النص المفهرس
صفحات 221-240
الحفظ أو غيرها من المرجحات أو القرائن فإن البخاري يخرج الوجهين وكذلك يصنع الإمام مسلم - رحمه الله - وقد أشار الإمام الذهبي إلى هذا فقال: ((وإن تساوى العدد واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما وبالأولى سوقهما لما اختلف في لفظه إذا أمكن جمع معناه))(١). أي أن الشيخين يخرجان ما اختلف فيه الحفاظ المتساوون في العدد والحفظ إذا لم يمكن الترجيح بينهما سواء أكان الخلاف في سياق المتن أم في السند. وسيأتي مزيد توجيه لهذا في ((مبحث المخالفة)) من هذه الرسالة. وفي ضوء هذا الواقع نستطيع أن نفهم منهج الإمام الدارقطني في كتابه (التتبع)) لأن كثيراً من الناس يرى أن الدارقطني قصد انتقاد الشيخين في جميع ما يذكره، وقد أوضح الإمام الدارقطني منهج كتابه وموضوعه حيث يقول في مستهله ((ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بينت عللها والصواب منها))(٢). وهذا النص واضح جداً أن موضوع الكتاب هو ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما مع بيان عللها والصواب منها، وأنه لم يلمح فيه أن الانتقاد سوف يوجه صوب صنيع الشيخين في صحيحيهما على أساس أن كلا منهما قد أخل في شرط كتابه، لأنه قال ((اشتمل عليها)) ولم يوضح على أي وجه اشتمل عليها، وهو شامل لجميع أنواع الأحاديث، سواء اشتمل عليها على وجه الاحتجاج أم على وجه الاستناس والاحتياط والاستشهاد أم على وجه التبع وشرح العلل، ولم يقل - رحمه الله - ((ذكر أحاديث معلولة احتج بها الشيخان وهي مخالفة لشروطهما)). والذي يبدو عند إمعان النظر في كتاب ((التتبع)) أن الأحاديث التي بين عللها تصنف على أنواع: (١) الموقظة ص٥٢. (٢) الإلزامات والتتبع ص ١٢٠. ٢٢١ منها الأحاديث التي احتج بها البخاري ومسلم. ومنها ما أورده كل منهما في المتابعات. ومنها ما أورده كل منهما على سبيل الاحتياط والاستئناس. ومنها ما أورده كل منهما على سبيل التبع وبيان العلل. ومنها ما ذكره مسلم في المقدمة . أما النوع الأول فعدده قليل جداً بالنسبة إلى الأنواع الأخرى إلا النوع الأخير، والذي يصلح فيه القول أن الشيخين قد أخلا فيه بشروطهما والتزامهما بها هو النوع الأول دون سواه، فإن الأنواع الأخرى كلها خارج : الأصول، ولم يذكرا شيئاً منها إلا على سبيل الاعتضاد أو الاحتياط أو الاستئناس أو التبع وشرح العلة. وغاية ما يقال بالنسبة إلى هذه الأنواع أن الإمام الدارقطني أوضح السبب الذي كان يدفع كلّا من البخاري ومسلم إلى أن يذكر الأحاديث على ذلك النحو هو وجود العلة فيها، وفي نفس الوقت فإن الإمام الدارقطني يفيدنا من خلال تتبعه لأحاديث الصحيحين دقة الشيخين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ووضعها في مواضعها اللائقة بها من الصحيح، أما البخاري فكثيراً ما يرويها معلقة بينما مسلم يوردها في أواخر: الباب غالباً(١). ومن هنا نستطيع أن نقسم الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في صحيح البخاري ومسلم إلى ثلاثة أقسام هي: الأول: القسم المتفق عليه، وأعني به الأحاديث التي أعلها الدارقطني وقد أشار البخاري أو مسلم - رحمهما الله - إلى علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وفي كثير منها يذكر الدارقطني الخلاف ولا يحكم بشيء. ومن هذا القسم الأحاديث التي ذكرها الدارقطني وبيّن أنها مكاتبة أو (١) انظر: الدكتور حمزة المليباري: عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح. ٢٢٢ إجازة لأنه صرح بأن مثل هذه الأحاديث حجة في قبول الإجازة والمكاتبة وكأنه يرد على بعض من لا يصحح العمل بالمكاتبة(*) . الثاني: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قول الشيخين. الثالث: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قوله. ولو قيست هذه الأحاديث التي يترجح فيها قول الدارقطني بمجموع أحاديث الصحيحين فإنها لا تتجاوز نسبة ١٪ إذ إنّ مجموع الأحاديث المنتقدة في البخاري ومسلم مائتين وعشرة من أكثر من ستة عشر ألف حديث، وهذه الأحاديث المنتقدة بعضها متفق عليه والبخاري ومسلم قد أشارا إلى العلة فيه والبعض الآخر يترجح فيه موقف الشيخين، فلنفترض أن الدارقطني قد أصاب في نصفها أي في مائة حديث وهي نسبة ضئيلة جداً، وهي مما يؤكد صحة هذين الكتابين. .