النص المفهرس
صفحات 1-20
نصوصُ الشَّافِعِىّ فى الجديد والقَدِيم مُرتَّبَة على الأحكام مُعْرفُ الشَّهِ وَالأَسَّانِ لْأَبِى بَكْر أحْمَد بَنْ الْحُسَيْنِ البَيْهَقِىّ شَيْخِ المُحُدِّثِيِنْ (٣٨٤ - ٤٥٨) يشمل أكثر من عشرين ألفُ نصّ حديثى تشمل عَلى ألف وثلاثمائه وَعشرون مسألة فى الفقه المقارن يطبع لأول مرة عن أربع نسخ خطية فى ١٥ مجدداً وهو فحوى مصنفات الشَّافِى والبَيُّهَتِىّ وثق اصوله وفَّجْ حديثه وقارن مسائله وصنع فهارسه وعلق عليهٍ الدكتور عبدالمعطى مبر قليمي الناشرون جَامِعَة الدِّرَاسَاتِ الإسْلامِيَّة كَرَ اتشى - بَاكِسْتَان دَار قتيبَة لِلطِبَاعَةِ وَالنَّشْرِّ دمشق - بَيْرِوُت دَارُ الوَغى حَلَبٌ - القَاهِرَة دار الوفاء للطباعة والنشر المنصورة - القاهرة يطلب الكتاب من : هاتف - المدينة المنورة : مكتبة العلوم والحكم ٨٢٦٣٣٥٦ ٤.٥١٧٥٤ - الرياض : دار اللواء للنشر والتوزيع - الرياض : مكتبة الرشد ٤٥٩٣٤٥١ - دمشق : دار قتيبة ٣٣.٨١٣ ٢١٥١٦٢ - سورية حلب : دار الوعي العربي ٢٦.٨١١٩ - القاهرة : مدينة نصر - القاهرة : مكتبة التربية الإسلامية (١٤) ش سويلم الهرم ٨٦٨٦.٥ ٣٩١٤٢٢٣ - القاهرة : دار التراث ٢٢ ش الجمهورية - المنصورة : دار الوفاء . ٣٥٦٢٣ ٤٦٨٥٥٢ - كراتشى : جامعة الدراسات الإسلامية ٤٦.٥٨٣ - المنامة : مكتبة ابن تيمية - دار الرشيد - حلب ٤١.٧٩١ ٢١٣٫٦ ٠ 3 لَّبِى بَكْر أحمد بن الحسيْنِ السَّهَقِى. فى١٥ مجلدا الطبعة الأولى غرة المحرم فى القاهرة ١٤١٢ ١٩٩١ المصادف ١٢ تموز جميع حقوق الطبع محفوظة ولا يجوزُ نَشْرُ الكتاب أو أيِّ جُزْءٍ منهُ أو تَخْزِينُهُ أو تسجیلُه بأیَّةٍ وسيلةٍ عِلْميَّةٍ مُسْتَحْدَثَةٍ ، أو الاقتباسُ من تخريجاته الحديثية ، أو تعليقاته الَعَلَمِيَّةِ ، أو تَصْوِيْرُهُ دونَ موافَقَةٍ خَطَيَّةٍ مِن مُحَقّقِ اَلْكِتَابِ . ٠٠ إذا المُشْكِلاتُ تَصَدِيْتَنِي كَشَفْتُ حَقَّائِقَها بِالنّظر وَلَسْتُ بِمَّعَةٍ فِي الرِّجالِ. أسائِلُ هذا وذا: مالخبرْ نِ فَتَّاحُ خَيْرٍ وفّرَاجُ شَرّ ولكنّني مِدْرَهُ الأصْغَريْـ ( الإمام الشافعي ) لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث ( الإمام أحمد بن حنبل ) كانَ الشافعي كالشمس للدنيا ، وكالعافية للناس . فانظر هل لهذين من خَلْفٍ ، أو منهما عِوَضٌ ؟! ( الإمام أحمد بن حنبل ) طالتْ مجالستنا للشافعي ، فما سمعتُ منه لحنةً قط . ولا كلمة غيرُها أحسنُ منها . ( عبد الملك بن هشام النحوي صاحب السيرة ) الشافعيُّ كلامُهُ لغةٌ يُحْتَجُّ بها . ( ابن هشام أيضاً ) دلائلُها في المشكلاتِ لوامعُ ألم تَرّ آثارَ ابنِ إدريسَ بَعْدَهُ وَتَنْخَفِضُ الأعلامُ وَهْي فَوارِعُ مَعَالمُ يَفْتَى الدهرُ وَهْيَ خَوَالِدٌ مَوارِدُ فيها للرشادِ شرائعُ مناهجُ فيها للهُدى