النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤٠
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
أن يبيتوهم ليلاً (١).
فاختلفت هذه الأحاديث في ظاهرها، وإنما الوجه في
ذلك أنه جائز على قدر الحاجة إليه، فإن كان مطمئناً يقدر على
تأخير قتالهم تحرى زوال الشمس، وإن كان لا يستطيع إلا
مناجزتهم قاتلهم أي وقت كان.
(١) أخرجه البخاري (٧٤/٤)، ومسلم (١٤٤/٥).
... I ..
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٢٤١
٧٤ - باب التحريق في أرض العدو
روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير
ابن عبدالله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي إسحاق
الدوسي عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((إن ظفرتم بفلان
وفلان فحرقوهما بالنار)). ثم قال: ((لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا
الله عز وجل، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما)) (١).
وروى أبو إسحاق الشيباني عن الحسن بن سعد عن
عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه عن النبي وقَله قال:
((لا تعذبوا بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا ربها))(٢) .
وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌َّ
قال: ((لا تعذبوا بعذاب الله عز وجل))(٣).
وروى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أن النبي
مدير قطع نخل بني النضير وحرق (٤).
(٢٤٦٤)، وهو عند البخاري
(١) أخرجه من هذه الطريق الدارمي
(٣٠١٦)، من طريق الليث عن بكير.
(٢) أخرجه أحمد (٤٠١٨)، وأبو داود (٢٦٧٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧).
(٤) أخرجه البخاري (٣٠٢١).
..... 1
٢٤٢
=
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
وروى الزهري عن عروة عن أسامة أن النبي ◌َلو قال له
((أغر على يُبْنى صباحاً ثم حرق))(١) .
وروى إسماعيل عن قيس عن جرير أن النبي وَّر قال:
((ألا تريحني من ذي الخلصة؟)) قال: فحرقناها حتى جعلناها
مثل الجمل الأجرب، ثم بعث إلى النبي ◌ُّ رجلاً فأخبره فبرك
على أحمس(٢) .
فهذه الأحاديث في ظاهرها مختلفة وإنما الوجه فيها أنه
لا ينبغي أن يحرّق ذو روح بالنار؛ لأنه قال: ((لا تعذبوا بعذاب
الله عز وجل)) وإنما يعذب الله بالنار الإنس والجن خاصة،
وإنما جاز التحريق في أرض العدو، وفي متاعهم ومنازلهم
وكرومهم ونخيلهم؛ يلتمس بذلك غيظهم.
(١) أخرجه أحمد (٢٠٥/٥)، وأبو داود (٢٦١٦)، وابن ماجه (٢٨٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٢٠).
... ١ ......
......... ....
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٢٤٣
٧٥ - باب سهم الفارس في الغزو
روى عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي
جعل للفرس سهمين، ولصاحبها سهماً (١).
ـيا الله
وروى ابن فضيل عن الحجاج عن أبي صالح عن ابن
عباس أن النبي ◌َّ جعل للفارس ثلاثة أسهم: سهمه، ولفرسه
سهمان(٢) .
وروى مجمع بن يعقوب عن أبيه عن عمه عبدالرحمن بن
يزيد عن مجمع بن جارية أن النبي ◌َّلل جعل للفارس
.(٣)
سهمين(٣).
فهذه الأحاديث في ظاهرها مختلفة، وأثبت ما روي في
هذا: الحديث الأول، أن يكون للفارس ثلاثة أسهم، سهم له،
وسهمان لفرسه. وعلى ذلك فعل الأئمة: عمر بن الخطاب
وغيره.
(١) أخرجه البخاري (٢٨٦٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٣١٧٠).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٣١٨٤)، وأبو داود (٢٧٣٦)،
وأحمد (٣/ ٤٢٠).
٢٤٤
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
.
٧٦ - باب قبول هدية المشركين
روى ابن عون عن الحسن عن عياض بن حمار،
وعمران القطان عن قتادة عن يزيد بن عبدالله بن الشخير
عن عياض بن حمار أنه أهدى للنبي وسل و هدية وهو مشرك فردها
وقال: ((إنا لا نقبل زبد المشركين))(١).
وروى أبو عون الثقفي عن أبي صالح عن علي رضي الله
عنه أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ◌َّ ثوب حرير فأعطاه علياً
رضي الله عنه(٢).
وروى سفيان بن حسين عن علي بن زيد عن أنس أن
المقوقس أهدى للنبي وَلّ جرةٌ مِنْ مَنِّ فقسمها بين أصحابه(٣).
وروى أيضاً أن المقوقس أهدى للنبي وَلّ فقبلها.