(*) انظر هذه الأحاديث في التتبع: الأرقام التالية (١١٠) و(١١١) و(١١٩) و(١٤٣) و(١٥٢). ٢٢٣ المبحث الثاني التفرد وأثره في التعليل المطلب الأول: مقدمات نظرية (حقيقة التفرد، أنواعه، مراتبه، حکمه ... ). المطلب الثاني: الأحاديث التي استنكرت في صحيح البخاري. المطلب الثالث: الأحاديث التي أعلّها الإمام البخاري بالتفرد. المطلب الأول مقدمات نظرية أ - حقيقة التفرد: : هو أن يروي شخص من الرواة حديثاً دون أن يشاركه الآخرون، وهو ما يقول فيه المحدثون النقاد ((حديث غريب)) أو ((تفرد به فلان)) أو ((هذا: حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه)) أو ((لا نعلمه يروى عن فلان إلا من حديث فلان))(١). فالحديث الذي يُتفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره يسمى غريباً. ويقابله المشهور. : : (١) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص١٤. ٢٢٤ قال الحافظ ابن منده، فيما نقله عنه ابن الصلاح: («الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريباً، فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزاً، فإذا روى الجماعة عنهم حديثاً سمي مشهوراً))(١) . ويسمى بعضهم الحديث الذي ينفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره فرداً، وبعض العلماء جعلهما مترادفين وبعضهم غاير بينهما، ويرى الحافظ ابن حجر أنهما مترادفين لغة واصطلاحاً، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الغريب النسبي (٢). ب - أنواعه: للتفرد نوعان: تفرد مطلق، وتفرد نسبي(٣). فالفرد المطلق ما كانت الغرابة في أصل سنده. ويمكن أن نقول أيضاً: هو ما ينفرد به واحد عن كل أحد. والفرد النسبي، وهو ما يقع فيه التفرد في أثناء سنده، وسمي بالنسبي لأن التفرد ليس مطلقاً، وإنما هو بالنسبة إلى جهة معينة، ومن هنا كانت له أنواع مختلفة، باعتبار جهة التفرد منها: ١ - تفرد ثقة برواية حديث. ٢ - تفرد راو معين عن راو معين. (١) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٤٣. (٢) نزهة النظر ص ١٧. (٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٨٠ - ٨١، والنكت ص٢٩١ - ٢٩٥، ونزهة النظر ص١٧ - ١٨، وتيسير مصطلح الحديث ص ١٧. ٢٢٥ ٣ - تفرد أهل بلد أو أهل جهة. : ٤ - تفرد أهل بلد أو جهة عن أهل بلد أو جهة. ج - مراتب التفرد: عند إمعان النظر في صنيع المحدثين يتبين لنا أن التفرد على مرتبتين: ١ - تفرد في الطبقات المتقدمة. ٢ - تفرد في الطبقات المتأخرة. أولاً - التفرد في الطبقات المتقدمة: إن تفرد الراوي بحديث في طبقة من شأنها عدم شهرته وعدم تعدد رواته في الغالب، فهذا النوع من التفرد مقبول ومحتج به بشرط أن يكون الراوي ثقة معروفاً . لأن التفرد في هذه الطبقات لا يثير في نفس الناقد تساؤلاً حول كيفية التفرد، ولا ريبة في مدى ضبطه لما تفرد به حيث إن تداخل الأحاديث والآثار بالنسبة إليه احتمال يكاد يكون معدوماً، نظراً لمحدودية الأسانيد التي يتداولها هو ومعاصروه وقصرها. وأما إذا خالف ما ثبت واشتهر، أو كان متنه لا يعرف إلا من روايته، ولم يجرِ العمل بمقتضاه سابقاً، فإنه عندئذ يصبح شاذاً غريباً ويرفض الناقد قبوله . وأما إذا كان الراوي المتفرد به ضعيفاً فأمره بين، فلا خلاف بينهم في رد حديثه، وكذا إذا كان مجهولًا، فإنه يرد عند الجمهور من