النص المفهرس
صفحات 21-40
تقدمة المحقق - ٢١ وعن الربيع قال : سمعت الشافعي ينشد : كمنزلة السفيه من الفقيه ومنزلة الفقيه من السفيه وهذا فيه أزهد منه فيه فهذا زاهد في علم هذا تنطع في مخالفة الفقيه إذا غلب الشقاء على سفيه ومن إنشادات الشافعي رضي الله عنه : وكل غضيض الطرف عن عثراتي أريد من الإخوان كل مواتى ويحفظني حيا وبعد وفاتي يساعدني في كل أمر أريد أقاسمه مالي مع الحسنات فمن لي بهذا ؟ ليت أني وجدته - على كثرة الإخوان - أهل ثقاتي تصفحت إخواني فكان اقلهم ومن المرويات عنه رحمة الله عليه : تحت ثيابي همم عاليه يا ناظري بالكسوة الباليه والمال في كفهم عاريه وإنما الناس بآدابهم وفي هذا المعنى عنه أيضاً : بفلس لكان الفلس منهن أکثرا عليّ ثياب لو تقاس جميعها نفوس الورى كانت أجل وأكبرا وفيهن نفس لو يقاس ببعضها إذا کان عضباً حیث وجهته بری وما ضر أصل السيف إخلاق غمده قال الربيع : أقام الشافعي ههنا أربع سنين فأملى ألفاً وخمس مئة ورقة خرج كتاب الأم ألفي ورقة ، وكتاب السنن ، وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين ، وكان عليلا شديد العلة ، وكان ربما يخرج من الدم وهو راكب حتى تمتلئ سراويله ومركبه وسرجه وخفه . وقال الحميدي : كنا مع ابن إدريس الشافعي بمصر ، فكان نازلا بالعلو ونحن بالأوساط ، وكان كثير العلل ، فربما خرجت بعض الليل فأرى ٢٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ المصباح فأصيح بهم فيسمع صوتي فيقول : إرقَ ، فأرقى ، فإذا قراطيس ودواة فأقول : ما هذا يا أبا عبد الله ؟ فيقول : فكرت في معنى حديث أو مسألة كذا وكذا ، فخفت أن يذهب عليّ، فأمرتُ الخادم بالمصباح و كتبت . الشافعي أول من تكلم في أصول الفقه والشافعي رحمه الله أول من تكلم في أصول الفقه ، وهو الذي استنبطه . وقال أبو ثور : من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكينه فقد كذب . وقال الإمام أحمد بن حنبل : ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته مِنّهُ . وكان للشافعي رضي الله عنه أربعة أولاد: اثنان ذكور ، واثنان إناث فمنهم أبو عثمان محمد ، وهو الأكبر من ولده ، وكان قاضي مدينة حلب بالشام ، وهو الذي قال له أحمد بن حنبل : أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحرا ، وأبو الحسن بن الشافعي توفي وهو طفل رضيع بعد وفاة أبيه وأما الإناث ففاطمة وزينب ، رحمة الله على الوالد والمولود . وفاته : وتوفي الإمام الشافعي بمصر يوم الجمعة ودفن من يومه بعد العصر آخر يوم من رجب سنة أربع ومئتين بالقرافة الصغرى ، وقبره يزار ، نفعنا الله به . قال الربيع : رأيت هلال شعبان وأنا منصرف من جنازته . وقال : رأيته في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع اللّه بك ؟ قال : أجلسني على كرسيٌّ من ذهب ، ونثر عليّ اللؤلؤ الرطب . تقدمة المحقق - ٢٣ وحكى الزعفراني قال ، سمعت أحمد بن حنبل يقول : رأيت في المنام كأن النبي & قد مات وكأن الناس قد أقبلوا إلى جنازته ، قال: فأصبحت فنظرنا فإذا الشافعي قد مات في ذلك اليوم . ورثاه خلق كثير ، وهذه المرئية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دريد صاحب المقصورة ، وقد ذكرها الخطيب في تاريخ بغداد ، فمنها قوله : دلائلها في المشكلات لوامع ألم تر آثار إدريس بعده وتنخفض الأعلام وهي فوارع معالم يفنى الدهر وهي خوالد موارد فيها للرشاد شرائع مناهج فيها للورى متصرف لما حكم التفريق فيه جوامع ظواهرها حکم ، ومستنبطاتها لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع سما منه نور في دجاهن لا مع إذا المقطعات المشكلات تشابهت أبى الله إلا رفعه وعلوه توخی الهدی واستنقذته بد التقی ولاذ بآثار الرسول ؛ فحكمه وعول في أحكامه وقضائه تسر بل بالتفوق وليداً وناشئا وهذب حتى لم تشر بفضيلة فمن يك علم الشافعي إمامه سلام على قبر تضمن جسمه لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد لئن فجعتنا الحادثات بشخصه فأحكامه فينا بدور زواهر وليس لما يعليه ذو العرش واضع من الزيغ ، إن الزيغ للمرء صادع لحكم رسول اللّه في الناس تابع على ما قضى في الوحي والحق ناصع وخص بلب الكهل مذهو يافع إذا التمست إلا إليه الأصابع فمرته في ساحة العلم واسع وجادت