النص المفهرس

صفحات 61-80

الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) في كتابه ((فتح الباري))
ومحمود بن أحمد العيني (ت٨٥٥هـ) في كتابه ((عمدة القاري»، وأحمد بن
محمد بن أبي بكر القسطلاني (ت٩٢٣هـ) في كتابه «إرشاد الساري)).
وقد ذكر فؤاد سزكين في كتابه ((تاريخ التراث العربي)) (٥٦) شرحاً.
للجامع الصحيح، بعضها مخطوط وبعضها قد طبع عدة مرات كالكتب
السابقة (١).
وقد انصرف بعض العلماء إلى ضبط أسماء الرواة الوارد ذكرهم في
الجامع الصحيح، والكلام عليهم جرحاً وتعديلًا. وقد أثمرت هذه الجهود
كتباً كثيرة في هذا المجال أذكر منها يلي:
١ - أسامي من روى عنهم البخاري: لعبدالله بن عدي بن عبدالله
الجرجاني(٢) (ت٣٦٥هـ).
٢ - الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد لأبي نصر أحمد بن
محمد الكلاباذي(٣) (٣٩٨هـ).
٣ - ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري
ومسلم. للدار قطني(٤) (ت ٣٨٥هـ). طبع بتحقيق بوران الصناري، وكمال
يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.
٤ - تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم وما انفرد به كل واحد منهما،
(١) المصدر نفسه ص١٦٦، وانظر: حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب
والفنون، دار الفكر ١٤٠٢ هـ ١٩٧٦م، ج١ ص٥٤٥ - ٥٥٤.
(٢) ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص ٩٤٠، والبداية والنهاية: ج١١ ص٢٧٣، شذرات
الذهب : ج٣ ص٥١.
(٣) حافظ ثقة من أهل كلاباذ محلة ببخارى ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٢١٦،
والشذرات: ج٣ ص١٥١.
(٤) ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٩٩١ - ٩٩٥، والبداية والنهاية: ج١١ ص٣١٧ -
٣١٨، ووفيات الأعيان: ج٣ ص٢٩٧ - ٢٩٩.
٦١

لأبي عبدالله الحاكم (١) النيسابوري (ت٤٠٥ هـ)، طبع بتحقيق كمال
يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.
٥ - تقيد المهمل وتميز المشكل: لأبي علي الغساني الجياني(٢) (ت٤٠٩٨هـ).
٦ - الجمع بين رجال الصحيحين، لأبي الفضل محمد بن طاهر
المقدسي(٣) المعروف بابن القيسراني (ت٥٠٧هـ) وقد طبع في الهند،.
وتولت طباعته دائرة المعارف العثمانية سنة ١٣٢٣هـ.
٧٠ - المعلم بأسامي شيوخ البخاري ومسلم لمحمد بن إسماعيل بن
خلفون (٤) (ت٦٣٦هـ) وهو مخطوط .
٨ - رجال البخاري ومسلم لأحمد بن موسى الهكاري(٥) (ت٧٦٣هـ).
٩ - قرة العين في ضبط أسماء رجال الصحيحين لعبدالغني البحراني(٦).
(ت١١٧٤ هـ) وهو مطبوع.
(١) ترجمته في: تاريخ بغداد: ج٥ ص٤٧٣، وتذكرة الحفاظ: ج٣ ص١٠٣٩، وشذرات
الذهب: ج٣ ص١٧٦ .
(٢) من جهابذة المحدثين، وكبار علماء قرطبة، ويعرف بالجياني لأن أباه نزلها مدة، له
ترجمة في: الوفيات لابن قنفد القسنطيني ص٢٦٢، ووفيات الأعيان: ج١ ص٤٣٥،
وشذرات الذهب : ج٣ ص٤٠٩.
(٣) أحد الأئمة الحفاظ، ذو رحلة واسعة وتصانيف كثيرة من أشهرها ((شروط الأئمة الستة)
ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٤ ص ١٢٤٢، طبقات الحفاظ ص٤٥٢، والعبر: ج٤
ص١٤، والشذرات: ج٤ ص١٨.
(٤) عالم بالرجال، أندلسيّ من أهل أونبة (في غربي الأندلس). ترجمته في: التذكرة: ج٤
ص١٨٦، والأعلام: ج٦ ص٣٦.
(٥) محدث، مفسر، من أهل مصر، كردي الأصل، من كتبه ((تفسير القرآن)) له ترجمة في:
الدرر الكامنة: ج١ ص١٠٤، وهدية العارفين: ج١ ص١١٢، وحسن المحاضرة: ج١
ص٢٠٣، ومعجم المفسرين: ج١ ص٢٨.
(٦) عبدالغني بن أحمد البحراني الشافعي: نسبته إلى ((البحرين)) عالم برجال الحديث،
ترجمته في الأعلام للزركلي: ج٤ ص٣٢.
٦٢