النقدة(١) (١) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص٢٦ - ٢٧ ملخصاً. ٢٢٦ ثانياً - التفرد في الطبقات المتأخرة: أما التفرد برواية حديث في طبقة من شأنها أن يكون الحديث فيها مشهوراً ومتعدد الطرق، كالمدارس الحديثية المشتهرة في جهات مختلفة من الأقطار الإسلامية، والتي يشترك في نقل أحاديثها جماعة كثيرة من مختلف البلاد لبالغ حرصهم على جمعها من مخارجها الأصيلة بحيث لا يفوت لهم شيء منها إلا نادراً، وقد تهيأ لهم ذلك من خلال تنقلهم الواسع بين البلدان الإسلامية . فهذا النوع من التفرد يدعو الناقد إلى ضرورة النظر إلى أسبابه، فينظر في علاقة صاحبه مع المروي عنه عموماً، وكيفية تلقيه ذلك الحديث الذي تفرد به خصوصاً، كما ينظر في حال ضبطه لأحاديث شيخه بصفة عامة، ولهذا الحديث خصوصاً، ثم يحكم عليه حسب مقتضى دراسته وبحثه. فليس هناك حكم مطرةٌ بقبول تفرد الثقة أو رد تفرد الضعيف بل تتفاوت أحكامه(١). حكم التفرد وضابطه: لقد استقرت كتب المصطلح منذ ابن الصلاح إلى يومنا هذا على أن الحكم على التفرد يكون بحسب أحوال الرواة فإذا كان الراوي ثقة قبل حديثه، وإن كان ضعيفاً رد حديثه، وإن كان متوسطاً اعتبر حديثه حسناً(٢)، وهذا الحكم أخذ كضابط كلي مطرد في كل تفرد. وعند تتبع كلام النقاد والنظر في صنيعهم يتجلى لنا أن ما لخّصه ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - ينبغي تخصيصه فإن مقاييس القبول والرد في مجال التفرد ليست أحوال الرواة المتمثلة في الثقة والضعف فحسب، بل بتوافر القرائن الدالة على ذلك. (١) المصدر نفسه ص٢٧ - ٢٨، وقد أشار إليه الذهبي في الموقظة ص ٧٧. (٢) انظر علوم الحديث ص ٧٠ - ٧١. ٢٢٧ فمن أفراد الثقات وغرائبهم ما يرد ومنها ما يقبل، ولهذا وضع في تعريف الصحيح قيداً مهماً وهو الخلو من الشذوذ والعلة فلو كان القبول. لازماً لأحاديث الثقات لأصبح ذكر هذا القيد لغواً في التعريف(١). يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: ((وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه: ((إنه لا يتابع: عليه)) ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفرد الثقات الكبار، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه))(٢) الغرائب والأفراد في نظر الأئمة: يقول ابن رجب: ((وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه في الجملة. ومنه قول ابن المبارك: ((العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا)) يعني المشهور وعن علي بن الحسين: ((ليس العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن)). وعن مالك: ((شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي رواه الناس)). : وعن الأعمش: ((كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام)). وعن أبي يوسف: ((من طلب غرائب الحديث كذب)). وذكر مسلم في مقدمة كتابه من طريق حماد بن زيد أن أيوب قال: لرجل: لزمت عمراً؟ قال: نعم إنه يجيئنا بأشياء غرائب قال يقول له أيوب: إنما نفر أو نفرق من تلك الغرائب وقال رجل لخالد بن الحارث: اخرج لي حديثا: الأشعث لعلي أجد فيه شيئاً غريباً. (١) الموازنة ص٢٧ - ٢٨ وانظر أيضاً ((الحديث المعلول)) ص ١٢٢ - ١٢٥. (٢) شرح العلل ص٢٠٨. ٢٢٨ فقال: لو كان فيه شيء غريب لمحوته، وعن أحمد: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم، وعنه أيضاً: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء»(١). أهمية التفرد في معرفة علل الأحاديث: لقد اعتنى أئمة الحديث ونقاده بالتفرد عناية كبيرة ... إذ إن له علاقة قوية بتعليل الأحاديث فهو أحد وسائل الكشف عما يكمن في الأحاديث من أوهام وأخطاء وفي هذا يقول ابن الصلاح - رحمه الله -: «ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك)) (٢). فلا يمكن تعليل الأحاديث