فاختلفت هذه الأحاديث وهي تتصرف على وجوه ثلاثة :
(١) أخرجه من الوجه الأول: أحمد (١٦٢/٤)، ومن الثاني: أبو داود
(٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٢/٦)، وأحمد (١٣٠/١).
(٣) أخرجه أحمد (١٢٢/٣)، وابن أبي شبة (٤٦٨/١٢)، والبزار (١٩٣٦/
كشف)، وعند أحمد أنه: ((الأكيدر)) وليس: ((المقوقس)). وعند البزار:
((ملك ذي يزن)) فالله أعلم.
.. ١ .....
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٢٤٥
أحدها: أن يكون الحديث الذي ذكر فيه قبول هداياهم
هو أثبت، وهو حديث علي رضي الله عنه؛ لأن حديث
عياض بن حمار قد رواه غير واحد عن ابن عون عن الحسن
مرسلاً .
وحديث قتادة أيضاً هو عندنا مرسل؛ لأن يزيد بن عبدالله
روى غير هذا الحديث عن أخيه مطرف عن عياض بن حمار،
ومطرف أقدم من يزيد بعشر سنين، فلا نرى يزيد سمع من
عياض. فهذا وجه من الثلاثة وهو أحسنها.
والوجه الثاني: أن يكون أحد الحديثين ناسخ لصاحبه،
وذلك أن عياض بن حمار كان يخالط النبي وقَّ في الجاهلية،
ثم أهدى له فكان هذا في أول الأمر، وكان حديث الأكيدر في
آخر ذلك؛ لأنه كان قبل موت النبي وَّ بيسير.
والوجه الثالث: أن يكون قبول الهدية لأهل الكتاب،
دون أهل الشرك، ألا ترى أن عياضاً لم يكن من أهل الكتاب،
وأن الأكيدر كان في مملكة الروم وعلى دينها؟
والوجه الأول أحسنها؛ أن يكون القبول هو أثبت
الخبرين .
٢٤٦
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٧٧ - باب في الضيافة
روى منصور عن الشعبي عن المقدام بن معدي كرب أن
النبي ◌َّل قال: ((ليلة الضيف حق واجب))(١).
وروى ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي شريح عن
النبي ◌ُّه قال: ((في الضيف جائزته يومه وليلته))(٢).
وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن
النبي وَليل قال: ((الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة))(٣).
وروى قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي
.
وسته
مثله (٤
فهذه الأحاديث في ظاهرها مختلفة، والوجه عندنا فيها
أن لها وجوهاً:
فأما قوله: يومه وليلته. فإن ذلك هو الحق الواجب الذي
(١) أخرجه أحمد (١٣٠/٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٤٤)، وأبو
داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧).
(٢) هكذا في الأصل، وأخرجه مالك (٥٧٨)، وأخرجه البخاري (١٣/٨)،
من طريق الليث عن سعيد.
(٣) أخرجه أحمد (٤٣١/٢)، والبيهقي (١٩٧/٧).
(٤) أخرجه أحمد (٦٤/٣)، والبزار (١٩٣١).
٢٤٧
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
لا يجوز تر که .
وقوله: الضيافة ثلاثة أيام فهذا للضيف، يقول: إن أقام
ثلاثاً فتلك ضيافة، وليست بصدقة فلا يتوقاها، فإن زاد عليها
فذلك الذي یتوقی .
٢٤٨
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٧٨ - باب من يجب عليه الحد
صَلىالله
روى عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي
ومته
عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم
الخندق، وهو ابن خمس عشرة فأجازه(١) .
وروى عبدالملك بن عمير عن عطية القرظي أن النبي
قال: ((من كان أنبت فاقتلوه)»(٢).
ھَھَلى الله
وَسَة
وروى حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي
وَثم قال: ((رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم)) (٣).
فاختلفت هذه الأحاديث في ظاهرها، ولها وجوه ولكل
حديث منها موضع يعمل به فيه، وإنما هذه حدود ثلاثة فأيها
سبق فهو إدراك؛ لأنه قد يخفى معرفة سنه فيؤخذ باحتلامه وقد
يخفى احتلامه فيؤخذ بإنباته فكل ذلك علامة لبلوغ الحد الذي
تجوز عليه الأحكام.
(١) أخرجه البخاري (٢٦٦٤).
(٢) أخرجه أحمد (٣١٠/٤)، وأبو داود (٤٤٠٤)، والترمذي (١٥٨٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٠٠/٦)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (١٥٦/٦).
٢٤٩
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٧٩ - باب طاعة الأئمة
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي
صَلَى اللّه
وَسَة
قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله عز وجل، ومن أطاع الإِمام فقد
أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله عز وجل، ومن عصى
الإِمام فقد عصاني))(١).
وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي وقَالاله
قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله عز وجل، ومن أطاع أميري فقد
أطاعني))(٢).
وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن بن عبد
رب الكعبة عن عبدالله بن عمرو عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((من بايع
إماماً فأعطاه ثمرة قلبه وصفقة يده فليطعه ما استطاع)) (٣).
وروى شعبة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته
أن النبي وَل قال: ((إن أمر عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله
عز وجل فاسمعوا له وأطيعوا))(٤).
(١) أخرجه أحمد (٧٤٣٤)، وابن ماجه (٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥) (٣٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٢٤٨)، وأحمد (٦٥٠١).
(٤) أخرجه مسلم (١٤/٦).
مسمسـ
٢٥٠
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
وروى شعبة عن قتادة عن أبي مراية عن عمران بن
حصين عن النبي {قَل قال: ((لا طاعة في معصية الله عز
وجل)»(١) .
وروى زبيد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبدالرحمن
السلمي عن علي رضي الله عنه أن النبي ◌َّر قال: ((لا طاعة في
معصية الله إنما الطاعة في المعروف)) (٢).
وروى عبدالله عن (٣) نافع عن ابن عمر عن النبي وَيّ
قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم
يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة)) (٤).
وروى محمد بن عمرو عن عمر بن الحكم عن أبي سعيد
عن النبي ◌َّر قال: ((من أمركم بمعصية فلا تطيعوه))(٥).
وروى عبدالله بن عثمان بن خثيم عن القاسم بن
عبدالرحمن عن أبيه عن عبدالله عن النبي ◌َّ قال: ((لا طاعة
(١) أخرجه أحمد (٤ / ٤٢٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٩/٩)، ومسلم (١٥/٦).
(٣)
في الأصل: عبد الله بن نافع.
(٤) أخرجه ابن زنجويه في ((الأموال)) (٢٢) من طريق عبدالله وأخرجه من
طريق عبيد الله عن نافع البخاري (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣٩).
(٥) أخرجه ابن ماجه (٢٨٦٣)، وأحمد (١١٦٣٩).
١٢٥١
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
لمن عصى الله عز وجل))(١) .
وروى حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن
عمرو بن زينب عن أنس عن النبي ◌َّل قال: ((لا طاعة لمن
عصى الله عز وجل))(٢) .
فاختلفت هذه الأحاديث في ظاهرها، فتأول فيها أهل
البدع.
فأما أهل السنة: فقد وضعوها مواضعها، ومعانيها كلها
متقاربة عندهم.
فأما أهل البدع: فتأولوا في بعض هذه الأحاديث مفارقة
الأئمة والخروج عليهم.
والوجه فيها أن هذه الأحاديث يفسر بعضها بعضاً،
ويصدق بعضها بعضاً.
فأما حديث أبي هريرة الأول الذي ذكر فيها (من أطاع
الإِمام) فقد فسره حديث أبي هريرة الثاني الذي قال فيه: (من
أطاع أميري) ثم بين أنه أيضاً لم يخص أميره إذا أمر بغير طاعة
الله؛ لأنه حين بعث عبدالله بن حذافة فأمرهم أن يقتحموا النار
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٨٦٥)، وأحمد (٣٧٩٠).
(٢) أخرجه أحمد (١٣٢٢٥)، وأبو يعلى (٤٠٤٦)، والضياء في ((المختارة»
(٢٣٤٢) .
٢٥٢
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثاني
فرجعوا إليه فأخبروه فقال لهم: (من أمركم منهم بمعصية فلا
تطيعوه) .
وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه قد قال فيه: (فليطعه
ما استطاع) فقد جعل له فيه ثنيا، وإنما يريد الطاعة في
المعروف .
وحديث أم الحصين قد اشترط فيه (يقودكم بكتاب الله).
وحديث علي رضي الله عنه قد فسره حين قال: (إنما
الطاعة في المعروف).
وحديث ابن عمر أيضاً مفسر أنه إنما أوجب الطاعة ما
لم يؤمر بمعصية، وكذلك حديث أبي سعيد.
وأما حديث ابن مسعود وأنس، فهما اللذان تأولهما أهل
البدع فقالوا: ألا تراه يقول: لا طاعة لمن عصى الله
عز وجل، فإذا عصى الله لم يطع في شيءٍ، وإن دعا إلى
طاعة .