٢ - التاريخ الكبير:
صنفه البخاري في سن مبكرة وسنّه إذ ذاك ثماني عشرة سنة وقد قصد
منه الاختصار فقد قال رحمه الله: ((كل اسم في التاريخ إلا وعندي قصته،
إلا أنني كرهت أن يطول الكتاب))(١). فالكتاب مخصص لرواة الحديث عامة
سواء أكانوا ثقات أم ضعفاء وقد اعتمد فيه البخاري على الروايات في إثبات
الأسماء والأنساب والكنى، كما اشتمل على الكثير من الجرح والتعديل إلى
مادة هامة في علل الحديث. وهذه الغزارة العلمية كانت ولا تزال سبباً في
غموض منهجه وصعوبة الاستفادة منه. وقد أدرك هذا الغموض الإمام
البخاري قبل غيره. قال رحمه الله: («لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا
كيف صنفت كتاب التاريخ، ولا عرفوه))(٢)، وقال: ((أخذ إسحاق بن راهوية
كتاب التاريخ الذي صنفته فأدخله على عبدالله بن طاهر. فقال: أيها الأمير
ألا أريك سحراً؟! قال: فنظر فيه عبدالله، فتعجب منه وقال لست أفهم
تصنيفه))(٣) لذا ينبغي أن يكون الكتاب موضع اهتمام الباحثين والدارسين
لتقريب الاستفادة منه (*) .
اشتمل التاريخ الكبير على (١٢٣١٥) ترجمة كما في النسخة المطبوعة
المرقمة، ولقد رتبه البخاري - رحمه الله على حروف المعجم لكن بالنسبة
الحرف الأول من الاسم والحرف الأول من اسم الأب لكنه بدأ الكتاب
بأسماء المحمدين لشرف اسم النبي مَئية .
(١) هدي الساري ص٥٠٢.
(٢) المصدر نفسه ص ٥١٢.
(٣) المصدر نفسه .
(*) بالنسبة للأبحاث العلمية حول التاريخ الكبير هناك رسالتان: الأولى بعنوان ((الأحاديث
التي أعلها البخاري في كتابه التاريخ الكبير جمعاً ودراسة وتخريجاً): من أول الكتاب
إلى نهاية ترجمة سعيد بن عمير الأنصاري، رسالة ماجستير نوقشت عام ١٤١٦ هـ تقديم
عادل بن عبدالشكور الزقي، جامعة محمد بن سعود الإسلامية، والرسالة الثانية بعنوان
((منهج الإمام البخاري في التاريخ الكبير»، رسالة ماجستير مسجلة بجامعة الأمير
عبد القادر بقسنطينة، ما زالت لم تناقش بعد.
٦٣

