النص المفهرس

صفحات 101-120

طاعة الله، ولا فرق في ذلك بين العمليات والأخبار، وإلى هذا المعنى أشار
الإمام مسلم في ((مقدمة صحيحه)) فقال - رحمه الله -: ((اعلم أن الواجب
على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين
لها أن لا يروي إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي
منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع))(١). والإمام مسلم -
صحيحه - ملآن بأحاديث المبتدعة ممن تصنف بدعهم في البدع المفسقة،
وليس هناك تناقض بين قوله وفعله، إذا تأملنا القيد السابق، لأن هؤلاء
المبتدعة كانت بدعهم عن تأويل وشبهة لا بعناد.
مذاهب العلماء في الرواية عن أهل البدع والأهواء:
اختلف العلماء من أئمة الحديث ونقاده في حكم الرواية عن أهل
البدع والأهواء، اختلافاً كثيراً وخاصة عند المتأخرين منهم. وقد تباينت
أنظارهم تبايناً واضحاً، فمنهم من ذهب إلى رد رواية المبتدع رداً كاملاً ولم :
يقبلها سواء أكان هؤلاء من الغالين أم من غير الغالين، من الدعاة أو:
غيرهم، ومنهم من قبلها حتى من الغالين، والدعاة منهم، وسأذكر تفضيل
ذلك حسب نوعي البدعة .
أما بالنسبة للمبتدعة الذين بدعتهم مكفرة. فللعلماء في رواياتهم ثلاثة
مذاهب :
الأول: القبول مطلقاً وإن كانوا كفاراً أو فساقاً بالتأويل، إليه ذهب
جماعة من أهل النقل والمتكلمين (٢).
الثاني: يقبل خبرهم إذا كانوا يعتقدون حرمة الكذب، وقد ذهب إليه
جماعة من الأصوليين، كأبي الحسن البصري المعتزلي (٣) وفخر الدين
(١) مقدمة صحيح مسلم - تحقيق فؤاد عبدالباقي - دار الكتاب المصري - القاهرة ص٨.
(٢) انظر الكفاية ص١٤٨.
(٣) انظر كتابه: المعتمد في أصول الفقه - تحقيق د.محمد حميد الله - المطبعة الكاثوليكية -
بيروت ١٣٨٥هـ، ج٢ ص ٦١٧ - ٦١٩،
١٠٢

الرازي(١)، والبيضاوي(٢).
الثالث: الرد مطلقاً، وقد حكى النووي الاتفاق على أن المكفرين
يبدعهم لا يحتج بهم ولا تقبل روايتهم(٣) وما سبق ينقض قوله.
وقد حقق الحافظ رحمه الله هذه المسألة وأتى فيها بقول فصل موافق
لما عليه أئمة الحديث ونقاده فقال - رحمه الله -: ((والتحقيق أنه لا يرد كل
مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر
مخالفيها، فلو أخذ على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد:
أن الذي ترد روايته: من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين
بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى
ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله))(٤).
وأما بالنسبة للمبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم. فالعلماء في رواياتهم
خمسة مذاهب:
الأول: الرد مطلقاً: وممن ذهب إليه مالك بن أنس، وابن عُيينة،
والحميدي، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب، وقد وجه الحافظ
ابن رجب هذا المذهب بقوله: ((والمانعون من الرواية، لهم مأخذان:
أحدهما تكفير أهل الأهواء وتفسيقهم، وفيه خلاف مشهور. والثاني: الإهانة
لهم، والهجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفرهم أو
فسقهم. ولهذا مأخذ ثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب
ولا سيما إذا كانت الراوية مما تعضد هوى الراوي)»(٥).
(١) انظر كتابه: المحصول في علم أصول الفقه، تحقیق طه جابر فیاض العلواني، ق١ ج٢
ص٥٦٧ - ٥٧١.
(٢) انظر كتابه: منهاج الوصول في علم الأصول بشرح البدخشي والأسنوي - مطبعة محمد
علي صبيح - القاهرة، ج٢ ص٢٤١.
(٣) التقريب مع شرحه التدريب للسيوطي - تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، ج١ ص٣٢٤.
(٤) نزهة النظر ص ٥٣.
(٥) ابن رجب الحنبلي: شرح علل الترمذي - حققه وعلق عليه صبحي السامرائي - عالم
الكتب - ط الثانية ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص ٦٥.
١٠٣

