النص المفهرس

صفحات 301-320

هذا الحديث قد ورد من طريقين :
الطريق الأولى: منصور عن مجاهد عن ابن عباس.
الطريق الثانية: الأعمش عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس.
فالطريق الأخيرة فيها زيادة طاووس فهل هذه الزيادة صحيحة أم لا؟
قال الترمذي :
((سألت محمداً عن حديث مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس مر
رسول الله على قبرين.
فقال: الأعمش يقول عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس.
ومنصور يقول: عن مجاهد عن ابن عباس، ولا يذكر فيه: عن طاووس.
قلت أيهما أصح؟ قال: حديث الأعمش))(١).
لكن الإمام البخاري خرج حديث منصور أيضاً في صحيحه فهل تغير
اجتهاده أم أخرجه ليبين علته.
ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنه يصحح الطريقين معاً، قال:
((وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن
مجاهداً سمعه من طاووس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا
واسطة أو العكس))(٢).
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الخلاف فيه،
ولم يحكم بشيء(٣).
و(٦٠٥٢) و(٦٠٥٥)، ومسلم ج١ ص١٢٦ وأبو داود (٢٠) وابن ماجه (٣٤٧)
=
والترمذي (٧٠) والنسائي (٣١) وابن خزيمة (٥٦) وأحمد في مسنده ج١ ص٢٢٥،
والدارمي (٧٤٥).
(١) العلل الكبير ص ٤٢.
(٢) فتح الباري: ج١ ص٣٧٩.
(٣) التتبع ص٣٣٤ - ٣٣٥.
٣٠١

والظاهر من صنيع البخاري في صحيحه أنه كان يرى صحة الطريقين
إذ إنه أخرج طريق منصور الناقصة في كتاب الطهارة، باب الكبائر أن لا
يستتر من بوله معتمداً عليه وحده، ورواه أيضاً في كتاب الأدب، باب من
الكبائر، معتمداً عليه وحده.
وأما طريق الأعمش فلا شك في صحتها لإطباق الشيخين على
تخريجها وباقي الأئمة الستة، ثم حكم البخاري لطريق الأعمش، وذلك
لتصريحه الذي نقله عنه الترمذي في علله الكبير، وكتاب العلل أصله مأخوذ
من كتاب الجامع للترمذي، أي أنه صنف الجامع أولًا، وكان يسأل فيه
البخاري عن العلل ثم أفرده عن الجامع، ولذلك يسميه البعض بـ((العلل
المفردة)) وجامع الترمذي كان بعد تصنيف صحيح البخاري، فيكون هذا
النص متأخراً وهو يقتضي ترجيح رواية الأعمش الزائدة.
المثال الثاني:
حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي وجل: ((إذا زنت
أمة أحدكم فتبین زناها فلیجلدها الحد ولا یثرب)».
قال البخاري - رحمه الله -:
((حدثنا عبدالله بن يوسف: حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن أبيه
عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: قال النبي و24: ((إذا زنت الأمة، فتبين
زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت
الثالثة فلييعها ولو بحبل من شعر)).
تابعه إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي (وَ لَ)(1)
وقد وقع في هذا الحديث اختلاف بين الرواة على أبي سعيد:
المقبري .
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى، رقم
(٦٨٣٩) ج١٢ ص١٧١. (مع الفتح).
٣٠٢

وحاصل هذا الاختلاف ما يلي:
الليث يقول: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وافقه على زيادة
.(أبيه)) محمد بن إسحاق(١).
وإسماعيل بن أمية يقول: عن سعيد عن أبي هريرة، وقد وافقه على
حذف ((أبيه)» عبيدالله بن عمر العمري(٢) وأيوب بن موسى(٣) وأسامة بن
زيد (٤) ومحمد بن عجلان، وعبدالرحمن بن إسحاق(٥) فأي الطريق أصح،
الطريق الزائدة أم الناقصة، وما هي قرائن الترجيح.
لقد انتقد هذا الحديث الحافظ الدارقطني في ((التتبع)) وذكر الخلاف
ولم يحكم فيه بشيء.
والظاهر عند تأمل صنيع البخاري - رحمه الله - أنه يرجح طريق الليث
الزائدة وذلك لأنه أوردها متصلة معتمداً عليها في أول الباب، ثم أورد طريق
إسماعيل بن أمية تعليقاً، وهذه قاعدة منهجية عند الإمام البخاري، نبّه إليها
الحافظ - رحمه الله - فقال:
(من عادة البخاري إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف
على بعض رواتها، ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة، وعلق الطريق
الأخرى إشعاراً بأن هذا الاختلاف يضر.
إما أن يكون للراوي فيه طريقان فيحدث فيه تارة عن هذا، وتارة عن
هذا، فلا يكون ذلك اختلافاً يلزم منه اضطراب يوجب الضعف.
(١) روايته أخرجها الإمام مسلم في صحيحه كتاب الحدود، باب رجم اليهود وأهل الذمة في
الزنى ج٣ ص١٣٢٨.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه .
(٥) عزاها الحافظ في الفتح (ج١٢ ص١٧٢) إلى النسائي ولم أجدها في السنن الصغرى
ولعلها في الكبرى.
٣٠٣

وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق
الأخرى واهم عليه، ولا يضر الطريق الصحيحة الراجحة، وجود الطريق
الضعيفة المرجوحة»(١) . :
وكذلك بالنسبة لصنيع الإمام مسلم في صحيحه فالظاهر منه أنه يرجح
طريق الليث الزائدة على الطريق الناقصة. وذلك لأنه أوردها أولًا مصدراً بها.
الباب ومعتمداً عليها، ثم أورد بعدها الطريق الناقصة ليشير إلى الخلاف،
ويبين العلة. وهذه طريقته - رحمه الله - في صحيحه فقد قال: ((ثم إنا إن
شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك:
وهو أن نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله لل فنقسمها:
على ثلاثة أقسام ثلاث طبقات من الناس على غير تكرار إلا أن يأتي موضع
لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب
(٢)
إسناد، لعلة تكون هناك»
ولم ينفرد الشيخان بهذا، فقد سبقهما إلى تعليل الطريق الناقصة
وترجيح الطريق الزائدة . الإمام ابن المديني رحمه الله - حيث قال:
((حديث أبي هريرة عن النبي وَ له: ((إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها
فليجلدها» رواه إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة.
ورواه عبدالرحمن بن إسحاق عن سعيد، قال: سمعت أبا هريرة،
فنظرت فإذا سعيد لم يسمعه من أبي هريرة.
ورواه إسحاق والليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن
أبي هريرة.
ورواه أيوب بن موسى عن سعيد عن أبي هريرة.
(١) النكت ص ١٠٧.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ص ٤.
٣٠٤

والحديث عندي حديث سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
وحديث عبدالرحمن بن إسحاق عن سعيد قال: سمعت أبا هريرة
يقول : ... .
وهم وأخاف ألا يكون حفظه))(١).
فالخلاف في هذا الحديث على سعيد المقبري، والنقاد رجحوا رواية
الليث بناء على أنه أثبت أصحابه وأحفظ لحديثه فيقدم عند الخلاف.
قال الإمام أحمد: ((أصح الناس عن سعيد المقبري: ليث بن سعد،
يفصل ما روى عن أبي هريرة، وما رواه عن أبيه عن أبي هريرة، وهو ثبت
في حديثه جداً)(٢).
وقال ابن المديني: ((الليث وابن أبي ذئب: ثبتان في حديث سعيد
المقبري)»(٣).
فلكون الليث أثبت أصحاب سعيد المقبري وخاصة أنه يميز بين ما
رواه سعيد المقبري عن أبي هريرة مباشرة، وما يرويه عن أبي هريرة بواسطة
((أبيه)) قدم النقاد روايته المتصلة على الطريق الناقصة.
الحالة الثالثة: ما يحكم فيه بصحة الطريقين معاً الزائدة
والناقصة:
أحياناً يرد الحديث من طريقين إحداهما زائدة، والأخرى ناقصة من حيث
السند، فيظهر عند الراوي بالوجهين ظهوراً بيناً، بتصريحه بذلك ونحوه، وتارة
يكون الحكم بصحة الطريقين معاً بحسب الظن القوي الذي يكون عند الناقد،
وفيما يلي أمثلة توضح ما ذكرت، من صنيع الإمام البخاري.
(١) العلل ومعرفة الرجال ص ٩٨ - ٩٩.
(٢) شرح العلل ص ٢٦٣.
(٣) المصدر نفسه .
٣٠٥

