النص المفهرس
صفحات 181-200
بلسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد [وآله](١) [الطاهرين](٢). وبعد : فهذا شرح على منظومتنا ((قصب السكر)) نظم ((نخبة الفكر)) حلَّ مبانيها وأبان معانيها مع اختصار واعتصار ووفاء ببيان القواعد [والمختار](٣). (١) حَمْداً لِمَنْ يُسْتَدُ كُلُّ حَمْدٍ إِلَيْهِ مَرْفُوْعَاً بِغَيْرٍ عَدْ نصب على المصدرية بفعل واجب حذفه، لما تقرر من أن كل مصدر بيِّنَ فاعلُه بالإضافة نحو: كتاب الله [و](٤) صبغة الله، أو بين مفعول بها نحو: ضرب الرقاب، وسبحان الله، ومعاذ الله، أو بين فاعله بحرف الجر نحو [سحقاً له أي: شدة](٥) أو بين مفعوله بحرف الجر نحو شكراً لك (١) يوجد بعد هذه الكلمة في النسخة (ب): ما لفظه: ((قال مولانا بدر الإسلام المنير محمد بن إسماعيل الأمير أطال الله في أيامه وأولاه جزيل إنعامه)). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) في النسخة (ب) يوجد بعد قوله: (والمختار) ما لفظه: ((قال دامت فوائده)). (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٥) في النسخة (أ) صورة هذه العبارة هكذا: [سحقاً له وشدة] أما في النسخة (ب) فصورتها: [سحقاً لك أي شدة] وصورتها في النسخة (ط): [سحقاً له أي شدة] وهو السياق الذي أثبته لأنه أقرب السياقات إلى الصواب، والله أعلم. ١٨١ وحمداً لك، فإنه يحذف ناصبه قياساً كما قاله الفاضل الرضي [من](١) أن الضابط هاهنا، ما ذكرنا من ذكر الفاعل أو المفعول بعد المصدر، مضافاً إليه، أو بحرف الجر [لا] (٢) لبيان النوع إلى آخر [ما ذكره](٣). وهنا قد بين مفعول الحمد باللام أي: حمداً مني (٤). وقوله: ((يسند)) في القاموس: سند إليه سنوداً، وساند: استند وفي الجبل صعد، كأسند وأسندته [انتهى](٥). فالمراد: يصعد كل حمد إليه تعالى، من قوله [تعالى](٦): ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِّمُ الطَّيِّبُ﴾ (٧) . ولما كان الحمد له أفراد لا تنحصر باعتبار لفظه ومعناه وقائليه أتى بكلمة ((كل)) المفيدة للشمول، أما لفظه فالعبارات عنه واسعة جداً، بالجمل الاسمية: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وهي في أوائل خمس سور من القرآن بها، والفعلية: حمدت الله ونحمده وغير ذلك. وأما معناه: فإنه تابع لاختلاف ألفاظه(٨) . وأما القائلون: فرب العالمين يحمد نفسه: ((أنت كما أثنيت على نفسك)» . وملائكته: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾(٩). (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) كلمة [لا] التي بين الحاصرتين ساقطة من النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٤) يوجد في النسخة (ب) بعد قوله (مني): [لمن]. (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٧) (فاطر/ ١٠). (٨) راجع مقدمة سبل السلام (٥/١ - ٦). (٩) (البقرة/٣٠). ١٨٢ ﴿وَتَرَى الْمَلَكَةَ حَآَفِيْنَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾(١) وأنبياءه: ﴿قُلِ قال لنوح: ﴿فَقُلِ الْمَدُ لِلَّهِ الَّذِىِ نَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(٢)، وقال لرسوله اَلَْمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَّ﴾(٣) الآية، ومعلوم أن أنبياءه يقولون ما أمروا به. [وقال الخليل: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ﴾(٤) وسكان جنانه فيها: ﴿وَقَالُواْ﴾](٥) ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا﴾(٦) ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (٧) ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَثَنَا اُلْأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ﴾ (٨) أي: أرض الجنة. وإذا عرفت ذلك فكل حمدٍ من أي قائل وبأي عبارة وفي أي مقام وفي أي دارٍ دار الدنيا ودار الآخرة يسند إليه [تعالى](٩)، لأنه الذي أمر به والذي علم عباده وهداهم و[لذا](١٠) قال الصحابي في حضرة : المصطفى ولا تصدقنا ولا صلبنا (١١) والله لولا الله ما اهتدينا (١) (الزمر/ ٧٥). (٢) (المؤمنون/٢٨). (٣) (النمل/٥٩). (٤) (إبراهيم/٣٩). (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٦) (الأعراف/٤٣). (٧) (يونس/١٠). (٨) (الزمر/ ٧٤). (٩) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (١٠) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (١١) أخرجه البخاري (٤١٩٦) مطولاً من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه مرفوعاً، ولفظ البيت فيه: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلینا وقائل هذه الأبيات في حضرة المصطفى هو عامر بن الأكوع (عم راوي الحديث)، ® كان وقد ورد في حديث آخر أخرجه البخاري (٣٠٣٤) من حديث البراء أن النبي بنفسه يرتجز بأبيات مطلعها: (البيت السابق) وورد في الحديث أن مطلع هذه الأبيات لعبدالله بن رواحة، قال الحافظ في الفتح (٥٧٥/٧). ((يحتمل أن يكون عامر استعان ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة)) ا. هـ بتصرف. ١٨٣ وقلت من أبيات: لك الحمد إذا علمتني الحمد والثناء ولولاك لم أعرفه لفظاً ولا معنى ولي من أبيات إلاهية: فالكل يعجز عن ثنا ما ناله يُثْنَى بجارحة وأنت وهبتها لولاك ما نطق اللسان بلفظةٍ بل شكرهم فيه لك النعماء وعبارة هي من يديك عطاء ولكان أفصحنا هم البكماء ولنا من أبيات إلالهية: فلله كل الحمد في كل حالة ومن فضله إجراؤه الحمد في فينا وقوله: ((مرفوعاً)) في القاموس: رفعه كمنعه، ضد وضعه، فقوله: مرفوعاً من قوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُمْ﴾(١)، فهو يصعد إليه تعالى. ومرفوعاً منصوب على الحالية من فاعل يسند أي: يصعد إليه كل حمد حال كونه مرفوعاً [و](٢) قوله: ((بغير عد)) متعلق به حال أيضاً عنه أي: كل حمد يرفع حال كونه بغير عد يحصره، إذ لا يعلم عدة الحمد وعدة الحامدين إلا رب العالمين. ويحتمل تعلقه بقوله: ((حمداً)) أي: أحمده حمداً بغير عد، [وهو أقرب ويحتمل التنازع فيه بينهما لقوله متصل كما يأتي] هذا والمسند من الحديث: ما أسند إلى قائله كما في القاموس، وفي تعريفات(٣) الشريف: المسند: خلاف المرسل وهو الذي اتصل إسناده إلى رسول الله (١) (فاطر/ ١٠). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) (ص٢٧٣) ومؤلفه هو الشريف علي بن محمد الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ، ترجم له السخاوي في الضوء اللامع (٣٢٨/٥). ١٨٤ والمرفوع من الحديث النبوي ما أخبر به الصحابي من قول رسول الله ﴿ - ويراد - أو فعله أو تقريره أو وصفه أو همِّه [وفيهما](١) براعة استهلال. قال في التعريفات: براعة الاستهلال، هي: كون [ابتداء] (٢) الكلام مناسباً للمقصود وهي تقع في ديباجات الكتب كثيراً: (٢) مُتَّصِلٌ لَيْسَ لَهُ انْقِطَاعُ مَأْ فِيْهِ كَذَّبٌ وَلا وَضَّاعُ قوله: ((متصل)) خبر مبتدأ محذوف أي: هو، أي حمداً إلى آخره. متصل لا ينقطع ولذا كان بغير عد [والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل لم كان بغير عد؟](٣) قال: لأنه متصل لا ينقطع [حتى ينفد كل معدود ومحدود](٤). والاتصال ضد الانقطاع فقوله: ((ليس له انقطاع)) وصف تأكيدي مثل ((نفخة واحدة))، وقوله ((ما فيه كذاب)) فعال صيغة مبالغة من الكذب، وحقيقته: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه عمداً كان أو سهواً، واشترط المعتزلة ((العمدية)). وفي الحديث: ((من كذب علي متعمداً))(٥) والمبالغة هنا أريد بها ما أريد بها في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ﴾ [لِلْعَبِيدِ] (٦) على أحد الوجوه: من أنه لو وقع كذب في الحمد وقصور لكان أبلغ الكذب، كما أنه لو وقع منه تعالى ظلم لكان أبلغ ظلم. (١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [وهما]. (٢) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [حتى يُعَدَّ إذْ كلٌّ معدود ومحدود]. (٥) تمامه: (فليتبؤ مقعده من النار) أخرجه البخاري (١١٠)، (٦١٩٧) ومسلم (٢٧/١ - نووي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، وقد جاء بألفاظ أخرى بمثله، والحديث من المتواتر عن النبي ® - وقد ألف الحافظ الطبراني جزءاً في تخريجه وسرد طرقه، حيث بلغت طرقه أكثر من مئة طريق عن مئة من الصحابة، وراجع مقدمة فتح الباري (٢٠٣/١). (٦) (فصلت/٤٦) وما بين الحاصرتين ساقط من النسختين (أ) و (ب). ١٨٥ وتحقيقه أن الحمد [لله](١) لا يتصور فيه جهة كذب أصلاً لأَنَّه دائماً مطابق للواقع - ((والوضاع)) مثله في نكتة المبالغة وفي البيت، الإشارة إلى ما يتضمَّنه التأليف. (٣) ثَم صَلاةُ الله تَغْشِى أَخْمِدَأ وآلِهِ وَصَخْبِهِ أَهلَ الثّقَى وأتى بحرف الترتيب أردف الثناء على الله تعالى بالدعاء لرسوله 2 للإشارة إلى تقديم الحمد على ذلك، لأن المشروع البداية بالثناء على الله الحديث: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه))(٢) الحديث. والعطف للجملة [الخبرية](٣) الاسمية على الخبرية الفعلية وهما خبريتان لفظاً إنشائيتان معنى كما قال القاضي زكريا: إن المقصود بها إيجاد كما أن المقصود بالأولى إيجاد الثناء على الله تعالى. الصلاة عليه وفسر القاضي زكريا