الثاني: يحتج بهم إن لم يكونوا يستحلون الكذب في نصرة مذهبهم،
سواء أكانوا دعاة أم لا، وممن قال به الشافعي وابن أبي ليلى وسفيان
الثوري وروي عن أبي يوسف وأبي حنيفة، وحكاه الحاكم في المدخل عن
أكثر أئمة الحديث(١).
الثالث: تقبل رواية المبتدع إذا كان مرويه مما يشتمل على ما ترد به
بدعته، وذلك لبعده حينئذ عن تهمة الكذب(٢).
الرابع: تقبل روايته إذا كانت بدعته صغرى، وإذا كانت كبرى فلا
تقبل (٣) فالبدعة الصغرى كالتشيع بلا غلو ولا تحرق، والكبرى كالتشيع مع
الغلو والطعن وسب الصحابة .
الخامس: تقبل أخبار غير الدعاة إلى بدعهم، وترد أخبار الدعاة
منهم، وقد صرح الخطيب وغيره بأنه مذهب الكثير من العلماء(٤).
بعد أن سردت أقوال الأئمة ومذاهبهم في الرواية عن أهل البدع
والأهواء، فقد تبين أن مذاهبهم متباينة جداً. امتزجت فيها أقوال المحدثين.
بآراء علماء الكلام والأصول. فلا بد من استجلاء الموقف العملي للمحدثين
من خلال مصنفاتهم، ومن هؤلاء الإمام البخاري - رحمه الله - فكيف تعامل
مع روايات أهل البدع في صحيحه؟
إذا تأملنا رجال البخاري - رحمه الله - نجد جملة كبيرة منهم قد رموا:
ببدع اعتقادية مختلفة وقد أورد الحافظ في ((هدي الساري)»(٥) من رمي: من
رجال البخاري بطعن في الاعتقاد فبلغوا (٦٩) راوياً، ومن خلال التتبع
لهؤلاء الرواة يمكن أن نستخلص المعايير التي اعتمدها البخاري في الرواية.
(١) الكفاية ص١٤٨ - ١٤٩.
(٢) فتح المغيث: ج١ ص٣٦١.
(٣) انظر تفصيل ذلك في ميزان الاعتدال ج١ ص٦٠٥، وتهذيب التهذيب ج١ ص٩٤ في
ترجمة أبان بن تغلب الشيعي.
(٤) الكفاية ص١٤٩، وفتح المغيث: ج١ ص ٣٦٠، وعلوم الحديث ص١٠٣.
(٥) هدي الساري ص ٤٨٣ - ٤٨٤.
١.٠٤

عن أهل البدع ويمكن أن نجملها في النقاط التالية :.
ليس فيهم من بدعتهم مكفرة.
-
أكثرهم لم يكن داعية إلى بدعته، أو كان داعية ثم تاب (١).
-
أكثر ما يروي لهم في المتابعات والشواهد.
-
أحياناً يروى لهم في الأصول لكن بمتابعة غيرهم لهم.
-
كثير منهم لم يصح ما رموا به .
-
إذن فالعبرة إنما هي صدق اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد
المبتدع بشيء ليس عند غيره.
وما ذهب إليه البخاري هو مذهب كثير من المحدثين، ومن هؤلاء
تلميذه وخريجه الإمام مسلم، فقد روى في صحيحه عن أهل البدع والأهواء
المعروفين بالصدق والإتقان، وخاصة إذا انضم إلى ذلك الورع والتقوى،
وما ذهب إليه الشيخان هو رأي أكثر الأئمة من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم، وإنما توقف من توقف منهم في الراوية عن أهل البدع إما لأنه لم
يتبين لهم صدقهم، أو أرادوا محاصرة البدعة وإخمادها حتى لا تفشو،
ولكن شاء الله تعالى أن تكثر البدع وتفشو، وتبناها كثير من العلماء والفقهاء
والعباد فلم يكن من المصلحة ترك رواياتهم، لأن في تركها، اندراساً للعلم،
تضييعاً للسنن. فكانت المصلحة الشرعية تقتضي قبولها ما داموا ملتزمين
بالصدق والأمانة. قال الخطيب البغدادي - بعد أن ذكر أسماء كثير من الرواة
احتج بهم وهم منسوبون إلى بدع اعتقادية مختلفة: (( ... دون أهل العلم
قديماً وحديثاً رواياتهم واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو
أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقارنة الصواب)»(٢).
(١) انظر ترجمة: عمران بن حطّان في هدي الساري ص ٤٠٤، وترجمة شبابه بن سوار في
الهدي ص٤٦٩، وترجمة: عبدالحميد بن عبدالرحمن الحماني في الهدي ص ٤٣٧.
(٢) الكفاية ص ١٥٣ - ١٥٤.
١٠٥

وقال علي بن المديني: ((لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو
تركت أهل الكوفة لذلك الرأي خربت الكتب))(١).
المطلب الخامس
موقف البخاري من الرواة المجاهيل
قبل الخوض في بيان موقف الإمام البخاري من الرواة المجاهيل لا بد
من تعريف الجهالة لغة واصطلاحاً وبيان أسبابها .
تعريف الجهالة لغة:
المجهول في لغة العرب(٢) هو:
١ - كل شيء غير معلوم الحقيقة.
٢ - أو غير معلوم الوصف على وجه الدقة.
٣ - أو في معرفته تردد أو تشكك.
تعريف الجهالة اصطلاحاً:
. .
عرف الخطيب المجهول بقوله: ((هو كل من لم يشتهر بطلب العلم
في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو
واحد»(٣)
(١) المصدر نفسه ص ١٥٧.
(٢) انظر: ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج١ ص٤٨٩، الزمخشري: الأساس في البلاغة
ص٦٧ - ٦٨، الفيروزآبادي: القاموس المحيط ج٣ ص٣٥٣.
(٣) الكفاية ص ١١١.
١٠٦