المثال الأول:
حديث المسيء صلاته، يرويه أبو هريرة، وهو يدور على الطرق
التالية :
١ - يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري عن أبيه عن أبي هريرة(١) .
٢ - عبدالله بن نمر عن عبيدالله بن عمر عن سعيد المقبري عن
أبي هريرة (٢).
٣ - أبو أسامة عن عبيدالله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن
أبي هريرة (٣).
٤ - ابن وهب عن عبيدالله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٤) .
٥ - عيسى ابن يونس عن عبيدالله بن عمر عن سعيد المقبري عن
.(٥)
أبي هريرة (٥) .
(١) أخرجه البخاري، في كتاب الأذان، باب الوجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات
كلها ... ، رقم (٧٥٥) ج٣ ص٢٧٦ (مع الفتح)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب
وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... رقم (٣٩٤) ج١ ص٢٩٥، والنسائي في سننه
ج٢ ص١٢٤ وأبو داود ج١ ص٣١٨، مع (عون المعبود) والترمذي ج١ ص ٢٤٨ مع
التحفة، وأحمد ج٣ ص١٢٤ (مع الفتح الرباني)، وأبو عوانة في صحيحه (١٠٣/٢)
وابن حبان (٨٣/٣ مع الإحسان) والبيهقي أيضاً في جزء القراءة (ص١٣) والطحاوي في
شرح معاني الآثار (٢٣٣/١) وأبو نعيم في الحلية (٣٨٢/٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب من رد فقال: عليك السلام، رقم (٦٢٥١)،
ج١١ ص٣٨ (مع الفتح)، ومسلم (٣٩٧)، والترمذي (٦٨٥/٣) مع التحفة، وابن ماجه
(١٠٦٠) والبيهقي في السنن الكبرى (١٥/٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان (٦٦٦٧)
ج١١ ص٥٥٧، ومسلم (٣٩٧) وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٨٧/١).
.(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣٧٣/٢).
(٥) ذكره الدارقطني في «التتبع) ص ١٣٢، حديث رقم (٩).
٣٫٠٦

نلاحظ أن هذه الطرق كلها - ما عدا الأولى - تتفق في أن الحديث
عن عبيدالله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.
بينما الطريق الأولى عن يحيى تجعل الحديث عن عبيدالله بن عمر عن
سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة فأي الطريقين أصح، أم كلاهما صحيح؟
لقد حكم الأئمة النقاد بصحة الطريقين معاً، ومن هؤلاء الإمام
الدار قطني - رحمه الله - قال: ((قد خالف يحيى أصحاب عبيدالله كلهم،
منهم: أبو أسامة، وعبدالله بن نمير، وعيسى بن يونس، وغيرهم، رووه عن
عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيدالله
عن سعيد مرسلًا عن النبي وَل#، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيدالله
حدّث به على الوجهين)) (١).
وقال الحافظ بعد أن نقل كلام الدارقطني السابق:
((وقال البزار: لم يتابع يحيى عليه، ورجح الترمذي رواية يحيى.
قلت: لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من
الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس وقد
ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين))(٢) ..
يستخلص من كلام الحافظ أن النقاد قد اختلفوا في الحكم على هذا
الحديث : :
فالإمام البزار يرجح رواية الجماعة، ويرى أن يحيى خالف هؤلاء
۔
الحفاظ بشيء لم يتابع عليه.
والإمام الترمذي يرجح رواية يحيى على رواية غيره، قال في جامعه -
-
بعد روايته للحديث من طريق يحيى :
(وروى ابن نمير هذا الحديث عن عبيدالله بن عمر عن سعيد
(١) المصدر نفسه .
(٢) فتح الباري: ج٢ ص٣٢٤.
٣٠٧

المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبي هريرة، ورواية
· يحيى بن سعيد عن عبيدالله بن عمر أصح، وسعيد قد سمع من أبي هريرة،
وروى عن أبيه عن أبي هريرة)» (١) .
ووجه ترجيح رواية يحيى أنه حافظ وقد زاد فتقبل زيادته.
ويرى البخاري ومسلم والدارقطني صحة الطريقين معاً، للقرائن التي
أشار إليها الحافظ - رحمه الله -.
المثال الثاني:
حديث أبي هريرة ((قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟ ... )).
هذا الحديث رواه البخاري بإسنادين ناقص وزائد.
قال: ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم سمع المعتمر عن عبيدالله عن سعيد بن
أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قيل للنبي (ّ: من أكرم الناس ... ))(٢).
وقال: ((حدثني عبدالله بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيدالله قال:
أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سئل
رسول الله 18 من أكرم الناس ... )).
:
أخبرنا محمد بن سلام أخبرني عبدة عن عبيدالله عن سعيد أعن
أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ بهذا))(٣).
ورواه أيضاً من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله قال: حدثني
سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيل يا
رسول الله من أكرم الناس . . .))(٤).
(١) جامع الترمذي: ج١ ص٢٤٩ مع التحفة.
(٢) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ
اَلْمَوْتُ ... ﴾ رقم (٣٣٧٤) ج٦ ص٤٧٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَبِّهِ:،َإِنَتُ
لِلسَّآبِلِينَ (ج) رقم (٤٦٨٩) ج٨ ص٢١٢ وفي كتاب التفسير رقم (٤٦٨٩) ج٨ ص٢١٢.
(٤) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب قوله تعالى: ﴿يَكَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ... ﴾
رقم (٣٤٩٠) ج ٦ ص ٦٠٧٪
٣٠٨