الصلاة بالرحمة وهو تابع لغيره ممن فسرها بذلك وقال ابن القيم(٤): إنه ضعيف كالقول بأن صلاة الله مغفرته، وهو رواية عن الضحاك. [ووجه ضعفه](٥) الأول: أنه تعالى عطف الرحمة على الصلاة في قوله: ﴿أُوْلَبَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾(٦) والأصل فيه المغايرة وإن وقع خلافه فنادر [شاذ] (٧) [و](٨) لا يحمل عليه أفصح الكلام. (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) تمامه: (بالحمد لله فهو أجذم) أخرجه أبو داود (٤٨٤٠) وابن ماجه (١٨٩٤) وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً - والحديث قد ذكر ألفاظه وتخريجه مفصلاً الألباني - رحمه الله - في كتابه إرواء الغليل (١/١، ٢) وقد حكم بضعفه فيه وفي غيره. (٣) ما بين الحاصرتين ليس في النسختين (أ) و (ب) وهو مما أثبته من النسخة (ط). (٤) في كتابه جلاء الأفهام (٨٣ - ٩٠). (٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [ووجه ضعفه من وجوه]. (٦) (البقرة/١٥٧). (٧) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٨) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). ١٨٦ والثاني: أن صلاته تعالى خاصة بأنبيائه ورسله والمؤمنين وأما رحمته فوسعت كل شيء فليست مرادفة لها، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها فمن فسرها بالرحمة فهو: تفسير ببعض ثمراتها. [و] (١) الثالث: أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين بخلاف الصلاة على غير الأنبياء ففي جوازها خلاف على ثلاثة أقوال. الرابع: أنها لو كانت الرحمة بمعناها لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من قال بوجوبها، إذا قال: ((اللهم ارحم محمداً)) وليس كذلك وعد خمسة عشر وجها في رد القول: بأن الصلاة الرحمة هنا، . والعناية به، وإظهار شرفه، وفضله، واختار أنها ثناء الله على رسوله وحرمته . وذكر البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: ((صلاة الله على رسوله ثناءه عليه عند الملائكة))(٢). وقوله تغشى أحمدا هو اسم علم له # كما قال عيسى - روح الله وكلمته - ﴿وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ: أَخَذٌ﴾(٣) وكما ثبت في حديث جبير بن مطعم عنه أنه قال: ((إن لي أسماء أنا محمد [وأنا] (٤) أحمد [وأنا](٥) الماحي الذي يمحو الله بي الكفر)) (٦)، إذا عرفت هذا فاسماه (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٢) قال ابن عثيمين - رحمه الله - في شرحه على الواسطية (ص٣٤): ((أحسن ما قيل فيه - أي في الصلاة على النبي ® - ما قاله أبو العالية. وأما من فسر صلاة الله عليه بالرحمة فقوله ضعيف))ا. هـ. ثم سرد بعض ما أورده ابن الأمير من أدلة. (٣) (الصف/٦). (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسختين (أ)، (ب)، والمثبت من الأصول الموجود فيها هذا الحديث، كما سيأتي العزو إليها في الفقرة التالية رقم (٥). (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسختين (أ)، (ب)، والمثبت من الأصول الموجود فيها هذا الحديث، كما سيأتي العزو إليها في الفقرة التالية رقم (٣). (٦) تمامه: (وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد) أخرجه البخاري (٣٥٣٢) (٤٨٩٦) ومسلم (١٠٤/١٥ - ١٠٥ - نووي) وله ألفاظ أخرى بمثله. ١٨٧ الأولان مشتقان من الحمد، والفرق بين محمد وأحمد من وجهين: الأول: أن محمداً هو المحمود حمداً بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له. وذلك مستلزم كثرة موجبات الحمد فيه وأحمد أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره. فمحمد زيادة حمد في الكمية وأحمد زيادة [حمد] (١) في الكيفية فيحمد أكثر حمد وأفضل حَمْدٍ حَمِدَهُ البشر. [و] (٢) الثاني أن محمداً هو المحمود حمداً متكرراً وأحمد هو الذي حَمْدُهُ لربه أفضل من حمد الحامدين غيره فدل محمد على كونه محموداً ودل أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه تعالى. وقوله: ((وآله)) عطف على أحمد، أتى بهم لما ثبت في حديث ٤ التي أمر الله تعالى بها عباده فإنه الصحيحين في بيان كيفية الصلاة عليه علمهم الكيفية بذكر الآل. لما قالوا له : كيف نصلي عليك، قال: «قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد)) الحديث(٣)، فأمرهم بهذا اللفظ الشامل للآل. [و](٤) أما من هم الآل ففيه أربعة أقوال: الأول من حرمت عليهم الصدقة وفيهم ثلاثة أقوال: الأول: بنو هاشم وبنو المطلب، والثاني: بنو هاشم خاصة، الثالث: بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى غالب، الأول للشافعي ورواية عن أحمد، الثاني لأبي حنيفة ورواية أيضاً عن أحمد، الثالث لأشهب من أصحاب مالك. (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) أخرجه البخاري (٣٣٧٠)، (٤٧٩٧)، (٦٣٥٧) ومسلم (٣٤٥/٤ - ٣٤٧ - نووي) من حديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - مرفوعاً. (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). ١٨٨ الثاني: من الأربعة الأقوال أن [الآل](١) هم ذريته وأزواجه خاصة لحديث أبي حميد مرفوعاً: ((اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته))(٢)، مع ثبوت رواية حديث ((وآله)) فدل هذا المفصل أنهم المرادون بالآل. الثالث منها: أنهم أتباعه إلى يوم القيامة(٣) حكاه ابن عبدالبر عن بعض أهل العلم وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبدالله ذكره البيهقي ورجحه النووي في شرح مسلم. الأتقياء من أمته ودلائل الأقوال مبسوطة في الرابع منها: أنَّ آله محلھا (٤) . وأقربها القول بأنهم من حرمت عليهم الصدقة لما رواه البخاري من حديث أبي هريرة [رضي الله عنه](٥) أن أحد الحسنين أخذ تمرة من الصدقة وأخرجها من فيه وقال: ((أما علمت أن آل محمد فنظر إليه رسول الله لا يأكلون الصدقة))(٦). (١) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [آله ﴾]. (٢) أخرجه البخاري (٣٣٦٩)، (٦٣٦٠) ومسلم (٣٤٧/٤ - ٣٤٨ - نووي) وغيرهما. (٣) وأنشد نشوان بن سعيد الحميري أبياتاً يؤيد فيها هذا القول وهي: آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الطاغي أبي لهب وقد أجاب عليه ابن الأمير (المؤلف) في رسالته المسائل المرضية (ص٥) بقوله: للآل من آمنوا بالله والكتب إن الصلاة من الرحمن واجبة إلزام يلزم بالطاغي أبي لهب فإن ترى الشرط مفقوداً فلست ترى الـ جهلت إذ أنت بحر العلم والأدب لقد تجاهلت شرطاً للصلاة وما ا. هـ. (٤) إلا أن دليل هذا القول غاية في الضعف، وهو حديث (آل محمد كل تقي) وتخريجه مفصلاً في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٣/ رقم (١٣٠٤)). (تنبيه): قد فصل ابن الأمير رحمه الله هذه الأقوال وأدلتها بأوسع من هذا في رسالته الموسومة ب ـ ((المسائل المرضية في اتفاق أهل السنة في سنن الصلاة والزيدية)) ص (٣ - ٩) والتي اشتهرت باسم المسائل الثمان. (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسختين (أ) و (ب) والمثبت من النسخة (ط). (٦) صحيح البخاري (١٤٨٥)، (١٤٩١)، (٣٠٧٢) بألفاظ متقاربة منها ما ذكره المؤلف. ١٨٩ ورواه مسلم(١) بلفظ: ((إنا لا تحل لنا الصدقة))، ولحديث مسلم أيضاً عن زيد بن أرقم في قصة غدير خم، وفيه أنه [1](٢) قال: ((أذكركم الله في أهل بيتي)) كررها ثلاثاً(٣). فقال حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساءه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم [عليهم] (٤) الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. قال: [أكل](٥) هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ ... الحديث والصحابي أعرف بتفسير ما رواه (٦). [و](٧) قوله: وصحبه جمع صاحب، كما في القاموس [حيث](٨) قال: وهم أصحاب وأصاحيب وصحبان، وصحاب وصحب [انتهى](٩) ويأتي الخلاف في مسماه عرفاً، وهذا العطف مبني على جواز الصلاة على غير الأنبياء عليهم السلام تبعاً لهم. مُخْتَصرٌ يَأْ حَبَّذَأْ مِنْ مُخْتَصَرْ (٤) وَبَعْدُ فَالثُّخْبَةُ فِيْ عِلْم الأثَرْ ((بعد)) من الظروف الغايات، له ثلاث حالات، ذكر ما يضاف إليه فيعرب كسائر المعربات، وحذفه مع إرادته فيبنى على الضم وحذفه نسيا (١) في صحيحه (١٧٤/٧ - نووي) وله ألفاظ أخرى بمثله في المصدر المذكور. (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٣) صحيح مسلم (١٧٤/١٥ - ١٧٥ - نووي) وهو مما انفرد به عن شيخه البخاري. ا. هـ. (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٦) ترجيح المؤلف - رحمه الله - هذا، ذكره أيضاً في سبل السلام (٤٧٣/٢)، والمسائل المرضية (ص٦). (٧) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٨) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٩) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). ١٩٠ فيعرب منوناً (١)، كما عرف في النحو وهي هنا من القسم الثاني أي بعد الحمد والصلاة(٢). والفاء في حيزها مبنية على توهم [أما](٣) التي تلازمها غالباً والنخبة بالضم وكهمزة المختار. وانتخبه اختاره كما في القاموس، فهي علم نقل من ذلك. و((في علم الأثر)) متعلق بها بتقدير ((المؤلفة في