كما أنه قدم في كل اسم أسماء الصحابة أولًا، دون النظر إلى أسماء.
آبائهم، ثم ذكر بعد ذلك بقية الأسماء ملاحظاً ترتيب أسماء آبائهم(١) كما
أورد فيه قسماً خاصاً بالكنى، ولم يراع الترتيب في الأسماء التي لم تكثر
فيها التراجم .
ويذكر البخاري ألفاظ الجرح والتعديل، لكنه يستعمل عبارات لطيفة:
في الجرح. فيقول مثلًا: ((فيه نظر))، أو ((سكتوا عنه)) وأشد ما يقوله من
العبارات في الجرح ((منكر الحديث)) وكثيراً ما يسكت عن الرجل فلا يذكر
فيه توثيقاً ولا تجريحاً . .
ولما كان هذا العمل جهداً بشرياً فإنه لم يسلم من الأوهام والأخطاء.
لكنها أخطاء يسيرة وأوهام معدودة تكلم عليها الحفاظ وبينوها. فمن هؤلاء
الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه (موضّح أوهام الجمع والتفريق)) فالجمع عد
الاثنين فأكثر واحداً، والتفريق: عد الواحد اثنين فأكثر ساق فيه أربعة وسبعين
فصلًا غالبها في التفريق، وبعضها في الجمع، يورد في كل فصل عبارة التاريخ
الكبير ثم يذكر رأيه ويستدل عليه بكلام الأئمة ويسوق الأسانيد التي تشهد له.
والكتاب مطبوع وهو مفيد في بابه، وليس كل ما فيه مسلم له .
وانتقده من قبل الإمام ابن أبي حاتم الرازي في كتابه «خطأ الإمام
البخاري في تاريخه)) وهو مطبوع، كما انتقده أيضاً الحافظ عبدالغني في
بعض الأوهام التي وقعت له، وهي أشياء يسيرة لا تتجاوز العشرة، وقد
طبعت كملحق في الجزء الثامن من التاريخ الكبير طبعة دار الكتب العلمية
بيروت.
٣ - التاريخ الصغير:
انتزعه البخاري من التاريخ الكبير، ولكن رتبه حسب الوفيات ويكاد
ينقل عبارته في معظم الأحيان مع حرصه على الاختصار، ومع ذلك فيه
(١) انظر التاريخ الكبير للبخاري - طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ج١ ص١١.
٦٤

:
إضافات لا توجد في التاريخ الكبير، ويعتبر التاريخ الصغير من مصنفات
البخاري المتأخرة بدليل إيراده للتراجم التي توفي أصحابها قبل وفاة البخاري
بقليل، وقد طبع في مجلدين بتحقيق محمود إبراهيم زايد، بدار المعرفة
بيروت سنة ١٤٠٦ - ١٩٨٦.
٤ - التاريخ الأوسط:
ذكر الدكتور عبدالمعطي أمين قلعجي (١)، أن هناك نسخة ناقصة منه
في بنكيبور ٣٢:١٢ رقم ٦٨٧ وقد نقل منه الحافظ ابن حجر في
التهذيب(٢) .
٥ - كتاب الكنى:
من الباحثين من يرى أنه كتاب مفرد مستقل عن التاريخ الكبير، كما
صرح بذلك الحافظ ابن حجر في مناسبات عدة، منها في أثناء تعديد
مصنفات البخاري في مقدمة الفتح (٣) فتارة يسميه كتاب الكنى، وتارة الكنى
المجردة، وتارة الكنى المفردة. ويرى الشيخ العلامة عبدالرحمن المعلمي -
رحمه الله - بأنه جزء من التاريخ الكبير أو أنه متمم له(٤) وقد طبع بنهاية
التاريخ الكبير، وقد اشتمل على (٩٩٣) ترجمة، وكانت استفادة العلماء من
هذا الكتاب كبيرة وخاصة ممن ألف في هذا الموضوع ممن جاء بعد
البخاري كالإمام مسلم في كتابه الكنى، والحاكم الكبير أبو أحمد.
٦ - الضعفاء الكبير:
ذكره ابن النديم في الفهرست(٥) ويروكلمان في تاريخ الأدب العربي
(١) مقدمة تحقيق كتاب الضعفاء للعقيلي، ص ٣٥.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب: ج١ ص٤٦١ وج٢ ص١٥٩ و٣٨٥، ٤٠٩.
(٣) هدي الساري ص٥١٧.
(٤) انظر كتاب الكنى في الجزء ٨ من التاريخ الكبير - دار الكتب العلمية - بيروت - ص٩٤ - ٩٧.
(٥) الفهرست لابن النديم - مطبعة الاستقامة - ص٣٦.
٦٥