وحاصل الاختلاف في هذا الحديث ما يلي:
أبو أسامة، وعبدة ومعتمر يروونه عن عبيدالله عن سعيد عن
-
أبي هريرة.
ويحيى القطان خالفهم ورواه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فزاد
-
عن «أبيه)).
والظاهر من صنيع الإمام البخاري تصحيح الطريقين معاً، وقد أشار
إلى هذا الحافظ ابن حجر(١) والحافظ العلائي(٢) أيضاً.
لكن الإمام الدارقطني مال في علله إلى ترجيح طريق يحيى، فقال بعد
أن ذكر اختلاف الرواة: ((ويحيى يقول، والقول قول يحيى)) (٣).
وقد ذكره في التتبع وبيّن الخلاف ولم يرجح شيئاً(٤).
الحالة الرابعة:
وهو ما لا يترجح فيه إحدى الطريقين على الأخرى، ولا يغلب على
الظن صحتهما معاً، لكن يحتمل أن تكونا صحيحتين معاً.
وأضرب لذلك مثالًا من صنيع الإمام البخاري.
قال - رحمه الله -: «حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة قال:
أخبرني علقمة بن مرثد سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبدالرحمن السلمي
عن عثمان - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ﴾ قال: ((خيركم من تعلّم القرآن
وعلمه)) .
وحدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبدالرحمن
عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قال النبي ◌َّة: ((إن أفضلكم من
(١) هدي الساري ص٣٨٢.
(٢) جامع التحصيل ص ١٣٥.
(٣) العلل للدارقطني: ج٣ ص١٤.
(٤) التتبع ص ١٣٢.
٣٠٩

تعلّم القرآن وعلّمه))(١)
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتاب التتبع، وبيّن الخلاف فيه:
وحاصله ما يلي:
أن هذا الحديث يرويه شعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة عن أبي
عبدالرحمن السلمي عن عثمان، وقد تابع شعبة على زيادة سعد بن عبيدة :
بين علقمة وأبي عبدالرحمن كل من: عبدالله بن عيسى، ومحمد بن
جحادة، وموسى بن قيس الحضرمي، والنصر بن إسحاق السلمي،
ومحمد بن جابر وغيرهم عن علقمة.
ورواه سفيان الثوري عن علقمة عن أبي عبدالرحمن بإسقاط سعد بن
عبيدة، وقد تابعه على روايته كل من: عمرو بن قيس، ومسعر، وأبو
اليسع، وعمر بن النعمان، ومحمد بن طلحة، وأبو حماد، وحفص بن
سليمان، وأيوب بن جابر، وسلمة الأحمر، وغياث(٢).
فما موقف الحفاظ من هذين الطريقين؟ وهل كلاهما صحيح، أم
يرجح أحدهما على الآخر، أم يحتمل أن يكون كلاهما صحيح؟
لقد مال بعض الحفاظ المتأخرين إلى احتمال صحة الطريقين معاً،
ومن هؤلاء الحافظ العلائي.
قال بعد أن ساق إختلاف سفيان وشعبة فيه: ((أخرجه البخاري من
الطريقين، وهو لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، وقد تابع كلّا من شعبة
وسفيان جماعة على ما قال: فيحتمل أن يكون الحديث عند علقمة على
الوجهين، ويحتمل أن يكون أرسله عن إسقاط سعد بن عبيدة)) (٣).
(١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه رقم (٥٠٢٧)
و(٥٠٢٨) ج٨ ص ٦٩٢.
(٢) المصدر نفسه ص٢٧٥.
(٣) جامع التحصيل ص١٣٦.
٣١٠