أو تصحيحها إلا بعد معرفة حالة التفرد أو حالة المشاركة في كل طبقة من طبقات الإسناد. المطلب الثاني الأحاديث التي استنكرت أو استغربت في الجامع الصحيح لقد تكلم بعض الأئمة في جملة من الأحاديث في صحيح البخاري ووصفوها بالغرابة أو النكارة وهي وإنْ كانت قليلة، ومحدودة العدد، فليس غرضي هنا إحصاؤها، وإنما القصد دراسة نماذج منها للوقوف على منهج البخاري ووجهة نظره في إخراج هذه الأحاديث، ومعرفة الأسس التي بنى عليها هؤلاء الأئمة نقدهم لتلك الأحاديث. وقبل الشروع في دراسة بعض النماذج لا بد من الإشارة إلى حقيقة علمية مهمّة وهي : (١) المصدر نفسه ص ٢٣٤ - ٢٣٥. (٢) علوم الحديث ص٨١. ٢٢٩ إن وجود الغرائب: والأفراد في الصحيحين هو أمر نادر، ولم يكن من قصد الشيخين - رحمهما الله - أن يكون كتاباهما مجمعاً للغرائب والأفراد كما قصد بعض الأئمة من مصنفاتهم، وإنما قصدهما ذكر الأحاديث الصحيحة المشهورة التي تداولها أهل العلم فيما بينهم كما صرح به مسلم في مقدمة صحيحه (١) . ومن هنا كانت هذه الأحاديث المستغربة أو المستنكرة من قبل بعض الأئمة قليلة بالنسبة إلى الأحاديث الصحيحة المشهورة .. ومن ادعى أن كل ما في الصحيحين مشهور وليس فيها شيء من الغرائب، فقد خالف الواقع، وخالف الحقيقة العلمية التي قررها الأئمة النقاد، وممن ادعى ذلك الإمام الحاكم النيسابوري (٢) - رحمه الله - وقد رد. عليه الحافظ ابن حجر بقوله : ((وأما قوله: إن الغرائب الأفراد ليس في الصحيحين منها شيء، فليس كذلك، بل فيها قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي(٣) في جزء مفرد)» (٤). ومعلوم أن هذا العدد في مقابل متون أحاديث الصحيحين التي لا تقل عن ثمانية آلاف حديث مقدار ضئيل جداً لا يتعدى ٢,٥٪. والأمر الثاني الذي يجدر التنبه إليه هو أن الغرابة أمر نسبي، فقد يكون حديث ما غريباً عند إمام ناقد، بينما لا يوافقه غيره من الأئمة على (١) انظر مقدمة صحيح مسلم ص٣. (٢) المدخل في أصول الحديث ص١٥٤. (٣) هو الإمام الحجة ضياء الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالواحد المقدسي الصالحي الحنبلي: حافظ متقن ثبت ثقة عالم بالحديث وأحوال الرجال، له مؤلفات وتخريجات كثيرة من أشهرها ((الأحاديث المختارة)) ولم تكمل، وكان أعلم أهل عصره بالحديث والرجال. توفي سنة (٦٤٣هـ). ترجمته في: شذرات الذهب ج٥ ص٢٢٤، وتذكرة الحفاظ ج٤ ص ١٤٠٥. (٤) النكت ص ١١٠. ٢٣٠ ذلك الحكم لوقوفهم على متابعات وشواهد تدفع عن الحديث وصف الغرابة أو النكارة . فهذه جملة من الأمور تتضح تفاصيلها من الأمثلة المدروسة. المثال الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وقال: ((إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه))(١). فهذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري من دون أصحاب الكتب الستة، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال حدثنا شريك بن عبدالله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ◌ّية، فذكر الحديث بطوله وزاد في آخره: ((وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته)) . قال الحافظ ابن رجب: ((وهو من غرائب الصحيح تفرد به ابن كرامة عن خالد، وليس هو في مسند أحمد، مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه أحمد وغيره، وقالوا: له مناكير وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال)» (٢). (١) أخرجه البخاري، في كتاب الرقاق، باب التواضع حديث رقم (٦٥٠٢)، ج١١ ص٣٤٨ (مع الفتح)، وأبو نعيم في الحلية: ج١ ص٤، والبيهقي في ((الزهد)) (٦٩٠) و((السنن)): ج٣ ص ٣٤٦ وج ١٠ ص٢١٩، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٢٤٨). (٢) جامع العلوم والحكم - تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس - دار