أسباب الجهالة:
للجهالة سببان بينهما الحافظ ابن حجر بقوله :
((أحدهما: أن الراوي: قد تكثر نعوته، من اسم أو كنية، أو لقب، أو
صفة، أو حرفة، أو نسب فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغير ما اشتهر به
لغرض من الأغراض فيظن أنه آخر فيحصل الجهل بحاله. والأمر الثاني: أن
الراوي قد يكون مقلًا من الحديث، فلا يكثر الأخذ عنه، وقد صنفوا فيه
الوحدان، وهو من لم يرو عنه إلا واحد، ولو سمي))(١).
والتعريف الذي أورده الخطيب البغدادي للمجهول، قد اعترض عليه
غير واحد ممن كتب في المصطلح كابن الصلاح، والنووي، والعراقي (٢).
كما أن الواقع التطبيقي عند الأئمة النقاد يخالفه، فكم من راو حكموا عليه
بالجهالة وقد روى عنه جماعة، وفيهم من حكموا عليه بالوثاقة وليس له إلا
راو واحد، وكثير ممن ليس له إلا راو واحد اختلفوا في الحكم عليه بين
موثق ومضعف ومجهل (٣)، وعليه نستطيع القول أن الجهالة غير مرتبطة بعدد
الرواة بقدر ما هي مرتبطة بالشهرة، ورواية الحفاظ .
وقد سبق إلى هذا الإمام ابن رجب - رحمه الله - فقال: «وظاهر هذا
أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة، ورواية الحفاظ)»(٤).
فمقدار مرويات الرجل لها دور بارز في الحكم عليه، فكلما كثرت
مرويات الرجل وكانت مستقيمة حكم عليه بالوثاقة، وكلما قلّت وكانت
مخالفة لروايات الثقات فحكم عليه بالضعف، وإن قلّت رواياته، ولم
يتداولها العلماء، فلا يمكن الحكم عليه، وبقي في حيز الجهالة.
(١) نخبة الفكر مع شرحها نزهة النظر ص ٥١ - ٥٢.
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص١٤٨ - والتقريب مع التدريب ج١
ص٣١٨ والتبصرة والتذكرة ج١ ص٣٢٨.
(٣) انظر: شرح العلل ص٨١.
(٤) المصدر نفسه ص ٨٢.
١٠٧

وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن رجب - رحمه الله - يخالف إطلاق
محمد بن يحيى الذهلي - الذي حكاه عنه الخطيب في الكفاية - وتبعه عليه:
المتأخرون من أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعداً
عنه (١)، وإن كان الخطيب - رحمه الله - قد صرح باعتبار شهرة الراوي
بالطلب، وكذلك صرح بأن أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل
اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم كذلك(٢).
ومع ذلك نجد أن كثيراً من المتأخرين لم يعتبروا الشهرة بالطلب في
الراوي، لكي يرتفع عنه وصف الجهالة، وهذا النوع من الرواة الذين
اشتهروا بطلب العلم وعرفوا به بين العلماء يزول عنهم وصف الجهالة ويثبت
لهم بذلك وصف العدالة. وقد نبّه على هذا الحاكم النيسابوري فيما نقله
عنه الحافظ ابن حجر حيث قال :
(زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه
مشهوراً وهذه الشهرة قدر زائد عن الشهرة التي تخرجه عن الجهالة. وقد
استدل الحاكم على مشروطية الشهرة بالطلب بما أنسده عن عبدالله بن عون
((لا يؤخذ العلم إلا ممن شهد له عندنا بالطلب)» والظاهر من تصرف صاحبي
الصحيح اعتبار ذلك، إلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون.
بذلك عن اعتبار ذلك)» (٣).
نفهم من كلام الحاكم - رحمه الله - أن هناك نوعين من الشهرة:
شهرة شخص الراوي وهذه تنفي عنه جهالة العين، وشهرته بالطلب
وهذه تتنفي عنه جهالة الحال. وقد أشار الحاكم إلى أن راوي الصحيح
لا بد أن يكون معروفاً بطلب العلم وقد استظهر الحافظ ذلك من صنيع:
الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما. فكل رواة الصحيحين مشهورون
بطلب العلم، وقد تداول أحاديثهم الحفاظ، وحيث يكون الراوي مقلًا ولم
(١) الكفاية ص ١١١.
(٢) المصدر نفسه ص ١١١.
. (٣) النكت على كتاب ابن الصلاح ص ٤١.
١٠٨

