النص المفهرس
صفحات 341-360
١ - ليس اعتماد المحدثين في تصحيح الأحاديث على ظاهر الأسانيد فقط،
بل يضاف إليه النظر فيما يمكن أن يدخل الحديث من أوهام وأخطاء .
٢ - إدراك العلل والأوهام في الأحاديث يحتاج إلى سعة الحفظ والاطلاع
على مختلف الطرق والروايات للحديث الواحد، مع سلامة الفهم،
وحسن القصد.
٣ - الاهتمام البالغ بالصحيحين من قبل الأئمة، واعتبارها المعيار الذي
تحاكم إليه الأحاديث الأخرى.
٤ - لا يفهم من كلام الحاكم أن الأحاديث التي لم تخرج في الصحيحين
كلها معلولة، وإنما المراد بذلك الطرق التي تشتمل على زيادات أو
تفردات وكان ظاهر إسنادها صحيح.
وهذا الفهم ضروري إذ لو كان المتبادر أن الأحاديث التي خارج
الصحيحين كلها سقيمة ومعلولة، ما ساغ للحاكم نفسه أن يصنف ((المستدرك
على الصحيحين)) ولما ساغ أيضاً لمن جاء بعده كابن حبان، وابن خزيمة،
وابن السكن وغيرهم أن يسموا كتبهم بالصحيح.
ومن هنا يمكن القول بأن مراده تلك الطرق والزيادات التي يتركها
الشيخان، مع معرفتهما بها وحاجتهما إليها. إذ غالباً ما يتعلق بها فقه
عظيم، مع صحة سندها وتخريجهما لأصل الحديث دون تلك الزيادات. فما
هي مبررات هذا الترك؟ وهل دائماً الزيادة التي ينفرد بها الثقة مرفوضة؟ وما
هي معايير الرفض والقبول؟
هذا ما سأحاول بمشيئة الله - توضيحه في هذا المبحث من خلال
نماذج مدروسة من صحيح البخاري.
وقبل الإجابة على هذه الأسئلة يحسن بنا أن نذكر بمذاهب العلماء
والطوائف حول ((زيادة الثقة)).
٣٤١
----
المطلب الأول
موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة
لقد اختلفت أنظار العلماء وتباينت مواقفهم كثيراً، من زيادات الثقات.
واختلطت فيها أقوال المحدثين بأقوال الأصوليين وعلماء الكلام، ونتعرض
في هذا المطلب لبيان تلك الآراء - على سبيل الاختصار - دون التعرض
لذكر الأدلة ومناقشتها.
وبما أن الزيادات قد تكون في الأسانيد كما تكون في المتون. فأقدم
الحديث على زيادات الأسانيد وموقف العلماء منها ثم زيادات المتون.
القسم الأول: الزيادة في السند:
تتمثل في اختلاف الوصل والإرسال والرفع والوقف أو زيادة راو في
الإسناد وحذفه. وقد اختلف العلماء في هذا النوع على أربعة أقوال:
القول الأول: ترجيح الوصل على الإرسال، والرفع على الوقف:
وإلى هذا الرأي ذهب كثير من الأئمة المتأخرين.
قال الخطيب البغدادي: ((وهذا القول هو الصحيح عندنا لأن إرسال
الحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند
الذين رووه مرسلاً، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان،
والناسي لا يقضي على الذاكر وكذا حال راوي الخبر إذا أرسله مرة، ووصله
أخرى؛ لا يضعف ذلك إيصاله لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعد فيسنده،
أو يفعل الأمرين معاً عن قصد منه لغرض له فیه))(١).
وقال ابن الصلاح: ((وما صححه - أي الخطيب - هو الصحيح في
: الفقه والأصول))(٢).
(١) الكفاية ص٤٥١.
(٢) علوم الحديث ص ٦٥.
:
٣٤٢
وقال الإمام النووي: («الصحيح بل الصواب الذي عليه الفقهاء
والأصوليون ومحققو المحدثين أنه إذا روي الحديث مرفوعاً وموقوفاً، أو
موصولًا ومرسلًا حكم بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة، وسواء كان الرافع
والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد)»(١).
القول الثاني: ترجيح الإرسال على الوصل والوقف على الرفع:
وقد حكاه الخطيب البغدادي عن أكثر أصحاب الحديث. بالنسبة
لترجيح الإرسال على الوصل (٢)، وأما ترجيح الوقف على الرفع فهو مثله
فيأخذ حكمه .