الهدى عين مليلة. الجزائر، ج٢ ص ٣٣٠ - ٣٣١. ٢٣١ ثم ذكر - رحمه الله - تلك الطرق وتكلم عليها . وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: «وساق الذهبي في ترجمة خالد من الميزان بعد أن ذكر قول أحمد فيه: له مناكير، وقول أبي حاتم لا يحتج به، وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من أحاديثه استنكرها، هذا الحديث من طريق محمد بن مخلد عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخ البخاري فيه، وقال: هذا حديث غريب جداً، ولولا هيبة الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، فإنّ هذا المتن لم يرو إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد، قلت (القائل ابن حجر): ليس هو في مسند أحمد جزماً، وإطلاق أنه لم يرو إلا بهذا الإسناد مردود، ومع ذلك شريك شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضاً، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص، وقدم وأخر، وتفرّد بأشياء لم يتابع عليها، ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أنه لا أصل)) (١) ثم ساق تلك الطرق وتكلم عليها . ! والسبب في استنكار هذا الحديث من قبل هؤلاء الأئمة هو تفرد محمد بن عثمان بن كرامة به عن خالد بن مخلد القطواني. أما محمد بن عثمان بن كرامة فهو ثقة من شيوخ البخاري (٢) .. أما خالد بن مخلد فهو أيضاً من شيوخ البخاري، يروي عنه مباشرة ويروي عنه بالواسطة كما في الحديث، وقد اختلف فيه كلام أئمة الجرح (٣) والتعديل(٣) . قال العجلي: ثقة فيه تشيع. (١) فتح الباري: ج١١ ص٣٤٩. (٢) التقريب ص٤٩٦. (٣) انظر: هدي الساري ص ٤٢١. ٢٣٢ وقال ابن سعد: كان متشيعاً مفرطاً. وقال صالح جزرة: ثقة إلا أنه كان متهماً بالغلو في التشيع. وقال أحمد بن حنبل: له مناكير. وقال أبو داود: صدوق إلا أنه يتشيع. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. قال الحافظ - رحمه الله -: ((أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما مناكيره فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه البخاري، بل لم أرَ له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((من عادى لي ولياً)) وروى له الباقون سوى أبي داود))(١). وقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: ((صدوق يتشيع، وله أفراد))(٢). (والبخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل)(٣) . فالبخاري لما ترجح عنده صدق خالد بن مخلد القطواني أخرج له، فإن قيل إنما يعرفُ صدقه وصحة حديثه بموافقة الثقات له، وخالد له مناكير، ومنها هذا الحديث الذي تفرد به ولم يتابعه عليه الثقات، فكيف يكون صحيحاً؟ (إن معرفة البخاري لصحة حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما تحصل بأحد أمرين: إما أن يكون الراوي ثقة ثبتاً (١) هدي الساري ص٣٢١. (٢) التقريب ص ١٩٠. (٣) التنكيل: ج١ ص٣٢١. ٢٣٣ فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطرق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاص بجهة معينة) (١). وخالد بن مخلد من شيوخ البخاري فهذا يقتضي معرفة حديثه وحاله عنده. فلما علم البخاري صدق خالد بن مخلد، ورأى أن هذا المتن الذي انفرد به ليس فيه شيء يخالف القرآن أو السنة المشهورة أو أصول الشريعة : ووجدت له شواهد (٢) وإن كانت ضعيفة ولكنها كثيرة يصلح منها نوع قوة: مما يدل على أن للحديث أصلًا لهذا كله صححه الإمام البخاري هذا : الحديث . ويمكن القول أيضاً: إن البخاري تساهل في رواية هذا الحديث لأنه في الرقاق وفضائل الأعمال وليس في أصول التحريم والتحليل، والله أعلم. المثال الثاني: · ما رواه البخاري في صحيحه قال: (حدثنا عبدالقدوس بن محمد حدثني عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام بن يحيى