النص المفهرس

صفحات 261-280

أحكامها:
لقد اعتبر كثير من المتأخرين - عند وقوع الاختلاف بين الرواة في
الوصل والإرسال والرفع والوقف - أن الحكم للزائد إذا كان ثقة فيرجح
الرفع على الوقف، والوصل على الإرسال باعتبار أن كلا من الرفع والوصل
زيادة .
وقد ذكر ابن الصلاح - رحمه الله - الخلاف في هذه المسألة،
وحاصله ما يلي:
إذا تعارض الوصل والإرسال فالحكم للمرسل وقيل الحكم للأكثر،
وقيل الحكم للأحفظ، سواء أكان المخالف واحداً أم جماعة وصحح
الخطيب البغدادي القول الأخير(١).
ونقل الحافظ العلائي عن شيخه ابن الزملكاني أنه فرق بين مسألتي
تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف بأن الوصل في السند زيادة من
الثقة فتقبل وليس الرفع زيادة في المتن فتكون علة (٢).
وهذه الأحكام العامة بالقبول أو الرد غير مسلمة في منهج المحدثين
النقاد، فإن مذهبهم ليس القبول مطلقاً أو الرد مطلقاً، بل بحسب القرائن.
قال الحافظ - رحمه الله -: ((إن تعليلهم الموصول بالمرسل أو
المنقطع، والمرفوع بالموقوف أو المقطوع، ليس على إطلاقه، بل ذلك دائر
على غلبة الظن بترجيح أحدهما على الآخر بالقرائن التي تحفه)»(٣).
وقال ابن دقيق العيد:
((من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل
ومسند أو رافع وواقف أو ناقص أو زائد أن الحكم للزائد فلم يصب في
(١) انظر علوم الحديث ص ٦٤ - ٦٥.
(٢) النكت ص٢٨٦.
(٣) المصدر نفسه ص ٣١٤.
٢٦١

هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً، وبمراجعة أحكامهم الجزئية
يعرف صواب ما نقول)»(١).
وقد جزم الحافظ العلائي فقال:
(«كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبدالرحمن بن مهدي،
ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم
لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي بل عملهم في ذلك دائر مع
الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث))(٢).
ويقول الحافظ السخاوي :
(«إنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء
معين، بل إن كان من أرسل أو أوقف من الثقات أرجح قدم وكذا
بالعكس))(٣).
أثر المخالفة في التعليل:
تعدّ المخالفة من الدلائل القوية التي تدرك بها العلة وقد سبق أن
نقلت كلام ابن الصلاح في ذلك، وأكرره هنا لأهميته، قال - رحمه الله -:
((ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع
قرائن تنضم إلى ذلك»(٤).
ولا يمكن الوصول إلى العلة والكشف عنها إلا بجمع طرق الحديث
المختلفة في سياق واحد، والنظر في كل راو من طبقات الإسناد هل تفرد
أم خالف، قال الخطيب - رحمه الله -:
(السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في
(١) المصدر نفسه ص٢٣٦ وقد نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص٣٤٣.
(٢) المصدر نفسه ص٢٣٧ وقد نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص ٣٤٤.
(٣) فتح المغيث: ج١ ص٢١٨.
(٤) علوم الحديث ص٨١ - ٨٢.
٢٦٢
---

اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم في الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط))(١).
والناظر في كتب العلل يلاحظ اشتمالها على ذكر طرق الحديث
المختلفة، والمقارنة بينها وذكر اختلاف الرواة فيما بينهم.
وقد اهتم الأئمة النقاد بهذه المسألة وأصبحت من أهم معايير نقد
الحديث والحكم على الرجال عندهم، قال الإمام مسلم - رحمه الله -:
((وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عرضت روايته للحديث
على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد
توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير
مقبوله، ولا مستعمله))(٢).
وقال أيضاً: ((فبجمع هذه الروايات، ومقابلة بعضها ببعض يتميز
صحيحها من سقيمها، ويتبين رواة ضعاف الأخبار من أضداد هم من
الحفاظ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبدالله بن أبي خثعم
وأشباههم من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات
الثقات المعروفين من الحفاظ)) (٣).
لهذا يحرص علماء الحديث ونقاده على استيعاب طرق الحديث
ورواياته من أجل الوقوف على الأخطاء التي فيها والأوهام.
قال ابن معين: ((لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه)(٤).
وقال أحمد: ((الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر
بعضه بعضاً»(٥).
(١) المصدر نفسه.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ص٧.
(٣) التمييز ص ١٦٢.
(٤) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ج٢ ص ٢١٢.
(٥) المصدر نفسه.
٢٦٣