وذكر أنه يوجد مخطوطاً في مكتبة بتنة بالهند تحت رقم (٣٩٣٧).
٧ - الضعفاء الصغير:
وقد أفرده للضعفاء ومن لا يحتج بحديثهم، وهو كتاب مختصر ومفيد
في بابه. طبع في الهند سنة ١٣٢٥هـ، ونشر مع كتاب المنفردات والوحدان
للإمام مسلم سنة ١٣٢٣ . كما طبع بحلب في دار الوعي سنة ١٣٩٦هـ.
خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل:
موضوع هذا الكتاب هو الرد على المعتزلة والقدرية النفاة لقدر الله.
عز وجل. والقائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه. وكذلك الرد على الجهمية
والمعطلة النافين لصفات الله عز وجل، وقد أفاض البخاري في الرد عليهم
في مسألة كلام الله وبيان أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد تضمن هذا
الكتاب (٤٨٤) نصّاً فيها الأحاديث المرفوعة، والموقوفة وآثار من كلام
التابعين وأئمة السنة، وليس كل ما ورد فيه صحيح بل فيه الصحيح والحسن.
والضعيف، وهو كتاب مهم لأنه حفظ لنا كثيراً من نصوص السلف في
مسائل الاعتقاد، كما أنه شهادة صادقة على أن الإمام البخاري - رحمه الله -
كان من أئمة أهل السنة والجماعة المتبعين لما كان عليه سلف الأمة في:
مسائل الاعتقاد، والرد على أهل البدع والأهواء. وقد طبع هذا الكتاب وقام.
بتخريج أحاديثه وتصحيح ألفاظه كل من أبي محمد سالم بن أحمد بن:
عبدالهادي السلفي، وأبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني الأبياني.
٩ - الأدب المفرد:
· موضوع هذا الكتاب أحاديث الآداب والأخلاق وقد اشتمل على عدد
ضخم من الأحاديث في هذا المجال فيها الصحيح والحسن والضعيف
وسبب تسميته بالأدب المفرد هو التمييز بينه وبين كتاب الأدب في الجامع
الصحيح وقد طبع عدة مرات وقام بشرحه بعض العلماء.
٦٦

١٠ - جزء القراءة خلف الإمام:
تعرّض فيه لمسألة قراءة الفاتحة في الصلاة. فالبخاري رحمه الله يرى
وجوب قراءة الفاتحة في الصلوات كلها ما يجهر فيها وما يخافت، وقد ذكر
في الجامع الصحيح باباً ضمن فيه بعض الأحاديث الدالة على وجوب قراءة
الفاتحة على الإمام والمأموم في جميع الصلوات سواء كانت سرية أم
جهرية(١). وقد توسع في هذا الجزء في ذكر أدلة هذه المسألة، والرد على
المخالفين فيها، وهو مطبوع.
١١ - جزء رفع اليدين في الصلاة:
تعرض فيه لمسألة رفع اليدين في الصلاة، فبين سنية الرفع عند تكبيرة
الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبين الركعتين، وتكلم على
الأحاديث التي يحتج بها المخالفون في هذه المسألة وبيان ضعفها وعللها .
وهو كتاب مفيد على صغر حجمه. وقد طبع في مصر والهند وغيرهما،
وعليه تخريجات للشيخ أبي محمد بديع الدين السندي سماها قرة العين في
تخريج أحاديث رفع اليدين.
هذه هي الكتب التي ما تزال موجودة من مصنفات الإمام البخاري
والكثير منها لا يعرف حتى في زمن الحفاظ المتأخرين كابن حجر وغيره.
فقد ذكر الحافظ الكتب السابقة ثم قال: (( ... وهذه الكتب موجودة مروية
لنا بالسماع وبالإجازة ... » ثم ذكر الكتب الأخرى من خلال ما ورد في
أقوال أو تصانيف الحفاظ المتقدمين كالبغوي وابن منده والترمذي(٢).
(١) الجامع الصحيح، كتاب بدء الآذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات
كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، بحاشية السندي، دار الكتاب
المصري، القاهرة، ج١ ص١٣٧.
(٢) هدي الساري ص ٥١٧.
٦٧

التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري:
لقد ترك الإمام البخاري - رحمه الله - آثاراً بارزة، في من كان في
عصره من العلماء والحفاظ أو من جاء بعدهم، فاحتذروا به في مصنفاتهم،
واقتفوا أثره واستفادوا من علمه، ومن هؤلاء الأعلام:
١ - الإمام مسلم بن الحجاج (ت٢٦١هـ):
لقد استفاد الإمام مسلم - رحمه الله - الكثير من الإمام البخاري فقد
سار على طريقة البخاري في إفراد الأحاديث الصحيحة المسندة دون غيرها
وألف في ذلك كتابه العظيم ((المسند الصحيح)). ولم يكن الإمام مسلم مجرد
مقلد للإمام البخاري بل كان إماماً مجتهداً له آراؤه الخاصة في التصحيح
والتعليل والتجريح والتعديل. فنراه في صحيحه يخرج الرواة تركهم البخاري،.
ويصحح أحاديث أعلها البخاري، ويعل أحاديث صححها البخاري، ويترك.
رواة روى لهم البخاري: كما استفاد منه في كتابه الكنى.
٢ - الإمام الترمذي (ت ٢٧٩ هـ):
يعد من أبرز تلاميذ البخاري، صنف كتابه ((العلل الكبير)) و((الجامع)».
وقد ملأهما بالنقل عن الإمام البخاري، وسؤاله عن علل الحديث وأحوال
الرجال سؤالات مباشرة. كما استفاد من التاريخ الكبير ونقل منه في مواضع
كثيرة، وقد صرح الترمذي بذلك في علله الصغير (١).
٣ - الإمام ابن خزيمة (ت٣١١هـ):
لقد اقتدى بالبخاري فوضع كتاباً جرد فيه الصحيح.
(١) العلل الصغير (مع تحفة الأحوذي) - دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الثالثة -
١٤٠٤ هـ - ١٩١٤م. ج٤ ص ٣٨٠.
٦٨

٤ - الإمام ابن حبان (ت٣٥٤هـ):
لقد اقتفى أثر البخاري أيضاً ووضع كتاباً للصحيح، مع أنه ابتكر
تقسيماً من عنده لم يسبق إليه.
٥ - الإمام ابن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ):
لقد استفاد هو أيضاً كثيراً من مصنفات الإمام البخاري، وبنى كتابه
المهم ((الجرح والتعديل)) على تراجم كتاب البخاري ((التاريخ الكبير))، وله
فيه إضافات وزيادات كثيرة.
٦ - الإمام النسائي (ت٣٠٣هـ):
تبع الإمام البخاري في تجريد الضعفاء والمتروكين في كتاب خاص،
وهذا في كتابه ((الضعفاء والمتروكين))، وهو مطبوع، ثم تتابع الحفاظ على
تجريد الضعفاء والمتروكين بالتصنيف، وكثرت في هذا النوع المصنفات.
٧ - الإمام البيهقي (ت٤٥٨هـ):
اقتدى بالإمام البخاري في كتابه «جزء القراءة خلف الإمام)» فوضع كتاباً
بنفس العنوان ضمنه كتاب البخاري وزاد عليه وهو مطبوع.
هذه أمثلة قليلة لم أقصد منها الاستيعاب وإنما قصدت منها الدلالة
على أن الإمام البخاري كان صاحب السبق في كثير من المصنفات.
وفي نهاية هذا المبحث نصل إلى النتيجة التالية: عبقرية الإمام
البخاري وإمامته في الحديث والعلل والتي تجلت في كتابه «الجامع
الصحيح)) الذي يعد سلسلة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف
والتصنيف والنقد والتمحيص.
٦٩

الفصل الثاني
منهج تصحيح الأحاديث
عند الإمام البخاري
المبحث الأول: عدالة الرواة.
المبحث الثاني: ضبط الرواة .
المبحث الثالث: اتصال السند.
٧١

المبحث الأول
عدالة الرواة
المطلب الأول: تعريف العدالة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها.
المطلب الثالث: مسائل متعلقة بالعدالة وموقف البخاري منها.
المطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء.
المطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل.
المطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم.
المطلب الأول
تعريف العدالة
أ - تعريف العدالة لغة:
العدالة مصدر عَدُل بالضم، يقال عدل عدالة وعدولة، فهو عدل، أي
رضا ومقنع في الشهادة، قال كثير:
وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن
شهود على ليلى عدول مقانع
ويقال رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل، ونسوة عدل، وكل
٧٣