حدثنا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت عند النبي: وَلّ، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي، قال ولم يسأله عنه، قال وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي 14 فلما قضى النبي ◌ُّ الصلاة، قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقم في كتاب الله، قال: ((أليس قد صليت معنا؟)) قال: نعم. قال: ((فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال : - حدث))(٣). (١) المصدر نفسه. (٢) انظر هذه الشواهد في: جامع العلوم والحكم: ج٢ ص٣٣١ - ٣٣٣، وفتح الباري: ج١١ ص٣٤٩، وسلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (١٦٤١). (٣) الجامع الصحيح، كتاب الحدود، باب إذا أقر بالحد ولم يبين، هل للإمام أن يستر عليه، حديث رقم (٦٨٢٣)، ج١٢ ص١٣٦. ٢٣٤ ورواه مسلم أيضاً عن الحسن بن علي الحلواني عن عمرو بن عاصم به(١). فهذا الحديث استنكره بعض النقاد كالبرديجي (٢)، وأبو حاتم - رحمهما الله -. قال الحافظ البرديجي: «هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم)) (٣). ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: ((هذا الحديث باطل بهذا الإسناد)) (٤). وقد أجاب بعض الحفاظ المتأخرين، على كلام البرديجي وأبي حاتم - رحمهما الله - ومن هؤلاء الإمام الناقد ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، والحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من الفتح، وسأنقل فيما يلي کلامهما . قال ابن رجب: ((ولعل أبا حاتم والبرديجي إنما أنكرا الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما، في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد)»(٥). وقال الحافظ ابن حجر - بعد نقله كلام البرديجي: ( ... لم يبين (أي البرديجي) وجه الوهم، وإما إطلاقه كونه منكراً (١) كتاب التوبة، باب إن الحسنات يذهبن السيئات، حديث رقم (٢٧٦٤)، ج٤ ص٢١١٧. (٢) هو الإمام الحافظ الثبت، أبو أحمد بن هارون بن روح البرديجي، نزيل بغداد، له مصنفات منها الأسماء المفردة وقد طبع، وكتاب معرفة المتصل من الحديث والمرسل والمقطوع وبيان الطرق الصحيحة، مات سنة (٣٠١هـ)، ترجمته في الأنساب ج٢ ص١٤٨، وتذكرة الحفاظ: ج٢ ص٧٤٦. (٣) شرح العلل ص٢٥٣. (٤) المصدر نفسه: وانظر أيضاً ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم: ج٢ ص٤٥٤. (٥) شرح العلل ص٢٥٣. ٢٣٥ فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكراً، إذا لم يكن له متابع، ولكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة، الذي أشرت إليه، ومن ثم أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم))(١) . نلاحظ أن الحافظ ابن رجب علل إطلاق البرديجي وأبي حاتم النكارة على هذا الحديث بناء على حال الراوي المتفرد به، وهو عمرو بن عاصم. وعمرو ثقة أخرج حديثه الجماعة(٢)، لكن يحتمل أن يكون ضعيفاً عند البرديجي وأبي حاتم ومن ثم يكون حديثه الذي ينفرد به منكراً، وهذا التوجيه، إنما يصح بناء على ما استقر عليه اصطلاح المتأخرين من أن الحديث المنكر هو: الفرد المخالف لما رواه. الثقات، والفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده(٣). ومما يدل على ضعف هذا التوجيه أن الحافظ ابن رجب نفسه، فسر كلام الحافظ البرديجي في تعريفه للمنكر (المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة أو التابعين عن الصحابة لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه فيكون منكراً). قال ابن رجب: ((ذكر هذا الكلام في سياق إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي ◌َّة، وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر))(٤). (١) فتح الباري: ج ١٢ ص ١٣٧. (٢) عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، صدوق