النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠٠١ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٢٠٠ والسلامة والإِسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله))(١). وروى أبو عامر عن سليمان بن سفيان عن بلال بن يحيى بن طلحة عن أبيه عن جده أن النبي وَلٍ كان إذا رأى الهلال قال: ((اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإِسلام، ربي وربك الله))(٢). فهذه الأحاديث في ظاهرها مختلفة، وكلها ليست بأقوى الأحاديث. وإنما الوجه أن ذلك ليس فيه شيء مؤقت، وأي ذلك قاله فهو جائز. (١) أخرجه الدارمي (١٦٨٧)، والطبراني في الكبير (٣٥٦/١٢)، وابن حبان (٨٨٨). (٢) أخرجه أحمد (١٣٩٧)، والدارمي (١٦٨٨)، والترمذي (٣٤٥١). ٢٠١ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٦٤ - باب صوم يوم السبت روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبدالله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي وَ ل قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) (١). فجاء هذا الحديث بما خالف الأحاديث كلها، فمن ذلك حديث علي(٢)، وأبي هريرة(٣)، وجندب(٤): أن النبي ◌َّ أمر بصوم المحرم. ففي المحرم السبت، وليس مما افترض. ومن ذلك حديث أم سلمة (٥) وعائشة (٦)، وأسامة بن زيد (٧)، وأبي (١) أخرجه أحمد (٣٦٨/٦)، وأبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، وابن ماجه (١٧٢٦). (٢) أخرجه عبدالله بن أحمد في زياداته على المسند (١٣٢٢)، والترمذي (٧٤١) . (٣) أخرجه مسلم (١١٦٣). (٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٦٩/٢). (٥) أخرجه أحمد (٢٩٣/٦)، وأبو داود (٢٣٣٦)، والنسائي (٤/ ١٥٠) . . (٦) أخرجه البخاري (٥٠/٣)، ومسلم (١٦١/٣). (٧) أخرجه أحمد (٢٠١/٥)، والنسائي (٢٠١/٤). ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٢٠٢ ثعلبة (١)، وابن عمر (٢)، أن النبي ◌َل* كان يصوم شعبان. وفيه السبت . ومن حديث [ ..... ] (٣) وأبي هريرة، أن النبي قال: ((من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر)) (٤). وقد يكون فيها السبت. ومن ذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي 19 في صوم عاشوراء، وقد يكون يوم السبت. (١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥٥/٢٢)، والشجري في أماليه (١٠٥/٢). (٢) أخرجه الطحاوي في معاني شرح الآثار (٨٢/٢). (٣) بياض يقدر بثلاث كلمات، ومن الخير أن الناسخ تكرر عنده قول المصنف: [أمر بصوم شعبان وفيه السبت ومن حديث أبي أيوب وثوبان وجابر وأبي هريرة أن النبي ◌َّ قال من صامٍ رمضان] وقد وضع عليها الناسخ خطاً إشارة منه إلى أنه تكرر خطأ، ولكننا استفدنا من هذا التكرار معرفة موضع البياض في النسخة الخطية، إذاً فالساقط هو [أبي أيوب وثوبان وجابر] علماً بأن نصف كلمة جابر ظهرت في المخطوط . (٤) حديث أبي أيوب أخرجه مسلم (١٦٩/٣) وحديث ثوبان أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠)، وابن ماجه (١٧١٥)، وحديث جابر أخرجه أحمد (٣٠٨/٣)، والبزار (٤٩٥/١ - كشف)، وحديث أبي هريرة أخرجه البزار (٤٩٥/١ - كشف)، وله طريق أخرى عند الطبراني في الأوسط (٧٦٠٧). ... 1. ..... ......... . ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٢٠٣ :... · ومن ذلك: الترغيب في صوم يوم عرفة عن النبي صَذَ اْلله وسـ أيضاً، وقد يكون يوم السبت، ومن ذلك الأحاديث عن النبي وَّر في صيام البيض، وقد يكون فيها السبت. وأشياء كثيرة توافق هذه الأحاديث. معمـ ٢٠٤ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٦٥ - باب في المسكر روى الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي وَلو قال: ((كل شراب أَسكرَ فهو حرام)»(١) . وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عمر عن النبي ◌َ﴾(٢). وموسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي : ومحمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر عن النبي (٤) . صَلىالله (٣) صَيَا الله (٤) وسيلة وأيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّر قال: ((كل مسکر خمر)»(٥) . صَلَى اللّه (٦) وروى محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ؛ (١) أخرجه البخاري (٧٠/١)، ومسلم (٩٩/٦). (٢) أخرجه الترمذي (١٨٦٤)، وأحمد (١٦/٢). (٣) أخرجه مسلم (٦/ ١٠١). (٤) أخرجه أحمد (٢/ ١٣٧)، والنسائي (٢٩٧/٨). (٥) أخرجه مسلم (١٠٠/٦). (٦) أخرجه أحمد (٣٤٣/٣)، وأبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن حبان (٥٣٨٢). ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٢٠٥ وعبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي وَّ قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))(١). وروى أبو عثمان الأنصاري، وكان ثقة، عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي وتلقى: ((ما أسكر الفرق فالحسوة منه حرام)) (٢). وروى الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبدالله بن الأشج عن عامر بن سعد عن أبيه عن النبي وَلّ قال: ((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره))(٣). وروى عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وجابر وأبو هريرة، وميمونة، وأم حبيبة، وأنس، ومعاوية، وبريدة، والأسلمي، وجماعة سواهم: أن النبي ◌َّر قال: ((كل مسكر حرام)) (٤). وروى الديلم الحميري أنه سأل النبي عن الشراب صَلىالله وسيلاً (١) أخرجه أحمد (١٧٩/٢)، وابن ماجه (٣٣٩٤)، والنسائي (٣٠٠/٨). (٢) أخرجه أحمد (٧١/٦)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦). (٣) أخرجه النسائي (٣٠١/٨)، والدارمي (٢١٠٥). (٤) حديث صحيح ورد عن جماعة من الصحابة، انظر: تخريج أحاديثهم في ((فيض القدير)) (٣٠/٥)، وقال الغماري: (هو حديث تواتر عن النبي لة من رواية نحو ثلاثين صحابياً جلها بالأسانيد الصحيحة والحسنة). الهداية (٣٣٤/٦). ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٢٠٦ = الذي يتخذونه بأرضهم فقال: ((أيسكر؟)) فقال: نعم، قال: ((فلا تشربه))، قال: فإنهم لا يصبرون عنه، قال: ((فإن لم يصبروا عنه فاقتلهم))(١). وروى جابر أن النبي وَلّ قال: ((كل مسكر حرام. والذي نفسي بيده لمن شرب مسكراً إن حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة)) (٢) . وروى طلق بن علي عن النبي ◌َّ أنه قال في المسكر: ((لا يشربه رجل فيسقيه الله عز وجل الخمر يوم القيامة))(٣). وعن أبي سعيد الخدري عن النبي وَالر قال: ((من شرب مسكراً نجس، ونجست صلاته أربعين يوماً)) (٤). فتواترت الأحاديث عن النبي وقَّه بتحريم قليل المسكر و كثيره، وأنه خمر. ثم روى قوم يستحلون بعض ما حرم الله عز وجل أحاديث لا أصول لها، فمنها حديث رواه أبو الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار، (١) أخرجه أحمد (٢٣١/٤)، وأبو داود (٣٦٨٣). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٢)، والنسائي (٣٢٧/٨)، وأحمد (١٤٨٨٠). (٣) أخرجه أحمد ((انظر: المسند الجامع (٧ /٥٧٥))). (٤) أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١٤٠/٢). ٢٠٧ = ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث قال: قال رسول الله : ((أشربوا في الظروف ولا تسكروا)(١). فتأولوا هذا الحديث على ما أحبوا فوافقوا أهل البدع في تأويلهم المتشابه وتركهم المحكم، قال الله عزوجل: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ،﴾ [آل عمران - آية (٧)]. وهذا حديث له علل بينة، وقد طعن فيه أهل العلم قديماً: فبلغني أن شعبة طعن فيه . وسمعتُ أبا عبدالله يذكر أن هذا الحديث إنما رواه سماك عن القاسم بن عبدالرحمن عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي وقَليه قال: ((نهيتكم عن ثلاث: عن الشرب في الأوعية، وعن زيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي، فأما لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا، وأما زيارة القبور فزوروها، وأشربوا في الأوعية ولا تشربوا مسكراً))(٢) . قال: فدرس كتاب أبي الأحوص فلقنوه الإِسناد والكلام، فقلب الإِسناد والكلام، ولم يكن أبو الأحوص يقول: أبي بردة بن نيار، كان يقول: أبو بردة، وإنما هو عن ابن بريدة فلقنوه أن أبا بردة إنما هو ابن نيار فقاله. (١) أخرجه النسائي (٣١٩/٨). (٢) أخرجه أحمد (٣٥٦/٥). ٠١٠٠ ....... ٢٠٨ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث وقد سمعت سليمان بن داود الهاشمي يذكر أنه قال لأبي الأحوص من أبو بردة؟ فقال: أظنه، ثم قال: يقولون: ابن نيار. وهذا حديث معروف، قد رواه غير واحد عن سماك عن القاسم عن ابن بريدة عن أبيه على ما وصفناه، ثم جاءت الأحاديث بمثل ذلك عن بريدة رواها علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه(١). ورواه محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه (١) . ورواه أبو فروة الهمداني عن المغيرة بن سبيع عن ابن بريدة، عن أبيه (٢) . فلو لم يجىء لهذا الحديث معاريض من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ◌َ # لم يكن هذا مما يصح به خبر لبيان ضعفه. واحتجوا أيضاً بحديث رواه يحيى بن اليمان، وعبدالعزيز بن أبان عن سفيان عن منصور عن خالد بن سعد عن أبي مسعود أن النبي وَل استسقى وهو يطوف بالبيت فأتي بنبيذ من نبيذ السقاية، فقربه إلى فيه فقطّب فدعا بماء فصبه عليه، فقال رجل: يا رسول الله أحرام هو؟ فقال: (١) أخرجهما مسلم (٦٥/٣). (٢) أخرجه النسائي (٨٩/٤). ٢٠٩ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ((لا)) (١). وهذا حديث يحتج به من لا فهم له في العلم ولا معرفة له بأصوله. وقد سمعت من أبي عبدالله ومن غيره من أئمة أهل الحديث في هذا الحديث كلاماً كثيراً، وبعضهم يزيد على بعض في تفسیر قصته . فقال بعضهم: هذا حديث لا أصل له ولا فرع، وقال: إنما أصل هذا الحديث الكلبي، والكلبي متروك عند أهل العلم، وكان يحيى بن اليمان عندهم ممن لا يحفظ الحديث، ولا يكتبه، وكان يحدث من حفظه بأعاجيب وهذا من أنكر ما روی . وأما الذي روى عنه فإنه قد عثر عليه بما هو أعظم من الغلط مما قد كنّينا عنه لصعوبته وسماجة ذكره. وفي هذا الحديث بيان عند أهل المعرفة أجمعين؛ لأنه زعم أنه قد شرب من نبيذ السقاية نبيذاً شديداً فجعله حجة في تحليل المسكر، وتأولوا أنه لا يقطب إلا من شدة، وأنه لا يكون شديداً غير مسكر، فرجعوا أيضاً إلى الأخذ بالتأويل فيما تشابه، وتركوا ما قد كفوا مؤونته وفُسِّرَ لهم وجهه لقوله : (١) أخرجهما النسائي (٣٢٥/٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢١٩/٤)، ورواية ابن أبان أشار إليها البيهقي في السنن (٣٠٤/٨). =٢١٠٠ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث «ما أسكر كثيره فقليله حرام». فهل يحتاج هذا إلى تفسير؟ فيقال لهم: أيكون من النقيع ما يشتد وهو حلو قبل غليانه؟ فيقولون: لا. فيقال لهم: أرأيتم نبيذ السقاية أنقيع هو أو مطبوخ؟ فيقولون: نقيع. فإذا هم قد تكلموا بالكفر أو شبهه حين زعموا أن النبي 8* شربه نقيعاً شديداً، أو أنه لا يشتد حتى يغلي، وأنه إذا غلا النقيع فهو خمر. فهم يقرون بأنه خمر، وهم يزعمون بأن النبي ◌َّر قد شربه ثم يحتجون بذلك في غيره ولا يأخذون به فيه بعينه. وتفسير هذا الكلام أنهم احتجوا بشرب النبي صل - زعموا - النقيع الشديد في تحليل المسكر المطبوخ، ولا يرون شرب المسكر الشديد من النقيع، فأيُّ معاندة للعلم أبين من هذه؟ وهذا كقولهم: إذا قعد مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته، ويحتجون في ذلك بالحديث الضعيف: ((إذا رفع رأسه من آخر سجدة ثم أحدث فقد تمت صلاته))(١). وهم لا يقولون به؛ لأنهم يقولون: حتى يقعد مقدار التشهد. فهذان الحديثان هما حجة من أحل المسكر مما ادعوه على النبي ◌َ﴾ وأن الله عز وجل قد حرم الخمر فلم يبين في كتابه ما تفسيرها، فلجأ قوم إلى أن الخمر هي خمر العنب خاصة بغير حجة من كتاب ولا سنة، وكان نبي الله وَل أولى بتفسير ما حرم الله عز وجل (١) أخرجه الطيالسي (٤٦٨ / منحة المعبود)، والبيهقي (١٣٩/٢). .L ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٢١١ على لسانه فقال ◌َله: ((الخمر من خمسة أشياء))(١). وقال في حديث آخر: ((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة)»(٢). فبدأ بالنخلة. وقال الله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل - آية (٦٧)]. فبدأ بالنخيل قبل الأعناب، فمن أين زعم هؤلاء أن الخمر من العنب خاصة؟ وقال النبي وَلّ: ((كل مسكر خمر))(٣). وقال عمر رضي الله عنه: ((الخمر ما خامر العقل))(٤). وقال ابن مسعود وجماعة كثيرة: المسكر خمر. حتى قال سفيان بن سعيد: باخرة النادي خمر. فمن أين جاء هؤلاء بالتفصيل بين العنب وغيره، إذ لم ينزل تحريم الخمر على النبي ◌َّ وإنما شرابهم الفضيخ لا يعرفون غيره، فلما تليت عليهم الآية بالتحريم هراقوا آنيتهم، وكانت هي خمرهم فقال قائلهم: أليس قد قال ابن عباس: ((حرمت الخمر بعينها، (١) أخرجه البخاري (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢). (٢) أخرجه مسلم (١٩٨٥) (١٣)، وأحمد (٧٧٥٣). (٣) أخرجه مسلم (١٠٠/٦). (٤) أخرجه البخاري (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢). ... ]. ٢١٢ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث والسكر من كل شراب»(١). وهذا حديث رووه عن مسعر عن أبي عون عن عبدالله بن شداد عن ابن عباس، فافهم بيان الحجة عليهم في هذا من وجوه منها : أن شعبة كان أعلم بأبي عون، وأروى عنه من مسعر، ولم يسمع شعبة هذا الحديث من أبي عون، فرواه عن مسعر، فشعبة كان أحرى أن يؤدي ما سمع من مسعر. قال شعبة فيه عن مسعر بهذا الإسناد: ((حرمت الخمر بعينها، والمسكر من كل شراب)). وهم يتأولون أن قوله: ((والسكر من كل شراب)) تحليل لما دون السكر من الشراب، وقد جاء ما بيّن هذا حين تركوا مابان تفسيره وأخذوا بما قد تشابه ذكره؛ لأن ابن عباس قد روى عن النبي ◌َّ: ((أن كل مسكر حرام))(٢). وقال ابن عباس: ((من سرّه أن يحرم ما حرم الله ورسوله فليحرم نبيذ الجر))(٣). وإنما كره نبيذ الجر لأنه يشتد في الجر (١) أخرجه النسائي (٥٦٩٩)، والبيهقي (٢٩٧/٨)، عن ابن عباس من عدة طرق . (٢) أخرجه أبو داود (٣٦٩٦)، وأحمد (٢٤٧٦). (٣) أخرجه النسائي (٥٧٠٤). ٢١٣ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث سمسم حتى يكون مسكراً ليس لأن الظرف تحرمه. وقال ابن عباس أيضاً: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) (١). فكفى هذا من تأويل . وقيل لابن عباس: ما تقول في شراب يصنع من القمح؟ قال: ((أيسكر؟)) قيل له: نعم. قال: ((هو حرام)). قيل: فما تقول في شراب يصنع من الشعير؟ حتى سأله عن أشربة. فقال: قد أكثرت عليّ: ((أجتنب ما أسكره))(٢). فرده إلى تحريم كل شيء یسکر منه. وقال ابن عباس: ((ما أسكر فهو حرام))(٣) . فأين هذا مما يتأولون عليه؟ فأما تمييزه بين الخمر والسكر فإن هذا كلام بين لمن فهمه، وذلك أن الخمر من خمسة أشياء خاصة، فما كان من تلك الخمسة الأشياء فهو خمر، وما سواهن فهو حلال ما لم يكن مسكراً، فإذا أسكر کثیره من سائر الأشياء فهو حرام. (١) عزاه ابن حجر في الفتح (٦٦/١٠) إلى إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)) وهو مروي عن عدد من الصحابة، انظر: الهداية في تخريج أحاديث البداية (٣٢٠/٦). (٢) أخرج نخُوه النسائي (٥٧٠٥). (٣) أخرجه البخاري (٥٥٩٨)، والنسائي (٥٦٢٢). .... . ٢١٤ ٠٠ . ٠٠٠ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث فقال قائلهم: أليس قد شرب عمر نبيذاً شديداً. وقال: نشرب هذا النبيذ الشديد لنقطع لحوم الإبل في بطوننا(١). فرجعوا أيضاً إلى المتشابه من الكلام الذي لايصح مخرجه، ولا يثبت خبره، ولا يوافق ما روي عن عمر من الوجوه الصحاح معناه، وذلك أن أبا حيان التيمي وعبدالله بن أبي السفر وغيرهما رووه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر أنه قال: ((الخمر ما خامر العقل))(٢). فجعل كل شراب غيّر العقل خمراً. والخمر لا يحل منها قليل وإن لم يسكر إلا أن يدّعوا أن هذه خمر غير تلك التي حرم قليلها . أفتزعمون أن عمر رضي الله عنه حرّم خمراً، وحرّم الله خمراً أخرى؟ فهذان إذاً خمران. أحدهما: حرمها الله تعالى، والأخرى: حرّمها عمر. أَوَ ليس قد بيّن في حديثه فقال: ((يا أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة ـ ثم قال -: والخمر ما خامر العقل)). فإن أقررتم فقلتم: بلى، إنما أراد عمر رضي الله عنه ما حرم الله، ففسره. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٨٧٥)، والبيهقي (٢٩٩/٨). (٢) أخرجه البخاري (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢). ٢١٥ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث فقل: أيحل ما حرم الله ما دون السكر، أو ليس إنما كان هذا قبل بيان تحريمها حين أباح لهم ما دون السكر منها، ونهاهم عن شربها في أوقات صلواتهم، ثم استأصل أمرها بالنهي عن قليلها وكثيرها حين أوقعت العداوة والبغضاء، وصدت عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل ما بين ما أحللتموه وبين ما حرمتموه في المعنى الذي حرم الله له الخمر من فرق؟ أو لستم قد أحللتم ما كره الله شربه لما يوقع من الأسباب التي تجدونها واقعة بما أحللتموه. فلو لم يكن التحريم من الله عز وجل بالبيان إلا كما وصفتم: أنه خمر العنب النقيع خاصة، ثم وجدتم ما سواها من الأشربة تدعو إلى مثل ما كره الله عز وجل له تلك الخمر بعينها . ألم يكن ينبغي لكم أن تحرموا ما ضارع ما حرم الله عز وجل ودعا إلى مثل ما يدعو إليه؟ أو ليس إنما حرم الله عز وجل الميسر الذي كانوا يتقامرون يومئذ في أشياء معروفة بأعيانها، فحرم المسلمون جميع القمار، حتى ألحقوا بذلك كل ما حدث من هذا النحو إلى أن قالوا: لعب الصبيان بالجوز والكعاب؟ وحرم الله عز وجل على بني إسرائيل أكل الشحوم، فعابهم النبي ◌َّ بأكل أثمانها، ولو أن عمر رضي الله عنه أراد الذي ادّعيتم ما كانت لكم فيه حجة؛ لأنا وجدناكم تتركون قول ٢١٦ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث عمر إذا شئتم، وتحتجون عليه بأئمة ضلالة، فكيف يلزمكم قوله فيما قد صح عن النبي 13# خلافه؟ هذا لو كان المذهب في قول عمر: كما ادّعيتم، وقد صحّ لنا أن عمر قد حرم من المسكر مثل الذي حرمه الله ورسوله. فمن ذلك ما ذكرنا من قوله: ((الخمر ما خامر العقل)). وقوله: ((الخمر من خمسة)). ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه قد روى عن النبي ◌ّير: ((أن كل مسكر حرام)). ومن ذلك حديث الزهري عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: ((ذكر لي أن عبيدالله بن عمر وأصحاباً له شربوا شراباً وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر جلدتهم، فجلدهم الحد ثمانين (١). فهو قد علم أنهم قد شربوا، وإنما قال: أسأل عما شربوا، فإن كان يسكر. ولم يقل: أسأل عنهم هل سكروا. وقال عبيدالله بن عمر العمري: إنما كسر عمر النبيذ الذي شربه لشدة حلاوته(٢)، وكذلك قال الأوزاعي أيضاً: (١) أخرجه البخاري معلقاً (٦٢/١٠ فتح)، ورواه مالك (٨٤٢) في الموطأ . (٢) أخرجه البيهقي (٣٠٦/٨). ٢١٧ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث وأَهل العلم أولى بالتفسير. وفي حديث محمد بن جحادة أن الشراب الذي أتي به عمر فكسره إنما كان خلاً، قد خرج من حد المسكر (١). فهذا أشبه أن يكون ما روي عن عمر متقارباً لا يخالف بعضه بعضاً. وقالوا: إن عمر قال لعتبة بن فرقد: ((إنا ننحر كل يوم جزوراً، فأما أطايبها فللمسلمين، وأما العنق وكذا فلنا، نأكل هذا اللحم الغليظ ونشرب عليه هذا النبيذ الشديد ليقطعه في بطوننا))(٢) . وقد ذكروا في هذا الحديث أن عتبة بن فرقد قال: قدمت عليه بسلال من خبيص فأنكر عليه . وهذا حديث مدفوع عند أهل العلم بأشياء مفهومة منها: أن أبا عثمان النهدي قال: كنت مع عتبة بن فرقد بأذربيجان فبعث إلى عمر رضي الله عنه بسلال من خبيص فردها إليه وكتب إليه: إنه ليس من كدّك، ولا من كدّ أبيك، ولا من كدّ أمك. فهذا عتبة قد أرسل إلى عمر بشيء فأغضبه، ورده . (١) أخرجه النسائي (٥٧٢٣). (٢) أخرجه الدار قطني (٢٦٠/٤). ..... **... % ٢١٨ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث أفيقدم به عليه ثانية، أو يقدم به عليه فيكرهه ويلومه ثم يوجه به إليه؟ هذا ما لا يكون إلا على وجه المعاندة والمعصية، ولم يكن عتبة كذلك، وقد كانت له صحبة من النبي وَل أيضاً. ومما يدفع به هذا الحديث أيضاً قوله: ((إننا ننحر كل يوم جزوراً)) وهذا محال أن يدّعى على عمر. أما سمعت ما قال أسلم مولى عمر: عميت ناقة فقلت لعمر: قد عميت ناقة من الظهر. فقال: ((اقطروها إلى الإِبل))، قال: فقلت: فكيف ترعى من الأرض؟ فقال: ((افعلوا بها كذا)) يلتمس له حيلة لبقائها. أفيفعل هذا من يحتاج إلى جزور كل يوم، فلما لم يجد لها حيلة قال: أردتم والله نحرها. قال: فنحرها. وكانت عنده صحاف تسع، فلا يكون عنده طريقة إلاَّ بعث إلى أزواج النبي ◌ُّ منها في تلك الصحاف، ويجعل آخر ذلك حظ حفصة؛ لأنها ابنته، ثم جمع على ما بقي منها أصحاب النبي ◌َلّ فقال له العباس: ((لو صنعت هذا كل يوم اجتمعنا عندك)) فقال: ((هيهات لا أعود لهذا أبداً، إنه كان لي صاحبان سلكا طريقاً، وإني أخاف إن سلكت غير طريقهما أن يسلك بي غير سبيلهما)). فعمر يتقي من أن يعود لنحر جزور مرة أخرى، وهذا ٠٠٠٫٠٠ ناسخ الحديث ومنسوخه - الجزء الثالث ٢١٩ يدّعي أنه قد كان ينحر كل يوم جزوراً! ثم رويت هذه القصة من وجوه، وهو يقول: ((لتمرنّن أيها البطن على الخبز والزيت ما دام السمن يباع بالأواق)). وقال حذيفة: انطلقت إلى عمر فإذا قوم بين أيديهم قصاع فيها خبز ولحم، فدعاني عمر إلى طعامه، فإذا خبز وزيت. فقلت: منعتني أن آكل مع القوم، فقال: ((إنما أدعوك إلى طعامي، وأما ذاك فطعام المسلمين)). فهذه الأحاديث كلها مخالفة، وبيان الحجج على من يستحل المسكر كثيرة قصرنا عنها لطولها. وذلك أنهم يحتجون بأحاديث، وهذا الذي ذكرناه أرفع حججهم. وما بقي من حججهم من فعل ناس من الماضين، فإن بیان الوهن فيه کنحو ما قد شرحنا. فإذا لم يبق لهم حجة من الأحاديث قالوا: فقد شربه فلان وفلان وفلان، وذکروا ناساً قد كانوا يصيبون ويخطئون، وهؤلاء الذين يحتجون بهم فيما يهوون من تحليل المسكر، قد يخالفونهم كثيراً إذا هووا. وليس أحد بعد النبي ◌َل إلا يؤخذ من قوله ويترك، وقد وجدنا ذلك في أفضل الأمة بعد النبي وَ لَّر، أما سمعت قول أبي بكر الصديق في الجد إنه بمنزلة ........