عليه المدجنات الهوامع جليل إذا التفت عليه المجامع لهن لما حكمن فيه فواجع وآثار فينا نجوم طوالع ٢٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ وقد بنى السلطان الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب على ضريح الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه قبة عظيمة البناء وعلى رأس هلالها صفة مركب ، فقال الناس : هذا مركب على رأس بحر علم وانشد بعضهم في ذلك ، فقال : وجدت به فلکاً ولیس بھا بحر أتيت لقبر الشافعي أزوره تدل بأن البحر قد ضمه القبر فقلت : تعالى الله ، هذا إشارة رحمه الله ورضي عنه ، جمعنا واياه في دار كرامته من غير عذاب يسبق ، بمنه وكرمه ، آمين . أقوال العلماء فيه قال قتيبة بن سعيد : الشافعي إمام ( تاريخ بغداد ٢ : ٦٧ ) ، ( البداية والنهاية ١٠ : ٢٥٢) . قول عبد الرحمن ابن مهدي قال عبد الرحمن بن مهدي : ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها ( مناقب الشافعي للبيهقي ٢ : ٢٤٤) . وقال أبو ثور الكلبي : ما رأيت مثل الشافعي ، ولا أرى هو مثل نفسه . قول الإمام أحمد وقال الإمام أحمد : إن اللّه يقيض للناس في رأس كل مئة من يعلمهم السُّنَن ، وينفي عن رسول الله - # - الكذب ، قال : فنظرنا ، فإذا في رأس المئة عمر بن عبد العزيز ، وفي رأس المئتين الشافعي ( تاريخ بغداد ٢ : ٦٢) وقال الإمام أحمد أيضاً : ما أحد مس محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منّة . وعنه : كان الشافعي من أفصح الناس . قال إبراهيم الحربي : سألت أبا عبد الله عن الشافعي ، فقال حديث صحيح ، ورأي صحيح . قول إبراهيم الحربي تقدمة المحقق - ٢٥ وقال إسحاق بن راهويه : ما تكلم أحد بالرأي - وذكر جماعة من أئمة قول إسحاق ابن الاجتهاد - إلا والشافعي أكثر اتباعاً منه ، وأقل خطأ منه ، الشافعي راهويه إمامم ( توالى التأسيس بعوالي ابن إدريس ص ٥٧ ) . وعن أبي زرعة الرازي : ما عند الشافعي حديث فيه غلط . قول أبي زرعة الرازي وقال أبو داود السجستاني : ما أعلم للشافعي حديثاً خطأ . وعن يونس بن عبد الأعلى : ما كان الشافعي إلاّ ساحراً ، ما كنا قول يونس بن ندري ما يقول إذا قعدنا حوله ، كأن ألفاظه سكر ، وكان قد أوتي عذوبة عبد الأعلى منطق وحسن بلاغة وفرط ذكاء ، وسيلان ذهن ، وكمال فصاحة ، وحضور حجة . وعن عبد الملك بن هشام اللغوي قال : طالت مجالستنا للشافعي فما قول ابن هشام سمعت منه لحنة قط . وقال الأصمعي : أخذت شعر هذيل عن الشافعي . قول الأصمعي وقال الزبير بن بكار : أخذت شعر هذيل ووقائعها عن عمي مصعب ، قول الزبير بن بكار وقال : أخذتها من الشافعي حفظاً . وقال يحيى بن أكثم : كنا عند محمد بن الحسن ، وكان الشافعي قول يحيى بن اكثم يأتيناها هنا كثيراً للمناظرة ، وكان واللّه رجلا قرشي العقل والفهم والذهن صافي العقل والفهم والدماغ ، سريع الإصابة . قال الحارث بن سريج : سمعت يحيى القطان يقول : أنا أدعو الله أقوال أخرى للشافعي أخصه به . وقال أبو بكر بن خلاد : أنا أدعو اللَّه في دبر صلاتي للشافعي. ٢٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ آثاره تبلغ كتب الشافعي حوالي مئة وأربعين كتاباً ذكر منها ابن النديم في الفهرست أكثر من مئة ، كما أن هناك قائمة أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس نقلاً عن البَيْهقي . مصنفات الشافعي وقد قسمت كتبه إلى قديمة وحديثة ، فالقديمة منها ما كتبه في بغداد ومكة ، والحديثة منها ما كتبه في مصر : كتبه القديمة والجديدة ١ - كتاب الأمُّ : جمعه تلاميذه وسيأتي الحديث عنه . ٢ - السنن المأثورة برواية الطحاوي عن المزني. ٣ - الرسالة ، ويسميها الشافعي أحياناً بالكتاب ، وهذا الكتاب ألفه الشافعي مرتين ، ولذلك يعده العلماء في فهرس مؤلفاته كتابين : الرسالة القديمة ، والرسالة الجديدة ، فالراجح أن الرسالة القديمة كتبها في مكة ، إذ كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن ، وحجة الإجماع ، والناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة فوضع فه كتابه الرسالة . قال علي بن المديني : قلت لمحمد بن إدريس الشافعي : أجب عبد الرحمن مهدي عن كتابه ، فقد كتب إليك يسألك وهو متشوق إلى جوابك . قال : فأجابه الشافعي ، وهو كتاب