القول الثالث: الحكم للأكثر:
فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله فالحكم للإرسال. وإن كان من
وصله أكثر ممن أرسله فالحكم للوصل، وكذا الرفع والوقف.
لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد، وقد حكى هذا القول
الحاكم النيسابوري في ((المدخل)) عن أئمة الحديث(٣).
القول الرابع:
إن المعتبر ما قاله الأحفظ من وصل أو إرسال. فإذا كان من أرسله
أحفظ ممن وصله، فالحكم لمن أرسله. وإن كان من وصل أحفظ، فالحكم
له (٤) .
وهذه الأقوال كلها نظرية فقط. وقد سبق أن نقلت في ((مبحث
المخالفة)) أقوال بعض الحفاظ المتأخرين التي تبين أن منهج المحدثين على
خلاف هذه الأقوال وبينت بالأمثلة المدروسة أن الترجيح خاضع للقرائن.
(١) شرح صحيح مسلم: ج٦ ص٢٩.
-
(٢) الكفاية ص ٤٥٠.
(٣) انظر: فتح المغيث: ج١ ص١٩٣.
(٤) علوم الحديث ص٦٤، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص ١٧٧.
٣٤٣
القسم الثاني: الزيادة في المتن:
الخلاف في هذا النوع من الزيادة أكثر من النوع الأول. ولقد نقلت
فيه أقوال كثيرة هذه أهمها:
القول الأول :
ذهب الجمهور من الفقهاء وبعض المحدثين كابن حبان والحاكم .
وجماعة من الأصوليين منهم الغزالي في ((المستصفى)) وجرى عليه النووي
في مصنفاته إلى أن زيادة الثقة مقبولة مطلقاً(١).
القول الثاني:
أنها لا تقبل مطلقاً، لا ممن رواه ناقصاً ولا من غيره.
حكاه الخطيب في ((الكفاية)) عن قوم من المحدثين(٢)، وابن الصباغ
في ((العدة))(٣).
القول الثالث :
قبول الزيادة إذا كان الراوي لها غير الذي روى الحديث بدونها، فأما
إن كان راوي الحديث بدون الزيادة هو راويه مع الزيادة فإن هذه الزيادة لا
تقبل وإلى هذا القول ذهبت فرقة من الشافعية (٤) ..
القول الرابع :
إن غيرت الإعراب لم تقبل، وإن لم تغير الإعراب. وکان عدد مرات ذكر
الزيادة أكثر من الإمساك عنها قبلت. وإن كان العكس ردت وإن تساويا قبلت أيضاً.
:
وقد ذهب إلى هذا فخر الدين الرازي(٥) .
(١) الكفاية ص٤٦٤، وفتح المغيث: ج١ ص٢٣٣.
(٢) الكفاية ص ٤٦٥.
(٣) فتح المغيث: ج١ ص٢٣٥.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المحصول في علم أصول الفقه: ق١ ج٢ ص ٦٨٠ - ٦٨١ بتحقيق طه جابر العلواني
٣٤٤
القول الخامس :
إن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة
مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها. فإن هذه الزيادة لا تقبل، سواء أبلغ
الرواة للحديث بدونها حد التواتر أم لم يبلغوه، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد
قبلت .
وإليه ذهب ابن الصباغ(١) والآمدي(٢) وابن الحاجب(٣) والسمعاني(٤).
القول السادس :
تقبل الزيادة إذا سكت الباقون ممن لم يروها عن نفيها، أما إذا
صرحوا بنفي ما نقله عند إمكان اطلاعهم على نقله، فهذا يعارض قول
المثبت ویوهنه.
وإليه ذهب إمام الحرمين الجويني (٥).
القول السابع:
إن الزيادة تقبل إذا أفادت حكماً شرعياً، وإلا فلا تقبل.
ذكره الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين (٦).
القول الثامن :
وجوب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى.
(١) تدريب الراوي: ج١ ص٢٤٦.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام: ج٢ ص ١٥٥.
(٣) في مختصره ج٢ ص٧١ بشرح الإيجي.
(٤) فتح المغيث: ج١ ص٢٣٤.
(٥) البرهان في أصول الفقه: بتحقيق د.عبدالعظيم الذيب. ط١ - مطابع الدوحة الحديثة
قطر. سنة ١٣٩٩هـ. ج١ ص٦٦٤ - ٦٦٥، ونقله السخاوي في فتح المغيث: ج١
ص٢٣٤.
(٦) الكفاية ص ٤٦٥.
٣٤٥
وهذا القول أيضاً حكاه الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين.
(١)
القول التاسع:
تقبل الزيادة في المتون من الفقهاء ولا تقبل من المحدثين الذين لا
يهتمون بالفقه، وأن الزيادة في الإسناد فتقبل من المحدثين ولا تقبل من
الفقهاء الذين لا يهتمون بالإسناد . .
وإلى هذا القول ذهب الإمام ابن حبان في مقدمة ((صحيحه))(٢)
هذه أهم مذاهب العلماء من محدثين وفقهاء وأصوليين ومتكلمين في
زيادة الثقة. وأكثرها شهرة واستعمالًا القول بقبول زيادة الثقة مطلقاً. وقد نسبه
كثير من العلماء إلى جمهور المحدثين ولكن الواقع العملي النقدي لأئمة
الحديث يرده. وقد نبه على هذا الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فقال:
(اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً، من غير
تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح
أن لا يكون شاذاً ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه،
والعجب ممن أغفل منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث
الصحيح، وكذلك الحسن.
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى
القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري،
وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما
يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة (٣).
إذن فمنهج الأئمة ليس هو قبول الزيادة من الثقة مطلقاً، أو ردها
مطلقاً، وإنما الأمر يدور مع القرائن والمرجحات.
(١) المصدر نفسه .
(٢) صحيح ابن حبان: بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي، وتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
مطبعة المعارف - القاهرة سنة ١٣٧٢هـ، ج١ ص ١٢٠.
(٣) نزهة النظر ص٢٧.
٣٤٦
':
--
وفيما يلي نماذج لزيادات ثقات ردها الإمام البخاري، وأخرى قبلها
موضحاً القرائن التي اعتمد عليها في القبول أو الرد. ومشيراً إلى أثر تلك
الزيادات في الأحكام الفقهية.
المطلب الثاني
نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري
المثال الأول:
قال البخاري - رحمه الله -:
(حدثنا محمد (هو ابن سلام)، قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي اَلر
فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله الثلثين :
((لا إنما ذلك عرق وليس بحيض. فإذا أقبلت حيضك فدعي الصلاة، وإذا
أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي)) .
قال: وقال أبي: ((ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت))(١).
وقال البخاري أيضاً:
حدثنا عبدالله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة - رضي الله عنها - قالت: قالت فاطمة بنت حبيش لرسول الله وقال: يا
رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله وَله: ((إنما ذلك عرق
ليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي
عنك الدم وصلي)) (٢).
(١) كتاب الوضوء، باب غسل الدم حديث رقم (٢٢٧)، ج١ ص٣٩٦.
(٢) كتاب الحيض، باب الاستحاضة حديث رقم (٣٠٦) ج١ ص ٤٨٧.
٣٤٧
وقال البخاري أيضاً:
حدثنا عبدالله بن محمد قال: حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن
عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فأتت النبي ولا فقال:
((ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت
فاغتسلي وصلي)»(١).
وقال أيضاً :
حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة قال: سمعت هشام بن
عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة أن فاطمة بنت حبيش سألت النبي و # قالت:
إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: ((لا إن ذلك عرق ولكن دعي
الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين، ثم اغتسلي وصلي))(٢).
وقال أيضاً:
حدثنا أحمد بن يونس عن زهير، قال: حدثنا هشام بن عروة عن:
عائشة قالت: قال النبي وال *: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت
فاغسلي عنك الدم وصلي))(٣).
هذه طرق هذا الحديث في صحيح البخاري، ونلاحظ أنها متفقة في
سياق المتن إلا أن في الطريق الأولى زيادة تفرد بها أبو معاوية وهي (ثم
توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) فهل هذه الزيادة محفوظة، وما:
موقف البخاري منها؟
وقد ادعى بعضهم بأن أبا معاوية قد انفرد بهذه الزيادة.
ولم ينفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه النسائي عن طريق حماد بن زيد
عن هشام، وادعى أن جماداً تفرد بهذه الزيادة.
(١) كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره حديث رقم (٣٢٠) ج١ ص٥٠٠.
(٢) کتاب الحیض، إذا حاضت في الشھر ثلاث حیض، حديث رقم (٣٢٥) ج١ ص٥٠٧.