ذلك على معنى رجال ذو عدل ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثني ولا
يجمع، ولا يؤنث، فإن رأيته مثنى أو مجموعاً أو مؤنثاً فعلى أنه قد أجرى
مجرى الوصف الذي ليس بمصدر. وأما العدل الذي ضد الجور. فهو
مصدر قولك: عدل في الأمر فهو عادل، وتعديل الشيء تقويمه، يقال عدله
تعديلاً فاعتدل، أي: قومته فاستقام، وكل مثقف معتدل، وتعديل الشاهد
نسبته إلى العدالة(١).
وجاء في القاموس المحيط ((عدل الحكم تعديلاً أقامه، وفلاناً زكّاه،
والميزاه سواه)) (٢).
فيظهر من خلال ما تقدم أن التعديل هو نسبة الرجل إلى العدالة، التي
هي الرضا والقناعة بالشخص على أنه صالح للشهادة، وتزكيته.
ب - تعريف العدالة اصطلاحاً:
عرفها العلماء بتعريفات كثيرة أذكر منها ما يلي:
١ - عرفها الإمام الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) نقلًا عن القاضي
أبي بكر بن الطيب (ت٤٠٣ هـ) بقوله: ((العدالة المطلوبة في صفة
الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامته من
الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال
الجوارح والقلوب المنهي عنها)(٣) .
(١) انظر: ابن منظور: لسان العرب - طبعة دار صادر - بيروت - مادة (عدل) ج١١ ص ٤٣٠
- ٤٣٧.
مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس - مصورة دار مكتبة الحياة - مادة
(عدل) ج٨ ص٩ - ١٣.
محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ضبط وتخريج وتعليق - د.مصطفى ديب
البغا - دار الهدى - عين مليلة - الجزائر، الطبعة الرابعة ١٩٩٠م، ص٢٧٣.
(٢) مجد الدين الفيروزآبادي: القاموس المحيط - دار الجيل - بيروت - ج٤ ص.١٣.
(٣) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية - تحقيق د. أحمد عمر هاشم - دار الكتاب
العربي - الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٩م، ص١٠٢.
٧٤

٢ - وعرفها الإمام أبو محمد بن حزم (ت٤٥٦هـ) بقوله:
«العدالة هي التزام العدل، والعدل هو الالتزام بالفرائض، واجتناب
المحارم، والضبط لما روى وأخبر به فقط))(١) .
وعرفها الغزالي (ت٥٠٥هـ) بقوله :
(«العدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة
راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل
ثقة النفوس بصدقه))(٢).
وعرفها الإمام الحازمي (ت٥٩٤هـ) بقوله: ((وصفات العدالة هي اتباع
أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنب الفواحش
المسقطة، وتحري الحق، والتوقي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة وليس
يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر، فمتى
وجدت هذه الصفات كان المتحلي بها عدلًا مقبول الشهادة)»(٣).
وعرفها ابن الصلاح (ت٦٤٣هـ) بقوله: ((أجمع جماهير أهل الحديث
والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطاً لما يرويه
وتفصيله أن يكون مسلماً، بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم
المروءة»(٤).
(١) ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام. تحقيق أحمد شاكر - منشورات دار الآفاق
الجديدة - بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م، ج١ ص١٤٤.
(٢) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي: المستصفى من علم الأصول - دار الفكر - بيروت
ج١ ص١٥٧.
(٣) أبو بكر بن موسى الحازمي: شروط الأئمة الخمسة - دار الكتب العلمية - بيروت - ط
أولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤ م، ص٥٥.
(٤) أبو عمرو عثمان بن الصلاح: علوم الحديث - تحقيق نور الدين عتر - المكتبة العلمية -
بيروت ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، ص٩٤.
٧٥

وعرفها الحافظ ابن حجر (ت٨٠٢هـ) بأنها «ملكة تحمل على ملازمة
التقوى والمروءة))(١).
وتبعه على هذا التعريف الحافظ السخاوي (ت٩٠٢هـ) - رحمه الله. (٢).
نلاحظ أن هذه التعاريف كلها تدل على معنى واحد وهو: أن العدالة
هي الاستقامة في الدين بفعل الواجبات وترك المحرمات، كما نلاحظ أن
جميع التعاريف لم تدخل الضبط والحفظ كشرط في العدالة إلا في تعريف.
ابن حزم - رحمه الله - ومن هنا نفرق بين نوعين من العدالة:
الأول: العدالة الدينية والمقصود بها الاستقامة في الدين.
والثاني: العدالة في الرواية والمقصود بها: حفظ الراوي وضبطه لما يرويه .
والنوع الأول هو المراد عند إطلاق المحدثين أو الفقهاء. كما نلاحظ
أن هذه التعاريف قد تعرضت لذكر شروط العدالة إما على سبيل الإجمال أو
على سبيل التفصيل، وهذه الشروط هي: الإسلام، البلوغ، العقل، السلامة
من أسباب الفسق، وخوارم المروءة، وسأتعرض فيما يلي لهذه الشروط .
وموقف البخاري منها في صحيحه ومدى التزامه بها.
المطلب الثاني
شروط العدالة وموقف البخاري منها
أولاً - الإسلام:
لا تقبل رواية الكافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما إجماعاً. وقد
(١) ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر - شركة الشهاب، الجزائر، ص١٨.
(٢) انظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث - شرح وتخريج وتعليق محمد محمد عويضة -
دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، ج١ ص٢٦٩.
٧٦