وقال ابن المديني: ((الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه))(١)
ولأهمية هذه المسألة جعلتها المحور الثاني لهذا الفصل، وسأحرص
على أخذ أحكامها من خلال الواقع النقدي عند الإمام البخاري - رحمه الله -
وقد قسمت هذا المبحث إلى قسمين:
القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد، ويشمل المطالب التالية:
الاختلاف في الوصل والإرسال، الاختلاف في الرفع والوقف، الاختلاف
في تسمية شيخ الراوي، الاختلاف في زيادة راو واحد وحذفه.
القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن: ويشمل المطالب التالية:
الاختصار، الرواية بالمعنى، الإدراج.
(١) المصدر نفسه.
٢٦٤

القسم الأول
الاختلاف في سياق الإسناد
المطلب الأول
الاختلاف في الوصل والإرسال
المثال الأول:
قال البخاري - رحمه الله -: ((حدثنا محمد بن خالد حدثنا محمد بن
وهب بن عطية الدمشقي حدثنا محمد بن حرب حدثنا محمد بن الوليد
الزبيدي أخبرنا الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن أبي سلمة عن أم
سلمة رضي الله عنها أن النبي وَ لل رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة
فقال: ((استرقوا لها فإن بها النظرة)).
وقال عقيل عن الزهري: أخبرني عروة عن النبي ◌َّ، تابعه عبدالله بن
سالم عن الزبيدي)»(١).
ورواه مسلم أيضاً قال: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا
محمد بن حرب قال محمد بن الوليد به سنداً ومتناً(٢).
(١) كتاب الطب، باب رقية العين، حديث رقم (٥٧٣٩) ج١٠ ص ٢١٠ (مع الفتح).
(٢) كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة حديث رقم
(٢١٩٨) ج٤ ص١٧٢٥.
٢٦٥

وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الاختلاف في
سنده وصلاً وإرسالًا ولم يحكم فيه بشيء(١).
والاختلاف في الوصل والإرسال دائر بين محمد بن الوليد الزبيدي (٢)
فقد وصل الحديث وعقيل(٣) فقد رواه مرسلًا، والإمام البخاري هنا قد
رجح الموصول وأشار إلى المرسل وكذلك الإمام مسلم.
فما هي القرائن التي اعتمد عليها الشيخان في ترجيح الطريق الموصولة
على المرسلة؟ .
لقد أشار الحافظ - رحمه الله - إلى هذه القرائن في شرحه لهذا
الحديث فقال :
((واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيدي لسلامتها من
الاضطراب، ولم يلتفتا إلى تقصير عقيل(*) فيه، وقد روى الترمذي من
طريق الوليد مسلم أنه سمع الأوزاعي يفضل الزبيدي على جميع أصحاب
الزهري، يعني في الضبط، وذلك أنه كان يلازمه كثيراً حضراً وسفراً، وقد
تمسك بهذا من زعم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتفاق الشيخين
على تصحيح الموصول هنا، والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل
عمل مطرد بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم
حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله))(٤).
(١) التتبع ص ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٢) هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي أبو الهذيل الحمصي القاضي، أخرج له البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي. مات سنة ١٣٦ أو ١٤٧، وكان من الحفاظ المتقنين، أقام
مع الزهري عشر سنين، له ترجمة في التاريخ الكبير قسم ١ ج١ ص٢٥٤ وتهذيب
التهذيب: ج٩ ص٥٠٢.
(٣) عقيل بن خالد الأيلي، أبو خالد مولى عثمان: ثقة ثبت سكن المدينة والشام ثم مصر.
أخرج له الستة. مات سنة ١٤١هـ، له ترجمة في تذكرة الحافظ: ج١ ص١٦١ والتقريب :
ص٣٩٦.
(*) ورد في الأصل يونس وهو خطأ ظاهر والصواب ما أثبته.
(٤) الفتح: ج١٠ ص٢١٣.
٢٦٦