وقال الحافظ: ((إن مثل هذا يخرجه البخاري على الاحتمال، لأن
رواية الثوري عند جماعة من الحفاظ هي المحفوظة، وشعبة زاد رجلًا
فأمكن أن يكون علقمة سمعه من سعد بن عبيدة عن أبي عبدالرحمن ثم لقي
عبدالرحمن فسمعه منه))(١) .
فاحتمال صحة الطريقين غير مستبعد، لأن كلّا من سفيان وشعبة قد
تابعهما جماعة من الثقات، ولم تقم قرينة على ترجيح أحدهما على الآخر.
وفي تمام هذا المطلب نخلص إلى أن الترجيح بين الرواة إذا اختلفوا
في زيادة راو في إسناد أو حذفه، لا يلزم حالة واحدة مطردة بل يدور مع
القرائن والمرجحات، فتارة يكون الحكم للزائد، وتارة يكون الحكم
للناقص، وتارة يكون كلا الطريقين صحيحاً، وتارة لا يستطيع الناقد أن
يرجح أحد الطريقين على الآخر مع احتمال كونهما صحيحين معاً.
وأما ما يسلكه كثير من الفقهاء والأصوليين والمتكلمين ومتأخري
المحدثين من ترجيح الرواية الزائدة على الناقصة دائماً اعتماداً على أن
الراوي الثقة إذا زاد تقبل زيادته، واحتمال أنه سمع من الشيخ بالواسطة ثم
سمع منه مباشرة، كل هذا مخالف لمنهج النقاد القائم على النظر في الواقع
الحديثي المدعوم بالقرائن والدلائل، ويحصل بالاتساع في الرواية والحفظ
والفهم، وليس بالاحتمالات والتجويزات العقلية المجردة.
(١) هدي الساري ص ٣٩٣.
٣١١

القسم الثاني
الاختلاف في سياق المتن
قد سبق بيان الاختلاف الذي يقع بين الرواة في إسناد حديث من
الأحاديث وأوجه هذا الاختلاف، وكيفية الحكم في كل حالة.
وفي هذا المبحث نتعرض للاختلاف في المتن ونذكر أسباب هذا
الاختلاف، مما يكون له أثر كبير في الحكم على الحديث صحة وتعلیلا،
وتتمثل هذه الأسباب فيما يلي :
الاختصار والرواية بالمعنى، والإدراج، وسأتناول هذه القضايا بأمثلة
تطبيقية من صنيع الإمام البخاري.
المطلب الأول
الاختصار وأثره في تغيير سياق المتن
قد يختلف الرواة فيما بينهم في سياق متن حديث ما، ويكون سبب
هذا الاختلاف أن بعض الرواة ساق الحديث مختصراً، والآخر ساقه بتمامه،
فهذا الاختلاف لا يقدح في الطريق التامة، وأما الطريق المختصرة فأحياناً
تكون هي أيضاً صحيحة، وقد تكون خاطئة إذا كان الاختصار سبباً لتغيير
معنى الحديث وفيما يلي أمثلة توضح ذلك.
٣١٢

قال الإمام البخاري في صحيحه:
((حدثنا أحمد بن أبي رجاء حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن
حازم، سمعت قتادة قال: حدثني النضر بن أنس بن مالك عن بشير بن
نهيك عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي وَله: ((من أعتق
شقيصاً من عبد ... )).
حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن النضر بن
أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي وَليّ قال:
(من أعتق نصيباً أو شقيصاً في مملوك فخلاصه عليه، إن كان له مال وإلا
قوم علیه فاستسعی به غیر مشقوق علیه)).
تابعه حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قتادة ...
اختصره شعبة»(١) .
وقد انتقد الإمام الدارقطني هذا الحديث فقال بعد أن ساق هذا
الحديث من صحيح البخاري :
«وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت من روى عن قتادة،
ولم يذكرا في الحديث الاستسعاء، ووافقهما همام، وفصل الاستسعاء من
الحديث فجعله من رواية قتادة ... ))(٢).
فهذا الحديث قد اختلف فيه على قتادة.
يرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وذكر فيه الاستسعاء، وتابعه على ذلك
كل من: جرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف.
ورواه شعبة، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما
همام، فقد فصل الاستسعاء من الحديث فلم يرفعه، ووقفه على قتادة.
(١) كتاب العتق، باب إذا أعتق نصيباً في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق
عليه، على نحو الكتابة رقم (٢٥٢٦) ج٥ ص ١٨٥ (مع الفتح).
(٢) التتبع ص ١٥٠.
٣١٣