مُتَصَرِّفٌ فَمَرْتَعُهُ في باحةِ العلمِ واسعُ فمن يَكُ عِلمُ الشافِعِيّ إمامَهُ ( أبو بكر بن دريد صاحب الجمهرة ) كتب عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ إلى الشافعي ، وهو شابٌّ ، أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن ، ويجمعُ قَبُولَ الأخبار فيه ، وحجَّةَ الإجماع ، وبيانَ الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة: فوضع له كتاب ((الرِّسالة)). قال عبد الرحمن بن مهدي : ما أصلي صلاةً إلاَّ وأنا أدعو للشافعي فيها . وقال أيضاً: لما نظرتُ ((الرِّسالة)) للشافعيّ أُذهلتني، لأنني رأيتُ كلامَ رجلٍ عاقلٍ فَصيحٍ ناصيرٍ ، فإِنِي لأُكْثِرُ الدعاءَ له . نَظَرتُ في كتُب هؤلاء النَّبَغَة ، الذين نَبَغُوا في العلمِ ، فلم أرَ أحسَنَ تأليفاً مِن المُطلبِيّ، كأنَّ لِسَانَه يَنْثُرِ الدُّرِّ . الجاحظِ أقوال العلماء في الإمام البيهقي مصنف هذا الكتاب ١ - قال ابن ناصر : « كانَ واحد زَمانِهِ ، وفردَ أقْرانِهِ حِفْظاً وإثْقاناً وثِقَةً، وهو شيخُ خراسان» . ٢ - قال إمام الحرمين : (( ما من شافعيّ إلا وللشافعيِّ فَضْلٌ عليه غير البيهقي، فإِنَّ له المِئَّةُ والفضلُ على الشافعي لكثرةٍ تصانيفه في نُصْرَةٍ مَذْهَبه ، ويَسْطِ موجزه ، وتأييد آرائه» . ٣ - قال ابن خلكان : «الفقيه الشافعي الحافظُ الكبيرُ المشهورُ ، واحدُ زمانه ، وفردُ أقْرانِهِ في الفنون ، من كبارِ أصحابِ الحاكم أبي عبد اللّه البَيّع في الحديث ، ثم الزائدُ عليه في أنواع العلوم». ٤ - قال ابن الجوزي : (« كان واحد زمانه في الحفظ والإتقان ، وحسن التصنيف وجمع علم الحديث ، والفقه ، والأصول ، وهو من كبار أصحاب الحاكم أبو عبد الله ومنه تَخَرَّجَ ، وسافر ، وجَمَعَ الكثير ، وله التصانيفُ الكثيرةُ الحسنة)). ٥ - قال الذهبي : ((لو شاء البيهقيُّ أنْ يَعْمَلَ لنفسِهِ مَذْهباً يجتهُد فيه لكان قادراً على ذلك ؛ لسَعة علومه ، ومعرفته بالاختلاف)). ٦ - قال السبكي : (( كان الإِمامُ البيهقي أحد أئمة المسلمين ، وهداة المؤمنين ، والداعي إلى حبلِ اللَّه المتين ، فقيه، جليل ، حافظ ، كبير ، أصولي ، نحرير ، زاهد، ورع قانت لله، قائم بنصرة المذهب أصولاً وفروعاً، جبل من جبال العلم )) . ٧ - قال ابن تيمية : (( البيهقيُّ أعْلَمُ أصحاب الشافعيِّ بالحديث ، وأنصرهُم للشافعي» .٨ - قال ابن كثير : (« كان أوْحَدَ زمانه في الإتقان ، والحديث ، والفقه ، والتصنيف ، وكان فقيهاً محدثاً ، أصولياً ... وجمع أشياء كثيرةٌ نَافعةً ، لم يُسبْق إلى مثلها ، ولا يُدْرِك فيها ، وكان فاضلاً من أهْلِ الحديث ، مَرْضيّ الطريقة » . أقوال العلماء في ((معرفة السنن والآثار)) ١٠ - قال السبكي : وأما (( المعرفة)» فلا يستغني عنه فقيه شافعي ... ومراده : معرفة الشافعي بالسنن