وتتمثل هذه القرائن فيما يلي:
١ - سلامة رواية الزبيدي من الاضطراب وذلك لأنها وردت من طريق
محمد بن حرب وهو حافظ، وتابعه عليها عبدالله بن سالم الحمصي،
وهو حافظ أيضاً.
٢ - إضافة إلى ذلك يعدّ الزبيدي من أثبت أصحاب الزهري - رحمه الله -
وقد سئل الدارقطني عن أثبت أصحاب الزهري فقال: «مالك،
وشعيب بن أبي حمزة وابن عيينة، ويونس بن يزيد وعقيل
والزبيدي))(١) وإنما عدَّ الزبيدي من أثبتهم لأنه كان طويل الملازمة
للزهري سنداً وحفظاً .
٣ - إن تقصير عقيل في إسناد هذا الحديث يمكن أن يكون سببه الوهم
والنسيان، ويمكن أن يكون سببه الشك وهذا الأخير أرجح وذلك أن
الحفاظ المتقنين إذا شكوا قصروا في الأسانيد.
المثال الثاني:
قال البخاري - رحمه الله -: ((حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد
عن أيوب عن نافع أن عمر قال: يا رسول الله وَلوح وحدثني محمد بن
مقاتل، أخبرنا عبدالله أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر
رضي الله عنه قال: لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي 8# عن نذر كان
نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي وَّر بوفائه.
وقال بعضهم: حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر.
ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن
عمر عن النبي (وَاتِ))(٢).
(١) سؤالات ابن بكير للدار قطني ص٤٩ - ٥٠.
(٢) كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيِّنٍ ... ) حديث رقم (١٤٣٢٠) ج٧
ص ٦٤٠ (مع الفتح).
٢٦٧

وقد ذكر الدارقطني - رحمه الله - هذا الحديث في كتابه التتبع وذكر
الاختلاف فيه، ولم يحكم فيه بشيء قال رحمه الله: ((وأخرجه البخاري عن
أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: نذرت نذراً
مرسلًا ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر عن أيوب.
ووصله عبدالله عن نافع)»(١).
فهذا الحديث فيه اختلاف بين أصحاب أيوب فقد أرسله حماد بن
زيد، ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر.
والبخاري - رحمه الله -: ((إنما أورد طريق حماد بن زيد المرسلة
للإشارة إلى أن روايته مرجوحة لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه :
فوصلوه، بل بعض أصحاب حماد بن زيد رواه موصولًا كما أشار إليه
البخاري هنا))(٢).
والقرائن التي اعتمد عليها البخاري في ترجيح الرواية المتصلة على
المرسلة تتمثل فيما يلي :
١٠ - وجود الاضطراب في رواية حماد بن زيد فقد رواه عنه أبو
النعمان، مرسلًا كما هو عند البخاري، وكذا أورده الإسماعيلي من طريق
سليمان بن حرب، وأبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام كلهم عن
حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر كان عليه اعتكاف في الجاهلية.
ويرويه بعض أصحاب حماد بن زيد موصلًا، وهو أحمد بن عبيد
الضبي، كما هو في رواية الإسماعيلي وعند مسلم - ولم يسق لفظه (1)
وعند ابن خزيمة(٥).
(١) التتبع ص ٢٥٣.
(٢) الفتح: ج٧ ص ٦٣٠.
(٣) الفتح: ج٧ ص ٦٣٠.
(٤) صحيح مسلم: ج٣ ص١٢٧٨.
(٥) المصدر السابق.
٢٦٨

فأصحاب حماد بعضهم يرويه مرسلاً وبعضهم يرويه موصولًا، وهذا
مما يوهن رواية حماد بن زيد.
٢ - إذا سلمنا أن هذه الطريق إنما وردت عن حماد بن زيد مرسلة
لكثرة من رواها كذلك فهي معارضة برواية غيره ممن رواه عن أيوب مسنداً
وهم أكثر عدداً ممن رواه موصولًا، وهذه الروايات المعارضة لرواية
حماد بن زيد هي:
١ - رواية جرير بن حازم أشار إليها البخاري وقد وصلها مسلم وغيره من
رواية ابن وهب عن جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعاً حدثه أن
عبدالله بن عمر حدثه أن عمراً سأل رسول الله اليه ...
٢ - رواية حماد بن سلمة وقد أشار إليه البخاري أيضاً ووصله مسلم من
طريق حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب مقرونة
برواية محمد بن إسحاق كلاهما عن نافع عن ابن عمر (١).
٣ - رواية معمر وقد وصلها البخاري ومسلم(٢).
٤ - رواية سفيان الثوري وقد وصلها النسائي(٣).
فتكون رواية هؤلاء الجماعة أرجح، لا لكونهم جماعة ولكن بانضمام
القرائن، وهي في رواية حماد بن زيد والقرينة الثالثة.
٣ - إن حماد صاحب حفظ وليس صاحب كتاب، ومن عادته أنه
ينقص من الحديث إذا طرأ له شك.
٤ - القرينة الرابعة التي ترجح الطريق الموصولة على المرسلة هي
كون الحديث محفوظاً عن نافع موصولًا وقد تابع أيوب على وصله عبيد بن
(١) صحيح مسلم ج٣ ص١٢٧٧.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) كتاب الإيمان والنذر، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفيء رقم (٣٨٢٩) و(٣٨٣٠) ج٧
ص٢٠ ط دار المعرفة .
٢٦٩