وإنما يرد المتشابه إلى المفسر، فما جَعْلُ هذا على
ظاهره أولى بالاتباع من تلك الأحاديث، بل إنما يرد هذا إلى
ما بيّن معناه فقوله: (لا طاعة لمن عصى الله)، إنما يريد أنه
لا يطاع في معصية، كسائر الأحاديث.
٢٥٣
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٨٠- باب كف الأيدي عن قتال الأئمة
وروى الأعمش ومنصور عن سالم بن أبي الجعد عن
ثوبان عن النبي وقَل قال: ((استقيموا لقريش ما استقاموا لكم،
فإذا لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا
خضراءهم)»(١) .
وهذا حديث معضل مخالف للأحاديث كلها، وفيه علل
واضحة عند أهل العلم. فمن ذلك أني سمعت عفان بن مسلم
يقول: لم يسمعه الأعمش من سالم، ولم يسمعه سالم من
ثوبان. ومن ذلك أن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان
شيئاً البتة، وقد أخبر عن ثوبان أنه كذبه.
وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد
قال: قيل لثوبان حديثاً عن رسول الله بقوله فقال: كذبتم عليّ،
قلتم عليّ ما لم أقل.
فلعله إنما أراد هذا الحديث بعينه، أنهم رووه عنه ولم
يقله .
(١) أخرجه أحمد (٢٧٧/٥)، ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٨١٥)، عن
ابن سالم عن أبيه عن ثوبان.
٢٥٤
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
ومن ذلك قول النبي ◌َّر: ((لا يقتل قرشي صبراً)) (١).
ومن ذلك قوله فيه: ((أبيدوا خضراءهم)) فهذا لا يكون إلا
بقتل صغيرهم وكبيرهم، وهذا خلاف حكم الإِسلام والقرآن.
ومن ذلك قوله وَ ◌ّيقول: ((قريش ولاة الناس في الخير والشر
إلى يوم القيامة))(٢).
فكيف يكون هذا وقد أبيدت خضراؤهم؟
ومن ذلك قول النبي ◌َله: ((لا يزال هذا الأمر في قريش
ما بقي من الناس اثنان))(٣).
وقوله: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) (٤).
ومن ذلك قوله: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى
ثلاث))(٥) .
وهذا يقول: فإن لم يستقيموا. وقد يكون من ذلك ما لا
يبلغ تحليل الدماء. فهذا حديث ذاهب لا يحتج به عالم، وقد
روي هذا الحديث أيضاً من وجوه كلها ضعيفة.
(١) أخرجه مسلم (١٧٨٢) (٨٨)، وأحمد (١٥٤٠٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٢٢٧)، وأحمد (٢٠٣/٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٠١)، ومسلم (١٨٢٠) (٤).
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨) (١).
(٥) أخرجه البخاري (٦/٩)، ومسلم (١٠٦/٥).
ا
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٢٥٥
وروى عبيدالله بن عمرو عن زيد ابن أبي أنيسة عن
القاسم بن عوف عن علي بن حسين عن أم سلمة أن النبي صل
قال: ((إن أتاكم المصدقون فسألوكم الصدقة فتعدوا عليكم
فقاتلوهم)) (١). وشيئاً هذا معناه.
وهذا الحديث أيضاً مخالف للأحاديث، فمن ذلك: أن
هشام بن حسان وقتادة رويا عن الحسن عن ضبة بن محصن
عن أم سلمة عن النبي وَل قال: ((سيكون بعدي أمراء تعرفون
وتنكرون، فمن أنكر فقد برىء، ومن كره فقد سلم، ولكن من
رضي وتابع)) قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا ما صلوا)) (٢).
فهذا عن أم سلمة، وذاك عن أم سلمة، وهذا أثبت
الإِسنادين، وهذا موافق للأحاديث، وذاك مخالف لها. وهذا
ضبة بن محصن الذي وفد إلى عمر يشكو أبا موسى حتى جمع
بينه وبينه وكان له قدر عظيم. وذلك الإِسناد ليس بثابت.
ومما يخالفه أيضاً حديث جرير بن عبدالله عن النبي
قال: ((إذا أتاكم المصدق فلا يفارقكم إلا عن رضى))(٣).
صَلى الله
وسلم
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٠٤/١ - ٤٠٥)، من حديث أم سلمة
رضي الله عنها .
(٢) أخرجه مسلم (٢٣/٦)، وأبو داود (٤٧٦٠)، وأحمد (٢٩٥/٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٢١/٣)، وأحمد (٣٦٠/٤).