والآثار . طبقات الشافعية (٤ : ٩). ٢ - قال ((الحافظ ابن حجر)): مَنْ أُرَادَ الوُقُوفَ عَلَى حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ مُسْتَوْعِبًا فَعَلَيْهِ بِكِتَابٍ ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي ، فإنه تتبع ذلك أتمّ تتبع فلم يترك له في تصانيفه القديمة والجديدة حديثاً إلاّ ذكره مرتّباً على الأحكام . ٣ - ((الحافظ ابن كثير)): جمع البيهقي نصوص الشّافعي في عشر مجلدات . بسم الله الرحمن الرحيم التقدمة الإمام الشافعي وكتاب الأم - البيهقي وعمله في هذا الكتاب - أسباب اختلاف الفقهاء - اتساع أفق التيسير في الفقه الإسلامي - النسخ الخطية المعتمدة في نشر الكتاب - عملي في الكتاب الحمد لله أسألُ اللَّهَ أنْ يَبْلِغَ بنا من الحَمْدِ ما هو أهْلُهُ ، وأَنْ يُعَلمنا من البيانِ ما تَقْصُرُ عنه مَزِيَّةُ الفَضْلِ وأصلُه ، وحكمةُ الخطابِ وفصلُهُ ، وأرغبُ إليه أَنْ يُوفِّقَنا للصلاة على نبينا ومولانا محمد رسول اللَّه الذي هو أفْصَحُ من نَطْقَ بالضاد، ونَسَخَ هَدَيْهُ شريعةَ كُلِّ هادٍ ، وعلى آله وصحبه الذين منهم مِن سَبَقَ وَبَدَرَ، ومنهم من صابَرَ وصَبَرَ ، ومنهم من آوَى ونَصَرَ . لقد كان من لُطْفِ اللَّه بهذه الأُمّةِ، وَمِنَ التيسيرِ عليها - وقد انتشرَ الإِسلامُ واتَّسَعَتْ رُقْعَّةُ البلادِ الإسلامية، وانْشَعَبَتِ الحياة بها ، إلى بلادٍ جديدة ذات مدنياتٍ قديمة ، وآفاق واسعة كالشام ، والعراق ، ومصر ، وإيران ، توسّعَتِ الحَياةُ الاجتماعية ، وتعقدت نظم التجارة والإدارة وكانت مهمةُ تطبيقِ أُصولِ الإسلامِ على ما يستجدُّ من مسائلَ وحوادث ، وإخضاع الحياة المدنية لروح الإسلام وأسسه مما يتطلب ذكاءً فائقاً ، وفهما دقيقاً، وإطلاعًا واسعاً ، وإلماماً كافياً بطبيعة النفس البشرية ، وخبرة واسعة بطبقات الأمة ونواحي الحياة العامة ، يضاف إلى ذلك الاطلاع الواسع على تاريخ الإسلام ، والوقوف على مصادره وأصولِ التشريع الإسلامي ، مع الرسوخِ والتضلّعِ في اللغة العربية التي نَزَلَ بها القرآن ، ونطق بها الرسول الكريم - أُنْ قَيِّضَ لهذه المهمة الجليلة رجالاً يُعَدُّونَ من الأفذاد والنوابغ - الذين أنجبتهم الإنسانية - فقهاً وأمانةً ، وإخلاصاً وکفایةً . الحمد لله الأئمة الأربعة وخصائصهم ١٢ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ والآثارِ / ج١ كان منهم هؤلاء الأربعة : - الإمام أبو حنيفة (.٨ - . ١٥). - والإمام مالك (٩٠، ٩٧ - ١٧٩). - والإمام الشافعي (.١٥ - ٢.