عمر وقد أخرج روايته البخاري وغيره (١).
المثال الثالث:
حديث ((لا نكاح إلا بولي)) الذي يرويه أبو إسحاق السبيعي(٢).
هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فقد رواه إسرائيل بن :
يونس(٣) في آخرين: عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه
أبي موسى الأشعري عن الرسول وَلا مسنداً متصلًا ..
ورواه سفيان الثوري(٤) وشعبة (٥) عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن
النبي ◌َّلر مرسلًا وسئل البخاري - رحمه الله - عن هذا الحديث، فحكم لمن
وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة (٦).
(١) رواه البخاري في كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف ليلًا رقم (٢٠٣٢) ج٣ ص٣٢١،
ورواه مسلم في الإيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم رقم (٢٣٧) وأخرجه
أبو داود في الأيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام (٣٣٢٥)
والترمذي في النذور والإيمان، باب ما جاء في وفاء النذر (١٥٣٩) والنسائي في الأيمان
والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي (٣٨٣٠) وابن ماجة في الصيام، باب في
اعتكاف يوم وليلة (١٧٧٢) وفي الكفارات، باب الوفاء بالنذر (٢١٢٩) وأحمد في
مسنده ج٢ ص٢ وص٨٢.
(٢) هو عمرو بن عبدالله بن عبيد، أبو إسحاق الكوفي من أعلام التابعين، ثقة مكثر عابد،
اختلط بآخرة. مات سنة (١٢٩هـ) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ: ج١ ص١١٤، تاريخ
الإسلام: ج٥ ص١١٦، التقريب ص٤٢٣.
(٣) هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، حفيد أبي إسحاق
ثقة، تكلم فيه بلا حجة، روى له الجماعة، مات سنة (١٦٠هـ) ترجمته في التقريب
ص١٠٤ وروايته أخرجها أحمد ج٤ ص٣٩٤ و٤١٣ وأبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي
(١١٠١) والدارمي (٢١٨٨) والبزار (كشف الأستار ١٤٢٢)، وابن حيان (٤٠٧٠)
والدارقطني ج٤ ص٢٠٨، والبيهقي ج٧ ص ١٠٧.
(٤) رواية سفيان الثوري عن أبي إسحاق أخرجها عبدالرزاق في المصنف حديث رقم :
(١٠٤٧٥).
(٥) رواية شعبة أخرجها الترمذي.
(٦) أورد هذه القصة الخطيب البغدادي بالسند في الكفاية، باب القول فيما روى من الأخبار
مرسلًا ومتصلًا ص ٤٥٢.
٢٧٠

وقد احتج الخطيب البغدادي بهذا على أنه إذا ورد الحديث مرسلًا ومتصلًا
فالحكم لمن أوصله إذا كان ثقة وتبعه على ذلك ابن الصلاح في مقدمته، محتجاً
بصنيع الإمام البخاري في ترجيح الموصول على المرسل هنا، مع أن من أرسله
شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية (١).
فهل يصح أن نأخذ من هذا حكماً كلياً ننسبه إلى الإمام البخاري
ونعدّه منهجاً له كما فعل الخطيب رحمه الله وتبعه على ذلك ابن الصلاح
وكثير من المتأخرين؟
لقد تعقب الحافظ ابن رجب الخطيب في هذه المسألة وبيّن أنها لا
تأخذ كحكم كلي مطرد وهذا من خلال الاستقراء لصنيع الإمام البخاري في
كتابه التاريخ الكبير فقال: ((وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في
هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري، تبين له قطعاً أنه لم
يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة))(٢).
وبيّن ابن رجب أن هذا ليس منهجاً للبخاري فحسب بل هو منهج
غيره من الأئمة النقاد فقال: ((وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن
الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يردّ في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات،
ويرجح الإرسال على الإسناد فدل على أن مرادهم زيادة في تلك المواضع
الخاصة وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ)) (٣).
فالحافظ رد على الخطيب ومن تبعه رداً مجملًا مبيناً أن قبول زيادة
الوصل إنما هو لقرائن خاصة في مواضع خاصة ولم يفصل في ذكر تلك
القرائن في هذا الحديث.
وقد رد أيضاً على الخطيب ومن تبعه كابن الصلاح، الحافظ ابن حجر
- رحمه الله - فقال :
(١) علوم الحديث ص ٦٥.
(٢) شرح العلل ص٢٤٤.
(٣) المصدر نفسه.
٢٧١

((لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائماً على العموم من صنيع
البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فيه
بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم عليه بالاتصال لمعان
أخرى رجحت عنده حكم الوصل» (١).
ثم ذكر هذه القرائن فقال:
(«منها: أن يونس ابن أبي إسحاق(٢) وابنيه إسرائيل(٣) وعيسى " رووه
:
عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيره.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة(٥) وشريك النخعي (٦) وزهير بن
(١) النكت ص٢٣٨.
(٢) هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، من
الخامسة، مات سنة (١٥٢) (التقريب ص ٦١٣)، وقد ضعف الإمام أحمد حديثه عن أبيه
(الضعفاء للعقيلي ج٤ ت٢١١١) وروايته أخرجها الترمذي (١١٠١) والبيهقي ج٧،
ص١٠٩.
(٣) تقدمت ترجمته، وروايته.
(٤) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطاً،
ثقة مأمون، مات سنة (١٨٧ هـ) وقيل (١٩١هـ) روى له الجماعة (التقريب ص٤٤١)،
ولم أقف على روايته مع طول البحث ..
(٥) هو وضاح اليشكري الواسطي البزار، أبو عوانة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة :
(٧٥هـ) أو (٧٦هـ) روى له الجماعة، قال يحيى القطان: أبو عوانة من كتابه أحب إلي
من شعبة من حفظه.
وقال يحيى القطان: ما أشبه حديثه بحديث سفيان وشعبة، وقال عفان: هو عندنا أصح
حديثاً من شعبة. التقريب ص ٥٨٠، والشذرات: ج١ ص٢٨٧، وروايته أخرجها ابن
ماجه (١٨٨١) والترمذي (١١٠١) والبيهقي ج٧ ص١٠٧.
(٦) شريك بن عبدالله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبدالله، صدوق،
يخطىء كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلا عابداً شديداً على
أهل البدع. مات سنة (١٧٧ هـ) أو (١٨٧هـ). روى له البخاري تعليقاً ومسلم وبقية
الجماعة .
(التقريب ص٢٦٦) وروايته أخرجها الدارمي (٢١٨٩) والترمذي (١١٠١) وابن حبان
(٤٠٦٦) و(٤٠٧٨) والبيهقي: ج٧ ص١٠٨.
٢٧٢

معاوية (١) وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم
في الأخذ وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق
في مجلس واحد، فقد رواه الترمذي فقال:
حديث محمود بن غيلان، ثنا أبو داود ثنا شعبة قال: سمعت سفيان
يسأل أبا إسحاق سمعت أبا بردة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله وقال :
((لا نكاح إلا بولي)) فقال: نعم(٢).
فشعبة وسفيان إنما أخذاه معاً في مجلس واحد، كما ترى، ولا يخفى
رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه
عرضاً في مجلس واحد.
هذا إذا قلنا حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن
الشافعي رضي الله عنه يقول: ((العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد)).
فبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن
لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل لما يظهر من قرائن
الترجيح، ويزيد ذلك ظهوراً تقديمه للإرسال في مواضع أخرى))(٣).
ثم ذكر حديثاً قال فيه البخاري: الصواب قول مالك مع إرساله، ثم
قال عقبه: ((فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوب المتصل هناك
القرينة ظهرت له فيه، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك والله أعلم)»(٤).
وممن صحح الوصل في هذا الحديث الترمذي - رحمه الله - في
جامعه وعلله، وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم.
(١) هو زهير بن معاوية بن حديج الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، مات سنة
(١٧٣ هـ) (التقريب ص٢١٨) وروايته أخرجها ابن حبان (٤٠٦٥)، والبيهقي: ج٧
ص١٠٧.
(٢) كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي: ج٢ ص١٧٦ (مع التحفة).
(٣) النكت ص٢٣٩.
(٤) المصدر نفسه.
٢٧٣