يتداول الحفاظ حديثه، يكون ذلك الحديث الذي يرويه عنه أصحاب
الصحيح قد تعددت طرقه وانتشرت فيكون ذلك قائماً مقام الشهادة بثقته
وضبطه .
ومع هذا نجد بعض رواة البخاري قد وصفوا بالجهالة من طرف بعض
أئمة الجرح والتعديل، فما مدى تحقق هذا الوصف في هؤلاء الرواة؟
قال الحافظ - رحمه الله -: ((أما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من
أخرج لهم في الصحيح لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفاً بالعدالة،
فمن زعم أن أحداً منهم مجهول، فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه غير
معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته،
لما مع المثبت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا نجد في رجال الصحيح أحداً
ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا))(١).
وفيما يلي تراجم هؤلاء الرواة :
١ - أحمد بن عاصم البلخي:
معروف بالزهد والعبادة، له ترجمة في حلية الأولياء، وقد ذكره ابن
حبان: فقال: روى عنه أهل بلده. وقال أبو حاتم الرازي: مجهول. روى
عنه البخاري حديثاً واحداً في كتاب الرقاق، وهو في رواية المستملي
(٢)
وحده(٢).
٢ - إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي
المدني:
قال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حاله(٣). وفي ما قاله نظر فإن
إبراهيم هذا قد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وروى عنه أيضاً ولده
(١) هدي الساري ص٤٠٣.
(٢) المصدر نفسه ص ٤٠٦.
(٣) هدي الساري ص٤٠٨.
١٠٩

إسماعيل والزهري(١) وليس له في صحيح البخاري إلا حديثاً واحداً في
كتاب الأطعمة في دعائه وَر في تمر جابر بالبركة حتى أوفي دينه(٢) وهو
حديث مشهور له طرق كثيرة عن جابر منها (٣):
عامر الشعبي عن جابر من طريق زكرياء بن زائدة. أخرجه البخاري
في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.
ومن طريق مغيرة عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب البيوع.
ومن طريق فراس عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب الوصايا ..
ويرويه عن جابر أيضاً، وهب بن كيسان، أخرجه البخاري في كتاب الصلح.
:ويرويه عن جابر أيضاً، ابن كعب بن مالك، أخرجه البخاري في
الاستقراض والهبة .
ويرويه عن جابر نبيح العنزي، أخرجه الإمام أحمد.
ومما سبق يتبين أن جهالة إبراهيم بن عبدالرحمن المخزومي - على
التسليم بها - لا تضر في صحة هذا الحديث لكثرة طرقه، واشتهار مخرجه،
وهذا يؤيد ما نقلته عن الحافظ من أن كثرة الطرق يستغنى بها عن شهرة
الراوي بالطلب عند الشيخين .
٣ - أسامة بن حفص المدني:
قال الحافظ: ((ضعفه الأزدي، وقال أبو القاسم اللالكائي: مجهول. له
في الصحيح حديث واحد في الذبائح(٤) بمتابعة أبي خالد الأحمر.
(١) فتح الباري: ج٩ ص٤٧٩.
(٢) الجامع الصحيح: كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر، حديث رقم (٥٣٤٣)، ج٩
ص٤٧٧، مع الفتح.
(٣) انظر: فتح الباري: ج٦ ص٦٨٦.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم حديث رقم (٥٥٠٧)،
ج٩ ص ٥٥٠ مع الفتح.
١١٠

والطفاوي. وقرأت بخط الذهبي في ميزانه، ليس بمجهول فقد روى عنه
أربعة)) (١) والظاهر من حال أسامة بن حفص أنه غير مشهور بالراوية. وذلك
أن الإمام البخاري لما ذكره في تاريخه لم يزد على ما في هذا الإسناد حيث
قال: ((أسامة بن حفص المديني، عن هشام بن عروة، سمع منه محمد بن
عبيد الله))(٢) ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتابه ((الجرح والتعديل)).
ويظهر من صنيع الإمام البخاري أنه لم يحتج به لأنه قد أخرج هذا
الحديث من رواية الطفاوي وغيره(٣) ويؤخذ من صنيعه أيضاً أنه وإن اشترط
في الصحيح أن يكون رواية من أهل الضبط والإتقان. أنه إن كان في
الراوي قصور عن ذلك ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر
ذلك القصور بذلك وصح الحديث على شرطه(٤).
٤ - أسباط أبو اليسع:
قال أبو حاتم فيه: مجهول. روى له البخاري حديثاً واحداً في البيوع
من روايته عن هشام الدستوائي مقروناً(٥).
٥ - بيان بن عمرو البخاري العابد:
شيخ البخاري أثنى عليه ابن المديني ووثقه ابن حبان وابن عدي.
وقال أبو حاتم: مجهول. قال الحافظ: ليس بمجهول من روى عنه البخاري
وأبو زرعة، وعبدالله بن واصل ووثقه من ذكرنا(٦).
فمثل هذا لا يصح أن يطلق عليه لفظ ((مجهول)) لأن من عرفه وعلم
(١) هدي الساري ص٤٠٨ انظر ميزان الاعتدال: ج١ ص١٧٤.
(٢) التاريخ الكبير: ق٢، ج١ ص٢٣.
(٣) فتح الباري: ج٩ ص ٥٥٠.
(٤) المصدر نفسه : ج٩ ص ٥٥٠.
(٥) هدي الساري ص٤٠٨.
(٦) المصدر نفسه ص ٤١٣.
١١١