وقد اختلفت أنظار النقاد في الحكم على هذا الحديث.
وقد نقل الإمام النووي بعض أقوال من رجح رواية شعبة وهشام
الموافقة همام لهما فقال:
(( ... قال أبو بكر النيسابوري: ما أحسن ما رواه همام وضبطه ففصل.
قول قتادة عن الحديث.
وقال الأصيلي وابن القصار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث
أولى ممن ذكرها، لأنها ليست في الأحاديث الأخرى من رواية ابن عمر.
وقال ابن عبدالبر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت من الذين
ذكروها))(١)
٠
وقال أبو مسعود الدمشقي:
·(حديث همام حسن عندي، إنه لم يقع للبخاري ولا مسلم، ولو وقع
لهما حكما بقوله))(٢).
وقال الحاكم - بعد أن ساق الحديث بسنده عن سعيد عن قتادة، وذكر
فيه الاستسعاء -: ((حديث العتق ثابت صحيح وذكر الاستسعاء فيه من قول:
قتادة، وقد وهم من أدرجه في كلام رسول الله وَلي))(٣) ثم ذكره من حديث
همام مفصلًا ثم قال: ((فهذا أظهر من الأول أن القول الزائد المبين المميز،
وقد ميز همام، وهو ثبت))(٤).
وقد ذكر الحافظ أيضاً بعض من رجح رواية هشام وشعبة، فقال:
«ونقل الخلال في العلل عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد في
الاستسعاء، وضعفها أيضاً الأثرم عن سليمان بن حرب.
(١) شرح النووي لصحيح مسلم: ج١٠ ص١٩٧.
(٢) نقله الشيخ مقبل بن هادي في تعليقه على ((التتبع)) ص١٤٩ ..
(٣) معرفة علوم الحديث ص ٤٠.
(٤) المصدر نفسه.
٣١٤

فقال النسائي: بلغني أن هماماً رواه فجعل هذا الكلام (أي الاستسعاء)
من قول قتادة.
وقال الإسماعيلي: قوله (ثم استسعى) ليس في الخبر مسنداً، وإنما
هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام.
وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في
المتن)»(١).
فهؤلاء الحفاظ يرون أن ذكر الاستسعاء مدرج في الحديث من قبل
سعيد، وليس هو بمرفوع، وإنما هو قول قتادة.
والقرائن التي استند إليها هؤلاء النقاد هي:
مخالفة سعيد لمن هو أحفظ منه وهما: شعبة وهشام.
-
تفرد سعيد بهذا الحديث.
-
اختلاط سعيد في آخر عمره.
-
قد ورد هذا الحديث من طريق همام مفصلاً، فجعل الحديث مرفوعاً،
وجعل ذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وهمام ثقة.
۔
وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذه التعليلات(٢)، ونلخصها فيما يلي:
١ - سعيد بن أبي عروبة، أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له، وكثرة
أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد
لكنهما لم ينفيا ما رواه، وإنما اقتصر من الحديث على بعضه(٣) وليس
(١) الفتح: ج8 ص١٨٨.
(٢) فتح الباري: ج8 ص١٨٨.
(٣) حديث شعبة عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن
النبي * قال: ((في المملوك بين رجلين)) فيعتق أحدهما قال: ((يضمن))، وفي رواية
أخرى لشعبة: ((من أعتق شقيصاً من مملوك، فهو حر من ماله)) أخرجه مسلم ٩٦/٥،
وأبو داود (٣٩٣٥)، والدارقطني ١٢٥/٤، وأما رواية هشام الدستوائي، فأخرجها أحمد
٥٣١/٢، وأبو داود (٣٩٣٦)، والدارقطني ١٢٦/٤.
٣١٥