(٣) كتاب الحيض، باب إذا رأت المستحاضة الطهر، حديث رقم (٣٣١) ج١ ص ٥١٠.
٣٤٨
قال أبو عبدالرحمن: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث ((وتوضىء))
غير حماد بن زيد وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه
((وتوضیء))(١) .
وأومأ مسلم إلى ذلك أيضاً حيث قال بعد روايته لهذا الحديث من
طريق حماد بن زيد وغيره في حديث حماد زيادة حرف تركنا ذكره(٢).
قال البيهقي: هو قوله ((وتوضىء)) لأنها زيادة غير محفوظة وأنه تفرد
بها بعض الرواة عن غيره ممن روى الحديث(٣).
والظاهر من صنيع الإمام البخاري أنه يصحح هذه الزيادة وذلك للأمور
التالية :
١ - أبو معاوية راوي هذه الزيادة ثقة (٤).
٢ - لم ينفرد أبو معاوية بهذه الزيادة فقد تابعه عليها كل من حماد بن زيد
عند مسلم والنسائي، وحماد بن سلمة عند الدارمي، ويحيى بن سليم
(٥)
عند السراج (٥) .
٣ - وجود بعض الشواهد لهذا الحديث.
منها ما رواه شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن
جده عن النبي ◌ٍّ قال في المستحاضة: ((تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت
تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي)) (٦).
(١) سنن النسائي: ج١ ص ١٣٤ وص ٢٠٢ ط. دار المعرفة.
(٢) صحيح مسلم: ج١ ص٢٦٣.
(٣) نقله الصنعاني في سبل السلام. ت. فواز زمرلي. دار الكتاب العربي. ط الخامسة سنة
١٩٩٠ ج١ ص ١٣٣.
(٤) هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير. ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في
حديث غيره. مات سنة ٢٩٥، روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص ٤٧٥.
(٥) انظر الفتح: ج١ ص ٤١١.
(٦) أخرجه الدارمي (٨٩٨) وأبو داود (٢٩٧) وابن ماجه (٦٢٥) والترمذي (١٢٦)
و (١٢٧).
٣٤٩
قال أبو عيسى: هذا حديث تفرّد به عن أبي اليقظان، وسألت محمداً
عن هذا الحديث فقلت عدي بن ثابت عن أبيه عن جده. عدي ما اسمه
فلم يعرف اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين اسمه دينار فلم يعبأ
به (١). فهذا الشاهد ضعيف، لضعف شريك وتفرده به، وأبو اليقظان هو
عثمان بن عميرة الکوفي لا يحتج بحديثه، ثم جهالة جد عدي بن ثابت
وقال أبو داود في سننه:
((وروى عبدالملك بن ميسرة، وبيان والمغيرة، وفراس، ومجالد عن
الشعبي عن قمير عن عائشة: توضئي لكل صلاة)).
ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قمير عن عائشة تغتسل كل يوم مرة.
وروى هشام بن عروة عن أبيه، المستحاضة تتوضأ لكل صلاة.
وهذه الأحاديث كلها ضعيفة إلا حديث قمير وحديث عمار مولى بني
هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه))(٢).
فقه الحديث:
في الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم.
الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره. فإذا انقضى قدره
اغتسلت عنه. ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل
صلاة. لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو
مقضية، لظاهر قوله: ((ثم توضئي لكل صلاة) وبهذا قال الجمهور، وعند
الحنفية أن الوضوء متعلق بالوقت فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما
شاءت من الفوائت، ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد
بقوله: ((ثم توضئي لكل صلاة)) أي لوقت كل صلاة، ففيه مجاز الحذف،
ويحتاج إلی دلیل.
(١) العلل الكبير ص ٥٧.
(٢) سنن أبي داود: ج١ ص٤٨ - ٤٩.
٣٥٠
وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا بحدث
آخر.
وقال أحمد وإسحاق: ((إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط))(١).
وفي هذه الزيادة دليل صريح على أن المستحاضة يجب عليها أن
تتوضأ لكل صلاة.
المثال الثاني:
زيادة ((من المسلمين)) في حديث زكاة الفطر.
قال البخاري: ((حدثنا عبدالله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن ابن
عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله المسلول فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر
أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين)) (٢).
فهذا الحديث رواه مالك عن نافع وذكر فيه ((من المسلمين)).
ورواه أيوب عن نافع ولم يذكر فيه ((من المسلمين))(٣).