٤). - والإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ -. ٢٤). وهم الذين قُدِّر لفقههم أن يعيش إلى هذا اليوم ، ويخضع له العالم الإسلامي . الثروة الإسلامية الفقهية الواسعة تضحیات أصحاب المذاهب الأربعة تلاميذ الأئمة الأربعة وخلفاؤهم وأثر مؤلفاتهم في تطوير مصادر الفقه وقد وَقَفَ هؤلاء الأئمة حياتَهم ، واستَعْمَلُوا مواهبهم بسخاءٍ في تكوينٍ هذه الثروة الفقهية والقانونية التي لا تعادلها ذخيرةٌ فقهيةٌ في العالم ، والتي لا تَزَالُ مَرْجِعًا ومادّةً واسِعَةٌ للتشريعِ لهذا العصر ، وقد توفّرُوا على هذا العِلمِ الذي تَدِينُ لهم به الأمة ، ويدين لها العالم ، وآثروهُ على راحَةٍ وَلَذَّةٍ وَجَاءٍ وَمَنْصِبٍ . وقد فَشَلَ ملوكُ عَصْرِهِمْ وأمراؤه ، وخابَتْ أطماعهم وإغراءاتهم أنْ تَشْغَلَ قلوبهم ، أو تتوزّعَ عقولهم وأَوْقَاتَهُمْ ، وقد عُرِضَ على أبي حنيفة منصبَ القضاء الذي كان منصبًا كبيراً وشرفاً عظيماً مرتين فرفَضَ وامتنعَ وماتَ في السجن ، وضُرِبَ الإمام مالك مئتي سوط لأجل مسألة جَهَرَ بها وخُلِعَتْ كتفاه ، وهي أنَّ طلاق المكره ليس بشيء . وقد قَضَى الشافعيّ معظم حياته في عسر وضنك ، وبذلَ صحته وقوته في استنباط الأحكام وتدوين الفقه ، وعارض أحمد بن حنبل اتجاه حكومة هي كبرى الحكومات وأقواها على ظهر الأرض في عصره ، ودافعَ عن السُّنّةِ والفكرِ الإسلامي الصحيح حتى عوقبَ وعُذبَ وضرب وسجنَ . وقد رزق الله هؤلاء الأئمة الفقهاء تلاميد نجباء قاموا بعلمهم وزادوا في ثروته يشتغلون بتنقيحه وتهذيبه ؛ فقد رزق الإمام أبو حنيفة تلاميذ : مثل القاضي أبي يوسف (م ١٨٢ هـ ) الذي استطاع بذكائه النادر ، ومقدرته الفقهية أن يكون قاضي الإمبراطورية العباسية العظيمة ، تقدمة المحقق - ١٣ والمشرف الديني عليها ، وقد ألف كتاب الخراج الذي يشهد بسعة علمه ودقة فهمه ، ومحمد بن الحسن ( م ١٨٩ هـ ) الذي هذب الفقه الحنفي وألف مؤلفات لا تزال مصدر الفقه الحنفي . وزفر بن هذيل (م ١٥٨ هـ ) الذي عرف بحدة القياس وقوة الحجة . ورزق الإمام مالك تلاميذ عُرفوا بحسنِ الوفاء لشيخهم والحرصِ على نَشْرِ مَذْهَبِهِ ، مثل : عبد الله بن وهب ( م ١٩٧ هـ ) ، وعبد الرحمن بن القاسم العتقي ( م ١٩١ هـ )، وأشهب بن عبد العزيز (م ٢.٤ هـ )، وعبد الله بن الحكم (م ٢١٤ هـ ) ، ويحيى بن يحيى الليثي (م ٢٣٤م) الذين دانت بفضلهم مصر وشمال افريقيا بالفقه المالكي . ورزق الإمام الشافعي مثل البويطي (٢ ٢٣١ هـ ) والمزني (م ٢٦٤ هـ ) وربيع ( م. ٢٧ هـ ) الذين دونوا الفقه الشافعي وهذبوه . تلاميذ الإمام الشافعي والإمام محمد بن إدريس الشافعي يلتقي بالنبي # في الجد التاسع للشافعي ، والجدّ الثالث للنبي ګ ، فهو : أبو عبد الله محمد بن إدريس ابن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم ابن المطلب بن عبد مناف ، وله جَدَان صحابيان : السائب ، وشافع . والإمامُ الشافعيُّ الذي بَدَأُ بحفظِ القُرآنِ الكريم ، وهو في سنِّ الطفولةِ المبكرة صارَ يقرأ القرآن وهو في الثالثة عشرة في المسجد الحرام ، فينشج