المجلس متحداً حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة
كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره.
٢ - سعيد لم ينفرد بهذا الحديث فقد تابعه عليه جرير بن حازم،
وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف، وحجاج بن أرطأة(١).
٣ - أما تعليل الحديث بكون سعيد بن أبي عروبة اختلط فلا يصح الاعتماد
عليه لأن هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه.
قبل الاختلاط کیزید بن زريع.
٤ - أما بالنسبة لرواية همام المفصلة، فهمام قد انفرد بهذا التفصیل،
وخالف الجميع في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين (٢).
وهم جعلوه حكماً عاماً فدل على أنه لم يضبطه كما ينبغي.
هذه أهم الردود على القرائن التي اعتمد عليها من أعلّ حديث سعيد.
ولكن الإمام البخاري لم يعل هذا الحديث، ورأى صحة الطريقين
معاً، كما نقل عنه الإمام الترمذي قال: ((وسألت محمداً عن هذا الحديث
(يعني حديث السعاية) فقلت أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعاً.
صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية إلا شعبة،
وكأنه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة، في أمره بالسعاية)) (٣).
وقد ذكر الحافظ بعض القرائن التي اعتمد عليها البخاري في تصحيح
رواية سعيد فقال :
(١) انظر تخريج هذه الروايات في الفتح: ج٥ ص١٨٨.
(٢) رواية همام أخرجها أبو داود في سننه (٣٩٣٤)، والدارقطني ١٢٧/٤، ولفظه: ((أن رجلًا
أعتق شقيصاً من غلام، فأجاز النبي وَل# عتقه، وغرمه بقية ثمنه، وهكذا ورد من رواية
محمد بن كثير عن همام عن قتادة، وقد رواه عبدالله بن يزيد المقرىء عن همام عن
قتادة، وزاد: وقال قتادة: إن لم يكن له مال استسعى العبد» رواه هكذا الإسماعيلي،
وابن المنذر، والدارقطني، والخطابي، والحاكم، والبيهقي، والخطيب. انظر الفتح
١٨٨/٥.
(٣) العلل الكبير ص٢٠٤ - ٢٠٥.
٣١٦

(«وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، فأشار
إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع وهو
من أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط.
ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التفرد.
ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما.
ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب على سؤال مقدر وهو أن شعبة
أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء(*) فأجاب بأن هذا لا
يؤثر فيه ضعفاً لأنه أورده مختصراً، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى
بالحفظ من الواحد)»(١) ..
والمقصود هنا بيان أن هذا الاختلاف الذي وقع بين أصحاب قتادة:
شعبة وهشام من جهة، وسعيد بن أبي عروبة، ومن تابعه من جهة أخرى،
ليس سببه الوهم والخطأ المحتمل من أحد الجانبين، وإنما سببه أن بعض
الرواة اختصر الحديث فخالف من ساقه بتمامه فلا تكون روايته سبباً في
تعليل رواية من ساق الحديث بتمامه، ولو كان الذي اختصره أثبت وأحفظ
إذا كان اختصاره لا يغير معنى الحديث أي أنه يقتصر على بعضه ويترك
بعضه، وأما إذا اختصر الراوي الحديث بحيث يتغير عن المعنى الأصلي،
فإنه يكون سبباً لتعليل الرواية المختصرة، وإليك مثلًا من صنيع الإمام
البخاري .
قال البخاري - رحمه الله -: ((حدثني محمود حدثنا عبدالرزاق أخبرنا
معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال سليمان بن داود: لأطوفن
الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله فقال له الملك:
(*) معنى الاستسعاء أن العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة الشريك الآخر.
فإذا دفعها إليه عتق. هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء، وقال بعضهم: هو أن
يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من الرق ولا يكلف ما يشق عليه. وقد اختلف
العلماء في مشروعيته. انظر: (الفتح ١٨٩/٥ - ١٩١، وتحفة الأحوذي ٢١٢/٢).
(١) الفتح: ج٥ ص١٨٩.
٣١٧

قل إن شاء الله فلم يقل ونسي. فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف
إنسان، قال النبي وَل: («لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى
لحاجته))(١).
وقد رواه غير البخاري عن محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبدالرزاق
أخبرنا محمد عن ابن طاوس عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال:
رسول الله ◌َ: ((من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث))(٢).
فهذا المتن مغاير للمتن الأول، فأيهما الصحيح؟.
قال الترمذي: ((حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا عبدالرزاق عن معمر
ابن طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَاله: ((من حلف
فقال إن شاء الله لم يحنث)).
سألت محمد عن هذا الحديث فقال: جاء مثل هذا من قبل عبدالرزاق
وهو غلط إنما اختصره عبدالرزاق من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه
عن النبي ( 18 في قصة سليمان بن داود حين قال: ((لأطوفن الليلة على
سبعين امرأة))(٣).
فالحديث المحفوظ بهذا الإسناد هو الحديث الوارد في قصة سليمان -
عليه السلام - وعبدالرزاق كان يرويه تارة تاماً كما سمعه وتارة يختصره.
فلما اختصره جاء بمتن مخالف ومغاير في سياقة للحديث الأصلي، ورفعه
للنبي ◌َل﴾، وهو قوله: ((من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث)) فهذا المتن
بهذا الإسناد لا يصح عن النبي وقالد .
(١) كتاب النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي. حديث رقم (٥٢٣٢) ج٩
ص ٢٥٠.
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٩١٢ وابن ماجة (٢١٠٤) والترمذي (١٥٣٢) والنسائي (٢٠/٧).
(٣) العلل الكبير ص٢٥٢.
٣١٨