حاله حجة على من لم يعرفه ويخبر حاله.
٦ - الحسين بن الحسن بن يسار:
صاحب ابن عون، قال أبو حاتم: مجهول. وقال أحمد بن حنبل:
كان من الثقات، احتج به مسلم والنسائي، وروى له البخاري حديثاً واحداً
في الاستسقاء توبع عليه(١).
٧ - الحكم بن عبدالله:
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: ((ليس بمجهول من
روى عنه أربعة ثقات ووثقه الذهلي. ومع ذلك ليس له في البخاري سوى
حديث واحد في الزكاة (٢) أخرجه عن أبي قدامة عنه عن شعبة عن الأعمش
عن أبي وائل عن أبي مسعود في نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
اُلْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾(٣)، وأخرجه في التفسير من حديث غندر عن
شعبة)) (٤) .
٨ - عباس بن الحسين القنطري:
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: ((ليس بمجهول إن
أراد العين فقد روى عنه البخاري وموسى بن هارون الحمال. والحسن بن
علي المعمري وغيرهم. وإن أراد الحال فقد وثقه عبدالله بن أحمد بن
حنبل. قال: سألت أبي عنه فذكره بخير، وله في الصحيح حديثان قرنه في
أحدهما وتوبع في الآخر))(٥).
(١) المصدر نفسه ص ٤١٧.
---
(٢) الجامع الصحيح، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة رقم
(١٤١٥)، ج٣ ص ٣٣٢ مع الفتح.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٧٩:
(٤) هدي الساري ص٤١٨.
(٥) المصدر نفسه ص ٤٣٣.
١١٢

٩ - محمد بن الحسن المروزي:
من شيوخ البخاري لم يعرفه أبو حاتم فقال: إنه مجهول. قال
الحافظ: ((قد عرفه البخاري وروى عنه في صحيحه في موضعين. وعرفه
ابن حبان فذكره في الطبقة الرابعة من الثقات))(١).
١٠ - خالد بن سعد الكوفي:
مولى أبي مسعود الأنصاري، وثقه ابن معين. وقال ابن أبي عاصم:
مجهول. أخرج ه البخاري حديثاً واحداً في الطب(٢) من روايته عن أبي
عتيق عن عائشة في الحبة السوداء، وله عنده شواهد(٣).
مما سبق يتضح لنا أن الإمام البخاري لم يروٍ في صحيحه عن مجهول
قط. وذلك لأن جهالة الراوي لا يمكن معها تحقق عدالته، التي هي شرط
في صحة الحديث، أما بالنسبة للرواة غير المشهورين فالبخاري لم يعتمد
على أحاديثهم، وما يرويه لهم أحاديث يسيرة جداً لها طرق وشواهد كثيرة.
المطلب السادس
الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم
سأتناول في هذه المطلب مسألة الوحدان، وموقف الإمام البخاري من
رواياتهم. وهي مسألة لها تعلق كبير بمسألة الجهالة. أي هل هؤلاء الرواة
يعدون في المجاهيل أم لا؟
تعريف الوحدان:
وحدان لغة جمع واحد، ويجمع على أخدان، كشاب وشُبَّان، وراع
(١) المصدر نفسه ص ٤٦٠.
(٢) كتاب الطب، باب الحبة السوداء حديث رقم (٥٦٨٧)، ج١٠ ص ١٥٠ مع الفتح.
(٣) هدي الساري ص ٤٢٠.
١١٣

ورُعيان(١).
واصطلاحاً: هو من لم يرو عنه إلا واحد ولو سُمي(٢).
وقد اهتم العلماء بهذا النوع من الرواة وصنفوا فيه كالإمام مسلم
والحسن بن سفيان وغيرهما (٣) ومنهم من ذكره في أنواع علوم الحديث
كالحاكم في معرفة علوم الحديث(٤)، وابن الصلاح في كتابه (٥).
قد اختلفت أنظار العلماء حول موقف البخاري من روایات الوحدان،
فمنهم من نفى تخريج البخاري لرواياتهم في صحيحه، ومنهم من أثنيت
وجودها ومنهم من توسط في الأمر وذهب إلى أن البخاري لم يخرج لهم
إلا شيئاً يسيراً لملابسات خاصة وإليك التفصيل.
ذهب الإمام الحاكم أبو عبدالله النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) إلى أن الإمام
البخاري لم يروٍ عن الوحدان في صحيحه، وهذا في معرض كلامه على
الحديث الصحيح في كتابه ((المدخل في أصول الحديث)) فقد قسم الحديث
الصحيح إلى عشرة أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف في صحتها.
وأولى الأقسام وأرفعها المتفق عليها من أحاديث الصحيحين يقول
رحمه الله: ((فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم، وهو
الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور
بالرواية عن رسول الله # وله راويان ثقتان، ثم يرويه التابعي المشهور
بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ
المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو
(١) محمد بن أبي بكر الرازي: مختارالصحاح، ص٤٤٩.
(٢) نزهة النظر بشرح نخبة الفكر ص ٥٢.
. (٣) المصدر نفسه ص ٥٢.
(٤) معرفة علوم الحديث: تحقيق لجنة إحياء التراث العربي - منشورات دار الآفاق الجديدة -
بيروت، ص ١٥٧ - ١٦١ .
(٥) علوم الحديث ص٢٨٧ - ٢٩٠.
١١٤

مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من
الصحيح)) (١).
ويلاحظ هنا أن الحاكم عدَّ الصحابي الذي ليس له إلا راو واحد ليس
مشهوراً. ومن هنا لا يصل حديثه إلى الدرجة العالية من الثقة التي تجعل
البخاري ومسلم يأخذان بحديثه وقد عد الحاكم حديث مثل هذا النوع في
الدرجة الثانية من درجات الصحيح المتفق عليه ومثل له بحديث عروة بن
مضرس الطائي أنه قال: ((أتيت رسول الله مصر وهو بالمزدلفة: فقلت يا
رسول الله أتيتك من جبل طيء، أتعبت نفسي، وأكلت مطيتي، ووالله ما
تركت من جبل إلا قد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله التالية :
((من صلى معنا هذه الصلاة وقد أتى عرفة قبل ذلك بيوم أو ليلة فقد تم
حجه، وقضى تفثه))(٢).
ثم عدد الحاكم كثيراً من الصحابة الذين رووا أحاديث عن
رسول الله # ولم يكن لكل واحد منهم إلا راو واحد ثم قال: ((والشواهد
كما ذكرنا كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في
الصحيح))(٣).
وقد عارض أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت٥٠٧هـ) الحاكم
في هذا، وقرر أن البخاري ومسلماً لم يكن عندهما هذا الشرط ولا نقل
على واحد منهما أنه قال بذلك وأن الحاكم لم يقدر هذا التقدير عن استقراء
(١) الحاكم النيسابوري: المدخل في أصول الحديث - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان
ص ١٥٠.
(٢) أخرجه أبو داود في المناسك، باب من لم يدرك عرفة (الحديث ١٩٥٠)، وأخرجه
الترمذي في الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (الحديث
٨٩١)، وأخرجه النسائي في مناسك الحج، في من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام
بالمزدلفة (الأحاديث ٣٠٣٩ و٣٠٤٠ و ٣٠٤١ و٣٠٤٢ و٣٠٤٣)، وأخرجه ابن ماجه في
المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (الحديث ٣٠١٦).
(٣) المدخل في أصول الحديث ص١٥٣.
١١٥

يصل به إلى نتيجة صحيحة، أو يقين، وإنما قاله على الظن، لأن ما في
الصحيحين على خلاف ذلك. ثم ساق الأمثلة التي تنقض ما ذهب إليه.
الحاكم .
فقد أخرج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي
قال: ((سمعت رسول الله * يقول: يذهب الصالحون أسلافاً، ويقبض
الصالحون أسلافاً، الأول، فالأول، حتى تبقى حثالة كحثالة التمر والشعير،
لا يباهي الله عز وجلَّ بهم شيئاً»(١) وليس لمرداس راو غير قيس.
وأخرج هو ومسلم حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب (٢).
قال: ((إن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ◌َّير وعنده أبو جهل
فقال: أي عمى قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال
أبو جهل وعبدالله بن أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبدالمطلب، فلم
يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: ((على ملة عبدالمطلب)» فقال
النبي ◌َّة: ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنه)) فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَتَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
﴾(٣) ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبَتَ﴾(٤)) ولم يرو
١١٣
أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
عن المسيب إلا ابنه سعيد بن المسيب.
وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب عن
(١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب ذهاب الصالحين (الحديث ٦٤٣٤)، ج١١
ص٢٥٦، وفي كتاب المغازي باب غزوة الحديبية (الحديث ٤١٥٦) ج٧ ص٥٠٩ مع
الفتح، وأحمد في مسنده: ج٤ ص١٩٢ مع اختلاف في اللفظ والسند، والدارمي في
سنته ج٢ ص٣٠١ مع اختلاف في اللفظ واختصار وزيادة.
:
(٢) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب (الحديث ٣٨٨٣) ج٧ ص٢٣٢،
وفي كتاب التفسير، في تفسير براءة وتفسير القصص، ومسلم في كتاب الإيمان في باب
الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (الحديث ٢٤) ج١ ص٥٤.
(٣) سورة التوبة، الآية: ١١٣.
(٤) سورة القصص، الآية: ٥٦.
.
١١٦

