسماء الأعلام الرواة ، وكذا في (( النصوص )) التي أوردها المصنف ، والآثار التي أثبتها المصنف مستشهداً بها ، لقد قابلت عليه باباً باباً ، ونصاً نصاً. ٣ - ((السنن الصغير)) للبيهقى والذي صدر في ٤ مجلدات عن ((جامعة الدراسات الإسلامية)» بكراتشي ، وبه نصوص جديدة للبيهقي أفادتني في المقابلة عليها ، وكذا في التثبت من ضبط أسماء الرواة . ٤ - (( الرسالة)) للشافعي : وقد رجعت إليه في تخريج بعض النصوص والمقابلة عليها . ٥ - (( نصب الراية)): لقد اسشهد مصنفه بكثير من نصوص كتاب ((المعرفة للبيهقى)) خاصة ((المناقشات والترجيحات)» فرجعت إليه لمقابلة هذه النقول ، وأفدت منه كثيراً فى ضبطها . ٦ - صحيح البخاري وصحيح مسلم (١) : لما كان المصنف قد بنى كتابه أصلاً على أبواب الفقه ، فقد عنيت بضبط الأحاديث النبوية الشريفة منهما ، و تحريت في هذا الأمر غاية التحري حتى صدر الكتاب بهذه الحلة المشرقة من الضبط والدقة . (١) رجعت إلى طبعتي من صحيح مسلم المخرجة الأحاديث والتي صدرت عن دار الغد العربي - بالقاهرة في ثمانية مجلدات أشير إلى موضع الحديث فيها ورقمه بلفظ = ((من طبعتنا)) ومالم أشر إليه فهو من طبعة ((محمد فؤاد عبد الباقي)). ٨٠ - معرفة السنن والآثار / ج ١ ٧ - شرح معانى الآثار للطحاوى والذي كان لابد من الرجوع إليه - خاصة فى ردود البيهقي على الطحاوى ، فرجعت إليه كثيراً ، و من نصوصه أفدت في كتابة بعض الحواشي ، وإليه عدت في ضبط النصوص التي أشار إليها المصنف. ولو شئت أن أشرح كلِّ ما رجعت إليه لطالت هذه التقدمة ، وهذا عملي بين أيدي الباحثين أقدمه لطلاب العلم الأصيل ، والعاملين على حفظ السنن و الآثار، وصيانتها ونشرها ، إن هذا الكتاب من القواعد التي نهض عليها بنيان الفقه الإسلامي ، بمهارة مصنفه الذي جمع فأوعى ، وبلغ الغاية صنعاً في احتواء العلم ، وحسن الاختيار . لقد نظمت مادة الكتاب بما يُفيد في ترتيب أفكاره ، وفهم نصوصه مرقماً هذه النصوص التي عليها قام بنيان المجلد الأخير وهو الفهارس العلمية بغية تسهيل الرجوع إليه ، والإحالة عليها بيسر ، ثم هذه التخريجات الحديثية ، و المقارنات الفقهية ، والضبط والتصحيح التي حشدتها في حواشي الكتاب التي اسْتَفْرَغْتُ فيها كل جهدى ، وبذلتُ فيها كل طاقتي عبر خمس سنوات من الجهد الدؤوب المتواتر ليلاً ونهاراً ، لم أبخل عليها بوقت عزيز ، ونور عين ثمين ، لأتيح للعلماء والباحثين الانتفاع من هذا الكتاب النفيس والإفادة منه . وغاية ما أرجو أن أكون قد وفقت فيما قصدت إليه ، وأن أكون قد مهدت السبيل إلى دراسة مواضيع هذا الكتاب دراسة أكثر استفاضة وعمقاً . ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخذْنَا إِنْ نَسينَا أُو أُخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرَأ كمَا حمَلْتَه عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَالاَ طَاقَةً لَّنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أُنْتَ مَوْاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الْكافرينَ ﴾ [ البقرة: ٢٨٦ ] .