ورواه عبيدالله عن نافع ولم يذكر فيه ((من المسلمين)) (٤).
(١) الفتح: ج١ ص٤٨٨، وانظر بداية المجتهد: ج١ ص ٦٠ - ٦٣، وسبل السلام: ج١
ص١٣٣، ونيل الأوطار: ج١ ص٢٧٣.
(٢) كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، حديث رقم (١٥٠٤)
ج٣ ص ٤٣٢.
(٣) أخرجه البخاري في الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك حديث رقم (١٥١١)
وأخرجه مسلم في الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير رقم (١٤)
وأخرجه الترمذي، في الزكاة باب ما جاء في صدقة الفطر رقم (٦٧٥) وأخرجه النسائي
في الزكاة باب فرض زكاة رمضان (٢٤٩٩)، وأبو داود في الزكاة، باب كم يؤدي في
صدقة الفطر رقم (١٦١٥).
(٤) انفرد به النسائي، رواه في كتاب الزكاة باب كم فرض رقم (٢٥٠٤) ج٥ ص٥١ ط. دار
المعرفة .
٣٥١
ورواه الليث عن نافع ولم يذكر فيه ((من المسلمين»(١).
قال الترمذي: ((روى أيوب وعبيدالله بن عمر وغير واحد من الأئمة
هذا الحديث عن نافع. ولم يذكر فيه من المسلمين، وروى بعضهم عن نافع
مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه.
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به، منهم
الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد
زكاة الفطر، واحتجا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه
قبل ذلك عنه))(٢).
وممن صحح هذه الزيادة واحتج بها الإمام البخاري - في صحيحه -
حيث ترجم بما يدل على ذلك في باب صدقة الفطر على العبد وغيره من:
المسلمين ..
وقد اعتمد البخاري في تصحيح هذه الزيادة على:
١ - ثقة مالك وحفظه وإتقانه.
٢ - عدم انفراده بهذه الزيادة فقد تابعه عليها عمر بن نافع وحديثه أورده.
البخاري في الباب قبله (٣)، والضحاك بن عثمان عند مسلم(٤).
ورواه عبدالله العمري عن نافع فقال: ((على كل مسلم))(٥) .
ورواه سعيد بن عبدالرحمن الجمحي عن عبدالله بن عمر عن نافع
(١) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب زكاة فطر على المسلمين من التمر والشعير، حديث
رقم (١٥) ج٢ ص٦٧٨.
(٢) العلل الصغير (مع الجامع) ص٧٥٩.
(٣) كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر حديث رقم (١٥٠٣) ج٣ ص ٤٣٠.
(٤) صحيح مسلم كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير رقم (١٦)
ج٢ ص٦٧٨.
(٥) رواه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر ج١ ص ٢٥٥.
٣٥٢
فقال فيه: ((من المسلمين))(١).
قال الإمام أحمد في رواية عنه: ((كنت أتهيب حديث مالك (من
المسلمين) حتى وجدته من حديث العمريين. قيل له فمحفوظ هو عندك
(من المسلمين)؟ قال: نعم)).
وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحدة من الثقات، ولو كان
مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة(٢). لهذه المتابعات صحح الإمام
البخاري والترمذي وأحمد وغيرهم هذه الزيادة وعملوا بها.
المطلب الثالث
نماذج لزيادات مردودة عند البخاري
المثال الأول:
حديث عثمان - رضي الله عنه - في صفة وضوئه عليه السلام.
قال البخاري رحمه الله: ((حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي، قال:
حدثني إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب بن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران
مولى عثمان، أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث
مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه
ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرارٍ ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث
مرارٍ إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله وجل : ((من توضأ نحو وضوئي هذا
ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٣).
(١) المصدر نفسه.
(٢) شرح العلل ص ٢٤٠.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً حديث رقم (١٥٩) ج١ ص٣١١
(مع الفتح).
٣٥٣
وقال البخاري أيضاً: (( ... حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن
الزهري قال: أخبرني عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان ... ثم مسح
(١)
برأسه ... )) (١)
وقال البخاري أيضاً: (( ... حدثنا عبدان أخبرنا عبدالله أخبرنا معمر
قال: حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان رأيت
عثمان ... ثم مسح برأسه ... ))(٢).
هذه طرق هذا الحديث عند الإمام البخاري.
وأخرجه مسلم في الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، عن أبي
طاهر بن السرح وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب عن يوسف، وعن
زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بن سلامة عن أبيه ثلاثتهم عن
(٣)
الزهري (٣).
ولفظه مثل لفظ البخاري.
فهذه طرق حديث عثمان في صفة وضوئه عليه السلام ليس في شيء
منها في الصحيحين ذكر عدد مسح الرأس . .
لكن روى أبو داود في سننه (٤) بإسناد جيد في بعض طرق هذا:
الحديث زيادة لفظ (ثلاثاً) عند قوله ومسح رأسه، وهي تفيد تثليث مسح
الرأس.
(١) أخرجه في نفس الكتاب، والباب حديث رقم (١٦٤) ج١ ص٣٢١ (مع الفتح).
(٢) أخرجه في كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم، حديث رقم (١٩٣٤)
ج٤ ص١٨٧.
(٣) صحيح مسلم، حديث رقم (٢٢٦) ج١ ص ٣٠٤.
(٤) أخرجه في كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ◌َ من طريق محمد بن المثنى، عن:
الضمان بن مخلد عن عبدالرحمن بن وردان، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: رأيت
عثمان ... ومسح رأسه ثلاثاً ... (السنن ج١ ص١٧)، وفي صحيح ابن خزيمة من.
نفس الطريق وغيره.
٣٥٤
فما حكم هذه الزيادة؟ وهل هي محفوظة أم لا؟ ولماذا تركها
الشيخان؟ وما الحكم الفقهي المستفاد منها؟
لو نظرنا إلى ظاهر السند الذي رويت به هذه الزيادة، ما ترددنا في
قبولها لكن كثيراً من الأئمة لم يصححوها ومن هؤلاء:
الإمام أبو داود راوي هذه الزيادة.
يقول في سننه: ((أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح
الرأس مرة واحدة))(١).
وقال ابن المنذر: ((إن الثابت عن النبي { ل﴾ في المسح واحدة))(٢).
وقال الدارقطني في سننه: ((إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة
واحدة)»(٣)
وقال العلامة ابن القيم: ((والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان
إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحاً، ولم يصح
عنه خلافه البتة))(٤).
أما الإمام البخاري - رحمه الله - فصنيعه يشعر ويدل دلالة واضحة،
أنه لا يصحح تلك الزيادة إذ إنه روى هذا الحديث في مواضع متعددة من
صحيحه، ولم يورد تلك الزيادة وترجم على الحديث في كل مرة مستنبطاً
منه مسائل فقهية.
ترجم عليه أولاً بما يدل على سنة التثليث عموماً في الوضوء (باب
الوضوء ثلاثاً ثلاثاً) بعد أن أورد ما يدل على مشروعية المرة الواحدة
والمرتين (باب الوضوء مرة مرة) و(باب الوضوء مرتين مرتين).
-
(١) السنن: ج١ ص١٧.
(٢) انظر: الفتح: ج١ ص٣١٢.
(٣) سنن الدارقطني: ج
ص.
(٤) زاد المعاد: ج١ ص ١٩٣.
٣٥٥
: ثم ترجم له بما يدل على مشروعية غسل الرجلين، وعدم مشروعية
المسح على القدمين بقوله (باب غسل الرجلين، ولا يمسح على
القدمين) .
ثم أورده في كتاب الصيام مستدلاً به على مشروعية السواك للصائم
-
سواء أكان رطباً أم يابساً.
ومما يدل على عدم ثبوت تلك الزيادة عنده أنه ترجم صريحاً بما
يخالفها في نفس الباب الذي أورد فيه حديث عثمان الآنف الذكر،
: فقد روى في كتاب الوضوء (باب مسح الرأس مرة) وفي بعض
: روايات الصحيح (باب مسح الرأس مسحة).
من حديث عبدالله بن زيد - رضي الله عنه -.
فهذه القرائن تدل على أن الإمام البخاري لا يرى صحة تلك الزيادة.
لانفرادها ومخالفتها لما هو ثابت عن عثمان - رضي الله عنه -.
· أما ما يتعلق بالزيادة من الناحية الفقهية، فيتمثل في مشروعية تثليث
مسح الرأس.
قد أفاض العلامة العيني في هذه المسألة، فأنقل كلامه ملخصاً، ثم
نناقشه فيه، قال - رحمه الله -:
((إن قوله (ثم مسح برأسه) يقتضي مرة واحدة، كذا فهمه غير واحد
من العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: يستحب
التثليث لغيرها من الأعضاء وهو مشهور مذهبه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا نعلم أحداً من السلف جاء عنه.
استعمال الثلاث إلا إبراهيم التيمي.
قلت: فيه نظر، لأن ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس بن مالك،
وسعيد بن جبير وعطاء، وزاذان، وميسرة، أنهم كانوا إذا توضؤوا مسحوا
رؤوسهم ثلاثاً.
٣٥٦
ووردت أحاديث كثيرة بالمسح ثلاثاً، ففي سنن أبي داود بسند صحيح
من حديث عبدالرحمن بن وردان عن حمران، وفيه (مسح رأسه ثلاثاً).
وفي سنن ابن ماجه ما يدل على أن سائر وضوئه عليه السلام كان
ثلاثاً، والرأس داخل فيه، وهو بسند صحيح.
وفي علل الترمذي أنه سأل البخاري عن حديث سعيد بن الحارث عن
خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هكذا
رأيت رسول الله وسلم توضأ، فقال هو حديث حسن، وقال أبو عيسى: هو
غريب من هذا الوجه .
وفي مسند أحمد بن منيع عمن رأى عثمان - رضي الله عنه - أنه دعا
بوضوء وعنده الزبير، وسعد بن أبي وقاص فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال:
أنشدكما الله أتعلمان أن النبي _* كان يتوضأ كما توضأت؟ قالا: نعم.
وفي سنن أبي داود من حديث علي - رضي الله عنه - رفعه «ومسح
برأسه ثلاثاً) وسنده صحيح.
وفي سنن الدارقطني بسند فيه البيلماني، عن عمر - رضي الله عنه -
وصف وضوء النبي ◌َّ# قال: ((ومسح برأسه ثلاثا)).
وفي الأوسط للطبراني من حديث أبي رافع مرفوعاً ((مسح برأسه وأذنيه
وغسل رجليه ثلاثاً)) وقال: لا يروى عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد، تفرد به
الداروردي عن عمر بن أبي عمرو عن عبيدالله بن عبدالله بن أبي رافع عنه.
وروى الدارقطني في سننه عن محمد بن محمود الواسطي عن
شعيب بن أيوب عن أبي يحيى الحماني عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة
عن عبد خير عن علي - رضي الله عنه - أنه توضأ وفيه (ومسح برأسه ثلاثاً))
ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد وخالفه جماعة من
الحفاظ الثقات، فرووه عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: ومسح رأسه مرة
واحدة، ومع خلافهم إياهم قال: إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة
واحدة .
٣٥٧
قلت (القائل العيني): الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من
أبي حنيفة، وأما قوله فقد خالف في حكم المسح فغير صحيح لأن تكرار
المسح عنده مسنون أيضاً لكل بماء واحد.
وقد وردت الأحاديث في المسح مرتين: منها ما رواه ابن ماجة بسند
لا بأس به عن الربيع ((توضأ النبي ◌َّلل ومسح على رأسه مرتين)).
ومنها ما رواه النسائي من حديث عبدالله بن زيد ((ومسح برأسه مرتين)
وسنده صحيح.
!
فكل ما أورده العلامة العيني - رحمه الله - ليستدل به على مشروعية
الثتليث لمسح الرأس لا ينهض للاحتجاج وذلك لأن بعض ما أورده صحيح
غير صريح والبعض الآخر صريح غير صحيح. أما الصحيح غير الصريح
فهي تلك الأحاديث التي تدل على مشروعية التثليث في الوضوء بصفة
عامة، وهذا ليس هو محل النزاع إذ أخرج بعضها البخاري ومسلم - في
صحیحیھما ..
وأما ما يدل على التثليث في مسح الرأس خاصة فهو صريح غير
صحيح، فما رواه أبو داود فقد صرح بأن أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل
على أن مسح الرأس مرة.
وما رواه الدارقطني في سننه (١) من حديث ابن البيلماني عن أبيه عن
عمر أن النبي ◌َ ﴿ قال: ((من توضأ فغسل كفيه ثلاثاً ... )) ثم قال ... ومسح
برأسه ثلاثاً.
فهذا لا يحتج به لحال ابن البيلماني وأبيه وإن كان الأب أحسن حالًا .