النبي مقلية: ((إني لأعطي الرجل، والذي أدع أحب إلي ... الحديث))(١) ولم
يرو عن عمرو غير الحسن البصري.
كما يقرر أبو الفضل المقدسي أن هناك أمثلة في البخاري غير هذه،
كما يشير إلى أن الحاكم ليس أول من ذهب إلى هذا، ولكن أبا عبدالله بن
محمد بن إسحاق بن منده (ت٣٩٥هـ) ذهب إلى ذلك، وهما متعاصران .
فقد قال: ((من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان
مشهوراً مثل الشعبي، وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى
عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل
البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلا أحرفاً تبين أمرها))(٢).
ويرى المقدسي أن شرط البخاري ومسلم هو أنهما يخرجان «الحديث
· المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات
والأثبات، ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع فإن كان للصحابي روايان
فصاعداً فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك
الراوي أخر جاه)»(٣).
وجاء بعد أبي الفضل المقدسي، الحافظ أبو بكر موسى بن موسى
الحازمي (ت٥٨٤هـ) ففصل القول في رد دعوى الحاكم وأتى بأمثلة أكثر مما
أتى به الأول (٤).
ويرى ابن الأثير أن الحاكم لا يقصد ما فهمه المقدسي والحازمي
وإنما يقصد أن يكون للصحابي راويان وإن كان الحديث الذي يحتج به في
(١) رواه البخاري في كتاب الخمس، باب ما كان يعطي المؤلفة قلوبهم الحديث (٣١٤٥):
ج٦ ص ٢٩٠ مع الفتح.
(٢) شروط الأئمة الستة: دار الكتب العلمية - بيروت، ص ٢٢ - ٢٣.
(٣) المصدر نفسه ص ١٧ - ١٨.
(٤) شروط الأئمة الخمسة: مطبوع مع شروط الأئمة الستة بدار الكتب العلمية - بيروت،
ص ٤٣ - ٤٩.
١١٧

الصحيحين ليس له إلا زاو واحد (١).
كما نجد أن الحافظ ابن حجر، أيضاً قد نبّه على خطأ الحازمي في:
فهمه لكلام الحاكم حيث قال: ((وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام
الحاكم أنه أدعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة،
فنقض عليه بغرائب الصحيحين، والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد
أن كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان:
في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك بعينه عنه))(٢).
وما ذهب إليه الجاكم قد سبقه إليه الحافظ ابن منده - كما رأينا -
ووافقه عليه أيضاً صاحبه ومعاصره الإمام البيهقي، فقد قال في كتب الزكاة
من سننه عند ذكر حديث بهز عن أبيه عن جده (ومن كتمها فأنا آخذها
وشطر ماله) ما نصه: ((أما البخاري ومسلم فلم يخرجاه جرياً على عادتهما:
في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلّا راو واحد لم يخرجا حديثه
في الصحيحين))(٣).
وأما الحافظ ابن حجر فقد وقف من كلام الحاكم موقفاً وسطاً بحيث
رد كلامه في حق الصحابة واعتبره فيمن بعدهم، قال - رحمه الله - معقباً
على كلام الحاكم: ((وهو وإن كان منتقضاً في حق الصحابة الذين أخرجا
لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من
رواية من ليس له إلّا راو واحد قط)) (٤).
قال السخاوي: (وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء:
الصحابة من ذلك وإن كان مناقضاً لكلامه الأول ولعله رجع عنه إلى هذا:
(١). ابن الأثير الجزري: جامع الأصول من أحاديث الرسول - تحقيق عبدالقادر الأرناؤوط -
ط ١، دمشق ١٩٦٩ م، ج١ ص٩٢ - ٩٤.
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح - حققه. وعلق عليه مسعود عبدالحميد السعدني، ومحمد
فارس - دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤م، ص٤٢.
(٣) سنن البيهقي: ج٤ ص ١٠٥.
(٤) نقله السخاوي في فتح المغيث، ج١ ص٦١.
١١٨

قال: الصحابي المعروف إذا لم نجد له راوياً غير تابعي واحد معروف
احتججنا به، وصححنا حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعاً. فإن
البخاري احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن كل من مرداس الأسلمي،
وعدي بن عمير به، وليس لهما راو غيره. وكذلك احتج مسلم بأحاديث
أبي مالك الأشجعي عن أبيه، وأحاديث مجزأة بن زاهر عن أبيه (١). وحينئذ
فكلام الحاكم قد استقام، وزال بما تممت به عنه الملام»(٢).
وأما الصحابة الذين أخرج لهم البخاري ولم يرو عنهم سوى واحد
فهم :
((١ - مرداس الأسلمي عنه قيس بن أبي حازم.
٢ - حزن المخزومي تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن.
٣ - زاهر بن الأسود عنه ابنه مجزأة.
٤ - عبدالله بن هشام بن زهرة القرشي عنه حفيده زهرة بن معبد.
٥ - عمرو بن تغلب عنه الحسن البصري.
٦ - عبدالله بن ثعلبة بن صغير روى عنه الزهري قوله.
٧ - سنن أبو جميلة السلمي عنه الزهري.
٨ - أبو سعيد بن المعلى تفرد عنه حفص بن اصم.
٩ - سويد بن النعمان الأنصاري تفرد بالحدیث عنه بشير بن سیار.
١٠ - خولة بنت ثامر عنهما النعمان بن أبي عياش. فجملتهم عشرة)) (٣).
وقد بنى على هذا الإمام أبو عمرو بن الصلاح قاعدة عامة - من
(١) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين - مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية
في حيدر آباد، الدكن، الهند، طبعة أولى ١٣٤١ هـ ج١ ص٢٣.
(٢) فتح المغيث: ج١ ص٦٢.
(٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٧.
١١٩