حكى الإجماع على ذلك الغزالي في المستصفى(١) والرازي في المحصول(٢)
وغيرهما .
قال الخطيب البغدادي: ((ويجب أن يكون وقت الأداء مسلماً لأن الله
تعالى قال: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَُّواْ﴾(٣) وإن أعظم الفسق الكفر، فإن
كان خبر الفاسق مردوداً مع صحة اعتقاده فخبر الكافر بذلك أولى (٤)
فالإسلام إذا شرط عند الأداء والتبليغ وليس شرطاً عند التحمل فيصح تحمل
الكافر (وقد ثبتت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل
إسلامهم وأدوها بعده»(٥).
وأضرب أمثلة على ذلك من صحيح البخاري - رحمه الله -:
١ - رواية جبير بن مطعم، التي أخرجها البخاري في صحيحه حيث قال:
((سمعت النبي ◌ّليل قرأ في المغرب بالطور))(٦).
قال الحافظ رحمه الله: ((وللمصنف في المغازي من طريق معمر في
آيره قال: ((وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي)) واستدل به على صحة
أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال
العدالة))(٧).
٢ - وروايته التي أخرجها الإمام البخاري أيضاً، قال رضي الله عنه:
((أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه يوم عرفة فرأيت النبي وَّ واقفاً
(١) المستصفى من علم الأصول - دار الفكر - بيروت - ج١ ص ١٥٦.
(٢) المحصول في علم أصول الفقه: تحقيق د. طه جابر فياض العلواني - ط١ - مطبعة
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ١٤٠٠ هـ، ج٢ ص ٥٦٧.
(٣) سورة الحجرات، الآية: ٦.
(٤) الكفاية في علم الرواية ص٩٩.
(٥) المصدر نفسه .
(٦) أخرجه البخاري في كتاب صفة الصلاة، باب الجهر في المغرب، رقم (٧٦٥)، ج٢
ص٢٨٩ مع الفتح ط دار الريان .
(٧) أحمد بن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري - تحقيق محب الدين
الخطيب - دار الريان للتراث - الطبعة الأولى ١٤٠٧ - ١٩٨٦ بالقاهرة، ج٢ ص ٢٩٠.
٧٧

بعرفات، فقلت: هذا والله من الخمس فما شأنه هاهنا))(١)
قال الحافظ - رحمه الله - بعد أن أورد طرق هذا الحديث - ((وفيه :
أضللت حماراً لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله داخل#
واقفاً بعرفات مع الناس فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك .. ثم
قال الحافظ: أفادت هذه الرواية، أن رواية جبير له لذلك كانت قبل
الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ
في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير))(٢).
٣ - حديث أبي سفيان بقصة هرقل(٣) التي كانت قبل إسلامه فقد رواها
البخاري في صحيحه كاملة في كتاب بدء الوحي ثم قطعها في مواضع
كثيرة مستنبطاً منها في كل مرة حكماً فقهياً أو فائدة جديدة
.
ثانياً - البلوغ:
هذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل،
ثم حالة الأداء والرواية .
ولقد تنازع العلماء والمحدثون قديماً في ذلك، فمنهم من اشترط سناً
معيناً للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف
الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: ((قل من كان يكتب الحديث - على ما:
بلغنا - في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في
عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل
الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة،
ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، رقم (١٦٦٤) ج٣ ص٦٠٢ مع
الفتح ط دار الريان.
(٢) المصدر السابق ج٣ ص٦٠٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب ٦ حديث رقم (٧)، ج١ ص٤٢ - ٤٤
الفتح ط الريان.
مع
٧٨

وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة،
وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب)) (١).
وقد ذهب الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه إلى صحة سماع
الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله: ((باب
متى يصح سماع الصغير؟)» وأورد فيه حدیثین:
أولهما: حديث ابن عباس قال: ((أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ
قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صل# يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت
بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم
ينكر ذلك علي))(٢).
وثانيهما: حديث محمود بن الربيع. قال: ((عقلت من النبي وَل مجة
مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو)) (٣).
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: ((ومقصود الباب الاستدلال على
أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل. وأشار المصنف بهذا إلى الاختلاف وقع
بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، رواه الخطيب في الكفاية عن
عبدالله بن أحمد وغيره أن يحيى قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة
لكون ابن عمر رد يوم أحد إذا لم يبلغها. فبلغ ذلك أحمد فقال: إذا عقل
ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال. ثم أورد الخطيب أشياء مما
حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ذلك
وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد)) (٤).
(١) الكفاية في علم الراوية - تحقيق د.أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي - ط٢ -
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، ص٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٦) ج١
ص٢٠٥.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٧) ج١
ص٢٠٧.
(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج١ ص ٢٠٥.
٧٩

وقال العلامة العيني: ((ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن
البلوغ ليس شرطاً في التحمل)»(١).
ومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح - رحمه الله -
((والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من
المتأخرين ... والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على:
الخصوص، فإن وجدناه مرتفعاً عن حال من لا يعقل فهماً للخطاب ورداً
للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن کان دون خمس. وإن لم يكن
كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين»(٢).
وقال الذهبي (ت٧٤٨هـ) - رحمه الله -: ((واصطلح المحدثون على
جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعاً، وما دونها حضوراً، واستأنسوا بأن
محموداً عقل مجة، ولا دليل فيه، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز))(٣).
وما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار
إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج
أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس،
ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم
وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين
الحسن والحسين رضي الله عنهما.
فالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل
المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (٤).
(١) بدر الدين العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري - دار الفكر، ج٢ ص٦٨.
(٢) ابن الصلاح: علوم الحديث - تحقيق د. نور الدين عتر - ط المكتبة العلمية - بيروت
١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، ص١١٧.
(٣) شمس الدين محمد أحمد الذهبي: الموقظة ((في علم مصطلح الحديث)) . اعتنى به
عبدالفتاح أبو غدة - مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ص٦١.
(٤) انظر السخاوي: فتح المغيث تحقيق محمد محمد عويضة، ج٢ ص١٤ - ١٥.
٨٠

ثالثاً - العقل:
وهو من شروط العدالة المجمع عليها، حكى الإجماع على ذلك
الخطيب البغدادي وغيره من العلماء (١) قال رحمه الله:
((وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحاً يلزم العمل به إلا بعد البلوغ،
ويجب أيضاً أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلاً مميزاً، والذي يدل على
وجوب كونه بالغاً عاقلاً، ما أخبرنا القاضي أبو عمر والقاسم بن جعفر قال
ثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، قال ثنا أبو داود قال ثنا موسى بن إسماعيل
قال ثنا وهيب عن خالد عن أبي الضحى عن عليٍّ عن النبي بَّر قال: ((رفع
القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن
المجنون حتى يعقل)»(٢) ولأن حال الراوي إذا كان طفلًا أو مجنوناً دون حال
الفاسق من المسلمين.
وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو، ويجتنب ذنوباً، ويعتمد قربات،
وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله و 8# والتعمد له ذنب
كبير، وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول
فخبر الطفل والمجنون أولى بذلك، والأمة مع هذا مجتمعة على ما ذكرناه
لا نعرف بينها خلاف فيه)» (٣) .
رابعاً - السلامة من أسباب الفسق:
الفسق هو ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة(٤) وقد أفاض
(١) انظر: الكفاية ص٩٩، وشروط الأئمة الخمسة ص٥٣، وتدريب الراوي: ج١ ص٠ ٣٠.
(٢) رواه أبو داود بنفس لفظ الخطيب من طريق علي رضي الله عنه - في كتاب الحدود،
باب المجنون يسرق أو يصيب حداً ج٤ ص ٥٦٠، رقم (٤٤٠٣) بإسناد حسن، وهو
حديث صحيح بطرقه .
(٣) الكفاية ص٩٩.
(٤) السخاوي: فتح المغيث ج١ ص٣١٥.
٨١