الرسالة ، وأرسله مع الحارث بن سريج النقال الخوارزمي . وبسبب ذلك سُمي النقال . ٤ - مسند الشافعي : ويضم الأحاديث التي جمعها أبو العباس محمد ابن يعقوب الأصم من مؤلفات مختلفة للشافعي . ٥ - اختلاف الحديث ، وهو مطبوع على هامش كتاب الأم . ٦ - كتاب العقيدة ، أو اعتقاد الشافعي. تقدمة المحقق - ٢٧ ٧ - أصول الدين ومسائل السنة . ٨ - أحكام القرآن جمعه أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي . ٩ - مسائل في الفقه سألها أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشافعي وأجوبتها . ١٠ - شروط الإمام الشافعي وأرجوزته عن الرمي . ١١ - الفقه الأكبر . ١٢ - الأشعار المنسوبة للشافعي ، منه نسخة بدار الكتب المصرية (١٤١٨ أدب ). ١٣ - المناجاة : قصيدة تخميس . ١٤ - الفوائد والحكايات والأخبار . ١٥ - كتاب الحجاب . ١٦ - حزب في الدعاء رواه عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . ١٧ - كتاب المبسوط : وصلت إلينا قطع منه في مختصر البويطي (١). (١) مصادر عن الإمام الشافعي : ١ - التاريخ الكبير (١ :١: ٤٢) ٣ - الجرح والتعديل (٣: ٢: ٢.١) ٥ - حلية الأولياء (٩ : ٦٣) ٧ - مناقب الشافعي للبيهقي . . ٩ - تاريخ بغداد (٢ : ٥٦) ١١ - الانتقاء لابن عبد البر (٦٥) ١٣ - ترتيب المدارك (٢: ٣٨٢) ١٥ - تاريخ ابن عساكر (١٤: ٣٩٥) ٢ - التاريخ الصغير (٢ : ٣.٢). ٤ - الفهرست لابن النديم (٢.٩) ٦ - طبقات الشافعية للبغدادي (٦) ٨ - طبقات الفقهاء الشيرازي (٤٨) ١٠ - طبقات الحنابلة (٢٨٠:١) ١٢ - وفيات الأعيان (٤ : ١٦٣) ١٤ - الأنساب للسمعاني (٧ : ٢٥١) ١٦ - صفة الصفوة (٢ : ٩٥) = ٢٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ کتاب (( الأم )» الفتوی علی ما في کتاب ( الأم )» وكتاب «الأم )» من أهم وأجمع كتب الشافعي وقد رواهُ عنه - وهو مذهبه الجديد في أبواب الفقه - أربعة من تلاميذه وهم : المزني ، والبويطي ، والربيع الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي راوي «الأم » وغيرها عن الشافعي . والفتوى على ما في الجديد ، دون القديم ، فقد رجع الشافعي عنه، وقال: « لا أجعل في حل من رواه عني )) إلا في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة ، يفتى فيها بالقديم إلا إذا اعتضد القديم بحديث صحيح لا معارض له ، فإن اعتضد بدليلٍ فهو مذهب الشافعي ، ١٨ - معجم الأدباء (١٨ : ٢٨١) = ١٧ - مناقب الشافعي للرازي ١٩ - تهذيب الأسماء واللغات (١ : ٤٤) ٢٠ - المختصر في أخبار البشر (٢: ٢٨) ٢١ - اللباب لابن الأثير (٢ : ٥) ٢٣ - سير أعلام النبلاء (١٠ : ٥) ٢٤ - الوافي بالوفيات للصفدي (٢ : ١٧١) ٢٥ - الديباج لابن فرحون (ص ٢٢٧)، والطبعة الجديدة (٢ : ١٥٦) ٢٦ - مرآة الجنان (٢ : ١٣) ٢٧ - غاية النهاية لابن الجزري (٢: ٩٥) ٢٨ - طبقات الشافعية للسبكي ( انظر الجزء الأول ) ٢٩ - البداية والنهاية (١٠ : ٢٥١) ٣٠ - طبقات الشافعية لابن هداية (٢ : ٢) ٣١ - طبقات النحاة لابن قاضي شهبة (١: ٢١) ٣٢ - تهذيب التهذيب ( ٩، ٢٥). ٣٤ - النجوم الزاهرة ( ٢ : ١٧٦ ) ٣٣ - توالى التأسيس لا بن حجر ٣٥ - حسن المحاضرة (١ : ٣٠٣ ) ٣٦ - طبقات المفسرين (٢ : ٩٨) ٣٧ - مفتاح السعادة ( ٢ : ٨٨) ٣٨ - تاريخ الخميس (٢: ٣٣٥) .٤ - الرسالة المستطرفة (١٧) ٣٩ - شذرات الذهب (١ : ٩٠) ٤١ - الشافعي لأبي زهرة . ٤٢ - الإمام الشافعي : عبد الحليم الجندي . ٢٢ - تذكرة الحفاظ (١ : ٣٦١) تقدمة المحقق - ٢٩ فقد صح أنه قال : « إذا صحّ الحديثُ فهو مَذْهبي ، واضربوا بقولي عُرْض الحائط)» . ويتكون كتاب « الأم » من الكتب التالية : مِمْ يتكون كتاب « الام )» الطهارة - الحيض - الصلاة - صلاة المسافر - الجمعة - صلاة الخوف صلاة العيدين - صلاة الكسوف - الاستسقاء - تارك الصلاة - الجنائز الزكاة - قسم الصدقات - الصيام الصغير - الاعتكاف - الحج - الضحايا - الصيد والذبائح - النذور - البيوع - الرهن الكبير - التفليس - الحوالة - الضمان - الكفالة - الإقرار - الشفعة - المساقاة الإجارة - الهبة - اللقطة - اللقيط - الفرائض - الوصايا - الجزية - السبق والنضال - الحكم في قتال المشركين - سير الواقدي - النكاح - الصداق - التفويض - الشغار - النفقات - اللعان - العدد - الجراح - الديات - الحدود - المرتد - الأشربة - الوليمة - الأقضية - الدعوى والبينات - الشهادات - كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى عن أبي يوسف وهو كتاب اختلاف العراقيين - اختلاف علي وعبد الله بن مسعود - اختلاف مالك والشافعي - خلافات أخرى - جماع العلم - إبطال الإستحسان - الرد على محمد بن الحسن - سير الأوزاعي - العتق والمدير والمكاتب . وكتاب (( الأم )» يغلب عليه الحوار ؛ قال كذا فقلت : أرأيت إن زعم الحوار هو الغالب على كتاب ((الأم )) کذا ؟ فإن قال قائل کذا رددت علیه بکذا ، قال لي بعضھم کذا فقلت له إلى نحو ذلك مما يغلب عليه الجدل والمناظرة والحوار ، وكثيراً ما يعرض لآراء المخالفين ويذكر حجتهم ثم يفندها بحججه ، ويذكر فصلاً يعنونه (( كتاب الرد على محمد بن الحسن » وفصلاً يعنونه (( كتاب اختلاف العراقيين)» إلخ ؛ وهكذا الحنفية في التأليف ، فهو أميل إلى تقرير القواعد وتفريعها والاستشهاد عليها ؛ وسبب ذلك الثورة الكبيرة التي ٣٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثَارِ / ج١ كانت في هذا العصر في الآراء الفقهية ، والحرية التى أبداها الحنفية في استعمال الرأي ، وجدّ مناظريهم في إفحامهم ، ونحو ذلك فالأمر فيه أغلب ما يكون على النقل والسماع واستخراج القاعدة العامة من الجزئيات . قوة الجدل عند الشافعي كثرة الاستدلال بالحديث في ((الأم )) تأثر الشافعي بمدرسة الحجاز ومدرسة العراق القیاس منهج صحيح وفي « الأم » تظهر قوة الإمام الشافعي في الجدلِ ، فأسلوبُ الكتاب كله تقريباً أسلوب جدليّ ، حتى ليفترض مجادلاً يجادله فيردّ عليه ، ثم يعترض فيجيب، فإن قال قائل كذا رددنا عليه كذا، ((قال المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا في الكلام ، قلت : فالذي ذهبت إليه محال ، لا يجوز في اللسان . قال: وما إحالته وكيف لا يحتمله اللسان؟ قلت إلخ)) ، وهكذا يسير في كثير من المواضع على هذا الحوار مما كان متأثراً فيه بنمط العراقيين وحجاجهم وإكثارهم من «أرأيت)). ثم هو في الكتاب محدّث يكثر من الاستدلالات بالحديث ، وهو قَیّاس يكثر من استعمال القياس، فيقول: ((وبهذا نأخذ وهو قول الأكثر من أهل الحجاز والأكثر من أهل الآثار بالبلدان))، ويقول: ((وقلنا في الكلب بما أمر به رسول اللّه ، وكان الخنزير إن لم يكن في شر من حاله لم يكن في خير منها ، فقلنا به قياساً عليه )) ، إلى كثير من أمثال ذلك وقد نحى الإمام الشافعي في « الأم » منحى جديداً متأثراً بمدرسة الحجاز ، ومدرسة العراق ، فقد كان الشافعي في أول أمره تلميداً للإمام مالك ، ومتبعاً لمذهبه ، وأحد رجال مدرسته ، وما زال كذلك إلى سنة (١٩٥) حيث قَدمَ بغداد قدمته الثانية ، فهناك بلغ مبلغ مؤسس مذهب يدعو إليه ، وكان أقوى ما أثر فيه اتصاله بأصحاب الإمام أبي حنيفة ، واستفادته من كتب محمد بن الحسن ، وعلمه بطريقة أهل العراق ، إذ رأى أنَّ طريقتهم ومنهجهم لا يحسن أخذها كلها ولا تركها كلها ، فعندهم القياس وهو منهجٌ صحيح ، ولكن - في نظره - ليس على إطلاقه ، بل لابد أن يتأخر عن الأحاديث الصحيحة حتى ما كان منها خبر تقدمة المحقق - ٣١ آحاد ، وعندهم طريقة تفريع المسائل الكثيرة من أصولها ، وتفتيت المعاني ، وطريقة تفريعها ، والجدل ، والاستدلال بالعدالة والمصلحة ، والاستحسان ، وإلحاق الشبيه بالشبيه ، وما بين الأشياء من موافقات وفروق ، والوثوب إلى المناظرة ، وتأليف الحجج والبراهين والأدلة . مذهب الشافعي والدعوة إليه وقد رأى الإمام الشافعي نفسه في استعدادٍ جيد للدخول في هذا الباب والتفوق فيه ، فاقتبسَ من ذلك أحسنه ، وأضافَهُ إلى ثروته الحجازية من اللغة والأدب أولاً ، والحديث وإجماع أهل المدينة وطريقة الحجازيين في الاستنباط ثانياً ، وألّفَ بينهما بشخصيته فأخرج مذهبه في العراق ودعا إليه ، وتَبِعَهُ بعض أصحابه مثل الحسين بن علي الكرابيسي وكان من مشاهير علماء العراق ( م - ٢٥٦) ، وأبي ثور الكلبي الذي صحبه في بغداد وأخذ عنه ، وصَنَّفَ في مسائل الاختلاف بين مالك والشافعي ، وكان أميل إلى الشافعي في كتبه ، وكأبي علي الزعفراني قارئ كتب الشافعي قبل قدومه مصر . بعض أصحاب الإمام الشافعي وقبل قدومه مصر فإنه سَأَلَ الربيع عن أهل مصر فقال له الربيع : هما فرقتان: فِرْقَةٌ مالَتْ إلى قول مالك