٢٥٦
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
ومن ذلك حديث جابر بن عبدالله عن النبي
((سيأتيكم ركب مبغضون - يعني المصدقين - فأدوا إليهم
صدقاتكم وأرضوهم فإن من تمام زكاتكم رضاهم)) (١) .
وروى عامر بن السمت عن معاوية بن إسحاق عن
عطاء بن يسار عن ابن مسعود عن النبي اقَّة قال: ((سيكون
أمراء - فذكر من فعلهم ثم قال - فمن جاهدهم بلسانه فهو
مؤمن، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو
مؤمن)»(٢).
وهذا أيضاً خلاف الأحاديث، وهو إسناد لم يسمع
حديث عن ابن مسعود بهذا الإِسناد غيره، وقد جاء الإِسناد
الواضح عن ابن مسعود بخلافه .
روى الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي
مَّ قال: ((سترون بعدي أثرة وفتناً وأموراً تنكرونها)) قالوا: فما
تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون
الله الذي لكم))(٣).
-
(١) أخرجه أبو داود (١٥٨٣)، ولكنه من حديث جابر بن عتيك، فلعل ما
هنا غلط من الناسخ .
(٢) أخرجه ابن حبان (١٧٧)، مطولاً، وأخرجه أحمد (٤٣٦٣) مختصراً.
(٣) أخرجه البخاري (٧٠٥٢)، ومسلم (١٨٤٣) (٤٥).
٢٥٧
.... 1
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
وهذا عن ابن مسعود، وذاك عن ابن مسعود، وهذا أثبت
الإِسنادين، وهو موافق للأحاديث، وذاك لها مخالف، ثم
تواترت الأحاديث عن النبي ◌َّلّ فكثرت عنه، وعن الصحابة
والأئمة بعدهم - رضي الله عنهم - يأمرون بالكف، ويكرهون
الخروج، وينسبون من خالفهم في ذلك إلى فراق الجماعة،
ومذهب الحرورية وترك السنة.
******* mm
٢٥٨
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٨١ - باب الانتفاع بالغنائم
روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي
مرزوق مولى تجيب عن رويفع بن ثابت عن النبي ◌َّ قال:
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركبن دابة من فيء
المسلمين فإذا أعجفها ردها فيه، ولا يلبس ثوباً من فيء
المسلمین حتى إذا أخلقه رده فیه))(١).
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله
أنه قال: انتهيت إلى أبي جهل فضربته بسيفي فلم يغن شيئاً
فأخذت سيف أبي جهل فضربته حتى قتلته (٢).
فهذان الحديثان في ظاهرهما مختلفان، وإنما الوجه
فيهما أن يوضع كل واحد منهما موضعه، فإذا كان في موضع
الضرورة يستعين به على النكاية فيهم مثل صنيع ابن مسعود
فذلك لا يدفع، وما كان يريد به أن يبقي على دابته، ويركب
دابة من المغنم، أو يبقي على ثوبه، أو سلاحه، أو يعمل
بالشيء على غير ذلك الوجه فهو المنهي عنه .
(١) أخرجه أبو داود (٢١٥٢) (٢٧٠١) بزيادة حنش الصنعاني بين أبي
مرزوق ورويفع، وأخرجه أحمد بمثل إسناد المصنف (١٦٩٨٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٠٢).
٢٥٩
ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث
٨٢ - باب في آنية المشركين
حديث أبي ثعلبة هو من وجوه عن النبي وَلقر أنه سأله عن
آنية العدو، فقال: ((استغنوا عنها ما استطعتم فإن لم تجدوا
غيرها فاغسلوها وكلوا فيها واشربوا))(١).
فقال ها هنا: استغنوا عنها وإن احتجتم فاغسلوها،
وسائر الأحاديث وظاهر القرآن على الرخصة في طعامهم وأكل
جبنهم وخبزهم، وهم يصنعون ذلك في آنيتهم.
وروى عطاء عن جابر: كنا نغزو مع رسول الله صَلّ فلا
يمتنع أن نأكل في آنيتهم، ونشرب في أسقيتهم(٢).
وروى سماك عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: سألت
النبي قل عن طعام النصارى فقال: ((لا يتحلّجن في صدرك
طعام ضارعت فيه النصرانية»(٣).
ومن ذلك ما لا يدفع من أكل خلهم وألبانهم وغير ذلك
من أشربتهم وأطعمتهم، وإنما هي في آنيتهم.
(١) هو عند البخاري (١١١/٧)، ومسلم (٥٨/٦) وغيرهم.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٣٤)، وأحمد (١٥٠٥٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٧٨)، وأحمد (٢٢٦/٥).