علم الأثر)) وفي نسخة ((الخبر)) وهو مبني على ترادفهما كترادف الحديث والخبر. وقيل: الأثر يطلق على ما كان موقوفاً على الصحابة فمن بعدهم والخبر يختص بما كان مأثوراً عن النبي . كما أنه قد قيل بالفرق بين الخبر والحديث أن الحديث ما جاء أي من](٥) عنه ، والخبر ما جاء عن غيره، وقوله: [جاء](٤) عنه [# قول أو فعل أو تقدير أو همٍّ أو صفة. واعلم أنه لا غنى عن معرفة رسمه وموضوعه وغايته وقد رسموه فقيل: إسناداً ومتناً لفظاً ومعنىّ من إنه (٦) علم يبحث فيه عن سنة النبي (١) أورد ابن هشام في شرح القطر (٣١ - ٣٦) أربع حالات فالأولى ما ذكره المؤلف والثانية حذفه مع إرادة لفظه فيعرب أيضاً كالحالة الأولى - ولعل ابن الأمير (المؤلف) جعلهما كشيء واحد فأغناه ذلك عن ذكر هذه الحالة، والثالثة والرابعة ما ذكره المؤلف . (٢) هذه الحالة الخلاف قائم في تقدير المحذوف وهو المضاف إليه (أي تقدير معناه) هل يقدر العموم فيه أم ما يناسب السياق؟ والجواب: جواز الأمرين إلا أن ما يناسب السياق هو الأنسب كما اختاره ابن الأمير في سياق كلامه هذا ومن قبله ابن هشام في الشذور (ص١٤٥). (٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [لا] وهو خطأ واضح، كما لا يخفى . (٤) ما بين الحاصرتين أثبته من النسخة (أ) ويوجد في مكانه في النسخة (ب) بياض. (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٦) يوجد بعد قوله: (وإنه) في حاشية النسخة (أ) ما لفظه: (أي علم الأثر). ١٩١ حيث القبول والرد وما يتبع ذلك من كيفية تحمل الحديث وروايته وكيفية ضبطه وكتابته وأدب راويه وطالبيه. وقيل في رسمه ما هو أخصر وهو أنه علم يعرف به حال الراوي والمروي من جهة القبول والرد. وموضوعه: الراوي والمروي من هذه الجهة. وغايته: [معرفة] (١) ما يقبل وما يرد من ذلك، والمصنف(٢) ابن حجر رحمه الله (تعالى](٣) يرى ترادف الخبر والأثر كما دل له تسمية كتابه [هذا] (٤) ((نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)) فلذا جعلها الناظم نسختين. والاختصار [وهو](٥) حذف الفضول من الشيء كما في القاموس. وقولنا: يا حبذا حُذِفَ المنادى: أي يا قوم - أو - يا علماء، وحبذا من أفعال المدح كما عرف في النحو. وَهُوَ الشِّهَاْبُ بنُ عَلِي بِنِ حَجَر (٥) أَلَّفَهَا الْحَافِظُ فِي حَالِ الْسَّفَرِ ذكر الإمام العلامة محمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير(٦)، وكان معاصراً للحافظ ابن حجر: أن الحافظ كتب في سفره إلى مكة سنة سبع (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) بعد قوله: (والمصنف) يوجد في النسخة (أ) ما لفظه: (أعني). (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٦) هو الإمام العلامة - مفخرة الديار اليمنية - أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل - مولده في رجب سنة ٧٧٥ - بهجرة الظهراوين له مؤلفات عديدة أجلها وأشهرها: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - ومختصره الروض الباسم، وكلاهما مطبوعان، وقد ترجم له الجم الغفير من الأعلام - وألفت كتب مفردة في ذلك وفي عصرنا أفردت دراسات ورسائل علمية - حوله - توفي رحمه الله في السابع والعشرين من شهر المحرم سنة ٨٤٠هـ، ممن ترجم له الشوكاني في البدر الطالع (٨١/٢ - ٩٣). ١٩٢ عشرة وثمانمائة مختصراً بديعاً في علوم الحديث قال: فوقفت عليه وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه فوجدته كما قيل: . الأدواء الفؤاد أبلغ العلم وأشفا وبــوغ في مراد اختصار في جلاء (قلت): البيتان ينسبان إلى نشوان بن سعيد الحميري. قال السيد محمد: ((لكنه بقي [عليه](١) فيه ما يقيه من العين ولا يُشْعَرُ بمثله إلا في سواد العين)). كفوقة الظفر لا يدري بموضعها ومثلها فى سواد العين مشهور (قلت): الفوقة نقطة بيضاء تكون في الأظفار. قال: ((وذلك لكثرة اشتغاله في أوان ارتحاله لا لقصور [في] (٢) عرفانه، فهو إمام زمانه فرأيت أن أقلل مما وقع نقدي عليه فأمَّا الإحصاء فلا سبيل إليه، إذ السهو والخطأ والنسيان من صفة كل إنسان. وأتدلَّلُ (قلت: بالدَّال المهملة من الإدلال على من لك عنده منزلة) عليه بزيادة يسيرة أو تحرير عبارة عدلاً لا عدواً لاعترافي أن الكتاب كتابه لفظاً ومعنى ونصاً لا فحوى، ليس لي فيه حقٌّ ولا رجوى ولا شبهةٌ ولا دعوى إلا ما زدتُّه عليه من الدلائل غيرةً على دعاويه العواطل من مشابهتها للدعاوى البواطل)) انتهى. وإنما نقلته بطوله لأني - إن شاء الله - سأذكر ما انتقده ذهنه الوقاد وحرره من الأدلة وزاد (٣). (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٣) كتاب ابن الوزير هذا الموسوم: ب - ((مختصر في علوم الحديث)) لا زال مخطوطاً وهو موجود في مكتبة الجامع الكبير المكتبة الغربية، وراجع مقدمة التحقيق. ١٩٣ وفي قوله وهو الشهاب إلى آخره من البديع الاطراد(١)، وقد ألف الحافظ السخاوي كتاباً حافلاً في ترجمة [الحافظ](٢) ابن حجر سماه الجواهر والدرر(٣). فَاشْتَقْتُ أَنْ أُوْدِعَهَاْ نِظَأْمِي (٦) طَأَلَغْتُهَا يَوْمَاً مِن الأيّام إِلَى الْمَسَأْ عِنْدَ وُفُؤْدِ النَّوْمِ (٧) فَتَمَّ مِنْ بُكْرَةِ ذَاْكَ الْيَوْمِ كان ذلك في شهر صفر سنة [ثلاث وسبعين] (٤) ومائة وألف في الروضة البهية. (٨) مُشْتَمِلاً: عَلَى الَّذِيْ حَوَأْهُ فَالْحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ لأ سِوَأْهُ مشتملاً: حال من فاعل تمَّ، وضمير حواه لِلمُؤَلَّف الذي أريد نظمه. (مَسْأَلَةُ تَقْسِيْمِ الْخَبَرِ إِلَى المُتَوَأْتِرِ وَالآخَادِ) إِمَّأْ بِحَضْرٍ أَوْ بِلْ انْحِصَارِ (٩) وَكُلُّ مَأْ يُزْوَى مِنَ الأَخْبَارِ الأخبار: جمع خبر وهو قسم من الكلام يأتي في تعريفه وقدمنا [الكلام في أنه] (٥) هل [هو](٦) مرادف للحديث أو لا؟ ووجه الانحصار قد (١) [هو أن يخرج المتكلم من الغرض الذي هو فيه إلى غرض آخر لمناسبة بينهما، ثمَّ يرجع فينتقل إلى إتمام الكلام الأول] وراجع جواهر البلاغة (ص ٣٩٠) للسيد أحمد الهاشمي . (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) وقد طُبعَ مؤخراً. (٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب)، (ط) هي: [ست وستين] والمثبت من النسخة (أ). (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). ١٩٤ أفاده قوله إما بحصر: أي في طرقه والحصر فيهما [أي المتواتر والآحاد](١) صرَّح به إمام الحرمين(٢) في الورقات [حيث](٣) قال: والآحاد يقابل التواتر، قال شارح شرحه: تصريح بانحصار الخبر في القسمين: المتواتر والآحاد، إذ معنى مقابلته له أنَّه ما عداه، فلا ثالث لهما [انتهى](٤). والطرق: وهي الأسانيد، والإسناد: حكاية طريق المتن ويأتي قريباً تقسيم طرق [الحصر - أي الطرق التي ينحصر الخبر الأحادي فيها وأنها ثلاث طرق](٥) وهو القسم الأول والثاني وهو قوله أو بلا انحصار: أي بأَنْ يروي الحديث جماعة لا ينحصرون في عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب: أي توافقهم عليه، فلا معنى لتعيين العدد، [وهذا] (٦) على الصحيح الذي ذهب إليه الجمهور قالوا: [سواء](٧) كانوا كفاراً أو فساقاً وأهل بلدٍ واحد ودين واحد أو لا، ولذا قلنا في بغية الآمل: ((وحاصل بفاسق أو كافر)). وقلنا فيها في ترجيح كلام الجمهور والقول القوي: فَقْدُ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ المِحْصُوْرِ بَلْ مَا أَفَأْدَ عِلْمُنَاْ الضَّرُوْرِي ولابد أن تكون الجماعة كذلك من ابتدائه إلى انتهائه، والمراد بالاستواء أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع، لا أن لا تزيد، إذ الزيادة [هنا](٨) مطلوبة من باب الأولى. وأن يكون مستند انتهائه الأمر المشاهد أو المسموع لا ما ثبت بقضية (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) هو أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني (المتوفى سنة ٤٧٨هـ) وترجمته سبقت في رسالة ((ثمرات النظر)). (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٥) ما بين الحاصرتين هكذا صورته في النسخة (أ) أما الموجود في النسخة (ب) فهو: [الخبر فإذا أتت بغير حصر فهو المتواتر]. (٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٧) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [ولو]. (٨) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). ١٩٥ العقل الصرف فإذا جمع هذه الشروط الأربعة قال الحافظ: ((وهي عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء وكان مستند انتهائهم الحس وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه فهذا هو المتواتر))(١). واعلم أن الحافظ جعل الرابع انضياف العلم وقد استشكل، لأن كون المتواتر موجباً للعلم يقتضي تقدمه بالذات على حصول العلم منه، فإنه أثر من آثاره المترتبة عليه، والشيء يتقدم بالذات على أثره فكيف يعد حصول العلم [به](٢) من شروطه، قيل: إلا أن يتأول بأن مراده من شرطه العلم بأنه متواتر ويأتي ذكره. (مَسْأَلَةُ: تَقْسِيْمِ الآَحَادِ إِلىَ ثَلَاثَةِ أَقْسَأْمٍ:) أَوْ بِهِمَا أَوْ وَاحِدٍ فِي الْعَيْنِ (١٠) فَأْلِأَوَّلُ الْمَزْوِي بِفَوْقِ اثْنَيْنِ انقسمت