وناضَلَتْ عنه، وفِرْقَةٌ مالَتْ إلى قولِ أبي حنيفة وناضَلَتْ عنه، فقال الشافعي: أُرْجُو أن أقدم مصر إن شاء الله فآتيهم بشيءٍ أشغلهم به عن القولين جميعاً . قدوم الشافعي مصر والدعوة إلى مذهبه قال الربيع : ففعل ذلك واللّه حين دخل مصر . أظهر مزايا الإمام الشافعي ومن أُظْهَرِ مزايا الإمام الشافعي أنَّهُ على أثر ما رأى من صُوَرٍ مختلفة للتشريع ، وتباينٍ بين نمط الحجازيينَ والعراقيينَ اتَّخَذَ موقفاً ضابطاً وَسَطأ وسارَ على مِنْوَالِهِ، وَحَدَّدَ موقِفَهُ بِقَواعِدَ ، حتى كانَ الْمُحَدِّثُونَ أَميلَ إليه لأَنَّهُ تَوَسَّعَ في استعمالِ الحديثِ والاستدلال به أكثر مما فعل مالك وأبو حنيفة ، وحدّ من الرّآي والقياسِ وضيِّق سلطتهما ، ولذلك كان من أنصاره أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وغيرهما من كبار المحدّثين ٣٢ - معرفُ السُّنَنِ والآثارِ / چ١ كما أنه كان أقرب إلى نفوسِ الحنفيةِ من المحدّثين وفقهائهم ، لأنه لم يُنْكِرِ القياسَ جُمْلَةٌ ، بل قال به وَقعَّد له القواعد ، حتى لقد عَدَلَ بعض فقهاء العراق عن مَذْهَبِ أبي حنيفة إلى مَذْهَبِهِ ؛ ولعلَّ هذا الموقفَ - وهو تقريبه وجهة النظر بين المدرستين : مدرسة الحجاز ومدرسة العراق ، وانتخابه ما رأى الحق في كلتيهما - هو أوضح ظاهرة في مدرسة الشافعي . مذهب الشافعي هو الوسط قال الرازي: (( إنَّ النَّاسَ كانوا قبل الشافعي فريقان : أصحابُ الحديث ، وأصحابُ الرأي ، أما أصحاب الحديث فكانوا عاجزين عن المناظرة والمجادلة ، عاجزين عن تزييفٍ طريقِ أصحاب الرأي ، فما كان يحصل بسببهم قوة في الدين ونصرة الكتاب والسنة ؛ وأما أصحاب الرأي فكان سعيهم وجهدهم مصروفاً إلى تقرير ما استنبطوه برأيهم ورتبوه بفكرهم ... ( فجاء الشافعي ) وكان عارفاً بالنصوص من القرآن والأخبار ، وكان عارفاً بأصول الفقه وشرائط الاستدلال ... وکان قویا في المناظرة والجدل ... فرجع عن قول أصحاب الرأي أكثر أنصارهم وأتباعهم )) . وكتاب ((الأم )) مُبَوِّبٌ على أبواب الفقه ، وهو أكبر أثرٍ للشافعي بين أيدينا ، وفي ثناياه تجد أخباراً بعدول الشافعي عن بعض آرائه ، وفيه فصول في أصول الفقه . كتاب (( الأم )» مبوب على أبواب الفقه وقد أمليت هذه الأبواب في مصر ، والعلماء يقسمون فقه الشافعي إلى مذهبين : قديم وجديد . فأما القديم فهو ماكتبه وقال به في العراق ، وأما الجديد فهو ما كتبه وقال به في مصر ؛ ذلك أنه لما جاءَ مصر عَدَّلَ عن بعض أقوالٍ له كان قالها من قبل ، وسببه أنه خالط علماء مصر ، تقدمة المحقق - ٣٣ وسمعَ مَا صَحَّ عندهم من حديث وسمعَ تلاميذ الليث بن سعد ينقلونَ عنه آراءه وفقهه ، ورأى بعض حالات اجتماعية تخالف تلك التي رآها في الحجاز والعراق ، فغير ذلك من فقه الشافعي في بعض أقواله ، وأطلق عليه المذهب الجديد . قوة عبارته وفصاحته في كتاب ((الأم )» وفي ((الأم )) مصداق لجميع ما ذكرنا عن الشافعي ، فهو فيه فصيح العبارة ، قوى الأداء تشوب عبارته بلاغة البادية وفصاحتها ، وقوة القرشية ، وإيجازها ، أخذ عليه بعض المتعقبين له أشياء عدوها غلطاً كقوله : ماء عذب ، وماء مالح بدل ملح ، وقوله : الطهور هو المطهّر ، مع أن الطهور هو الطاهر على سبيل المبالغة ، وقوله : وليست الأذنان من الوجه فيغسلان بدل فيغسلا ، إلى أمثال ذلك ؛ وهى في الحقيقة ليست أخطاء بل أجازها اللغويون والنحويون . وعلى كل حال فليس يستطيع أن ينكر أحد ما في عبارة الشافعي من دقة وقوة وبلاغة . وأصلُ كتاب ((الأم)) هو كتابُ ((الحجة )» الذي صَنَّفَهُ ببغداد ، وضَمَّنَ فيهِ مَذْهَبَهُ القديم ، ولما ارتحل إلى مصر عام (٢.