وأسند الحاكم من طريق على ابن المديني ومن طريق البخاري
والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث إسرائيل(١) وقال الحافظ، بعد أن
ذكر كلام الترمذي على هذا الحديث:
((ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في
ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية
إسرائيل على غيره))(٢).
سبق أن ذكرت أن الإمام الترمذي قد صحح وصل هذا الحديث في
جامعه وعلله الكبير معتمداً على القرائن السابقة التي فصلها الحافظ -
رحمه الله - لكن محقق العلل الكبير تحامل على الترمذي ومن وافقه من
الأئمة في تصحيح الطريق الموصولة على المرسلة ورماهم بالتعصب المذهبي
واتباع الهوى قال: «قد حاول کثیرون تصحيح هذا الحدیث ووصله وسلکوا
في ذلك كل مسلك لحاجة في أنفسهم أساسها التعصب المذهبي والعياذ
بالله))(٣).
وقال أيضاً: «ما صحح هذا الحديث أحد إلا لهوى في نفسه والعياذ
: بالله)) (٤).
وما حجته في ذلك إلا مجرد أن هؤلاء الذين خالفوا شعبة وسفيان
فيهم بعض الضعف واللين، وأما الثقات منهم فقد رووا عن أبي إسحاق لما
تغير، وأن إسرائيل ومن تابعه على وصل الحديث ولو كان معهم أمثالهم لا
يقفون بجانب شعبة وحده، فكيف ومعه سفيان الثوري ..
هذه هي حجته، ويا ليته كفّ لسانه عن الخوض في أعراض هؤلاء
الأئمة والطعن في نياتهم، ووراءه الطعن في علمهم ومنهجهم.
(١) الفتح: ج٩ ص٨٩.
. (٢) المصدر نفسه.
(٣) العلل الكبير ص١٥٦ (مع التحفة).
(٤) المصدر نفسه.
٢٧٤

أقول: إن الترمذي ومن معه من الأئمة الأعلام كالبخاري والحاكم
وابن المديني والذهلي وغيرهم ممن صحح وصل هذا الحديث قد علموا أن
شعبة والثوري أحفظ من هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث،
وهذا قد صرح به الترمذي نفسه في جامعه(١) لكن شريك وإسرائيل هما من
أثبت أصحاب أبي إسحاق بعد شعبة والثوري(٢).
فهؤلاء الحفاظ النقاد الذين لا شك في صدقهم وأمانتهم على الدين،
لما صححوا هذا الحديث لم يكن بناء على ظاهر الإسناد وأحوال الرواة لأن
الثقة قد يخطىء كما أن الضعيف قد يصيب فكيف لو كانوا عشرة أو أكثر
فيهم الثقات والضعفاء وسمعوا في مجالس متعددة وأوقات مختلفة. نعم
منهم من روى عن أبي إسحاق بعد الاختلاط والتغير ولكن اتفاقهم على
وصل هذا الحديث مع كثرة عددهم وأخذهم في أوقات ومجالس متعددة
مما يدل على أن أبا إسحاق كان يروي هذا الحديث موصولًا، ويمكن أن
يكون أرسله أحياناً فسمعه منه شعبة وسفيان فروياه كما سمعاه، فيكون
الحكم لمن أوصله، هو العلم والعدل، وليس هو التعصب والهوى.
ثم قال: ((وقد أراح البخاري ومسلم نفسيهما وأراحا الناس بعدم ذكر
مثل هذا الحديث في كتابيهما))(٣).
نعم لم يذكر البخاري هذا الحديث في كتابه مسنداً ولكن ترجم لما
يدل عليه صراحة فقال في كتاب النكاح: ((باب من قال لا نكاح إلا بولي))
وذكر فيه آيات وأحاديث تدل على اشتراط الولي في النكاح، قال الحافظ -
رحمه الله - في شرحه لهذه الترجمة:
(«استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون
الحديث الوارد بلفظ الترجمة ليس على شرطه))(٤).
(١) الجامع: ج٢ ص١٥٦ (مع التحفة).
(٢) العلل الكبير ص١٥٦.
(٣) العمل الكبير (الحاشية) ص ١٥٧.
(٤) الفتح: ج٩ ص٨٩.
٢٧٥