الناس ويبكون لدى سَماعِهِ ، فإذا رأى ذلك أُمْسَكَ . ومضى ينهل من علوم الحديث على كبار مشايخه : الإمام مالك ، ومسلم بن خالد الزنجي ، وسعيد بن سالم القدّاح ، وسفيان بن عيينة ، وغيرهم ، حتى صار في الرابعة والثلاثين من عمره وبيده كل علم الحجاز والعراق ، وبلغ أعظم مبلغ من الدراسة لنفسه قبل أن يتصدى للتدريس للناس . الإمام الشافعي يحفظ القرآن ويجوده ١٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ / ج١ وكانت ميزة الشافعي أنه يستدل بالأحاديث القوية الصحيحة ، وهذا استدلال الشافعي نابع من اعتقاده أن أساس الشريعة الإسلامية : كتاب الله وسنة رسوله بالأحاديث القوية #، ولذلك فقد كان يحث أصحابه على طلب الحديث، وإن رأوا حديثاً يخالف ما يقرره فليرفضوا رأيه ، ويأخذوا بالحديث . قال السبكي في طبقات الشافعية (١ : ٣٤٣): موجز في ترجمة الإمام الشافعي وقد كان عَنّ لنا أن نعقد لمناقب الإمام الأعظم المطْلِبِيّ ، والعالم الأقوم ابن عم النبي ﴾ بابا يَقْدُمُ التّراجم؛ فإنهُ عالِمُ قريش الذي مَلأ اللَّه به طبقات الأرض علما ، ورفع من طباقها إلى طباق السّما ، بذاته الطاهرة من هو أعلى من نجومها وأسما ، وأثبت باسمه في طباق أجزائها اسم مَنَ يُسْمع آذَانا صُمَّا، ومَن لو قالت بنو آدم : علمه اللَّه الأسما، لقيل : كما أبرز منه لكم أبًا ومن تصانيفه أمَّا، والحَبْر الذي أسّس بعد الصحابة قواعد بيته بيت النبوة وأقامها ، وشيّد مباني الإسلام بعدما جهل الناس حلالَها وحرامَها وأيّد دعائم الدين منه بمَن سهر في محو ليالي الشُّبهات إذا سهر غيره الليالي في الشّهوات أو نامها . ولكننا رأينا الخطب في ذلك عظيما ، والأمر يستدعي مجلدات ولا ينهض بمعشار ما يحاوله من أوتي بَسْطَةً في العلم والجسم إذ كان علما جسيما . سرد حياة الشافعي يحتاج إلى مجلدات ثم رأينا الأئمة قبلنا إلى هذا المقصد قد سبقوا ، وتنوَّعوا فيما فعلوه وأكثروا القول وصَدَقوا . أول من صنّف في مناقب الشافعي وأول مَن بلغني صنّف في مناقب الشافعيّ الإمام داود بن علي الأصفهاني إمام أهل الظَّاهر ، له مصنّفات في ذلك . سرد الذین ثم صنف زكريا بن يحيى السّاجِيّ ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم . صنفوا في حياة الشافعي ومناقبه ثم صنّف أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم الأبُرِيّ كتابا حافلا ، رتبه على أربعة وسبعين بابا . ١٤ تقدمة المحقق - ١٥ ثم ألّف الحاكم أبو عبد الله ابن البَيِّع الحافظ مُصنَّفا جامعا . وَصَتَّفَ في عَصْرِهِ أيضا أبو علي الحسن بن الحسين بن حَمْكَان الأصبهانيّ مختصرا في هذا النوع . ثم صنف أبو عبد الله ابن شاكر القطان مختصره المشهور . ثم صنّف الإمام الزاهد إسماعيل بن محمد السَّرَخْسِيّ القَرَّاب مجموعا حافلا، رتبه على مئة وستة عشر بابا . ثم صنّف الأستاذ الجليل أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغداديّ كتابين : أحدهما كبير حافل يختص بالمناقب ، والآخر مختصر مُحقّق يختصُ بالردّ على الجُرْجانيّ الحنفيّ، الذي تعرَّض لجناب هذا الإمام . ثم صنف الحافظ الكبير أبو بكر البَيْهيّ كتابه في المناقب ، المشهور ، والحسن الجامع الُحقّق، وكتبا أُخَر في هذا النوع، مثل ((بيان خطأ مَن خطّأ الشافعيّ)) وغيره. ثم صنف الحافظ الكبير أبو بكر الخطيب مجموعا في المناقب ، ومختصرا في الاحتجاج بالشّافعيّ . ثم صنّف الإمام فخر الدين الرازيّ كتابه المشهور ، والمرتّب على أبواب وتقاسيم . وصنّف الحافظ أبو عُبَيد اللَّه محمد بن محمد بن أبي زيد الأصبهاني ، المعروف بابن المقرِي كتابين، أحدهما سماه ((شفاء الصدور في محاسن صَدْر الصدور)» والآخر مجلد كبير، وهو مختصر من شفاء الصدور، سماه «الكتاب الذي أعدّ شافعيّ في مناقب الإمام الشافعيّ». وصنّف الحافظ أبو الحسن بن أبي القاسم البَيْهَقِيّ ، المعروف بفُنْدُق كتابا كبيرا في المناقب. ١٥ ١٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ وصنّف إمام الحرمين أبو المعالي الجُوَيْنِيّ كتابا يختص بمسألة ترجيح مذهبه على سائر المذاهب، ويبُيِّن أنه الذي يجب على كل مخلوق الاعْتِزا إليه ، وتقليده، ما لم يكن مجتهدا. وليس الشافعي ممن يُتَرْجم له في أوراقٍ أو كراريس ، وقد ألف العلماء الأئمة في سيرته كتباً كثيرة وافية ، وجد بعضها وفقد أكثرها . ولادته وتاريخه ولد الإمام الشافعي بغزة من بلاد الشام على الأصح في سنة خمسين ومئة ، وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة رضي اللّه عنه وقيل : كان مولده بعسقلان ، وقيل : باليمن ، ونشأ بمكة ، وكتب العلم بها وبمدينة رسول اللَّه #، وقدم بغداد مرتين، وخرج إلى مصر فنزلها ، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومئة ، وقيل : سنة إحدى ومئتين ، ولم يزل بها إلى حين وفاته . سماعه من شيوخه سمع مالك بن أنس ، وإبراهيم بن سعيد ، وسفيان بن عُبينة ، وغيرهم واجتمع مع الإمام أحمد بن حنبل ، وسمع منه وذاكره ، ونقل عنه وحاضره ذكره الأئمة الحفاظ : منهم أبو حاتم الرازي ، وقال : تَعَلَّمَ الشافعيُّ أشياء من معرفة الحديث من أحمد بن حنبل ، وكان الشافعيّ يقول لأحمد : هذا الحديث قويٌّ محفوظ ؟ فإذا قال أحمد : نعم ، جَعَلَهُ أصْلا وبنى عليه . وقال إسحاق بن حنبل : كان الشافعي يأتي أبا عبد الله عندنا ههنا عامة النهار ، ويتذاكران الفقه ، وما أخرجَ الشافعيُّ في كتبه ١٦ تقدمة المحقق - ١٧ (( حدثني بعض أصحابنا عن إسماعيل وأبي معاوية والعراقيين)) فهو عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، وقال فضل بن زياد عن أحمد : إنه جالس الشافعي بمكة فأخذ عنه التفتيق وكلام قريش ، وأخذ الشافعي عنه معرفة الحديث . قال فضل : وكل شيء في كتابكم - يعني كتاب الزعفراني - سفيان بن عيينة ، إسماعيل بن علية ، بلا حدثنا فهو عن أحمد بن حنبل أخذه . قال عبد الله : سمعت أبي وذكر الشافعي فقال : ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه ، قال عبد اللَّه : وكل شيء في كتاب الشافعي عن هُشَيم وغيره فهو عن أبي ، وقال الخطيب في أول كتاب السابق واللاحق : حدث عن أحمد بن حنبل : أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، وأبو القاسم البغوي ، وحدث عن الشافعي جماعة منهم الكرابيسي والزعفراني وأبو يحيى العطار وأبو ثور ، وغيرهم . وقال الربيع : كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة ، فإذا كان شَهرُ رمضان خَتَمَ في كل ليلة ختمة ، وفي كل يوم ختمَة ، فكان يختم في كل رمضان ستين ختمة . وقال أحمد بن حنبل : ستةٌّ أدعو لهم سحرا ، أحدهم الشافعي رضي الله عنه . وقال الشافعي : حفظتُ القرآنَ وأنا ابن سبع سنين ، وحفظتُ الموطأ وأنا ابن عشر سنين . وقال الربيع بن سليمان : كان الشافعيُّ يُفْتى وهو ابن خمس عشرة سنة . اجتهاده في عبادته ١٨ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ وَآلآثَارِ / ج١ قال إسحاق بن راهويه : لقيني أحمد بن حنبل بمكة ، فقال : تعال حتى أريكَ رجلاً لم ترَ عَيْنَاكَ مثله ، فأراني الشافعي . قول الإمام أحمد عنه وقال عبد اللّه أحمد بن حنبل : قلتُ لأبي : يا أبتِ أي رَجُلٍ كان الشافعيُّ فإني سَمِعْتُكَ تُكْثِرُ من الدُّعاءِ له ؟ فقال: يا بني كان الشافعيّ كالشمس في الدنيا ، وكالعافية للناس ، فانظر هل لهذين من خَلّفٍ ، أو منهما عوضٌ ؟. قال الربيع بن سليمان : سمعتُ الشافعي يقول : إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنّةِ رسول اللّه 4 فقولوا بسنة رسول اللّه ◌َ﴾ ودعوا ما قلت. وكان الشافعيُّ يقول: والله ما شيء أبغض إليَّ من الكلام . وكان رضي اللّه عنه كثير المناقب ، جم المفاخر ، منقطع القرين ، اجتمعت فيه من العلوم بكتاب اللّه تعالى وسُنّة رسوله ◌ٍَّ وكلام الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر ما لم يجتمع في غيره ، حتى إن الأصمعي - مع جلالة قدرته في هذا الشأن - قرأ عليه أشعار الهذليين . قال العليمي في المنهج الأحمد : كثرة مناقبه وحجة مفاخره ومناقب الشافعي رضي الله عنه وفضائله كثيرة لا يمكن حصرها ، وتحتمل الإفراد بالتأليف ، ولكن قصدنا في الكتاب الاختصار ، فلنذكر طرفاً مما ينسب إليه من الشعر ، وبعض ألفاظه ، وفوائده ، ونبذة من سخائه وكرمه . بعض أقواله فمن ذلك ما نقل عنه أن قال : من ثَمّ لك نَمّ بك ، ومن نقل إليك نقل عنك ، ومن إذا أرضيته قال فيك ما ليس فيك . كذلك إذا أغضبته قال فيك ما ليس فيك . 1 تقدمة المحقق - ١٩ وعن الحميدي قال : قَدِمَ الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار في منديل ، فضرب خباءه في موضع خارج من مكة ، فكان الناس يأتونه ، فما برح حتى ذهبت كلها . وعن الحميدي أيضاً قال : قَدِمَ الشافعي علينا ، فضربت له الخيمة ومعه عشرة آلاف دينار ، قال : فجاء قوم فسألوه فأعطاهم ، فما قلعت الخيمة ومعه منها شيء . وعن الربيع قال : أخذ رجل بركاب الشافعيِّ فقال : يا ربيعة أعطه أربعة دنانير واعتذر لي عنده . وعن أبي القاسم الطالبي ، عن الشافعي أنه أدخل إلى الرشيد ، فقال له : يا أخا شافع شققت العصا ، خرجت مع العلوية علينا ، فقال : أمير المؤمنين أدع ابن عمي من يقول أنا ابن عمه وأصير إلى قوم يقولون : عبدهم ! قال : فأطلق عنه ، ووصله بثمانين ألفاً . ودعا حجاما فأخذ من شَعْرِهِ وبدنه ، فوصله بثمانين ديناراً ، فعاتبه على ذلك الرشيد ، فأنشأ يقول : لكنت قلت لها : ألقيه أو بيني ولو تنازعني كفي إلى خلق أن الإله بلا رزق يخليني ربي کریم ، ونفسي لا تحدثني ومن ملامة أهل اللوم يغريني هذا وما زال مالي من أذى طمع إلا تيقنت أني غير مغبون بل ما اشتريت بمالي قط محمدة ولا دعيت إلى مجد ومكرمة إلا أجبت له : من ذا يناديني لبيك ثالثة من حيث تدعوني لبيك يا من دعا ، لبيك ثانية ، وعن الربيع بن سليمان قال : كان الشافعي يخضب لحيته حمراء قانية . ٢٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ وعن الحسن بن الزعفراني قال : كان الشافعي يخضب بالحناء ، وكان خفيف العارضين . وعن الربيع: كان نقش خاتم الشافعي « على اللَّه ثقة محمد بن إدريس )) . ومن إنشادات الشافعي لنفسه ولغيره عن الربيع قال كان الشافعي يقول : بموت من جا أجله ألهى جهولاً أمله قد مات عنه أوله وكيف يبقى آخر وعن المزني قال : دخلت على الشافعي في اليوم الذي مات فيه ، فقلت : كيف أصبحت يا أبا عبد اللَّه ؟ قال فرفع رأسه إليّ ، وقال : أصبحت من الدنيا راحلا ، ولكأس المنية شاربا ، ولسوء فعالي ملاقيًا ، فلا أدري تصير روحي إلى الجنة فاهنئها أو إلى النار فأعزيها ، ثم بكي وأنشأ يقول : جعلت الرجا مني لعفوك سلما ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي بعفوك ربي كان عفوك أعظما تعاظم لي ذنبي فلما قرنته تجود وتعفو مِنَّةً وتكرما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل فکیف وقد أغوى صفیك آدما فلولاك لم يغوى بإبليس عابد ظلوم غشوم قاسي القلب مجرما فإن تعف عنى تعف عن ذي إساءة ولو دخلت روحي بجرمي جهنما وإن تنتقم مني فلست بآيس وعن الربيع قال : سمعت الشافعي ينشد : واهتف بقاعد حقها والناهض يا راكبا قف بالمحصب من منى فيضا كملتطم الفرات الفائض سحر إذا فاض الحجيج إلى منى فليشهد الثقلان أني رافضي إن كان رفضا حب آل محمد