في حفظه شيء، من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٣هـ)، التقريب ص٤٢٣، والتهذيب: ج٦ ص٥٨. (٣) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص٧٢، واختصاراً علوم الحديث ص ٥٥، والتقريب للنووي مع شرحه تدريب الراوي: ج١ ص٢٣٩، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص ١٩٧. (٤) شرح العلل ص ٢٥٢. ٢٣٦ فواضح أن الحافظ البرديجي يطلق المنكر على الحديث الذي ينفرد به راويه ولو كان ثقة حافظاً كشعبة وابن أبي عروبة وهشام الدستوائي ونحوهم. إذن فهذا التقرير من الحافظ ابن رجب يوهن توجيهه السابق لاستنكار البرديجي وابن أبي حاتم للحديث السابق. وأما الحافظ ابن حجر فقد وجه نقد البرديجي للحديث على أساس أنه يسمى ما ينفرد به الراوي منكراً إذا لم يكن له متابع، ومقتضى هذا أن النكارة لا تزول على الحديث إلا بمعرفته من وجه آخر، وقد صرح بهذا الحافظ ابن رجب حيث قال معلقاً على استنكار يحيى القطان لحديث ((لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام)»(١) (( ... وهذا الكلام يدل على أنّ النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك))(٢). وقد حقق شيخنا حمزة المليباري هذه المسألة جيداً جمع فيها بين أقوال هؤلاء النقدة وصنيعهم من خلال ممارستهم النقدية، قال - حفظه الله -: «والحق الذي أميل إليه أن الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث لمجرد تفرد ثقة من الثقات، وإنما يستنكرونه إذا لم يعرف من مصادر أخرى، إما براوية ما يشهد له من معنى الحديث أو بالعمل بمقتضاه، ومما يمكن الاستئناس به لتقرير قول الحافظ البرديجي: (إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي وَالتّ، حديث لا يصاب إلا عند ذلك الرجل الواحد، لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفاً ولا يكون منكراً ولا معلولًا)(٣). وقول أحمد: (شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها)(٤). (١) رواه مسلم: في الحج رقم ٤١٢: ج٢ ص ٩٧٥ ورقم ٤١٤ و٤١٧: ج٢ ص ٩٧٥ - ٩٧٦، ورواه الترمذي عن أبي سعيد: السنن: ج٣ ص ٤٧٣. (٢) شرح العلل ص٢٥٤. (٣) المصدر نفسه ص ٢٥٣. (٤) الكفاية ص ١٧٢. ٢٣٧ أما إطلاق المنكر على كل ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنه وقع ذلك في كلامهم، وإن كان بعض ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك، فإنه ينبغي حمله على أن ذلك على حدود معرفتهم لتفادي التناقض بين التصريح والعمل))(١) . ثم ذكر حديث عمرو بن عاصم السابق، وكلام البرديجي وأبي حاتم فيه، وتوجيه ابن رجب له ثم قال: ((والذي أميل إليه أن ذلك الاستنكار إنما هو على حدود اطلاعهما، لأنه إذا كان الحديث معروفاً من جهة أخرى فليس بمنكر حسب تصريحي الحافظ البرديجي حتى ولو كان الراوي المتفرد من الشيوخ الذين هم دون مرتبة الثقات يقول البرديجي: (فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام وأبان والأوزاعي، ينظر في الحديث فإن كان يحفظ من غير طريقهم عن النبي ®، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، لم يدفع. وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي وَلّ إلا من طريق عن أنس(*) إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكراً)(٢). .