تخريج البخاري ومسلم لأحاديث هؤلاء الصحابة الوحدان - وهي ارتفاع
الجهالة والتعديل برواية واحد فقال: ((قد خرج البخاري في صحيحه حديث
جماعة ليس لهم إلا راو واحد منهم مرداس الأسلمي لم يرو عنه غير
قيس بن أبي حازم، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير
واحد، منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن
عبدالرحمن. وذلك مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولًا مردوداً.
براوية واحد عنه))(١) ولقد اعترض على هذا الإمام النووي فقال: «مرداساً
وربيعة صحابيان، والصحابة كلهم عدول، فلا تضر الجهالة بأعيانهم لو
تثبت))(٢).
ولقد تعقب العراقي النووي فقال: ((لا شك أن الصحابة الذين بينت :
صحبتهم كلهم عدول ولكن الشأن هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه أم لا
تثبت إلا براوية اثنين. هذا محل نظر واختلاف بين أهل العلم. والحق أنه .
إن كان معروفاً بذكره في الغزوات أو فيمن وفد من الصحابة أو نحو ذلك
فإنه تثبت صحبته وإن لم يرو عنه إلا راو واحد وإذا عرف ذلك فإن مرداساً
من أهل الشجرة وربيعة من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد راو واحد عن كل
منهما)»(٣).
وكل الصحابة الوحدان الذين روى لهم الإمام البخاري في صحيحه قد
ثبتت صحبتهم لشهرتهم عند علماء السير والمغازي(٤). فلا يضر انفراد واحد
:
(١) ابن الصلاح: علوم الحديث ص١٠٢ وص٢١١.
(٢) النووي التقريب مع شرحه التدريب - تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف - مطبعة السعادة:
القاهرة، ط٢ - ١٣٨٨ مك، ص٢١١.
(٣) العراقي: التقييد والإيضاح - تصحيح وتعليق محمد راغب الطباخ - دار الحديث - ط
ثانية، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م، ص١٢٥.
(٤) انظر تراجم هؤلاء الصحابة والأحاديث التي رووها في الإصابة في تمييز الصحابة
للحافظ ابن حجر .
مرداس الأسلمي: ج٣٨١/٣ . حزن المخزومي: ٣٢٤/١.زاهد بن الأسود": ٥٢٣/١.
عبدالله بن هشام بن زهرة: ٣٦٩/٢ - ٣٧٠. عمرو بن تغلب: ٥١٩/٢ عبد الله بن =
١٢٠

بالرواية عنهم، لأن الصحابة عدول كلهم. لكن بقي النظر فيمن ليس له إلا
راو واحد من غير الصحابة ممن أخرج لهم الإمام البخاري في صحيحه
وهؤلاء الرواة هم:
١ - حصين بن محمد الأنصاري: لم يرو عنه غير الزهري.
سے
٢ - عبدالرحمن بن نمر اليحصبي: لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم.
٣ - عمر بن محمد بن جبير بن مطعم: لم يرو عنه غير الزهري.
٤ - حماد بن حميد الخراساني: شيخ البخاري لم يرو عنه غيره.
٥ - عبيدالله بن محرز الكوفي: لم يذكروا له راوياً غير أبي نعيم الفضل بن
دکین .
٦ - عطاء بن الحسن السوائي: روى عنه أبو إسحاق الشيباني. قال
الحافظ: ((ما وجدت له راوياً إلا الشيباني ولم أقف فيه على تعديل أو
تجريح)) .
٧ - عامر بن مصعب الذي يروي عن عائشة: لم يرو عنه - عند البخاري -
إلا عبدالملك بن جريج.
٨ - أبو محمد الحضرمي: تفرد بالرواية عنه أبو الورد بن ثمامة بن حزن
القشيري .
٩ - أبو نصر الأسدي، روى عنه خليفة بن حصين.
فهل انفرد البخاري بالتخريج لمثل هؤلاء ((الوحدان))؟ كلا، إن الإمام
البخاري لم ينفرد بهذا، بل نجد أن الإمام مسلماً - رحمه الله - قد خرج
لمثل هؤلاء أيضاً في ((صحيحه)) فقد وافق البخاري في التخريج للراويين
الأولين، وانفرد عنه بالتخريج لرواة آخرين مثل:
ثعلبة بن صغير: ٢٧٦/٢ . سنين أبو جميلة السلمي: ٨٤/٢ . أبو سعيد بن المعلى
=
الأنصاري: ٩٠/٤. سويد بن النعمان: ٩٩/٢ . خولة بنت ثامر: ٢٨٢/٤.
١٢١