٠) هـ أنشأ مذهبه الجديد وفيها أملى كتاب ((الأم )) في فقه مذهبه الجديد ، والفتوى على ما في مَذْهَبِهِ الجديد دون القديم ، فقد رجع الشافعي عنه ، وقال: « لا أجعل في حِلُّ من رواه عني)) إلا في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة ، يفتي فيها بالقديم إلا إذا اعتضدَ القديم بحديث صحيحٍ لا معارض له (١)، فإن اعتضدَ بدليلٍ فهو مذهب الشافعي ، فقد صح عنه أنه قال: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي ، واضربوا بقولي عُرْض الحائط )» . (١) أوصل الشافعية هذه المسائل إلى اثنتين وعشرين مسألة انظر بجيرمي خطيب (٤٨/١) . ٣٣ أصل كتاب ((الأم )) هو كتاب ((الحجة)) ٠, ٣٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ وقد نُقل عن الشافعي في بضع عشرة مسألة قولان فأكثر ، كما في لا يجزم الشافعي خيار الرؤية الذي ذكر فيه قول بجوازه وقول بمنعه رجع فيه عن الأول ، بالحكم إلا إذا توافرت لديه أسباب الترجيح وكما في وجوب الزكاة على المدين بدين مساو لما في يده ، وكما في إقرار المفلس بدين له لآخر ، هل يدخل المقر له مع الغرماء أم لا ، وكما في تغرير الزوج بزوجته ، بأن يذكر لها نسباً غير نسبه ، هل لها الخيار بفسخ الزواج ، أو أن الزواج باطل ، ونحو ذلك ، مما جعل بعض المغرضين يتخذون من تعدد أقوال الشافعي سبيلاً للنيل منه ، والطعن في اجتهاده وزعم نقص علمه . والحق أن التردد بين القولين عند تعارض الأقيسة ، وتصادم الأدلة ، ليس دليل النقص ، ولكنه دليل الكمال في العقل ، فهو لا يهجم باليقين في مقام الظن ، ودليل على كمال الإخلاص في طلب الحق والقصد ، فهو لا يجزم بالحكم إلا إذا توافرت لديه أسباب الترجيح وإن لم تتوافر الأسباب لذلك ، ألقى بتردده . وعلى المفتي إذا وجد قولين للشافعي أن يختار ما رجحه المخرجون السابقون ، وإلا توقف كما يقول النووي . وإذا كانت المسألة ذات أوجه للمجتهدين من أصحاب الشافعي أو طرق نقل مختلفة ، فيأخذ المفتي بما رجحه المجتهدون السابقون : وهو ما صححه الأكثر ، ثم الأعلم ، ثم الأورع ، فإن لم يجد ترجيحاً ، يقدم ما رواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي (١). (١) قال ابن حجر: ولا يجوز العمل بالضعيف في المذهب ، ويمتنع التلفيق في مسألة ، كأن قلد مالكاً في طهارة الكلب ، والشافعي في مسح بعض الرأس في صلاة واحدة ، وأما في مسألة بتمامها بجميع معتبراتها فيجوز ، ولو بعد العمل ، كأن أدى عبادته صحيحة عند بعض الأربعة دون غيره ، فله تقليده فيها ، حتى لا يلزمه قضاؤها ، ويجوز الانتقال من مذهب لغيره ، ولو بعد العمل . تقدمة المحقق - ٣٥ نصوص الشافعي لقد جمع نصوص الشافعي قبل البيهقي ثلاثة من المصنفين : ٠ الأول : القاسم بن محمد بن علي الشاشي (م - ٤٠٠) (١)، وهو أول من جمع ابن الإمام الجليل القفّال الكبير، وقد صنّف كتاب («التقريب )» وهو من نصوص الشافعي أجل كتب المذهب ، وقد ضمنه الكثير من نصوص الإمام الشافعي وقد أثنى البيهقي على التقريب ضمن رسالة كتبها إلى الشيخ أبي محمد الْجُوَيْني يحثه فيها على نقل كلام الشافعي باللفظ ، وقال : كنت - أدام الله عز الشيخ - أنظر في كتب بعض أصحابنا ، وحكاية من حكى منهم عن الشافعي رضي الله عنه نصا ، وأبصر اختلافهم في بعضها ، فيضيق قلبي بالاختلاف ، مع كراهية الحكاية من غير ثبت ، فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني رحمه اللّه على ترتيب المختصر، ثم نظرت في كتاب ((التقريب)) وكتاب ((جمع الجوامع)) و ((عيون المسائل)» وغيرها فلم أر أحداً منهم ، يعني المصنفِّين في نصوص الشافعيّ رضي الله عنه، فيما حكاه أوثَق من صاحب «التقريب)) وهو في النَّصف الأول من كتابه أكثرُ حكايةً لألفاظ الشافعيّ منه في النَّصف الأخير . قال : وقد غَفَل في النِّصفين جميعا مع اجتماع الكُتُب له أو أكثرها ، وذَهاب بعضها في عصرنا عن حكاية ألفاظ لا بدَّ لنا من (١) القاسم بن محمد بن علي الشاشي = الإمام الجليل، أحدُ أُتِمَّةِ الدنيا، وَلَدُ الإمام الجليل القفَّال الكبير، برع في حياة أبيه، واشتهر بالفضل، وبه تخرّجَ فقهاء خُراسان ، وازدادت طريقة أهل العراق به حسنًا ، وانظر ترجمته في: طبقات السبكي (٣: ٤٧٢) ، طبقات العبادي، ص (١٠٦)، طبقات ابن هداية الله، ص ( ٣٨) ، هدية العارفين (١: ٨٢٧)، طبقات الشافعي للاسنوي ص (١.٨)، وطبقات ابن قاضي شهبة (١ : ١٨٢) . ٣٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ معرفتها ، لئلا نجترئ على تخطئة المزنيّ في بعض ما نخطّئه فيه ، وهو عنه بريء ، ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا انتهى . الثاني : أحمد بن محمد بن محمد الزوزني ، أبو سهل ، ويعرف بابن ثاني من جمع نصوص الشافعي العفريس (بالعين والفاء والسين) (١)، وقد جمع مجلداً ضخماً أسماه (( جمع الجوامع)). ويقصد به أنه جَمَعَهُ من جوامعٍ كتب الشافعي ، وهي : القديم ، والمبسوط ، والأمالي ، والبويطي ، وسنن حرملة ، ورواية موسى بن أبي الجارود، ورواية المزني في ((المختصر)) و ((الجامع الكبير))، ورواية أبي ثور، وحكى المسائل بألفاظها، وجعل ((المبسوط)) أصلا ، ونقل إلى كل باب منه من سائر الروايات ما كان من جنسه ، ورتبه على ترتيب المختصر ، ونسب كل قول إلى مكانه ، وجعله مشتملاً على المشاهير عندهم والشواذ ، ولم يتعرض للأم (٢) ، وسببه قلة وجودها إذ ذاك ، ثم ذكر أنه رواه عن الأصم ، عن الربيع ، عن الشافعي . قال السبكي (٣: ٣.٢). وقد جمع أبو سهل في هذا الكتاب فأوعى ، استوعب فيه على ما ذكر ((القديم)) ((والمبسوط)) ((والأمالى)) ورواية البُوَيْطِيّ، وحَرْمَلة ، وابن أبي الجارُود، ورواية المُزَنِيّ في ((الجامع الكبير)) ((والمختصر)) ورواية أبي ثَوْر . ثم إذا فرغ من باب عقد بعده بابا لما فرّعه ابن سُريج وغيرُه من الأصحاب ، فصار الكتاب بذلك أصلا من أصول المذهب ، وما أظن البَيْهِيّ وقف عليه ، فإنه لم يذكره في رسالته إلى الشيخ أبي (١) وهو إمام أواخر الطبقة الثالثة، وهو زُوزَنَيَ سمع من أبي العباس الأصمّ، وترجمته في طبقات السبكي (٣: ٣٠١)، وطبقات العبادي ص (٩١)، وطبقات ابن هداية ص (٢٨)، وطبقات ابن قاضي شهبة (١ : ١١٥). (٢) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١ : ١١٦). ٣٦ تقدمة المحقق - ٣٧ محمد ، ومع ذلك أستبعد عدم وقوفُه عليه ، وقد وقف عليه أبو عاصم العَبّاديّ ، ونقل عنه . وظنُّ السبكي مدفوع بذكر البيهقي له في رسالته . ومن الغريب أنه مذكور فيما نقله السبكي من رسالة البيهقي في ترجمة أبي محمد الجويني ، ولعل بعض القراء قد أضافه إلى الطبقات ؛ ولو كان السبكي هو الذي أضافه لحذف الكلام المتعلق بظنه واستبعاده . الثالث : أحمد بن الحسن بن سهل ، أبو بكر الفارسي (١) تلميذ ابن سريج، وكتابه: (( عيون المسائل )) في نصوص الشافعي ، بناه على مسائل الربيع ، والأصول ، وكتاب الانتقاد على المزني ، وكتاب الخلاف معه ، وهو كتاب جليل على ما شهد به الأئمة الذين وقفوا عليه ، ونقلوا منه . ثالث من جمع نصوص الشافعي هذه هي الكتب الثلاثة التي جمع فيها مؤلفوها نصوص الشافعي ... فهل رضي عنها البيهقي ؟ لقد كان للبيهقي حسِّ دقيق ، وذوقٌ مُرْهَفٌ يعرف عن طريقهما كيف يختار ما يعبر عن مذهبه في أدقِّ العبارات ، ومنهجٍ علمي يَرْكَنُ إليه ، ولا يحيدُ عنه يجتهد في تمييز الأخبار ، وتنظيرِ الآثار ، قاصداً قصد الحق فيما تكلّف واجتهد ... ومن هنا فقد ضاقَ صدره بهذه الكتب الثلاثة لعدمٍ ضبطها ألفاظ الشافعي كما كتبها بيده ، أو أُمْلاها على أصحابه، وكان ضيقهُ ذلك الباعث له على تأليف «مبسوط كلام الشافعي في كتبه بدلائله وحججه )» . ضيق صدر البيهقي بهذه الكتب الثلاثة وسببه البيهقي يصنف (( المبسوط)) (١) ترجمته في طبقات الفقهاء للعبادي ص (٤٥)، وطبقات السبكي (٢ : ١٨٤)، وطبقات ابن قاضي شهبة (١: ٩٤)، وهدية العارفين (١: ٦٥). ٣٨ - مَعْرِفَةُ السُنَنِ وَالآثَارِ / ج١ وقد عَرَضَ كتابه هذا على شيخه في الفقه : ناصر بن الحسين العمري فَرَضِيَهُ ، وحمدَ أُثَرَهُ فيه . وبعده قال السبكي عنه : وأما المبسوط في نصوص الشافعي فما صنف في نوعه مثله . وألفه البيهقي ليجمع كلام الشافعي ونصوصه مضبوطة بعدما ضاق صدره مما وجده في الكتب من الإختلاف في نصوص الشافعي وإيراد الحكايات عنه دون تثبت ، فحمله ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني من كلام الشافعي وأدلته على ترتيب المختصر . البيهقي يصف («السنن الكبرى)) وصنف بعده كتباً أخرى في الأصول والحديث أهمها « السنن الكبرى » وقد أنفق شيخه : أبو محمد الجويني على نَسْخه مبلغًا كبيراً من المال ، ولما قرأه أعجبه وارتضاه وشكر سعيه فيه (١) . البيهقي يصنف هذا الكتاب و ((المعرفة)) هو هذا الكتاب الذي ورد اسمه: ((معرفة السنن والآثار))، قال السبكي (٢) مرادُهُ: مَعْرِفَةُ الشافعيِّ بالسُّنَنِ والآثارِ . تقدیم البيهقي لكتاب ((المعرفة)) وقد قدّم له البيهقي بفصلٍ كامل عن الفرائض بالكتاب، وحُجِّيَةِ السُّنّة وأنّ اللّه تعالى جَعَلَ الحقَّ في كتابه، ثم سُنّةِ نبيه عَّ، والحلال والحرام (١) من المحتمل أن يكون قد صنف بعض أبواب ((معرفة السنن والآثار)) أثناء تصنيفه السنن الكبرى فقد جاء في السنن الكبرى (٧: ٢٨٥) في آخر باب ((أختناث الأسقية )) ما نصه : . وأما الذي روي في الرخصة في ذلك فأخبار النهي أصح إسناداً ، وقد حمله بعض أهل العلم على ما لو كان معلقًا ( يعني السقاء ) فلا تدخله هوام الأرض ، وقد ذكرناه في كتاب ((المعرفة)) وكتاب ((الجامع)). بيد أن مقدمة البيهقي للمعرفة وسبب تأليفه له يوضح أنه صنفه بعد « السنن الكبرى )» على ما سيأتي بعد قليل . (٢) طبقات الشافعي (٤ : ٩). تقدمة المحقق - ٣٩ · باتباع وأخذ السنن عنه ، من النصوص القرآنية ، وطاعة النبي # والتشديد على طاعته ى وأنها من طاعة الله عز وجل ، وأن النبي لم يسنّ شيئاً إلا بوحيٍ من اللّه، وأن ما لم يُتْلَ به قرآن فإنما أُلْقَاهُ جبريل بأمر الله، فكان وحيًا (١)، ووجوب الرجوع إلى سنته عليه فيما اختلفوا فيه من شيء سواء من كان منهم في عهد النبي ◌َّ، وعايَنَهُ ، ومن جاء بعده إلى يوم القيامة، وقد فصّل هنا ما أجمله في دلائل النبوة (٢) . وعلى هذا النحو من التفصيل ينتقل إلى « الحجة في تثبيت خبر وجه الدليل في الواحد)) (٣)، ووجه الدليل في تثبيت قبول خبر الواحد (٤)، والاحتياط قبول خبر الواحد في قبول خبر الواحد لأن الحديث عن رسول الله على شديد (٥). ثم انتقل إلى من يقبل خبره ، فتحدث عن شروط خبر الخاصة ، ومنها من يقبل خيره ؟ إلى إثمٍ من كذَبَ على رسول اللَّه عَلى، وانتقاد الرواية وما يستدلُّ به على خطأ الحديث ، ويبين في ثناياه الفرق بين الحديث عن النبي #ه، والحديث عن بني إسرائيل ، وأنه لا كذب أعظم من كذبٍ على رسول اللّه عليه ، والتوقي في رواية الأحاديث ، وعن التحديث بكل ما سمع . فإذا ما انتهى إلى هذه الغاية ، وضع قاعدة في ترجيح رواية أهل ترجيح رواية الحجاز عند الاختلاف على رواية غيرهم لأنهم أعلم بسنن رسول اللَّه على أهل الحجاز من غيرهم = يقصد بذلك رواية أهل العراق ، ويوردُ قَوَّلَ الشافعي في ضرورة أن يكون لِعِلمٍ أهل العراق أصلٌ في الحجاز ، ثم يوضح دلائل ترجيح رواية أهل الحجاز عنده . (١) انظر (١: ١.٣) من هذا المجلد . (٢) دلائل النبوة (١: ٢٥ - ٢٧)، وهذا المجلد (١: ٩٧ - ١.٨). (٣) (١: ١.٩ - ١٣١) = هذا المجلد . (٤) من ص (١١٤) إلى (١٢٤) من هذا المجلد . (٥) انظر ص (١٢٥) وما بعدها من هذا المجلد . ٤٠ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ وَالآثَارِ / ج١ المراسيل والإجماع والإجتهاد ... ومنها ينتقلُ للحديث عن المراسيل، والفرق بين «أخبرنا) و (( حدثنا)» والإجماع ، والاجتهاد ، والقول بالعموم حتى يجد دلالة الخصوص ، وصِفَةِ الأمْرِ والنهي ، ودليل الخطاب ، وبيانِ الناسخ والمنسوخ ، واختلاف الأحاديث ، وأقاويل الصحابة ، وما يقضى ويفتى به ، وذم القياس في غير موضعه . صحة اعتقاد الشافعي في أصول الدين وكان طبيعيًا أن يتوجّ المصنف مقدمته ببابٍ يستدل به على صحة اعتقاد الشافعيِّ في أصول الدين ، وما يُستدلُّ به على اجتهادِهِ في طاعةِ اللّه، وشهادَة الأئمة للشافعي بالتقدم والإمامة ومُتَابَعَةِ السُّنّةِ ، ومن هنا يعرج على ذكرِ نبذة في سيرة الإمام الشافعي فيؤرخ مولده ووفاته ، ويبين نَسَبَهُ وشرف مَحْتَده = كل ذلك على وجه الاختصار . مطمح البيهقي من تصنيف هذا الكتاب وعندما يبلغ به السعي هذا المكان يفصح المصنف عن المطمح الذي يبتغيه من تصنيف هذا الكتاب ، وكلّفه منذ نشأته بكتابة أخبار المصطفى ## وآثار الصحابة ، وتعرف أحوال رواتها ، والاجتهاد في تمييز صحيحها من سقيمها ، ثم نظره في كتب أئمة الشريعة وأصحاب المذاهب الذين قاموا بعلم الشريعة ، وبنى كل واحد منهم مذهبه على مبلغ علمه من الكتاب والسنة ، وأن كل واحد منهم قصد قَصْدَ الحق فيما تكلّف ، واجتهدَ في أداء ماكُلُفَ ، ولم يخالف أيا منهم نص كتاب ولاسنة قائمة ، وقد وَعَدَ رسولُ اللَّهِ ﴾ في حديث صحيح عنه - لمن اجتهدَ فأصاب أجرين ، ولمن اجتهد فأخطأ أجراً واحداً ، ولا يكون الأجر على الخطأ ، وإنما يكون على ما تكلّف من الاجتهاد ، ويُرْفع عنه إثم الخطأ بأنه إنما كُلِّف الاجتهاد في الحكم على الظاهرِ دون الباطن ، ولا يعلم الغيب إلا اللّه عز وجل . أجر الاجتهاد أما قياس أصحاب المذاهب ، فإذا أدى قياس أحدهم إلى غير ما أدى إليه صاحبه ، كما يؤديه الاجتهاد في القبلة إلى غير يؤدي إليه صاحبه :