وحديث عمرو بن عاصم الذي أنكره البرديجي وأبو حاتم كان مروياً معناه من طريق أخرى كما سبق))(٣). أما الرواية التي تشهد لحديث أنس فقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه عقيب حديث أنس مباشرة لتكون شاهداً له، قال - رحمه الله -: ((حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) قالا حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد، حدثنا أبو أمامة قال: بينما رسول الله 85*لا في المسجد ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: (١) الحديث المعلول ص ٩٧. (*) هكذا وردت هذه العبارة في شرح العلل وهكذا نقلها شيخنا، وهي مضطربة ويظهر لي. أنها على هذا النحو ((ولا من طريق آخر عن أنس إلا من رواية ... )) والله أعلم. (٢) شرح العلل ص ٢٥٣. (٣) المصدر السابق ص٩٨ - ٩٩. ٢٣٨ يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله وَ# قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله حين انصرف،. واتبعنا رسول الله له. انظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله (: أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء، قال بلى يا رسول الله، قال: ثم شهدت الصلاة معنا، فقال: نعم يا رسول الله، قال: فقال رسول الله وَله: فإن الله قد غفر لك حدك - أو قال - ذنبك))(١) مما سبق نخلص إلى أن هذا الحديث صحيح وإطلاق النكارة عليه من قبل بعض الأئمة كان في حدود اطلاعهم، والله أعلم. المثال الثالث: حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى النبي وَّر عن بيع الولاء وهبته))(٢). فهذا الحديث تفرد به عبدالله بن دينار عن ابن عمر، ثم اشتهر عنه، حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس كلهم عيال على عبدالله بن دينار في هذا الحديث. وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبدالله بن دينار، رواه عنه شعبة وسفيان ومالك. (١) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبِنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ حديث رقم (٢٧٦٥) ج٤ ص٢١١٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، رقم (٢٥٣٦) ج٥ ص١٨٩ (مع الفتح)، وفي كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه رقم (٦٧٥٦)، ج١٢ ص٤٣ (مع الفتح)، ومسلم في كتاب الفتن، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، رقم (١٦)، وأبو داود (٢٩١٩) وابن ماجة (٢٧٤٧) والترمذي (١٢٣٦ و٢١٢٦) والنسائي ج٧ ص٣٠٦، ومالك في الموطأ، كتاب العتق، باب مصير الولاء لمن أعتق ج٢ ص ٧٨٠، والحميدي في مسنده (٦٣٩)، وأحمد في مسنده ج٢ ص٩ و٧٩. ٢٣٩ ٠٠ قال الحافظ - رحمه الله -: ((وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبدالله بن دينار فأورده عن خمسة وثلاثين نفساً ممن حدث به عن عبدالله بن دينار))(١). فهذا الإسناد (أي عبدالله بن دينار عن ابن عمر) مشهور تروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد. ومن رواه من طريق أخرى غير هذه الطريق فقد وهم وغلط، ومن هذه الروايات الخاطئة : رواية يحيى بن سلمي عن عبيدالله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله وَّر عن بيع الولاء وهبته))(٢). قال أبو عيسى: ((والصحيح: عن عبدالله بن دينار، وعبدالله بن دينار: قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر، ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه))(٣). وقال الترمذي في جامعه بعد روايته لهذا الحديث: (( ... هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر، والعمل على: هذا عند أهل العلم. وقد روى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌ِّر أنه نهى عن بيع الولاء وهبته، وهو وهُم وَهِمَ فيه يحيى بن سليم وقد روى عبدالوهاب الثقفي، وعبدالله بن نمير، وغير واحد عن عبيدالله بن عمر عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر عن النبي الصَّلاة وهذا أصحّ من حديث يحيى بن سليم)) (٤). ووجه الوهم هنا ينحصر في تغير لفظ نافع إلى لفظ عبدالله بن دينار، وإن كان المتن واحداً في الروايتين لأن هذا الحديث لا يعرف من رواية نافع (١) فتح الباري: ج١٢ ص ٤٤. (٢) أخرجه مسنداً ابن ماجة في سننه (٢٧٤٨). (٣) العلل الكبير للترمذي ص١٨٢. (٤) جامع الترمذي (مع التحفة): ج٢ ص٢٣٨. ٢٤٠