والظاهر أن المعلق لم يدرك أن النقاد إذا حكموا بترجيح الموصول
على المرسل أو العكس، فإن ذلك لا يقتضي صحة الحديث في نفس
الأمر، وإنما هو حكم بما هو الصواب المطابق للواقع، أي كيف حدث هذا
الراوي المختلف عليه في الحديث، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك قوة
أو ضعفاً متوقف على النظر في كل شروط الصحة الأخرى.
ولعل البخاري لم يخرج هذا الحديث مسنداً، لضعف بعض رواته، أو
لوجوه الاختلاف فيه، وإخراج ما هو مجمع على صحته أولى، إذا كان في
نفس معناه، كما هو الحال في هذه المسألة فقد أورد فيها الإمام البخاري
ثلاث آيات وأربعة أحاديث صحيحة .
وعلى العموم حديث ((لا تكاح إلا بولي)) أقل أحواله أن يكون حسناً
مرفوعاً إلى النبي ◌َل# لكثرة شواهده وقد أشار إليها الترمذي بقوله: ((وفي
الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس))(١)
: والجمهور على العمل به ومنهم سفيان الثوري رحمه الله ولم يخالف في
ذلك إلا أبو حنيفة - رحمه الله -.
أمثلة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الإرسال على الوصل:
ذكرت في الأمثلة السابقة أحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوصل
على الإرسال وقد نقلت من أقوال الحفاظ المتأخرين ما يدل على أن هذا
ليس عملًا مطرداً للإمام البخاري، وأدعم تلك النقول بهذين المثالين مما
رجح فيه البخاري الإرسال على الوصل بالرغم من أن الواصل ثقة.
المثال الأول:
ما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبدالملك بن
(١) جامع الترمذي: ج٢ ص١٧٥، وانظر تخريجها في التحفة في نفس الموضوع.
٢٧٦

أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: أن
النبي وَلّ قال: ((إن شئت سبعت لك))(١).
ورواه مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن
عبدالملك بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن
أبيه، أن رسول الله وَلَيول حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: ((ليس
بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت
ثلثت عندك ودرت)) فقالت: ثلث(٢).
فالخلاف بين مالك والثوري، فالثوري أوصله، ومالك أرسله،
والثوري ثقة إمام حافظ ومع ذلك قال الإمام البخاري في تاريخه:
((الصواب قول مالك مع إرساله))(٣).
ويظهر أن الثوري سلك فيه الجادة، والله أعلم.
المثال الثاني:
حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ◌َّار: ((قضى باليمين مع
الشاهد)» فهذا الحديث اختلف فيه على جعفر بن محمد.
قال عبدالوهاب الثقفي: عن جعفر عن أبيه، عن جابر، أن النبي وَالر:
((قضى باليمين مع الشاهد))(٤) وتابعه إبراهيم بن أبي حية (٥).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثبت من إقامة
الزوج عندها عقب الزفاف رقم (٤١) ج٢ ص ١٠٨٣، وأبو داود (٢١٢٢)، وابن ماجه
(١٩١٧)، وغيرهم.
(٢) رواه مالك في الموطأ كتاب النكاح، باب الإقامة عند البكر والأيم رقم (١٤) ج٢
ص٥٢٩، ورواه مسلم أيضاً، في نفس الكتاب والباب.
(٣) انظر النكت ص٢٣٩.
(٤) أخرجه أحمد ج٣ ص ٣٠٥، وابن ماجه (٢٣٦٩) والترمذي (١٣٤٤) والدارقطني ج٤
ص٢١٢ والبيهقي ج ١٠ ص ١٧٠.
(٥) عند البيهقي ج ١٠ ص١٧٠.
٢٧٧

وقال يحيى بن سليم وعبدالعزيز بن سلمة، من رواية شبابة بن سوار
عنه، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي، عن النبي وَلير: ((قضى
باليمين والشاهد))(١).
قال الترمذي - رحمه الله -:
(«سألت محمداً عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال:
أصحه حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي وَير مرسلاً)»(٢).
وقد تبع الإمام الترمذي البخاري في هذا الحكم، فقد قال في جامعه
بعد روايته هذا الحديث وذكر الاختلاف فيه (حدثنا علي بن حجر ثنا
إسماعيل بن جعفر ثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي و 8 قضى باليمين:
والشاهد الواحد، قال: وقضى بها علي فيكم، وهذا أصح، وهكذا روى
سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي (صل﴿ مرسلًا))(٣).
وقد وافقهم على ترجيح الإرسال في هذا الحديث الإمامان أبو زرعة
وأبو حاتم الرازيان - رحمهما الله تعالى - قال ابن أبي حاتم: ((وسألتهما عن
حديث رواه عبدالوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن
النبي ◌ُّ قضى بشاهد ويمين، فقالا: أخطأ عبدالوهاب في هذا الحديث،
إنما هو عن جعفر عن أبيه، أن النبي (وَله: مرسل))(٤).
فلماذا رجح البخاري وغيره من الأئمة الإرسال في هذا الحديث
بالرغم من أن الذي وصله ثقة فإن عبدالوهاب الثقفي الذي وصله ثقة روى
له البخاري وسائر الجماعة(٥) .
(١) أخرجه الترمذي، في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد ج٢ ص٢٨١
(مع التحفة) والبيهقي ج١ ص١٦٩ و١٧٣ ..
(٢) العلل الكبير ص٢٠٢.
١
.(٣) جامع الترمذي: ج١ ص١٨٠ (مع التحفة).
(٤) علل الحديث رقم ١٤٠٢.
(٥) التقریب ص٣٦٨.
٢٧٨

وقد تابعه على الوصل جماعة هم:
السري بن عبدالله السلمي، وعبدالنور بن عبدالله بن سنان، وحميد بن
الأسود، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وغيرهم (١).
وقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث عن عبدالوهاب الثقفي، وتابعه
إبراهيم بن أبي حية (٢) ولم يصح هنا أن تقبل زيادة عبدالوهاب الثقفي ومن تابعه
في وصل هذا الحديث، لأنهم خالفوا من هو أوثق وأثبت منهم في هذا.
وهم: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن جريج، والدراوردي،
وإسماعيل بن جعفر، وعبدالله بن جعفر، فكل هؤلاء رووه مرسلًاً (٣).
تنبيه: لقد خالف بعض الأئمة النقاد في هذا الحكم ورجحوا الرواية
المتصلة على المرسلة فمن هؤلاء الدارقطني - رحمه الله - فقد قال بعد
روايته طريق الثقفي ومن تابعه:
((والحكم يوجب أن يكون القول قولهم، لأنهم زادوا وهم ثقات
وزيادة الثقة مقبولة))(٤).
وقال الشافعي والبيهقي: ((عبدالوهاب وصله وهو ثقة)»(٥) .
ولقد صحح حديث جابر الموصول أبو عوانة وابن خزيمة أيضاً(٦).
وليس المقام هنا مقام مناقشة هؤلاء الأئمة فيما ذهبوا إليه، وإنما
القصد بيان أنه ليس للإمام البخاري طريقة مطردة في ترجيح الوصل على
الإرسال أو العكس، وإنما الأمر تابع للقرائن دون مجرد الاكتفاء بالنظر في
ظاهر الإسناد وأحوال الرجال.
(١) العلل للدارقطني: ج٣ ص٩٤ - ٩٨.
(٢) العلل الكبير ص ٢٠٢.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) تحفة الأحوذي: ج٢ ص٢٨١.
(٦) المرجع نفسه .
٢٧٩

وإن كنت أميل إلى ما رجحه البخاري والترمذي وأبو حاتم وأبو زرعة
بتصويب الحكم بالإرسال في هذا الحديث على الوصل، للقرائن السابقة
والكل مأجور على اجتهاده، والله أعلم.
:المطلب الثاني
الاختلاف في الرفع والوقف
قد يختلف الرواة: فيما بينهم فيرفع أحدهم حديثاً ويقفه الآخر أو
· العكس، وقد سبق في كلام الأئمة ما يفيد أنه لا يحكم في هذه المسألة
· بحكم كلي مطرد من تقديم الرفع على الوقف على اعتبار أن الرفع زيادة من
الثقة فتقبل كما ذهب إليه كثير من المتأخرين، وإنما الأمر دائر مع القرائن
والمرجحات فتارة يرجح الوقف وتارة يرجح الرفع، وهذه أمثلة من صنيع
الإمام البخاري توضح هذا الأمر.
أمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الرفع على الوقف:
المثال الأول:
قال الإمام البخاري: ((حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي ذئب عن
سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه قال: ((إنكم ستحرصون على
الإمارة وتكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة)).
وقال محمد بن بشار: حدثنا عبدالله بن حمران حدثنا عبدالحميد بن
جعفر عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة ... قوله))(١) ..
وقد ذكر الإمام الدار قطني - رحمه الله - هذا الحديث في كتابه «التتبع)) فقال:
(١) الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة حديث رقم
(٧١٤٨) ج١٣ ص ١٣٣.
٢٨٠