وأما ما رواه الطبراني في الأوسط، فقد عقبه بقوله: تفرد به
الدراوردي أي أنه غريب غير مشهور. وأما حديث علي الذي رواه
(١) سنن الدارقطني: ج١ ص٩٣ وفي سنده صالح بن عبدالجبار، قال الحافظ الزيلعي في
نصب الراية: لا أعرفه إلا من هذا الحديث، وهو مجهول الحال، ومحمد بن
عبدالرحمن البيلماني، قال الترمذي: قال البخاري: منكر الحديث.
٣٥٨
الدارقطني أيضاً في سننه من طريق أبي حنيفة فقد نص الدارقطني على أنه
شاذ إذ إنّ أبا حنيفة خالف جماعة من الحفاظ الثقات.
وأما قول العيني ((بأنه زيادة ثقة وزيادة الثقة مقبولة)) فهذا الحكم ليس
على إطلاقه، بل هو دائر مع القرائن والمرجحات، فإذا ثبت عندنا أن هذا
الثقة قد حفظ، ولم يخالفه من هو أوثق وأحفظ وأكثر عدداً منه وغير ذلك
من القرائن قبلت زيادته .
وأما ما ورد في بعض الروايات من أنه 18 مسح رأسه مرتين(١) فيحمل
على أنه رواية بالمعنى، لأنه ورد أنه كان يمسح رأسه بيديه يقبل بهما ويدبر.
قال ابن القيم: ((وكان يمسح رأسه كله، وتارة يقبل بيديه ويدبر،
وعليه يحمل حديث من قال مسح برأسه مرتين، والصحيح أنه لم يكرر
مسح رأسه))(٢).
مما سبق يتضح لنا عدم مشروعية التثليث لمسح الرأس وهذا ما ذهب
إليه البخاري - رحمه الله - ولم يصحح تلك الزيادة، لأنها ليست لها
متابعات ولا شواهد صحيحة .
ولم ينفرد الإمام البخاري بترك هذه الزيادة بل قد شاركه في ذلك
مسلم - رحمه الله - وأعلها أبو داود والدارقطني وغيرهما.
المثال الثاني:
زيادة «فليرقه» في حديث ولوغ الكلب.
قال البخاري: ((حدثني عبدالله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة قال: أن رسول الله وسلم قال: ((إذا شرب الكلب في
إناء أحدكم فليغسله سبعاً)(٣).
(١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب عدد مسح الرأس رقم (٩٩) ج١ ص٧٦.
(٢) زاد المعاد: ج١ ص ١٩٣.
(٣) كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وسؤر الكلاب وممرهما في
المسجد، حديث رقم (١٧٢) ج١ ص ٣٣٠.
٣٥٩
وقد روى الإمام مسلم والنسائي هذا الحديث من طريق علي بن حجر
السعدي عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّلة: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه:
ثم ليغسله سبع مرات)).
قال أبو عبدالرحمن: لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على قوله فليرقه !! ).
يؤخذ من هذه الزيادة أن الماء الذي يلغ فيه الكلب نجس، وأن
الغسل لتطهير الإناء لا لمجرد التعبد، ويؤخذ منه نجاسة لعاب الكلب،
وهذه الأحكام الفقهية متوقفة على صحة تلك الزيادة.
قد صحح هذه الزيادة بعض الأئمة منهم:
الإمام الدارقطني، فإنه قال بعد أن ساق الحديث بسنده إلى أبي هريرة،
قال قال رسول الله وقال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله
سبع مرات)) صحيح: إسناده صحيح، رواته كلهم ثقات (٢) .
وقد أورده ابن خزيمة في صحيحه وكذلك ابن حبان.
وقال العراقي - رحمه الله - بعد أن نقل أقوال بعض الأئمة في تعليل
زيادة «فليرقه»: «قلت وهذا غير قادح فيه فإن زيادة الثقة مقبولة عند العلماء
والفقهاء والأصوليين والمحدثين، وعلي بن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل،
ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم
الشيخان، وما علمت أحداً تكلم فيه، فلا يضره تفرده به))(٣).
وقد صحح هذه الزيادة أيضاً الإمام الشوكاني في النيل(٤).
(١) رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب حکم ولوغ الکلب حديث رقم (٨٩) ج١ ص٢٣٤،
ورواه النسائي في كتاب الطهارة، باب الأمر بإراقة الإناء إذا ولغ فيه الكلب، حديث رقم
(٦٦)، ج١ ص٥٦.
(٢) السنن: ج١ ص٦٤.
(٣) طرح التثريب: ج٢ ص ١٢١.
(٤) نيل الأوطار: ج١ ص٣٤.
٣٦٠