الآحاد وهي جمع أحد، كبطل وأبطال إلى ثلاثة بقوله: فالأول أي: المروي بحصر في رواته، فالتعريف للعهد الخارجي، لأنه المذكور في اللَّف الأول فهو: لا يخلو عن ثلاثة أقسام: الأول: أَنْ يرويه ثلاثة فصاعداً ما لم تجتمع شروط التواتر وهذا هو المشهور أو المستفيض، كما يأتي، والثاني: أن يرويه اثنان عن اثنين إلى منتهاه، فلا يرد بأقل منهما في رواية فإن ورد بأكثر في بعض المواضع من السند فلا يضر، إذ الأقل في هذا يقضي على الأكثر أي: يغلب، وهذا هو العزيز، والثالث: أن يرويه واحد في أي موضع وقع التفرد، وإن زاد في غيره، وهذا هو الغريب ويأتي [تفصيل](٣) الثلاثة. (١) نزهة النظر (ص٢١). (٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [عنه]. (٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [بنصِّه في]. ١٩٦ (مَسْأَلَةُ التَّوَأْتُر) تَرَى بِهِ الْعِلْمَ الْبَقِيْنِي حَاضِرَأْ (١١) ثَأْنِيْهِمَا يَدْعُونَهُ التَّوَأْتُرَا أي ثاني ما في اللَّف - وهو قوله: ((بلا انحصار))، فإنهم يسمونه المتواتر؛ والتواتر(١) لغة: التتابع، وهو كون الشيء بعد الشيء بفترة، وضبطه إمام الحرمين بأنه ما يوجب العلم أي بنفسه إيجابا عاديا ولذا قلنا: (ترى به العلم اليقيني حاضراً))، أي أنه لا يختلف عنه من هذه الحيثية. وفي النخبة: أنه المفيد للعلم اليقيني بشروطه، واليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق وهذا هو المعتمد، أن خبر التواتر يفيد العلم الضروري وهو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه وبه قيدناه في النظم [كما](٢) في أصله، وقيل: إنه لا يفيد العلم إلا نظريا. قال الحافظ: ((وليس بشيء لأنَّ العلم بالتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي إذ النظر: ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يتوصل بها إلى علوم، أو ظنون وليس في العامي أهلية ذلك، فلوكان نظريا لما حصل لهم)) انتهى (٣) وفي شرح شرح الورقات أن إمام الحرمين يقول: ((إنه نظري))، وفسر كونه نظريا بتوقفه على مقدمات حاصلة عند السامع، وهي المحققة لكون الخبر متواترا من كونه خبر جمع وكونهم بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب وكونه خبرا عن محسوس لا أنه يحتاج إلى نظر عقب سماع الخبر. قال المحلي - في شرح جمع الجوامع - : ((فلا خلاف في المعنى في أنه ضروري لأن توقفه على تلك لا ينافي كونه ضروريا)) انتهى ولا يخفى أنَّ المتواتر على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد إذا علم الإسناد: ما يبحث فيه عن صحة الحديث، أو ضعفه ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء والمتواتر: لا يبحث عن رجاله بل يجب العمل به من غير بحث. (١) يوجد بعد قوله: التواتر في النسخة (ب) كلمة: [هو]. (٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [قال]. (٣) نخبة الفكر (ص ٢٢ - نزهة). ١٩٧ واعلم أن قولنا: إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه - المراد إلى الواقعة التي أخبر بوقوعها، سواء: كانت بعينها مضمون خبرهم، ويسمى الخبر - حينئذ - متواترا تواترا لفظياً أو قدراً مشتركاً بين أخبارهم ويسمى حينئذ متواتراً تواتراً معنوياً كما إذا [أخبر واحد] (١) عن حاتم، أنه أعطى دينارا وآخر أنه أعطى فرسا، [وآخر أنه أعطى فقيراً كذا وكذا](٢) فقد اتفقوا على معنى كلي، وهو الإعطاء. ولذا قلنا في ((بغية الآمل)): واللفظ لا يختص بالتواتر بل جاء في المعنى كإقدام الوصي كرم ربي ذلك الوجه الرضي، وذلك ما ثبت من الروايات المتكاثرة بأنه قتل يوم بدر كذا، ويوم خيبر كذا، ويوم أحد كذا، وبأنه لا يعلم أنه فر عن زحف من الزحوف وهذه دلالة قطعية بأنه شجاع. وقد ذكر الأئمة أن أكثر الأحاديث النبوية التي تواترت من القسم الثاني، والأقل من القسم الأول، وعدَّ منه حديث: ((من كذب عليَّ متعمداً)(٣) رواه من الصحابة نحو مائة، وقيل: مائتين وحديث: ((تقتلك يا عمار الفئة الباغية)) (٤)، قال الذهبي - في ترجمة عمار من النبلاء - : ((حديث متواتر)) قال الحافظ ابن حجر: ((ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط، أفاد العلم اليقيني بصحة نسبته إلى قائله. ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير)) انتهى(٥) قال السخاوي: ((ذكر شيخنا [يريد ابن حجر] الأحاديث التي وصفت بالتواتر: حديث الشفاعة، والحوض فإِن عدد رواتهما من الصحابة (١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [أخبروا أحد]. (٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [وآخر أنه أعطى بعيراً وكذاو كذا] !! (٣) تقدم تخريج هذا الحديث في أول الكتاب. (٤) ممن أخرجه الإمام مسلم (١٨/ ٢٢٨ - نووي) من حديث أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - مرفوعاً وقد انفرد به مسلم عن البخاري بل عن أصحاب الأمهات الست. (٥) نزهة النظر (ص٢٤). ١٩٨ زادوا على الأربعين وممن وصفهما بذلك عياض في الشفا، وحديث ((من بنى الله مسجداً))، وحديث ((الأئمة من قريش))، وحديث حنين الجذع، وحديث النهي عن الصلاة في معاطن الإبل كما قاله فيه ابن حزم، وحديث اهتزاز العرش لموت سعد، وحديث انشقاق القمر)) انتهى. [و](١) قال الحاكم أبو سعيد: ((حديث الموالاة، وحديث غدير خم رواه جماعة من الصحابة وتواتر النقل به حتى دخل في حد التواتر)). وذكر محمد بن جرير: حديث غدير خم وطرقه من خمسة وسبعين طريقا، وأفرد له كتاباً سماه (كتاب الولاية)) وصنف الذهبي جزءاً في طرقه وحكم بتواتره، وذكر أبو العباس ابن عقدة - حديث غدير خم من مائة وخمسين طريقا وأفرد له كتاباً (٢). وذكر السيد محمد رحمه الله في التنقيح من أمثلة المتواتر - حديث رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام بالصلاة؛ فإِنَّه روي من طرق كثيرة. قال ابن عبدالبر: رواه ثلاثة عشر من الصحابة وقال السلفي: أربعة عشر وقال ابن كثير: عشرون، وجمع زين الدين رواته فبلغوا خمسين، فيهم العشرة - رضي الله عنهم - وكذلك قال الحاكم ابن البيع: ((إنَّ العشرة اجتمعوا على روايته وجعل ذلك من خصائص [هذه](٣) السنة الشريفة)) (٤) ومن أمثلة ذلك أحاديث المسح على الخفين قال صاحب الإمام: ((عن ابن المنذر: روينا عن الحسن البصري أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب محمد أنه مسح على الخفين))، وذكر ابن عبدالبر أنه من السنن المتواترة قال زين الدين: ((رواه أكثر من ستين من الصحابة منهم العشرة رضي الله عنهم)) انتهى (٥). (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) ما تقدم من أحاديث قد ذكر مجملها من ألف في جمع الأحاديث المتواترة، وكان من آخرهم الشيخ صالح بن مهدي المقبلي في بحث مستقل ضمن كتابه الأبحاث المسددة في فنون متعددة (ص ٤٢٩ - ٤٦١). كما سيأتي بيانه من قبل المؤلف - رحمه الله. (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٤) راجع الدراري المضيئة (٢٠٦/١ - ٢٠٨) للشوكاني وغيرها. ثمانون رجلاً وراجع (٥) وكذلك قال ابن منده إن الذين رووه من الصحابة عن النبي ﴾ الدراري المضنية (١/ ١٢٦ - ١٢٨) للشوكاني وغيرها ويريد ابن الأمير بقوله صاحب الإمام أي الشيخ العلامة ابن دقيق العيد ا. هـ. ١٩٩ وقد جمع أئمة ما تواتر لهم من الأحاديث النبوية آخرهم - فيما علمت - العلامة المقبلي(١) نزيل حرم الله - رحمه الله - جمعها في الأبحاث التي تكلم فيها على مسائل شتى(٢). واعلم: أن السيد محمد عرَّف المتواتر في مختصره الذي أشرنا إليه سابقاً بقوله: ((الحديث إما تُعْلَمُ صحته بكثرة رواته فهو المتواتر))، فعرَّفَه بعلم من بلغه صحته بكثرة رواته، فجعل لازمه العلم بصحته الناشيء عن كثرة رواته ولا يخفى أنَّ العلم بالصحة لا يستلزم العلم اليقيني؛ فإِنَّ الآحاد قد تعلم صحته ولا يلزم العلم اليقيني بمضمونه. ويأتي بقية كلامه. (مَسْأَلَةُ الْمَشْهُوْرِ والْمُسْتَفِيْض) سَمَّوهُ مَشْهُوْرَاً وَفِي الأَعْلَامِ (١٢) بِشَرْطِهِ وَأَوَّلُ الأَقْسَام فَأْنِيْهُمَأْ لَهُ الْعَزِيْزُ وَسْمَأَ (١٣) مَنْ قَالَ هَذَأ الْمُسْتَفِيْضُ اسْمَأْ قوله: ((بشرطه)) يتعلق بقوله: ترى به العلم ... الخ والمراد أنه يفيد اليقين بشرطه، كما قال الحافظ: ((المفيد للعلم اليقيني بشروطه))، وأفردنا الشرط إرادةً للجنس، وتقدم أنه أربعة. [وقولنا](٣) ((وأول الأقسام)) أي أولها في اللَّف حيث قيل: فالأول: المروي بفوق الاثنين أي بثلاثة فصاعدا وهو أول أقسام الآحاد سماه (١) هو صالح بن مهدي بن علي بن عبدالله المقبلي ثم الصنعاني ثم المكي ولد في سنة ١٠٤٧ هـ في قريه المَقْبَل من بلاد كوكبان وأخذ العلم عن أكابر علماء اليمن الميمون وقد برع في علوم السنة والأصولين والعربية والمعاني والبيان والتفسير - من أشهر مؤلفاته المنار والعلم الشامخ والإتحاف لطلبة الكشاف - وفاته سنة ١١٠٨هـ، ممن ترجم له الشوكاني في البدر الطالع (١/ ٢٨٨ - ٢٩٢). (٢) اسمها الأبحاث المسددة في فنون متعددة (٤٢٩ - ٤٦١) وللمؤلف حاشية على هذا الأبحاث اسمها: ((ذيل الأبحاث المسددة وحل عباراتها المعقدة)) وهو مطبوع بمعية الأبحاث المسددة. (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) ٢٠٠