نعم قد ورد هذا الكلام بغير هذا السند في حديث نافع عن ابن عمر
أن النبي وَلّ قال: ((من حلف فقال إن شاء الله فلا حنث عليه))(١).
واختلف في وقفه ورفعه والأرجح الوقف(٢).
ولقد اعترض ابن العربي على الحكم على عبدالرزاق بالخطأ بسبب
اختصاره لهذا الحديث وذلك لأن ما جاء به عبدالرزاق في هذه الرواية لا
يناقض غيرها لأن ألفاظ الحديث تختلف باختلاف أقوال النبي ◌َّ في التعبير
عنها، أي يخاطب كل قوم بما يكون أوصل لأفهامهم، وإنما ينقل الحديث
على المعنى(٣).
قال الحافظ: ((وأجاب شيخنا، في شرح الترمذي بأن الذي جاء به
عبدالرزاق في هذه الرواية ليس وافياً بالمعنى الذي تضمنته الرواية التي
اختصره منها، فإنه لا يلزم من قوله وَلـ: «لو قال سليمان إن شاء الله لم
يحنث ... )) أن يكون الحكم كذلك في حق كل أحد غير سليمان وشرط
الرواية بالمعنى عدم التخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم))(٤) .
المطلب الثاني
الرواية بالمعنى وأثرها في التعليل
كثيراً ما تختلف متون الأحاديث النبوية بسبب الرواية بالمعنى، وأحياناً
لا يؤثر ذلك الاختلاف ولا يقدح في صحة الحديث، وأحياناً يؤثر في صحة
(١) أخرجه الحميدي (٦٩٠) وأحمد ١٠/٢ و٦٨ و١٢٦ و١٢٧ والدارمي (٢٣٤٧) و(٢٣٤٨)
وأبو داود (٣٢٦٢) و(٣٢٦٢) وابن ماجة (٢١٠٥) و(١١٠٦) والترمذي (١٥٣١)
والنسائي ١٢/٧ و٢٥.
(٢) انظر المصدر السابق ص ٢٥٣.
(٣) فتح الباري: ج١١ ص٦١٣.
(٤) المصدر نفسه.
٣١٩

الحديث ويكون سبباً لتعليله، وأضرب لذلك أمثلة من صنيع الإمام البخاري
- رحمه الله -.
أمثلة لما تكون فيه الرواية بالمعنى سبباً للتعليل:
المثال الأول:
قال البخاري: ((حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن:
علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما
- أن النبي بَلّر قال: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم))»(١).
فهذا الحديث يرويه مالك(٢) وابن جريج(٣) وابن عيينة (٤)، ويونس(٥)
ومعمر(٦) كلهم عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن
أسامة بن زيد عن النبي ◌َالر: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)).
إلا أن هشيماً رواه عن الزهري بالإسناد المذكور بلفظ: ((لا يتوارث
أهل ملتين))(٧).
(١) رواه البخاري في كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم رقم
(٦٧٦٤)، ج ١٢ ص٥١. (مع الفتح).
(٢) رواية مالك في الموطأ، كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل رقم (١٠) ص٥١٩.
(٣) رواية ابن جريج سبق تخريجها.
(٤) رواية ابن عيينة أخرجها مسلم في أول كتاب الفرائض رقم (١٦١٤) ج٣ ص١٢٣٣،
وأبو داود في كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ج٢ ص١٩، والترمذي في
كتاب الفرائض، باب إيطال الميراث بين المسلم والكافر، ج٣ ص ١٨٣ (مع التحفة)
وابن ماجه، في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك رقم
(٢٧٢٩)، ج٢ ص٩١١.
(٥) رواية يونس أخرجها البخاري في كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها،
رقم (١٥٨٨) ج٣ ص٥٢٦، وابن ماجه في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام.
من أهل الشرك رقم (٢٨٣٠)، ج٢ ص٩١٢.
(٦) رواية معمر أخرجها أبو داود، في كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، ج٢ ص١٩.
(٧) عزاها الحافظ في الفتح إلى النسائي، ولم أجدها فيه مع طول البحث، والسنن الصغرى
ليس فيها كتاب الفرائض أصلاً، فلعلها في الكبرى.
٣٢٠
: