النص المفهرس
صفحات 281-300
((وأخرج البخاري حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبي هريرة: ((سترحصون على الإمارة وتكون خزي وندامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة)) . وقد رواه عبدالحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفاً غير مرفوع»(١) . فالدار قطني - رحمه الله - ذكر الخلاف الذي ذكره البخاري ولم يحكم بشيء. والخلاف هنا بين ابن أبي ذئب (٢) وعبدالحميد بن جعفر (٣) فقد اختلفا عن شيخهما سعيد المقبري فابن أبي ذئب يرفع الحديث إلى النبي وقال وعبدالحميد زاد فيه رجلًا ووقفه على أبي هريرة. والإمام البخاري رجح هنا رواية ابن أبي ذئب على رواية عبدالحميد بن جعفر لأنه روى الأولى مسندة تامة، ثم عقبها بالرواية الثانية. قال الحافظ - رحمه الله -: ((وابن أبي ذئب أتقن من عبدالحميد وأعرف بحديث المقبري منه، فروايته هي المعتمدة، وعقبه البخاري بطريق عبدالحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين)»(٤). فالترجيح هنال رواية ابن أبي ذئب باعتبار أنه أتقن وأثبت وأعرف بحديث المقبري من عبدالحميد بن جعفر. (١) التتبع ص ١٣٥ - ١٣٦. (٢) ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، أبو الحارث المدني العامري، أحد فقهاء الأمة. مات بالكوفة سنة (٥١٥٩) ترجمته في التذكرة ج١ ص١٩١ وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٣٠٣، والتقريب ص ٤٩٣. (٣) عبدالحميد بن جعفر بن عبدالله بن الحكم بن رافع الأنصار، ي صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، مات سنة ثلاث وخمسين. روى له البخاري تعليقاً ومسلم وسائر الجماعة (التقريب ص ٣٣٣). (٤) الفتح: ج١٣ ص ١٣٤. ٢٨١ قال ابن معين: ((أثبت الناس في سعيد ابن أبي ذئب))(١). وقال ابن المديني: ((الليث وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري» (٢). وقد مال الحافظ إلى أن البخاري يشير إلى إمكان تصحيح الروايتين معاً، وذكر لذلك أوجهاً كلها مبنية على مجرد الاحتمال والتجويز العقلي. قال - رحمه الله -: ((فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفاً، على ما رواه عبدالحميد، وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعاً، إذ وجدت عند كل من الروايتين عن سعيد زيادة، ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع لأن الراوي قد ينشط فيسند وقد لا ينشط فيقف))(٣) . إن احتمال وجود هذا الحديث عند سعيد مرفوعاً وموقوفاً احتمال ضعيف، لأن مبنى هذا الاحتمال على رواية هذا عبدالحميد وهي مخالفة لرواية من هو أثبت وأتقن وأعرف منه بحديث سعيد، فتكون روايته خاطئة وشاذة، ومما يقوي الخطأ في روايته أنه زاد فيها رجلًا لم يذكره ابن أبي ذئب . وقول الحافظ: ((إذا وجدت عند كل من الروايتين زيادة)) لا يبرر قبول زیادة عبدالحمید في الإسناد رجلا، والواقع أن ابن أبي ذئب حدث كما سمع ولم يزد شيئاً وإنما عبدالحميد هو الذي زاد ونقص. وعلى التسليم بقبول زيادة ابن أبي ذئب الرفع في هذا الحديث، لا يبرر ذلك قبول زيادة عبدالحميد رجلًا في الإسناد، لأنه ليس عنده من الوثاقة والحفظ ما يرشحه لقبول زيادته، وخاصة وقد خالف فيها من هو أثبت منه وأحفظ . (١) تهذيب التهذيب: ج٤ ص ٤٠. (٢) شرح العلل ص٢٦٣. (٣) الفتح: ج١٣ ص١٣٤. ٢٨٢ وقول الحافظ: ((ورواية الرفع لا تعارض رواية الوقف)). كلا بل الوقف يعارض الرفع، لأن الوقف معناه أن الحديث من قول الصحابي، والرفع معناه أنه من قول النبي بَّر فكيف يكون الحديث الواحد بالإسناد الواحد قولًا للصحابي وقولًا للرسول وم لهم في آن واحد. ثم قال الحافظ: ((لأن الراوي قد ينشط فيسند، وقد لا ينشط فيقف)). ليس هذا فحسب بل هناك أسباب أخرى منها: أن الراوي قد يخطىء ويهم، فيرفع ما يقفه غيره، أو يقف ما يرفعه = غيره . ومنها أن الراوي قد يشك فيقف الحديث وهذا دأب كثير من الثقات = فإنهم إذا شكوا في الحديث وقفوه أو أرسلوه، والظاهر هنا في هذا الحديث أن عبدالحميد أخطأ في وقفه، والله تعالى أعلم. المثال الثاني: قال البخاري - رحمه الله -: «حدثنا مطر بن الفضل حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بريدة واصطحب هو يزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بريدة: سمعت أبا موسى مراراً يقول: قال رسول الله وَله: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً))(١). وقد ذكر الحافظ الدارقطني هذا الحديث في ((التتبع)) وبين الاختلاف في رفعه ووقفه فقال: ((وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بريدة عن أبي موسى عن النبي وَثار قال: ((إذا (١) الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة حديث رقم (٢٩٩٦) ج٢ ص١٥٨ (مع الفتح). ٢٨٣ مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) لم يسنده غير العوام، وخالفه مسعر: رواه عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله ولم يذكر أبا موسى ولا النبي ◌َّاتٍ))(١) .. وقد أجاب الحافظ عن انتقاد الدارقطني وبيّن القرائن التي من أجلها رجح البخاري رواية العوام المسندة المرفوعة على رواية مسعر الموقوفة فقال : ((مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلا أن مثل هذا لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فإن فيه. اصطحب يزيد بن أبي كبشة، وأبو بردة في سفر فكان يزيد يصوم في السفر! فقال له أبو بردة؛ أفطر فإني سمعت أبا موسى مراراً فذكره. وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دلّ على أن راويه حفظه، والله (٢) أعلم))(٢) . فالقرائن المعتمدة في ترجيح الرفع هي ما يلي: ١ - إن هذا الحديث ليس من قبل الرأي فيعطى حكم الرفع. ٢ - في الحديث قصة تدل على أن العوام حفظ الرفع في هذا الحديث. فالترجيح لم يكن لمجرد أحوال الرجال لأن مسعراً (٣) أحفظ من العوام(٤) فلو كان الترجيح لمجرد حال الإسناد لكان الحكم لرواية مشعر: لكن لوجود هذه القرائن رجحت رواية العوام وإن كان دون مسعر في الحفظ . (١) التتبع ص ١٦٥ .. (٢) هدي الساري ص ٣٨٢. ! (٣) العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة (١٤٨ هـ) روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص ٤٣٣. (٤) مسعر بن كدام، بكسر أوله وتخفيف ثانيه، ابن ظهر الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة (١٥٣هـ) أو (١٥٥هـ) روى له الجماعة، ترجمته في التقريب: ص٥٢٨. ٢٨٤ أمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الوقف على الرفع: هناك أمثلة كثيرة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوقف على الرفع، لقرائن معتبرة منها الأحفظية أو كثرة العدد أو غيرها، وفيما يلي مثالين على ذلك : المثال الأول: ما رواه أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّر: ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)»(١). قال الترمذي في علله الكبير : «سألت محمد عن هذا الحديث فقال: رواه إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً))(٢). وقال الترمذي في جامعه: ((وحديث أبي حصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي غريب))(٣). فهذا الحديث اختلف فيه أبو بكر بن عياش (٤) مع إسرائيل(٥) فالأول رفعه إلى النبي صل﴾ والثاني وقفه على أبي هريرة. (١) أخرجه الترمذي، في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل رقم (٣٤٩) ج١ ص٢٨٢ (مع التحفة)، ورواه ابن خزيمة رقم (٧٩٦). (٢) العلل الكبير ص ٨٧. (٣) المصدر السابق. (٤) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقرىء، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، واختلف في اسمه على عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. مات سنة (١٩٤هـ) روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص١٠٤. (٥) هو إسرائيل بن يوسف بن إسحاق السبيعي تقدمت ترجمته. ٢٨٥ وقد رجح البخاري - رحمه الله - رواية إسرائيل الموقوفة، على رواية أبي بكر بن عياش المرفوعة مما يخشى أن يكون أبو بكر بن عياش وهم فيه لأنه لما كبر ساء حفظه .. المثال الثاني: ما رواه إبراهيم بن سعيد، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن النبي اَله رخص في الحجامة للصائم (١) . قال الترمذي - رحمه الله -: («سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: حديث إسحاق الأزرق، عن سفيان هو خطأ))(٢). وهذا يبين أن الإمام الترمذي حكم على الرواية المرفوعة بالوهم. ثم قال الترمذي: ((وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفاً أصح، هكذا روى قتادة وغير واحد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله. حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا ابن علية، عن حميد (وهو الطويل) عن أبي المتوكل عن أبي سعيد مثله ولم يرفعه))(٣). وقال البزار: لا نعلم أحداً رفعه إلا إسحاق (٤) عن الثوري. (١) أخرجه البزار (كشف الأستار عن زوائد البزار ١٠١٢)، وابن خزيمة رقم (١٩٦٧) و (١٩٦٨) و(١٩٦٩) و(٢٠٠٥). (٢) العلل الكبير ص ١٢٦. (٣) المصدر نفسه. (٤) هو إسحاق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي، المعروف بالأزرق، ثقة من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين، وله ثمان وسبعون (التقريب ١٠٤). ٢٨٦ وقال ابن خزيمة: إنما هو من قول أبي سعيد الخدري لا عن النبي ◌ّ﴾ فهذا الحديث قد رواه قتادة(١) وحميد الطويل(٢) وغيرهما من الثقات عن أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفاً عليه. فالإمام البخاري حكم على الرواية المرفوعة بالخطأ لأنها مخالفة لرواية جماعة من الحفاظ . ولم يتفرد الإمام البخاري بهذا الحكم فقد تبعه عليه كل من الإمام الترمذي - رحمه الله - والبزار وابن خزيمة وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين. قال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عن حديث رواه معتمر ابن سليمان عن حميد الطويل عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، أن النبي ولو كان يرخص في الحجامة والمباشرة للصائم. فقال (أبو حاتم، وأبو زرعة): هذا خطأ إنما هو عن أبي سعيد قوله، رواه قتادة وجماعة من الحفاظ عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله . قلت: إن إسحاق الأزرق، رواه عن الثوري عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد عن النبي ◌َّل . قالا: وهم إسحاق في الحديث. قلت: قد تابعه معتمر. قالا: وهم فيه أيضاً معتمر))(٣). في الأمثلة السابقة أمكن ترجيح الرفع على الوقف أو العكس حسب القرائن والمرجحات، لكن هناك أحاديث تختلف في الرفع والوقف، فيرجح (١) رواية قتادة أخرجها البزار من طريق شعبة ((كشف الأستار)) ج١ ص٤٧٦ - ٤٧٧. (٢) رواية حميد الطويل أخرجها أيضاً البزار من طريق حماد بن سلمة ((كشف الأستار)) (١٠١٣) وأوردها الترمذي في علله الكبير من طريق ابن علية ص١٢٦. (٣) علل الحديث: رقم (٦٧٦). ٢٨٧ بعض النقاد الوقف، بعضهم يرجح الرفع ويرجح آخرون صحة الطرفين معاً. وأضرب لذلك مثالًا من صنيع الإمام البخاري - رحمه الله -. حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ◌ّ: ((من باع عبداً .... )) فهذا الحديث اختلف فيه على ابن عمر. فسالم يرويه هكذا: ((من: باع عبداً، وله مال، فماله للمبتاع، ومن باع نخلًا مؤبراً فتمره للبائع إلا أن يشترط المبتاع)»(١). بينما نافع يقول عن ابن عمر قال: ((من باع عبداً، وله مال، فماله: للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)»(٢) فقد اتفقا - رضي الله عنهما - على رفع ما جاء في النخل أما ما جاء في العبد فقد اختلفا في رفعه ووقفه فرفعه سالم، ووقفه نافع . وقد ذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: ((سألت محمداً عن هذا الحديث وقلت له: حديث الزهري عن سالم عن أبيه، عن النبي ◌َّ: ((من باع عبداً ... )) وقال نافع ابن عمر عن عمر، أيهما أصح. فقال: إن نافع يخالف سالماً في أحاديث، وهذا من تلك الأحاديث. وروى سالم عن أبيه عن النبي ◌َّ وقال نافع عن ابن عمر عن عمر كأنه رأى الحديثين صحيحين، أنه يحتمل عنهما جميعاً))(٣). فهذا النص من الإمام الترمذي يفيد إمكان صحة الحديثين جميعاً عند الإمام البخاري، لكن ذكر الترمذي في جامعه عند رواية هذا الحديث. (١) أخرجه البخاري في كتاب الشرب والمساقاة، باب الرجل يكون له ممراً أو شرب في حائط أو في نخل، حديث رقم (٢٣٧٩) ج٥ ص٦٠ (مع الفتح)، ومسلم في صحيحه جه ص١٧، وأبو داود (٣٤٣٣) وابن ماجة (٢٣١١) والنسائي (٤٦٥٠). (٢) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب من باع نخلّا قد أبرت رقم (٢٢٠٣) ج٤ ص٤٦٩، ورواه مالك في الموطأ وعبدالرزاق في مصنفه (١٤٦٢٣). (٣) العلل الكبير ص ١٨٥ .. ٢٨٨. ((وقال محمد بن إسماعيل البخاري، حديث الزهري، عن سالم عن أبيه عن النبي ◌َّو أصح))(١). فهذا النص يفيد أن البخاري يرجح رواية سالم وهو معارض للنص الأول الذي يفيد صحة الروايتين معاً. والذي يظهر لي أن الإمام البخاري كان يرى صحة طريق سالم كما يراه بعض الأئمة كما سيأتي ثم تراجع عن ذلك ورأي صحة الطريقين معاً، ومما يزيد هذا الاحتمال أن النص الذي يفيد صحة الطريقين، جاء في ((العلل الكبير)) ومعلوم أن الترمذي ألفه بعد جامعه، بل جرده وأفرده منه حتى إن كثيراً من العلماء يسميه بـ((العلل المفردة)). أما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري في صحيحه فلا يستبعد منه أيضاً أنه يرى صحة الطريقين معاً، إذ إنه ذكر رواية سالم مسندة مرفوعة في كتاب الشرب والمساقاة(٢) ثم ذكر عقبه: وعن مالك عن نافع عن ابن عمر في العبد . وأما رواية نافع عن ابن عمر فقد أخرجها في كتاب البيوع، باب إذا باع نخلاً قد أبرت(٣) وباب بيع النخل بأصله(٤) في كتاب الشروط باب إذا باع نخلا قد أبرت (٥). فهذا الحديث قد اختلف فيه نظر النقاد فمنهم من رجح رواية سالم، ومنهم من رجح رواية نافع، ومنهم من يرى صحة الطريقين معاً. وهو أحد الأحاديث الأربعة التي اختلف فيها نافع مع سالم، وقفها - (١) كتاب البيوع، باب ما جاء في ابتياع النخل بعد التأبير، والعبد وله مال: ج٢ ص٢٤٣ (مع التحفة). (٢) الجامع الصحيح (مع الفتح): ج٥ ص ٦٠. (٣) المصدر نفسه ج٤ ص٤٦٩. (٤) المصدر نفسه ج٤ ص ٤٨١. (٥) المصدر نفسه ج٥ ص٣٦٩. ٢٨٩ نافع ورفعها سالم(١) فمن الأئمة من رجح أحدهما على الآخر فيها ومنهم من لم يرجح أحدهما على الآخر ومن هؤلاء الإمام أحمد فقد سُئل - فيما نقله عنه المروزي - إذا اختلف فلأيهما تقضي؟ قال: كلاهما ثبت، ولم يرَ أن يقضي لأحدهما على الآخر (٢) ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين (٣) نحوه(٣) .. أما بالنسبة لخصوص هذا الحديث فقد رجح جماعة من العلماء رواية نافع منهم مسلم والنسائي(٤) ... والإمام أحمد رجح في هذا الحديث قول نافع فيما نقله عنه (٥) المروزي(٥) . وکذلك رجح الدارقطني رواية نافع، قال - رحمه الله - بعد أن ساق رواية سالم وقول نافع : ((قال النسائي: سالم أجل في القلب والقول قول نافع)) (٦). ومقتضى هذا أن رواية سالم في رفع العبد وهم عندهم. وأما القرائن التي رجح بها هؤلاء النقاد رواية نافع وحكموا على سالم بالوهم، فتمثل فيما يلي: ١ - إن نافعاً ميز بين المرفوع والموقوف مما يدل على حفظه. ٢ - إن سالماً سلك فيه الجادة. قال الحافظ السخاوي - رحمه الله -: ((وكان سبب حكمهم عليه بذلك (أي بالوهم) كون سالم أو من دونه سلك الجادة، فإن العادة في الغالب أن (١) انظر هذه الأحاديث في شرح العلل ص٢٥٩. (٢) المصدر نفسه . (٣) المصدر نفسه . (٤) نقل عنهم ذلك البيهقي في سننه (٣٣٥/٥) والحافظ في الفتح (٤٧٠/٤). (٥) شرح العلل ص٢٥٩. (٦) التتبع ص٢٩٤. ٢٩٠ الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي قيل بعده عن رسول الله و18 فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله كان ظناً غالباً على أن من ضبطه هكذا أتقن ضبطاً))(١) . وهناك من النقاد من رجح رواية سالم من هؤلاء: ابن المديني فيما حكاه الترمذي في جامعه وابن عبدالبر (٢). وكذلك صححها بعض المتأخرين كالنووي والداودي وغيرهما. قال النووي: ((لم تقع هذه الزيادة في حديث نافع عن ابن عمر، ولذلك لا يضر فإن سالماً ثقة، بل هو أجل من نافع فزيادته مقبولة»(٣). ونقل ابن التين عن الداودي: ((هو وهم من نافع والصحيح ما رواه سالم مرفوعاً في العبد والثمرة)) (٤). قال ابن التين معقباً على قول الداودي: ((لا أدري من أين أدخل الوهم على نافع، مع إمكان عمر أن يكون قال ذلك على جهة الفتوى مستنداً إلى ما قاله النبي وَّ وقد سبق نقل الترمذي عن البخاري تصحيح الطريقين معاً (٥). وعلى كل ليس القصد الخروج بحكم فاصل في هذا الحديث - وإن كنت أميل إلى إمكان تصحيح الروايتين معاً - ولكن القصد بيان أن نقاد الحديث قد تختلف أنظارهم واجتهاداتهم في ترجيح الوقف على الرفع أو العكس أو تصحيح الطريقين معاً. (١) فتح المغيث: ج١ ص٢٤٧. (٢) انظر الفتح: ج٤ ص ٤٧٠، والاستذكار: ج١٩ ص٢٩. (٣) نقله الحافظ في الفتح: ج٥ ص٦٣. (٤) الفتح: ج٥ ص٦٣. (٥) العلل الكبير ص ١٨٥. وقد وهم الحافظ في الفتح (٦٣/٥) فذكر أن الترمذي نقل في الجامع عن البخاري تصحيح الروايتين، ونقل عنه في ((العلل)) ترجيح قول سالم، والصواب أنه نقل تصحيح الروايتين في ((العلل)) وترجيح قول سالم في الجامع، وقد نقل كلام الحافظ هنا الشيخ مقبل في تعليقه على التتبع (ص ٢٩٥) ولم ينبّه عليه والله أعلم. ٢٩١ ۔۔۔ بل قد يحصل أن الناقد الواحد يختلف اجتهاده من حين إلى آخر، كما وقع للبخاري في هذا الحديث. والنتيجة التي نستخلصها في هذا المطلب أنه ليس للإمام البخاري حكمٌ مطردٌ في مسألة اختلاف الرفع والوقف فتارة يرجح الوقف وتارة يرجح الرفع، وتارة يصحح الطرفين معاً، بحسب القرائن ظهوراً وخفاءً والله أعلم. المطلب الثالث الاختلاف في تسمية شيخ الراوي قد يختلف الرواة فيما بينهم في تسمية من روى عنه شيخهم، أو من فوقه فيكون الترجيح بينهم خاضعاً للقرائن بغض النظر عن أحوالهم. مثال ذلك، ما رواه البخاري في صحيحه قال: ((حدثنا عياش بن الوليد أخبرنا عبدالأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة: عن النبي ◌َّ قال: ((يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشّح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)) قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: ((القتل القتل)). وقال شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي الزهري، عن الزهري عن: حميد عن أبي هريرة»(١). وقد ذكر الإمام الدارقطني هذا الحديث في كتابه ((التتبع)) وأشار إلى ترجيح رواية من خالف معمراً فقال: ((أخرج البخاري حديث عبدالأعلى عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلخير: ((يتقارب الزمان، ويلقى الشح، (١) كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، حديث رقم (٧٠٦١) ج١٣ ص١٦ (مع الفتح)، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبدالأعلى به ج١٦ ص٣٢٢ (مع شرح النووي). ٢٩٢ وتظهر الفتن، ويكثر الهرج ... )) وقد تابع حماد بن زيد عبدالأعلى، وقد خالفهما عبدالرزاق فلم يذكر أبا هريرة وأرسله. ويقال إن معمراً حدّث به بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها، وقد خالفه فيه شعيب، ويونس، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، وقد أخرجا جميعاً حديث حميد أيضاً))(١). وقال الحافظ ابن حجر مبيناً قول البخاري: (وقال شعيب، ويونس والليث وابن أخي الزهري عن حميد عن أبي هريرة). «يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمراً في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميداً لا سعيداً، وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث فيكون عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه، إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس، ومن تابعه أرجح. وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته»(٢). فواضح مما سبق ذكره من كلام الدارقطني: أن معمراً يروي هذا الحديث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي وَ ل# وهذا الطريق محفوظ عنه إذ رواه اثنان من أصحابه هما: حماد بن زيد، وعبدالأعلى. ويعتبر طريق عبدالرزاق المرسل وهم منه، إذ إنه خالف فيه من هم أكثر وأحفظ. أي أن معمراً كان يروي هذا الحديث مسنداً غير مرسل، والإرسال وهم يلزق بعبد الرزاق. إذن لم يكن معمر يسنده تارة ويرسله تارة، كما فهم ذلك الشيخ مقبل (١) التتبع ص ١٢١. (٢) فتح الباري: ج١٣ ص١٨. ٢٩٣ - حفظه الله - في تعليقه على التتبع(١) وجعل هذا قرينة لتعليل رواية معمر، أي أنه اضطرب فيه فتارة كان يرسله وتارة يسنده. ومن القرائن التي اعتمد عليها أيضاً لتعليل رواية معمر، هو أن معمراً كان تارة يحدث به عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي وَّل وتارة يحدث به عن همام عن أبي هريرة (٢). وهذه القرينة - فيما أرى - غير صحيحة، وذلك لأن الحديث الذي : يرويه معمر عن همام عن أبي هريرة، هو حديث آخر مخالف لهذا الحديث في نصه . وهذا نصه كما في صحيح مسلم: ((حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ◌َ فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله مثل: ((لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان، وتكون مقتلة عظيمة دعواهما واحدة))(٣) .. فهذا كما ترى حديث آخر مختلف عن الأول في متنه وسنده، فلا يصح أن نقول إن معمراً كان يرويه تارة عن سعيد عن أبي هريرة، وتارة يرويه عن همام عن أبي هريرة، إذن فما هي القرائن التي تفيد ترجيح رواية شعيب ومن معه على رواية معمر؟ هذه القرائن أشار إليها الدارقطني - رحمه الله - وهي: ١ - إن معمراً حدّث بهذا الحديث بالبصرة، وكان قد وهم في بعض أحاديثه التي حدّث بها هناك، لأنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه .. ٢ - ومما يقوي أن الوهم من معمر أنه خالف هذا العدد من الرواة، وكلهم من الثقات وهم: شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي (١) التتبع ص١٢٢ (مع الحاشية). : .(٢) المصدر نفسه. (٣) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما، حديث رقم (٢٢١٤) ج٤ ص ١٥٧. : ٢٩٤ الزهري، وهؤلاء كلهم قد اتفقوا في سنده، يروونه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، فهذا العدد أولى بالحفظ من الراوي المنفرد، ولو كان ثقة. ثم قال الدارقطني: وقد أخرجا جمیعاً حديث حميد)». يشير بذلك إلى أن حديث حميد متفق على صحته، إذ أخرجه البخاري ومسلم. أما حديث سعيد فقد رواه البخاري وأشار إلى علته، وكذلك صنع الإمام مسلم في صحيحه، فقد أورد طرق هذا الحديث في كتاب العلم من صحيحه(١): ١ - قال: حدثنا حرملة بن يحيى أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حميد بن عبدالرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ◌َله: ((يتقارب الزمان ... )). ٢ - وحدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري حدثني حميد بن عبدالرحمن الزهري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((يتقارب الزمان ويقبض العلم ... )) وذكر مثله . ٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدالأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صل8* قال: ((يتقارب الزمان ويقبض العلم» ثم ذکر مثل حديثهما. فواضح أن الإمام مسلم لما ذكر طرق هذا الحديث عن الزهري قدّم حديث يونس ثم حديث شعيب لأنهما الأصح ثم ذكر في آخر الباب حديث معمر إشارة إلى تعليله، لأن هؤلاء أحفظ واتفقوا على سنده. (١) كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، ج٤ ص٢٠٥٧. ٢٩٥ وقد صرح الإمام الدارقطني أيضاً في علله، بتعليل حديث معمر حيث قال: ((حديث يتقارب الزمان يرويه الزهري، واختلف عنه: فرواه معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وخالفه يونس بن يزيد وإسحاق بن يحيى: فروياه عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة. وكذلك قال عبدالرحمن بن يزيد بن جابر عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، والمحفوظ حديث حميد))(١). إذاً تأكدنا من خلال هذه القرائن من صحة حديث شعيب ويونس ومن وافقهما، وخطأ حديث معمر. لكن هل البخاري يصحح الطريقين معاً؟ كما نص عليه الحافظ لما قال: ((وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب ... )). الظاهر أن الإمام البخاري ذكر طريق معمر معللًا لها، ولا يقتضي أنه لما وصلها أنه يصححها لأنه ذكر الخلاف عقبها، فهذا الخلاف مع انضمام القرائن السابقة يقدح في صحة رواية معمر أما طريق شعيب فلا غبار على صحتها سواء أوصلها أم أشار إليها. وقول الحافظ: ((كأنه ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث، فیکون عنده عن الشیخین ... )). هذا كله مبني على التجويز العقلي المجرد، والقرائن السابقة تدل على بطلانه . (١) علل الدارقطني: ج٣ ص ٨٠. ٢٩٦ المطلب الرابع الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه قد يجيء الحديث الواحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راو، ليس هو في الطريق الأخرى، فتارة يحكم النقاد على أن الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها أو بضبطهم وإتقانهم أو غيرها من القرائن، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وهم فيها، تبعاً للقرائن والمرجحات، وأحياناً يظهر صواب الطريقين، وصحة الوجهين الزائد والناقص على حد سواء، وفي أحيان أخرى يتوقف الناقد في ترجيح إحدى الطريقين على الأخرى أو الحكم بصحتهما معاً. فالأئمة النقاد ليس لهم عمل مطرد في الحكم على هذا النوع من الاختلاف من الرواة . وسأذكر فيما يلي نماذج وشواهد من صنيع الإمام البخاري توضح كل حالة من الحالات الأربع السابقة. الحالة الأولى: ترجيح الناقصة والحكم على الزيادة بالوهم: المثال الأول: حديث خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله وَلقول: ((في الاستطابة ثلاثة أحجار لیس فیه رجيع». رواه عبدة عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة المدني، عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت(١). وقال وكيع عن هشام، عن أبي خزيمة(٢)، عن عمارة بن خزيمة، عن (٣) خزيمة بن ثابت ٠ (١) أخرجه أحمد في مسنده: ج٥ ص ٢١٣ و٢١٤، والدارمي (٦٧٧)، وأبو داود (٤١). (٢) هو عمرو بن خزيمة، مقبول من السادسة، د ق (التقريب ص٤٢١). (٣) أخرجه الحميدي (٤٣٣) وأحمد: ج٥ ص٢١٣، وابن ماجه (٣١٥). ٢٩٧ وقال أبو معاوية عن هشام بن عروة، عن عبدالرحمن بن سعد، عن عمر بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت(١) . قال الترمذي: ((سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: الصحيح، ما : روى عبدة ووكيع، وأبو معاوية أخطأ في هذا الحديث إذا زاد عن عبدالرحمن بن سعد»(٢). وقال أبو زرعة - رحمه الله -: ((الحديث حديث وكيع وعبدة))(٣) فهذا الحديث يرويه عبدة ووكيع، وأبو أسامة وابن نمير(٤) كلهم يقولون هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت. إلا أن أبا معاوية خالفهم في روايته إذا زاد عبدالرحمن بن سعد بين هشام بن عروة وعمرو بن خزيمة. ! وقد حكم البخاري على رواية أبي معاوية بالوهم والخطأ وذلك لما يلي : ١ - أبو معاوية ضعيف في هشام بن عروة. قال الأثرم قلت لأبي عبدالله (أي الإمام أحمد): أبو معاوية صحيح الحديث عن هشام؟ قال: لا ما هو بصحيح الحديث عنه (٥). ٢ - خالف من هو أكثر وأحفظ وأثبت في هشام. (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣٧٢٤) . . (٢) العلل الكبير ص٢٦. (٣) علل الحديث: رقم (١٣٩). (٤) روايتي أبي أسامة وابن نمير أشار إليهما أبو داود في سننه: ج١ ص٧ حديث رقم : (٤١). (٥) شرح العلل ص٢٧١. ٢٩٨ قال الدارقطني - رحمه الله -: ((أثبت الرواة عن هشام بن عروة: الثوري، ومالك، ويحيى القطان، وعبدالله بن نمير، والليث بن سعد))(١ ٠ ٣ - لأبي معاوية رواية (٢) يوافق فيها الحفاظ الأثبات عن هشام بن عروة مما يدل على وهمه في الرواية المخالفة لهم. لهذه القرائن حكم الإمام البخاري وغيره من النقاد على رواية أبي معاوية الزائدة بالوهم. المثال الثاني: حديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله وَله: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)). هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم (٣)، وعيسى بن يونس (٤)، وصدقة بن خالد(٥) كلهم عن بسر بن عبدالله عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد . وخالفهم عبدالله بن المبارك فزاد فيه أبا إدريس الخولاني بين بسر وواثلة(٦) وقد رجح الإمام البخاري الطريق الناقصة على الزائدة. قال الترمذي: ((سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: حديث الوليد بن مسلم أصح، وهكذا روى غير واحد، عن عبدالرحمن بن يزيد بن (١) سؤالات ابن بكير للدار قطني. (٢) سنن أبي داود: ج١ ص٧ حديث رقم (٤١). (٣) أخرجه أحمد: ج٤ ص١٣٥، ومسلم: ج٣ ص٦٢، والترمذي (١٠٥١) والنسائي: ج٢ ص٦٧ وابن خزيمة (٧٩٣). (٤) أخرجها أبو داود في سننه (٣٢٢٩). (٥) ذكر ذلك ابن أبي حاتم في علله حديث رقم (٢١٣). (٦) أخرجه أحمد: ج٤ ص١٣٥، ومسلم: ج٣ ص٦٣، والترمذي (١٠٥٠) وابن خزيمة (٧٩٤). ٢٩٩ جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن واثلة بن الأسقع. قال محمد: ((وبسر بن عبيدالله سمع من واثلة، وحديث ابن المبارك خطأ إذ زاد فيه عن أبي إدريس الخولاني)»(١) . ولم ينفرد البخاري: بهذا الحكم فقد وافقه فيه نقاد آخرون كأبي حاتم الرازي والدارقطني وغيرهما. قال ابن أبي حاتم: ((قال أبي: يرون أن ابن المبارك، وهم في هذا الحديث، أدخل أبا إدريس الخولاني بين بسر بن عبيدالله وبين واثلة. ورواه عيسى بن يونس وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيدالله، قال: سمعت واثلة يحدث عن أبي مرثد الغنوي عن النبي قالڑ. قال أبو حاتم: بسر قد سمع واثلة، وكثيراً ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روي عن أبي إدريس: عن واثلة، وقد سمع هذا الحديث بسر من وائلة نفسه، لأن أهل الشام أعرف بحديثهم)) (٢) .. الحالة الثانية: ترجيح الطريق الزائدة والحكم على الناقصة بالوهم: المثال الأول: حديث ابن عباس قال: مر رسول الله على قبرين فقال: ((إنهما ليعذبان ... ))(٣). (١) العلل الكبير ص ١٥١. (٢) علل الحديث رقم (٢١٣). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطهارة، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله رقم . (٢١٦) ج١ ص (٣٧٩) مع الفتح، وانظر الأرقام التالية (٢١٧) و(١٣٦١) و(١٣٧٨) = ٣٠٠